الاستخلاف سنّة من الشكل الثالث:
ونلاحظ أ نّه في هذه الآية الكريمة أيضاً جاءت الإشارة إلى هوية هذه السنّة التاريخية وأ نّها سنّة من الشكل الثالث، سنّة تقبل التحدّي وتقبل العصيان.
ليست من تلك السنن التي لا تقبل التحدّي أبداً ولو لحظة، لا، هي سنة، هي فطرة ولكن هذه الفطرة تقبل التحدي. كيف أشار القرآن الكريم إلى ذلك بعد أن وضّح أ نّها سنّة من سنن التاريخ؟
قال: «وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا» هذه العبارة الأخيرة:
«إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا» تأكيد على طابع هذه السنّة وأنّ هذه السنّة على الرغم من أ نّها سنّة من سنن التاريخ ولكنّها تقبل التحدّي، تقبل أن يقف الإنسان منها موقفاً سلبياً، هذا التعبير يوازي تعبير: «وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» في الآية السابقة.
إذن الآية السابقة استخلصنا منها أنّ الدين سنّة من سنن الحياة ومن سنن التاريخ، ومن هذه الآية نستخلص أنّ صيغة الدين للحياة التي هي عبارة عن العلاقة الاجتماعية الرباعية، العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي يسمّيها القرآن بالخلافة والأمانة والاستخلاف، هذه العلاقة الاجتماعية هي أيضاً بدورها سنة من سنن التاريخ بحسب مفهوم القرآن الكريم.
بل الحقيقة أنّ الآية الاولى والآية الثانية متطابقتان تماماً في مفادهما؛ لأنّه في الآية السابقة قال: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ»[1]. التعبير بالدين القيّم تأكيد على أنّ ما هو الفطرة، وما هو داخل في تكوين الإنسان وتركيبه وفي مسار تاريخه هو الدين
[1] الروم: 30