بالتغيّر». فالعبارة الاولى هي التي تقتضي حكومة رواية حريز على تمام أدلّة الاعتصام، دون العبارة الثانية التي لا تستبطن افتراض حكمٍ مفروغٍ عنه بالاعتصام وعدم الانفعال بالملاقاة، وإنّما تتصدّى هي لبيان ذلك في عرض تصدّيها لبيان أنّ الماء ينفعل بالتغيّر.
العاشر: أنّ دليل اعتصام الكرّ ودليل الانفعال بالتغيّر وإن كانا متعارضين بالعموم من وجهٍ غير أنّ تقديم دليل الانفعال على دليل الاعتصام في مادة التعارض لا يلزم منه إلغاء دليل الاعتصام رأساً، بخلاف تقديم دليل الاعتصام على دليل الانفعال فإنّه يلزم منه إلغاء دليل الانفعال رأساً، وفي حالةٍ من هذا القبيل يقدَّم دليل الانفعال.
وتوضيحه: أنّ مفاد رواية حريز- مثلًا- التي تمثّل دليل الانفعال بالتغيّر هو إناطة النجاسة بالتغيّر، بمعنى: أنّ النجاسة تابعة للتغيّر نفياً وإثباتاً، فالماء لا ينجس بالملاقاة غير المغيِّرة، وينجس بالملاقاة المغيِّرة. وأمّا قوله: «إذا بلغ الماء قدر كرٍّ لا ينجّسه شيء» الذي يمثّل دليل الاعتصام، فله منطوق ومفهوم، ومقتضى إطلاق منطوقه أنّ الكرّ لا ينجس بملاقاة النجس مطلقاً، سواء كانت مغيِّرةً أوْ لا، ومقتضى إطلاق مفهومه أنّ غير الكرّ ينجس بملاقاة النجس، سواء كانت مغيِّرةً أوْ لا[1].
[1] إن قيل:- سوف يأتي( 1)، في محلّه إن شاء اللَّه تعالى- إنّ القضية الشرطية« الماء إذا بلغ قدر كرٍّ لا ينجّسه شيء» ليس لها مفهوم على نحو الموجبة الكلية، وإنّما مفهومها الموجبة الجزئية، وعليه فلا يمكن استفادة الاطلاق من مفهومها لكلٍّ من الانفعال بالملاقاة والانفعال-
( 1) يأتي في الصفحة 429 وما بعدها.
بالتغيّر، إذ لعلّ المقدار المندرج تحت هذا المفهوم الجزئيّ هو الانفعال بالتغيّر فحسب، ومعه لا يكون المفهوم معارضاً مع رواية حريز، بل المعارضة بينها وبين إطلاق المنطوق فقط.
قلنا: إنّنا تارةً نستظهر من كلمة« لا ينجّسه شيء» الإطلاق الأفرادي لكلٍّ من الملاقاة والتغيّر، بمعنى أن يكون التغيّر شيئاً منجّساً على حدّ سائر الأشياء والأفراد المنجّسة، فهنالك لا نستطيع إثبات الإطلاق في المفهوم للملاقاة المغيِّرة وغير المغيِّرة بعد أن كان مفهوم القضية الشرطية جزئيةً لا كلّية، أي:« أنّ الماء إذا لم يبلغ قدر كرٍّ فينجّسه بعض الأشياء»، فلعلّ هذا البعض هو التغيّر.
وتارةً اخرى نقول: إنّ مناسبات الحكم والموضوع تأبى من أن يندرج التغيّر تحت الإطلاق الأفرادي لكلمة« شيء»، باعتبار أنّ المركوز عرفاً في باب الاستقذار والتقذّر كون النجس هو الملاقى النجس، وحتّى في حالات التغيّر يكون الانفعال بالملاقي، ولا يلحظ التغيّر إلّابوصفه مزيد تأثيرٍ للملاقي النجس في الماء.
إذن فكلمة« شيء» في« لا ينجّسه شيء» إطلاقها الأفرادي عبارة عن الأشياء النجسة التي يلاقيها الماء، لا التغيّر، فإنّه ليس فرداً من هذا الإطلاق. نعم، هو مشمول لإطلاقٍ آخر هو الإطلاق الأحواليّ في كلمة« شيء»، حيث إنّ الملاقي المنجّس: تارةً يكون مغيّراً للماء، واخرى لا يكون مغيّراً، ومقتضى الإطلاق الأحواليّ ثبوت الانفعال للماء القليل في كلتا الحالتين.
وهذا الإطلاق ثابت في مفهوم القضية الشرطية، سواء كان مفهومها بلحاظ أفراد النجس كلّياً أو جزئياً، على ما يتّضح ذلك لدى التعرّض إلى النكات الفنية في تحديد مدلول هذه القضية الشرطية منطوقاً ومفهوماً في بحث الماء الراكد إن شاء اللَّه تعالى