والتحقيق: أنّ ما افيد من اختصاص الآية الكريمة بماء المطر صحيح، بل هو المتعيّن، حتّى بقطع النظر عن نزول الآية في وقعة بدر؛ لما عرفت سابقاً من أنّ قوله تعالى: «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ» قرينة على الاختصاص بماء المطر، وعدم الشمول لسائر أقسام المياه، وإن قيل بأ نّها نازلة من السماء؛ لأنّ مجرّد النزول من السماء بالمعنى المدّعى لتمام أقسام مياه الأرض لا يصحِّح التعبير ب «يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ»، فكون الماء منزّلًا على الناس مساوق لماء المطر بالمعنى المتعارف المقابل لسائر المياه، سواء كانت الآية واردةً في غزوة بدرٍ، أوْ لا.
وأمّا ما افيد من إمكان الاستدلال بالآية على عموم المطهّرية- حتّى على تقدير اختصاصها بماء المطر- فلا يخلو عن نظرٍ بكلا تقريبيه:
أمّا التقريب الأوّل- وهو دعوى أنّ ماء المطر بعد تجمّعه في الغدران حكمه حكم سائر المياه، فإذا ثبتت مطهّريته ثبتت مطهّريتها- ففيه: أنّ المقصود العلميّ من الاستدلال بالآية تحصيل مطلقٍ دالٍّ على المطهّرية، بحيث يرجع إليه في غير ما هو المتيقّن مطهّريته من أقسام المياه، من قبيل ماء البحر الذي وقع الخلاف في مطهّريته في الجملة. ومن المعلوم عدم الجزم بالمساواة في الحكم بين ماء المطر ولو بعد تجمّعه على الأرض، وبين ماء البحر، فكيف يمكن الاستدلال بإطلاق الآية؟!
وأمّا التقريب الثاني- وهو دعوى أنّ الضمير راجع إلى ذات الماء، لا إلى الماء بما هو نازل- فيرد عليه: أنّ مرجع الضمير وإن كان كلمة «السَّماءِ» بذاتها ولكنّ الماء الذي رجع الضمير إليه بعد فرض كونه مفعولًا ل «ينزِّل» يستحيل أن يكون له إطلاق لغير الحصّة المنزّلة، فلو قال شخص لآخر: «ارسل إليك العالم فأكرمه» يكون مرجع الضمير هو العالم، ولكن يستحيل أن يكون لمرجع الضمير إطلاق يشمل الأفراد غير المرسلة من قبل القائل.