أنّه لا يكلِّف بتكليفٍ إلّاإذا آتاه، وإيتاء التكليف معناه عرفاً وصوله إلى المكلّف، فتدلّ الآية على نفي الكلفة من ناحية التكاليف غير الواصلة.
وقد اعترض الشيخ الأنصاريّ رحمه الله[1] على دعوى إطلاق اسم الموصول باستلزامه استعمال الهيئة القائمة بالفعل والمفعول في معنيين؛ لأنّ التكليف بمثابة المفعول المطلق، والمال والفعل بمثابة المفعول به، ونسبة الفعل إلى مفعوله المطلق مغايرة لنسبته إلى المفعول به، فكيف يمكن الجمع بين النسبتين في استعمالٍ واحد؟
وهناك جوابان على هذا الاعتراض:
الأول: ما ذكره المحقّق العراقيّ رحمه الله[2] من أخذ الجامع بين النسبتين.
ويرد عليه: أ نّه إن اريد الجامع الحقيقي بينهما فهو مستحيل؛ لِمَا تقدّم في مبحث المعاني الحرفية[3] من امتناع انتزاع الجامع الحقيقي بين النسب. وإن اريد بذلك افتراض نسبةٍ ثالثةٍ مباينةٍ للنسبتين، إلّاأ نّها تلائم المفعول المطلق والمفعول به معاً فلا معيِّن لإرادتها من الكلام على تقدير تصور نسبةٍ من هذا القبيل.
الثاني: وهو الجواب الصحيح، وحاصله: أنّ مادة الفعل في الآية هي الكُلفة بمعنى الإدانة، ولا يراد بإطلاق اسم الموصول شموله لذلك، بل لذات الحكم الشرعي الذي هو موضوع للإدانة، فهو إذن مفعول به، فلا إشكال.
ثمّ إنّ البراءة التي تستفاد من هذه الآية الكريمة: إن كانت بمعنى نفي الكُلفة بسبب التكليف غير المأتيِّ فلا ينافيها ثبوت الكلفة بسبب وجوب الاحتياط إذا تم
[1] فرائد الاصول 3: 21- 22.
[2] مقالات الاصول 2: 153.
[3] من مباحث تحديد دلالات الدليل الشرعي اللفظي من الجزء الأوّل من الحلقة الثالثة.