وهكذا نستخلص: أنّ الميزان الأساسي لجريان البراءة هو الشكّ في قيود التكليف، وهي تارةً على وزان مفاد كان التامة كالشكّ في وقوع الزلزلة التي هي قيد لوجوب صلاة الآيات. واخرى على وزان مفاد كان الناقصة بالنسبة إلى عنوان الموضوع، كالشكّ في خمرية المائع. وثالثةً على وزان كان الناقصة بالنسبة إلى عنوان المتعلق، كالشكّ في كون الكلام الفلاني كذباً.
استحباب الاحتياط:
عرفنا سابقاً[1] عدم وجوب الاحتياط، ولكنّ ذلك لا يحول دون القول بمطلوبيته شرعاً واستحبابه؛ لِما ورد في الروايات[2] من الترغيب فيه، والكلام في ذلك يقع في نقطتين:
الاولى: في إمكان جعل الاستحباب المولوي على الاحتياط ثبوتاً، إذ قد يقال بعدم إمكانه، فيتعيّن حمل الأمر بالاحتياط على الإرشاد إلى حسنه عقلًا، وذلك لوجهين:
الأول: أ نّه لغو؛ لأنّه إن اريد باستحباب الاحتياط الإلزام به فهو غير معقول. وإن اريد إيجاد محرِّكٍ غير إلزاميٍّ نحوه فهذا حاصل بدون جعل الاستحباب، إذ يكفي فيه نفس التكليف الواقعي المشكوك بضمّ استقلال العقل بحسن الاحتياط واستحقاق الثواب عليه فإنّه محرِّك بمرتبةٍ غير إلزامية.
الثاني: أنّ حسن الاحتياط كحسن الطاعة، وقبح المعصية واقع في مرحلة
[1] ضمن أدلّة البراءة من الكتاب والسنّة.
[2] وسائل الشيعة 27: 154، الباب 12 من أبواب صفات القاضي.