الكرِّ قد فني وانعدم لقلّته وضآلته عهدتها على مدّعيها، ولا يمكن التسليم بها، بل إنّ العرف يرى أنّ ذات المضاف لا يزال محفوظاً في الكرّ، وإنّما المستهلَك صفة الإضافة فيه لا ذاته، ومجرّد كونه قليلًا جدّاً بالنسبة إلى الكرِّ لا يصحِّح كونه منعدماً وفانياً في النظر العرفي.
وقولنا: «إنّ المضاف القليل الملقى في الكرّ يستهلك فيه» وإن كان قولًا صحيحاً في نظر العرف ولكنّ العرف لا يعنون بذلك أنّ ذات المضاف قد انعدم انعداماً مطلقاً، إذ فرق بين أن نقول: «إنّ المضاف الملقى منعدم ومستهلك» وبين أن نقول: «إنّه منعدم ومستهلك في الكرّ» بحيث يجعل الكرّ ظرفاً للانعدام والاستهلاك. وما يراه العرف صحيحاً إنّما هو الثاني لا الأوّل، ويَعنُونَ بالاستهلاك في الكرّ: تحوّل خصائصه وصفاته إلى نفس خصائص الكرّ وصفاته، ولهذا يجعل الكرّ ظرفاً لهذا الاستهلاك، لا أ نّه انعدم ذاتاً.
والشاهد على أنّ المنعدم في النظر العرفيّ هو الصفة لا الذات: أ نّا لو فرضنا أنّ القليل الملقى كان متّحداً في الصفة مع الكثير الملقى عليه، بأن نفرض أ نّنا بدلًا عن إلقاء «ربع كيلو» من ماء الرمّان في ماءٍ مطلق كثيرٍ ألقينا «ربع كيلو» من الماء المطلق في ماءٍ مطلقٍ كثير، أو «ربع كيلو» من ماء الورد في ماء الورد الكثير فهل يقال باستهلاك القليل الملقى، أوْ لا؟
فإن قيل بعدم استهلاكه فهذا منبِّه على أ نّنا حينما نلقي «ربع كيلو» من ماءالرمّان في ماءٍ مطلقٍ كثيرٍ لا يستهلك إلّاصفةً، إذ لو كانت الذات تستهلك لقلّتها لم يكن فرق في استهلاكها بين ما إذا كانت من جنس الملقى فيه، أو من غيرجنسه.
وإن قيل بأنّ القليل الملقى في كثيرٍ من جنسه يستهلك ذاتاً أيضاً فهذا خلاف الوجدان العرفي، ويمكن الإتيان بمنبّهاتٍ على هذا الوجدان.