الاستيعاب البشري محدودة، هذا أمر طبيعي أمر صحيح وموضوعي.
ولكن الخطير في هذه المسألة أنّ هذه القبضة التي يقبضها الإنسان من المطلق، هذه القبضة، هذه الكومة المحدودة، هذه الومضة من النور التي يقبضها من هذا المطلق، يحوّلها إلى نور السماوات والأرض، يحوّلها إلى مثل أعلى، يحوّلها إلى مطلق.
هنا يكمن الخطر؛ لأنّه حينما يصنع مثله الأعلى وينتزع هذا المثل الأعلى من تصوّر ذهني محدود للمستقبل، لكن يحوّل هذا التصوّر الذهني المحدود إلى مطلق، حينئذٍ هذا المثل الأعلى سوف يخدمه في المرحلة الحاضرة، سوف يهيّئ له إمكانيات النمو بقدر طاقات هذا المثل، بقدر ما يمثّل للمستقبل، بقدر إمكاناته المستقبلية، سوف يحرّك هذا الإنسان وينشّط هذا الإنسان، لكن سرعان ما سوف يصل إلى حدوده القصوى، إلى حدود هذا المثل القصوى، وحينئذٍ سوف يتحوّل هذا المثل نفسه إلى قيد للمسيرة، إلى عائق عن التطور، إلى مجمّد لحركة الإنسان؛ لأنه أصبح مثلًا، أصبح إلهاً، أصبح ديناً، أصبح واقعاً قائماً، وحينئذٍ سوف يكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الإنسان نحو كماله الحقيقي.
تعميم المثل المحدودة:
وهذا المثل الذي يعمّم خطأ، يحوّل من محدود إلى مطلق خطأ. التعميم فيه تارة يكون تعميماً افقياً خاطئاً، واخرى تعميماً زمنياً خاطئاً. هناك تعميمان خاطئان لهذا المثُل: هناك تعميم افقي خاطئ، وهناك تعميم زمني عمودي خاطئ.
التعميم الافقي الخاطئ:
أن ينتزع الإنسان من تصوّره المستقبلي مثلًا ويعتبر أنّ هذا المثل يضمّ كل قيم الإنسان التي يجاهد من أجلها ويناضل في سبيلها، بينما هذا المثل على الرغم من صحته إلّاأ نّه لا يمثّل إلّاجزءاً من هذه القيم. فهذا التعميم تعميم افقي خاطئ.