هذا التوهّم أدّى إلى أنّ بعض المفكرين يذهب إلى أنّ الإنسان له دور سلبي فقط حفاظاً على سنن التاريخ وعلى موضوعية هذه السنن. ضحّى باختيار الإنسان من أجل الحفاظ على سنن التاريخ فقال بأنّ الإنسان دوره دور سلبي وليس دوراً إيجابياً، يتحرّك كما تتحرّك الآلة وفقاً لظروفها الموضوعية، ولعله يأتي بعض التفصيل أيضاً عن هذه الفكرة.
وذهب بعض آخر في مقام التوفيق ما بين هاتين الفكرتين ولو ظاهرياً إلى أنّ اختيار الإنسان نفسه هو أيضاً يخضع لسنن التاريخ ولقوانين التاريخ.
لا نضحّي باختيار الإنسان، لكن نقول بأنّ اختيار الإنسان لنفسه حادثة تاريخية أيضاً، إذن هو بدوره يخضع للسنن. هذه تضحية باختيار الإنسان لكن بصورة مبطنة، بصورة غير مكشوفة.
وذهب بعض آخر إلى التضحية بسنن التاريخ لحساب اختيار الإنسان، فذهب جملة من المفكرين الاوروبيين إلى أ نّه مادام الإنسان مختاراً فلابدّ من أن تستثنى الساحة التاريخية من الساحات الكونية في مقام التقنين الموضوعي، لابدّ وأن يقال بأ نّه لا سنن موضوعية للساحة التاريخية حفاظاً على إرادة الإنسان وعلى اختيار الإنسان.
وهذه المواقف كلّها خاطئة؛ لأنّها جميعاً تقوم على ذلك الوهم الخاطئ، وهم الاعتقاد بوجود تناقض أساسي بين مقولة السنة التاريخية ومقولة الاختيار، وهذا التوهّم نشأ من قصر النظر على الشكل الثاني من أشكال السنة التاريخية، أي قصر النظر على السنة التاريخية المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة. لو كنّا نقصر النظر على هذا الشكل من سنن التاريخ، ولو كنّا نقول بأنّ هذا الشكل هو الذي يستوعب كل الساحة التاريخية لا يبقي فراغاً لذي الفراغ، لكان هذا التوهّم وارداً، ولكنّا يمكننا إبطال هذا التوهّم عن طريق الالتفات إلى الشكل