الحقيقة أنّ هناك اليوم ضرورة أساسية لتحديد هذه النظريات ولتحصيل هذه النظريات، ولا يمكن أن يفترض الاستغناء عن ذلك. النبيّ صلى الله عليه و آله كان يعطي هذه النظريات ولكن من خلال التطبيق، من خلال المناخ القرآني العام الذي كان يبنيه في الحياة الإسلامية، فكان كلّ فرد مسلم في إطار هذا المناخ، كان يفهم هذه النظرية ولو فهماً إجمالياً ارتكازياً؛ لأنّ المناخ والإطار الروحي والإجتماعي والفكري والتربوي الذي وضعه النبي صلى الله عليه و آله كان قادراً على أن يعطي النظرة السليمة، والقدرة السليمة على تقويم المواقف والمواقع والأحداث.
إذا أردنا أن نقرّب هذه الفكرة نقول: قايسوا بين حالتين: حالة إنسان يعيش في داخل عرف لغة من اللغات، وإنسان يريد أن يفهم بأنّ أبناء هذه اللغة، أبناء هذا العرف كيف تنتقل أذهانهم إلى المعاني من الألفاظ؟ وكيف يحدّدون المعاني من الألفاظ؟
هنا توجد حالتان: إحداهما أن نأتي بهذا الإنسان ونجعله يعيش في أعماق هذا العرف، في أعماق هذه اللغة. إذا جعلته يعيش في أعماق هذا العرف وفي أعماق هذه اللغة، واستمرّت به الحياة في أطار هذا العرف وهذه اللغة فترة طويلة من الزمن، سوف يتكوّن لديه الإطار اللغوي، الإطار العرفي الذي يستطيع من خلاله أن يتحرّك ذهنه وفقاً لما يريده العرف واللغة منه؛ لأنّ مدلولات اللغة وقواعد اللغة تكون موجودة وجوداً إجمالياً ارتكازياً في ذهنه. النظرة السليمة، التقييم السليم للكلمة الصحيحة وتمييزها عن الكلمة غير الصحيحة، يكون موجود عنده باعتبار أ نّه عاش عرف اللغة، عاش وجدانها، عاش إطارها، عاش تطبيقها، بينما إذا كان الإنسان خارج مناخ تلك اللغة، خارج عرف تلك اللغة وأردت أن تنشئ في ذهنه القدرة على التمييز اللغوي الصحيح، كيف تستطيع أن تنشئ في ذهنه القدرة على التمييز اللغوي الصحيح؟ يكون ذلك عن طريق الرجوع إلى