يتوقّف على حجّية تلك العمومات في العموم، وهذه الحجّية تتوقّف على عدم وجود مخصِّصٍ لها، وعدم وجود مخصِّصٍ يتوقّف على كونها رادعةً عن السيرة، وإِلّا لكانت مخصَّصةً بالسيرة ولسقطت حجّيتها في العموم.
والجواب على ذلك: أنّ توقف الردع بالعمومات على حجّيتها في العموم صحيح، غير أنّ حجّيتها كذلك لا تتوقّف على عدم وجود مخصِّص لها، بل على عدم إحراز المخصِّص، وعدم إحراز المخصِّص حاصل فعلًا مادامت السيرة لم يعلم بإمضائها، فلا دور.
الجواب الثالث: ما ذكره المحقّق الإصفهاني[1] من: أنّ ظهور العمومات المدّعى ردعها لا دليل على حجّيته؛ لأنّ الدليل على حجّية الظهور هو السيرة العقلائية، ومع انعقادها على العمل بخبر الثقة لا يمكن انعقادها على العمل بالظهور المانع عن ذلك؛ لأنّ العمل بالمتناقضين غير معقول.
وهذا الجواب غريب؛ لأنّ انعقاد السيرة على العمل بالظهور معناه انعقادها على اكتشاف مراد المولى بالظهور وتنجّزه بذلك، وهذا لا ينافي استقرار عملٍ آخر لهم على خلاف ما تنجَّز بالظهور، فالعمل العقلائيّ بخبر الثقة ينافي مدلول الظهور في العمومات الناهية، ولا ينافي نفس بنائهم على العمل بهذا الظهور وجعله كاشفاً وحجّة.
فالصحيح في الجواب أن يقال: إنّه إن ادُّعي كون العمومات رادعةً عن سيرة المتشرِّعة المعاصرين للمعصومين من صحابةٍ ومحدِّثين فهذا خلاف الواقع؛ لأ نّنا أثبتنا في التقريب الأول أنّ هذه السيرة كانت قائمةً فعلًا على الرغم من تلك العمومات، وهذا يعني أ نّها لم تكن كافيةً للردع وإقامة الحجّة.
[1] نهاية الدراية 3: 253- 254.