الاستصحاب أصل أو أمَارة؟
قد عرفنا سابقاً[1] الضابط الحقيقي للتمييز بين الحكم الظاهري في باب الأمارات والحكم الظاهري في باب الاصول، وهو: أ نّه كلّما كان الملحوظ فيه أهمّية المحتمل كان أصلًا، وكلّما كان الملحوظ قوة الاحتمال وكاشفيته محضاً كان المورد أمارة.
وعلى هذا الضوء إذا درسنا الكبرى المجعولة في دليل الاستصحاب واجهنا صعوبةً في تعيين هويّتها ودخولها تحت أحد القسمين؛ وذلك لأنّ إدخالها في نطاق الأمارات يعني افتراض كاشفية الحالة السابقة وقوة احتمال البقاء، مع أنّ هذه الكاشفية لا واقع لها- كما عرفنا في الحلقة السابقة[2]– ولهذا أنكرنا حصول الظنّ بسبب الحالة السابقة. وإدخالها في نطاق الاصول يعني أنّ تفوّق الأحكام المحتملة البقاء على الأحكام المحتملة الحدوث في الأهمّية أوجب إلزام الشارع برعاية الحالة السابقة، مع أنّ الأحكام المحتملة البقاء ليست متعيّنة الهوية والنوعية، فهي تارةً وجوب، واخرى حرمة، وثالثةً إباحة، وكذلك الأمر في ما يحتمل حدوثه، فلا معنى لأن يكون سبب تفضيل الأخذ بالحالة السابقة الاهتمام بنوع الأحكام التي يحتمل بقاؤها.
وبعبارةٍ اخرى: أنّ ملاك الأصل- وهو رعاية أهمّية المحتمل- يتطلّب أن يكون نوع الحكم الملحوظ محدّداً، كما في نوع الحكم الترخيصي الملحوظ في أصالة الحلّ، ونوع الحكم الإلزامي الملحوظ في أصالة الاحتياط. وأمّا إذا كان
[1] في مباحث التمهيد من الجزء الأوّل للحلقة الثالثة، تحت عنوان: الأمارات والاصول.
[2] تحت عنوان: أدلّة الاستصحاب.