ومن هنا ذهب إلى أنّ الأصل في الأمارات أيضاً عدم حجّية مثبتاتها ومدلولاتها الالتزامية، وأنّ مجرّد جعل شيءٍ حجَّةً من باب الأماريّة لا يكفي لإثبات حجِّيته في المدلول الالتزامي.
والصحيح ما عليه المشهور من: أنّ دليل الحجِّية في باب الأمارات يقتضي حجِّية الأمارة في مدلولالتها الالتزامية أيضاً، ولكن ليس ذلك على أساس ما ذكره المحقّق النائينيّ من تفسير، فإنّه فسَّر ذلك بنحوٍ يتناسب مع مبناه في التمييز بين الأمارات والاصول، وقد مرّ بنا سابقاً[1] أ نّه- قدس اللَّه روحه- يميِّز بين الأمارات والاصول بنوع المجعول والمنشأ في أدلّة حجِّيتها، فضابط الأمارة عنده كون مفاد دليل حجِّيتها جعل الطريقية والعلمية، وضابط الأصل كون دليله خالياً من هذا المفاد، وعلى هذا الأساس أراد أن يفسِّر حجِّية مثبتات الأمارات بنفس النكتة التي تُميِّزها عنده عن الاصول، أي نكتة جعل الطريقية.
مع أ نّنا عرفنا سابقاً[2] أنّ هذا ليس هو جوهر الفرق بين الأمارات والاصول، وإنّما هو فرق في مقام الصياغة والإنشاء، ويكون تعبيراً عن فرقٍ جوهريٍّ أعمق، وهو أنّ جعل الحكم الظاهريّ على طبق الأمارة بملاك الأهمّية الناشئة من قوة الاحتمال، وجعل الحكم الظاهري على طبق الأصل بملاك الأهمّية الناشئة من قوة المحتمل، فكلّما جعل الشارع شيئاً حجَّةً بملاك الأهمّية الناشئة من قوة الاحتمال كان أمارة، سواء كان جعله حجّةً بلسان أ نّه علم، أو بلسان الأمر بالجري على وفقه.
[1] تحت عنوان: الأمارات والاصول.
[2] تحت العنوان المذكور.