وقد أجاب السيّد الاستاذ- دام ظلّه- على اللحاظ الأوّل من هذه الدعوى:
بأنّ المياه كلّها نازلة من السماء[1].
وأجاب على اللحاظ الثاني منها: بأنّ اللسان الامتنانيّ قرينة على عدم الاختصاص بقسمٍ من الماء دون آخر[2]، على النحو الذي تقدّم نقله عنه في الآية الاولى[3].
أمّا ما افيد من الجواب على اللحاظ الأوّل فهو- بعد تسليم أنّ كلّ المياه نازلة من السماء- إنّما يتمّ لو فرض أنّ الآية الكريمة فيها إطلاق يدلّ على مطهّرية كلّ ماءٍ نازلٍ من السماء، من قبيل أن يقال: «إنّ الماء النازل من السماء مطهّر»، فحينئذٍ إذا أمكننا أن نثبت أن كلّ المياه نازلة من السماء أثبتنا بذلك إطلاق الدليل لسائر أقسام المياه.
ولكنّ الكلام في أصل وجود إطلاقٍ في الآية الكريمة يدلّ على أنّ الماء النازل من السماء بتمام أقسامه مطهّر، فإنّ الآية لم ترد بلسان الإخبار عن مطهّرية الماء النازل من السماء لكي ينعقد لها إطلاق في كلّ ماءٍ نازلٍ، بل بلسان الإخبار عن أنّ اللَّه تعالى ينزّل من السماء الماء المطهّر، وكونه ينزّل من السماء الماء المطهّر لا يعني أنّ كلّ ماءٍ ينزل من السماء مطهّر، فهناك فرق- مثلًا- بين أن يقال:
«أكتُب لكم ما فيه شفاء»، أو يقال: «ما أكتبه لكم فيه شفاء»، فإنّ الأوّل لا يدلّ بالإطلاق على أنّ كلّ ما يكتبه القائل فيه شفاء، بخلاف الثاني فإنّه يدل على ذلك بالإطلاق. وتركيب الآية الكريمة من قبيل الأوّل لا من قبيل الثاني، فغاية ما تدل
[1] التنقيح 1: 18
[2] التنقيح 1: 19
[3] تقدّم في الصفحة 32