ولكنّ التحقيق: أنّ دليل قاعدة الطهارة في نفسه ليس له إطلاق لموارد الشكّ في بقاء النجاسة، فعدم جريان القاعدة في هذه الموارد لقصور المقتضي، لا لوجود الحاكم، كما سوف ننبّه عليه في مورده.
ونكتة ذلك: أنّ كلمة «قذر» الواردة في قوله: «كلّ شيءٍ نظيف حتّى تعلم أ نّه قذر» مردّدة في حركتها بين أن تكون بالمعنى الوصفي، وأن تكون بمعنى الفعل.
فعلى الأوّل يكون للقاعدة إطلاق لموارد الشكّ في بقاء النجاسة؛ لأنّ محصّلها هو: أنّ كلّ ما لا يعلم بأ نّه موصوف بالقذارة فهو نظيف، وهذا يشمل مايشكّ في بقاء النجاسة.
وعلى الثاني لا يكون للقاعدة إطلاق لموارد الشكّ في بقاء النجاسة؛ لأنّ محصّلها: أنّ كلّ شيءٍ نظيف حتّى يعلم بحدوث القذارة فيه، والشيء الذي يعلم بنجاسته سابقاً يعلم بحدوث القذارة فيه، فالغاية المجعولة لقاعدة الطهارة على هذا التقدير معلومة الحصول فلا تشمله القاعدة.
وحيث إنّ كلمة «قذر» غير متعيّنة في أحد الوجهين؛ لأنّ الذال قد تكون مكسورةً مع فتح ما قبلها فتكون بالمعنى الوصفي، وقد تكون مضمومةً مع فتح ماقبلها فتصلح أن يراد بها الفعل، فيكون الدليل مجملًا، وبالأخرة لا ينعقد له إطلاق لموارد الشكّ في بقاء النجاسة، فعدم الشمول لهذه الموارد لقصور المقتضي، فلا يمكن الرجوع إلى قاعدة الطهارة.
وإذا تعذّر الرجوع إلى الاستصحاب وقاعدة الطهارة معاً فلا بدّ من الانتقال إلى المرتبة الثالثة من الاصول، أي الاصول الحكمية الجارية في مرتبة آثار الطهارة وأحكامها، كأصالة البراءة عن حرمة الأكل، وفي هذه المرتبة لا بدّ من التفصيل.