يمكن أن تتحوّل إلى بناءٍ صالح في المجتمع إذا نبعت عن قلب يعمر بتلك القيم التي تدلّ عليها تلك الكلمات، وإلّا فتبقى الكلمات مجرّد ألفاظ جوفاء دون أن يكون لها مضمون ومحتوى. فمسألة القلب هي المسألة التي تعطي للكلمات معناها، للشعارات أبعادها ولعملية البناء الخارجي أهدافها ومسارها.
المثل الاعلى منطلق لبناء الإنسان
إلى هنا عرفنا أنّ الأساس في حركة التاريخ هو المحتوى الداخلي للإنسان، وهذا المحتوى الداخلي للإنسان يشكّل القاعدة. الآن نتساءل: ما هو الأساس في هذا المحتوى الداخلي نفسه؟ ما هي نقطة البدء في بناء هذا المحتوى الداخلي؟ وما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسانية؟
المحور الذي يستقطب عملية البناء الداخلي للإنسانية هو المثل الأعلى.
عرفنا أنّ المحتوى الداخلي للإنسان يجسّد الغايات التي تحرّك التاريخ، يجسّدها من خلال وجودات ذهنية تمتزج فيها الإرادة بالتفكير، وهذه الغايات التي تحرّك التاريخ يحدّدها المثل الأعلى، فإنّها جميعاً تنبثق عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل أعلى للإنسان في حياته، للجماعة البشرية في حياتها، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدّد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي، فالغايات بأنفسها محرّكات للتاريخ، وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كل تلك الغايات وتعود إليه كل تلك الأهداف. فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً تكون الغايات صالحة وممتدة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً تكون الغايات المنبثقة عنه