أكثر واقعية من العرف الإسلامي الذي يقرّره القرآن، لأنّ المهم قبل كل شيء توفير مصالح المجتمع وحماية هذه المصالح. فكلّ عمل كان يواكب هذا الهدف فهو عمل مجيد من مصلحتنا جميعاً أن نقدره ونمجده لنشجع على الإتيان بمثله، وماذا يهمّنا- بعد أن نصل عن طريقه إلى مكاسب موضوعية- الدافع الذي يختفي وراءه والظروف النفسية التي اكتنفت تصميم العامل على العمل؟! إنّ الشيء الجدير بالتقدير حقاً هو أن يشيد الغني مدرسة لأبنائنا، لأنّ هذا التقدير والإعجاب سوف يشجّعه في عمله فتتضاعف مكاسبنا، ولا يهمّنا أن يكون لهذا الغني طمع شخصي يدفعه، مادام هذا الطمع يدفعه إلى فعل الخير وخدمة المجتمع.
ولكن نظرة سطحية كهذه- تقف عند ظواهر الأعمال ولا تغوص إلى الأعماق- تختلف مع طبيعة الرسالة الإسلامية من ناحية، ومع مفهوم الإسلام من الإرتباط الكامل بين العمل ورصيده الروحي والفكري من ناحية اخرى.
فمن الناحية الأولى: ليس الإسلام مجرد تنظيم للسلوك الخارجي، وإنما هو رسالة تهدف إلى صنع الإنسان قبل كل شيء ومنحه الحياة الجديرة به «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ»[1].
فالإسلام يريد أن يعطي للإنسان حياة لا سلوكاً فحسب، ولا يمكن لرسالة هذه طبيعتها أن تترك المحتوى الداخلي للإنسان وتنظر إليه من مظهره الخارجي فحسب.
ومن الناحية الأخرى: ينظر الإسلام إلى العمل بوصفه التعبير الخارجي عن الإطار الروحي والجوّ الفكري الذي نمت فيه بذرة العمل، فلا يمكن أن يجرّد عن
[1] الأنفال: 24