ومنه يظهر الجواب على الاعتراض الثاني؛ لأنّ النكتة مشتركة، مضافاً إلى منع نظر الآية إلى العقوبات الدنيوية، بل سياقها سياق استعراض عدّة قوانين للجزاء الاخروي، إذ وردت في سياق «لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»[1] فإنّ هذا شأن عقوبات اللَّه في الآخرة لا في الدنيا. ولا منشأ لدعوى النظر المذكور إلّا ورود التعبير بصيغة الماضي في قوله «وما كنّا» وهذا بنكتة إفادة الشأنيّة والمناسبة، ولا يتعيّن أنْ يكون بلحاظ النظر إلى الزمان الماضي خاصة.
ولكن يرد على الاستدلال بالآية الكريمة ما تقدّم في الحلقة السابقة[2] من أنّ الرسول إنّما يمكن أخذه كمثالٍ لصدور البيان من الشارع لا للوصول الفعلي، فلا تنطبق الآية في موارد صدوره وعدم وصوله.
ثمّ إنّ البراءة إذا استفيدت من هذه الآية فهي براءة منوطة بعدم قيام دليل على وجوب الاحتياط؛ لأنّ هذا الدليل بمثابة الرسول أيضاً.
ومنها: قوله تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[3]، إذ دلّ على أنّ عدم الوجدان كافٍ في إطلاق العنان.
ويرد عليه:
أولًا: أنّ عدم وجدان النبيّ فيما اوحي اليه يساوق عدم الحرمة واقعاً.
وثانياً: أ نّه إن لم يساوق عدم الحرمة واقعاً فعلى الأقلِّ يساوق عدم صدور
[1] فاطر: 18.
[2] في بحث الاصول العمليّة، تحت عنوان: القاعدة العمليّة الثانويّة في حالة الشكّ.
[3] الأنعام: 145.