وهذه الطائفة وإن كانت تامّةً دلالة- كما بيّنّا- وتامّةً موضوعاً- لأنّ الموضوع فيها طبيعيّ الماء، فيتحصّل منها إطلاق يثبت طهارة تمام أقسام المياه- ولكن مع هذا يشكل الاستدلال بها؛ لأنّ المدلول المطابقيّ لها هو الاعتصام، والمدلول الالتزاميّ هو الطهارة الذاتية، ونحن قد علمنا بلحاظ أدلّة عدم اعتصام الماء القليل أنّ هذه الطائفة مخصّصة، وأنّ الماء القليل خارج عن نطاق المدلول المطابقيّ وهو الاعتصام تخصيصاً، وبعد سقوط المدلول المطابقيّ لهذه الطائفة بالنسبة إلى غير المعتصم من المياه فلا يمكن التمسك بمدلوله الالتزاميّ لإثبات الطهارة الذاتية لذلك القسم الذي خرج عن مدلوله المطابقيّ تخصيصاً؛ لأنّ الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحجّية، كما حقّقناه في الاصول[1].
فإذا لم تكن هذه الطائفة حجّةً في إثبات الاعتصام للماء القليل لا تكون حجّةً في إثبات الطهارة الذاتية له، إلّاإذا ضمّ إلى ذلك ارتكازية عدم دخل القلّة والكثرة في أصل النجاسة الذاتية.
ومنها: ما دلّ على الانفعال بالملاقاة أو بالتغيّر[2]، فإنّه يتضمّن لا محالة إفادة الطهارة الذاتية للماء؛ لأنّ ما يكون نجساً بالذات لا معنى للحكم بانفعاله بالملاقاة أو بالتغيّر. ودليل الانفعال بأنحائه يستوعب تمام أقسام المياه؛ لأنّ أدلّة إناطة الانفعال بالتغيّر تشمل بمجموعها مجموع المياه المعتصمة، وأدلّة الانفعال بمجرّد الملاقاة تشمل الماء القليل غير المعتصم.
[1] بحوث في علم الاصول 7: 259- 265
[2] انظر وسائل الشيعة 1: 150، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، و 137، الباب 3 من الأبواب