حكم العقل بأخذ عدمه قيداً في وجوب الأهمّ، وينتج هذا أنّ الأمر بالأهمّ مطلق، والأمر بالمهمّ مقيّد، وأنّ المكلّف لا بدّ له من الاشتغال بالأهمّ لكي لا يبتلى بمعصية شيءٍ من الأمرين، ولو اشتغل بالمهمّ لابتُلي بمعصية الأمر بالأهمّ.
[أحكام التزاحم:]
ويترتّب على ما ذكرناه من كون القدرة التكوينية بالمعنى الأعمّ شرطاً عاماً في التكليف بحكم العقل عدّة ثمراتٍ مهمّة:
منها: أ نّه كلّما وقع التضادّ بين واجبين بسبب عجز المكلّف عن الجمع بينهما، كالصلاة والإزالة- وتسمّى بحالات التزاحم- فلا ينشأ من ذلك تعارض بين دليلَي وجوب الصلاة ووجوب الإزالة؛ لأنّ الدليل مفاده جعل الحكم على موضوعه الكلّي وضمن قيوده المقدّرة الوجود، كما مرّ بنا في الحلقة السابقة[1]، ومن جملة تلك القيود: القدرة التكوينية بالمعنى الأعمّ المتقدم. ولا يحصل تعارض بين الدليلين إلّافي حالة وجود تنافٍ بين الجعلين، وحيث لا تنافيَ بين جعل وجوب الصلاة المقيّد بالقدرة التكوينية بالمعنى الأعمّ، وجعل وجوب الإزالة المقيّد كذلك فلا تعارض بين الدليلين.
فإن قيل: كيف لا يوجد تعارض بين دليلَي «صلِّ» و «أزل» مع أنّ الأول يقتضي بإطلاقه إيجاب الصلاة، سواء أزال أوْ لا، والثاني يقتضي بإطلاقه إيجاب الإزالة، سواء صلّى أوْ لا، ونتيجة ذلك أن يكون الجمع بين الضدّين مطلوباً؟
كان الجواب على ذلك: أنّ كلًاّ من الدليلين لا إطلاق فيه بحدّ ذاته لحالة الاشتغال بضدٍّ لا يقلّ عنه أهمّية؛ لأنّه مقيّد عقلًا بعدم ذلك، كما تقدم. فإن كان
[1] في بحث التعارض، تحت عنوان: التعارض بين الأدلّة المحرزة.