ثم في التقادير التي نفرض فيها التعارض بالعموم من وجهٍ بين دليل انفعال الماء القليل ودليل اعتصام الماء النابع لابدّ من تشخيص المرجع بعد تساقط الإطلاقين.
وقد افيد في المستمسك: أنّ المرجع عموم النبويّ الدالّ على اعتصام الماء مطلقاً ولو كان قليلًا ما لم يتغيّر[1]، ومثل النبويّ الذي افيد رواية حريز: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ واشرب»[2].
ولكن قد يقال في مقابل ذلك: إنّه يوجد مرجع فوقيّ في مرتبة ذلك المرجع يدلّ على النجاسة، وهو ما دلّ على انفعال الماء مطلقاً بملاقاة النجاسة، من قبيل رواية عمّار بن موسى، قال: سئل عن ماءٍ شرب منه باز أو صقر أو عقاب، فقال:
«كلّ شيءٍ من الطير يُتوضّأ ممّا يشرب منه، إلّاأن ترى في منقاره دماً، فإن رأيت في منقاره دماً فلا توضّأ منه ولا تشرب»[3]. وسئل عن ماءٍ شربت منه الدجاجة؟ قال: «إن كان في منقارها قذر لم يتوضّأ منه ولم يشرب»[4].
فإنّه يمكن أن يقال: إنّ هذه الرواية تدلّ بإطلاقها على أنّ الماء ينفعل بالقذر، سواء كان قليلًا أو كثيراً، وسواء كان نابعاً أو راكداً. وقد خرج منها الكثير بدليل اعتصام الكرّ. وأمّا القليل النابع فهو مورد التعارض، فيرجع فيه إلى إطلاق الرواية بعد تساقط المتعارضين.
وإذا تمّ دليل على انفعال الماء مطلقاً، ودليل على اعتصام الماء مطلقاً فليس أحدهما أولى بالمرجعية من الآخر بعد تساقط المتعارضين في الماء النابع،
[1] مستمسك العروة الوثقى 1: 134
[2] وسائل الشيعة 1: 137، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1
[3] وسائل الشيعة 1: 230، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحديث 2
[4] المصدر السابق: 231، الحديث 3