ودون هذا أو ذاك تلك الأعمال الضيّقة في مفعولها التي لا تعالج إلّاحاجة آنية محدودة، كحاجة هذا الاعمى الذي يتخبّط في طريقه فيخفق قلبك شفقة عليه فتأخذ بيده لترشده إلى الاتجاه الذي يريده .. فهذا عمل نبيل أيضاً ولكنه لا يصل إلى مستوى تلك الأعمال في مقايس الأخلاق الرأسمالية، مادام لا يتمخض عن نتائج مماثلة في أهميّتها وضخامتها.
النظرة الماركسيّة في تقييم العمل:
وأمّا الماركسية: فهي تتفق مع هذا إلى حدّ ما وتختلف عنه بعض الاختلاف. فهي ترى أنّ الصراع الطبقي في داخل كيان المجتمع يجعل مصالح المجتمع متناقضة، فهناك مصالح تدافع عنها الطبقة القديمة التي بدأت تفقد ضرورتها التاريخية وتعرقل القوى المحرّكة للتاريخ، وهناك بازائها مصالح اخرى للطبقة أو الطبقات الجديدة التي نمت جرثومتها على مرّ الزمن، حتى اكتملت ووقفت على قدميها تصارع الطبقة القديمة وجها لوجه، وتطالب بحقوقها ومصالحها. فالمسألة إذن- باستثناء بعض الأعمال الفردية- ليست مسألة عمل نافع وعمل غير نافع، بل مسألة عمل نافع للطبقة الجديدة وعمل لا ينفعها أو يعارضها. فكل عمل يحقّق مصلحة ومكسباً للطبقة الجديدة فهو عمل مجيد يساهم في تطوير التاريخ، وكل عمل يحقّق مصلحة الطبقة القديمة ويعمّق وجودها الاجتماعي ويطيل من فترة صراعها واحتضارها .. فهو عمل رجعي دنيء ما دام لا يتفق مع الاهداف العليا التي تؤمن الماركسية بضرورة تحقيقها، وهي انتصار الطبقة الجديدة وسحق الطبقة القديمة التي تعارض في زحف التاريخ إلى الأمام. فالمصلحة والمنفعة الطبقية التي يحققها العمل هي المقياس الخلقي والأساس في تسعير العمل من الناحية المعنوية.