ومنها: ما دلّ على اعتصام طبيعيّ الماء، وأ نّه لا ينفعل إلّابالتغيّر، من قبيل قوله في صحيح حريز: «كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء واشرب» «1»، فإنّه وإن كان مسوقاً لبيان الاعتصام وعدم الانفعال بمجرّد الملاقاة غير أ نّه يدلّ ضرورةً على ثبوت الطهارة الذاتية للماء في نفسه، إذ لا معنى للاعتصام بدون طهارةٍ ذاتية.
__________________________________________________
– إلّا أنّ هذا الفارق بين المطلق والعامّ غير مؤثّرٍ في المقام، فإنّ خطابات الأمر بالغسل ومُطهِّرية الماء عن القذر وإن كانت دلالتها بالإطلاق لا بالعموم- وقد علمنا من الخارج بعدم مطهّرية الماء النجس، واشتراط الطهارة فيها- غير أ نّا لا نعلم بثبوت ماءٍ نجسٍ خارجاً، بل كلّ ما ينطبق عليه طبيعة الماء نحتمل وجدانه لملاك الحكم وقيده، وهو الطهارة الذاتية، وعليه فلا مانع من التمسّك بالظهور الإطلاقيّ في هذه الخطابات لإثبات طهارة كلّ ماء.
إن قيل: اشتراط الطهارة في المطهّر أمر ارتكازيّ عرفاً ومتشرّعيّاً، فيكون خروج الماء النجس عن دليل المطهّرية بمثابة المخصص المتّصل، لا المنفصل، وعليه فمن أوّل الأمر ظهور الخطاب لم يشمل غير الماء الطاهر، والمفروض الشكّ في انطباقه على الماء المشكوك، فيكون التمسّك به من التمسّك بالعامّ أو المطلق في الشبهة المصداقية لنفسه، لا بينه وبين المخصّص أو المقيّد، وهذا ممّا لا يصحّ بلا إشكال.
قلنا: ارتكازية عدم مطهّرية الماء النجس لا تكون مقيّدةً لإطلاق أدلة مطهّرية المياه بعد افتراض أ نّنا احتملنا طهارة جميع أقسام المياه في نفسها، وأنّ حكم الشارع بالمطهّرية على مطلق المياه كان بملاك إحراز تحقّق قيد الطهارة فيها، فإنّ هذا الظهور الإطلاقيّ يكون رافعاً لموضوع المقيّد، ودالًاّ على أنّ القيد- وهو الطهارة- محفوظ في تمام موارد انطباق الطبيعة المطلقة، وليس منافياً مع نفس التقييد واشتراط الطهارة في المطهّر حتّى يرتفع بعد ثبوت التقييد
(1) وسائل الشيعة 1: 137. الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1