وينبغي أن يعلم بهذا الصدد أنّ التغيير الذي اخذ موضوعاً للحكم بالتنجيس ليس المراد منه التغيير الواقعيّ الذي يمكن اكتشافه ولو بالوسائل العلمية الدقيقة، وذلك:
أمّا أوّلًا فلانصراف النصوص في أنفسها عن مثل هذا التغيّر.
وأمّا ثانياً فلأنّ ذلك لا يناسب عدداً من الروايات، كرواية شهاب بن عبدربّه، فإنّه سأل ما هو التغيّر؟ قال: «الصفرة»[1]. مع أ نّه من المعلوم أنّ هناك مراتب من التغيّر الواقعيّ قبل أن يصبح الماء أصفر.
وكذلك الروايات الواردة في ملاقاة الماء المعتصم لعين النجس، من قبيل قوله: «ماء تبول فيه الدوابّ والحمير وبال فيه إنسان»؛ لأنّ من الواضح أنّ وقوع مثل هذه الأعيان النجسة في الماء يوجب مرتبةً من التغيّر الواقعيّ القابل للاكتشاف بالوسائل الدقيقة.
فيعرف من كلّ ذلك أنّ التغيّر بمطلق مراتبه ليس موضوعاً للحكم بالنجاسة، بل موضوع النجاسة هو التغيّر بدرجةٍ يكون بها قابلًا للإحساس والإدراك الحسّي.
وبعد الفراغ عن ذلك يقع البحث في أنّ هذه المرتبة القابلة للإحساس- التي هي موضوع التنجيس- أهي موضوعة له بوجودها الفعلي، أو بوجودها التعليقي، أي أنّ مناط الانفعال حدوث تلك المرتبة من التغيّر فعلًا، أو كونها حادثةً على تقدير؟ وهذا التقدير: إمّا أن يرجع إلى استناد عدم فعلية التغيّر إلى عدم تمامية المقتضي، كما لو كانت النجاسة فاقدةً للصفة. أو إلى استناد عدم فعلية التغيّر إلى فقدان الشرط، كما لو كان من شروط تأثّر رائحة الماء بالميتة درجة معيّنة من
[1] وسائل الشيعة 1: 161- 162، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 11