يتحوّل إلى طبقة، بعد ذلك تتوارث مقاعدها عائلياً أو طبقياً وراثياً بشكل من أشكال الوراثة، وحينئذٍ تصبح هذه الطبقة هي الطبقة المترفة المنعّمة الخالية من الأغراض الكبيرة، المشغولة بهمومها الصغيرة، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: «وَ كَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ»[1]. هؤلاء نتاج آباء، هؤلاء امتداد تاريخي لآباء لهم تاريخ وهم امتداد تاريخي، وهذا الامتداد التاريخي تحوّل من مستوى مُثُل وعطاء إلى مستوى طبقة مترفة تتوارث هذا المقعد بشكل من أشكال التوارث. هذه هي المرحلة الثالثة.
المرحلة الرابعة:
ثمّ حينما تتفتت الامّة، حينما تتمزّق الامّة، حينما تفقد ولاءها لذلك المثل التكراري على ضوء ما قلناه، تدخل في مرحلة رابعة وهي أخطر مراحلها. ففي هذه المرحلة يسيطر عليها مجرموها، يسيطر عليها اناس لا يرعون إلّاً ولا ذمّة، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى: «وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَ ما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ»[2]. حينئذٍ يسيطر مجموعة من هؤلاء المجرمين.
يسيطر (هتلر) والنازية مثلًا في جزء من أوروبا لكي يحطّم كلّ ما في أوروبا من خير وكلّ ما في أوروبا من إبداع، لكي يقضي على كلّ تبعات ذلك المثل الأعلى الذي رفعه الإنسان الاوروبي الحديث، والذي تحوّل بالتدريج إلى مثل تكراري ثمّ تفسّخ هذا المثل لكن بقيت مكاسبه في المجتمع الاوروبي. يأتي شخص كهتلر لكي يمزّق كلّ تلك المكاسب ويقضي على كلّ تلك المكاسب.
[1] الزخرف: 23
[2] الأنعام: 123