غير قابلٍ للانطباق على الخارج، وإنّما يؤخذ نحو اللحاظ قيداً لنفس العلقة الوضعية المجعولة للواضع، فاستعمال الحرف في الابتداء حالة اللحاظ الاستقلاليّ استعمال في معنىً بلا وضع؛ لأنّ وضعه له مقيّد بغير هذه الحالة، لا استعمال في غير ما وضع له.
والاتّجاه الثاني: ما ذهب إليه مشهور المحقّقين بعد صاحب الكفاية[1]، من أنّ المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ متباينان ذاتاً، وليس الفرق بينهما باختلاف كيفية اللحاظ فقط، بل إنّ الاختلاف في كيفية اللحاظ ناتج عن الاختلاف الذاتي بين المعنيين، على ما سيأتي توضيحه إن شاء اللَّه تعالى.
أمّا الاتّجاه الأوّل فيرد عليه: أنّ البرهان قائم على التغاير السنخيّ والذاتيّ بين معاني الحروف ومعاني الأسماء، وملخّصه: أ نّه لا إشكال في أنّ الصورة الذهنية التي تدلّ عليها جملة (سار زيد من البصرة إلى الكوفة) مترابطة، بمعنى أ نّها تشتمل على معانٍ مرتبطةٍ بعضها ببعض، فلابدّ من افتراض معانٍ رابطةٍ فيها لإيجاد الربط بين (السير) و (زيد) و (البصرة) و (الكوفة).
وهذه المعاني الرابطة إن كانت صفة الربط عرضيةً لها وطارئةً فلا بدّ أن تكون هذه الصفة مستمدّةً من غيرها؛ لأنّ كلّ ما بالعَرَض ينتهي إلى ما بالذات، وبهذا ننتهي إلى معانٍ يكون الربط ذاتياً لها، وليس شيء من المعاني الاسميّة يكون الربط ذاتياً له؛ لأنّ ما كان الربط ذاتياً ومقوّماً له- وبعبارةٍ اخرى عين حقيقته- يستحيل تصوّره مجرّداً عن طرفيه؛ لأنّه مساوق لتجرّده عن الربط، وهو خلف ذاتيّته له.
وكلّ مفهومٍ اسميٍّ قابلٌ لأَنْ يُتصوّر بنفسه مجرّداً عن أيّ ضميمة، وهذا
[1] أجود التقريرات 1: 14- 16، ومقالات الاصول 1: 89- 91، والمحاضرات 1: 59- 67.