الحاج، فقال شيبة: في أيدينا مفاتيح الكعبة فنحن خير الناس بعد رسول اللَّه، وقال العباس: في أيدينا سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام فنحن خير الناس بعد الرسول، ومرّ بهم أمير المؤمنين علي عليه السلام وهما في فورة عاطفية، فحدّثاه بحديثهما معبّرين بذلك عن مقاييس الجاهلية ومفاهيمها الخلقية، فابتدرهما هذا الرجل القرآني المدرّب على مفاهيم القرآن واستيعابها في واقع الحياة قائلًا:
ألا أدلّكما على من هو خير منكما؟ قالا له ومن هو؟ فقال: هو الذي أدخلكما في الإسلام وآمن باللَّه وجاهد في سبيله. ولم يرق هذا للعباس وشيبة فاحتكموا عند النبي صلى الله عليه و آله، فأنزل اللَّه الآية المباركة[1] ليؤكد أنّ العمل في إطار الإيمان وبدافع إلهي لا يمكن أن يقارن بأيّ عمل آخر خارج هذا النطاق مهما بدا عظيماً، لأنّ قيمة العمل تنبثق من إطاره ودوافعه لا من مظهره الخارجي ونتائجه.
ولأجل هذا أيضاً حرّم الإسلام الرياء، واعتبر العبادة التي يجرّدها العابد عن الإطار الإيماني والدوافع الإلهية جريمة وشركاً، مهما كان أثرها في المجتمع أو لونها الظاهري. فليس من الغريب- بعد هذا- أن ينقلب عمران المسجد عملًا باطلًا وساقطاً، حين يكون هذا العمران بعيداً عن الإطار والدوافع الإيمانية، كما نجد في قوله تعالى: «ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَ فِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ* إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ».
وكذلك حثّ الإسلام على صدقة السرّ والتكتّم ببعض ألوان البرّ، حرصاً منه على توفير المقوّمات الأساسية للعمل الصالح، فهو يطلب من الفرد أن يبتعد بعمله
[1] تفسير نور الثقلين 2: 193- 194