کتابخانه
73

إذا استطعنا أن نفسِّر التصوّرات الذهنية تفسيراً متماسكاً من دون حاجة إلى افتراض أفكار فطرية.

ولأجل ذلك يمكننا تفنيد النظرية العقلية عن طريقين:

أحدهما: تحليل الإدراك تحليلًا يرجعه برمّته إلى الحسّ، وييسّر فهم كيفية تولّد التصوّرات كافّة عنه. فإنّ مثل هذا التحليل يجعل نظرية الأفكار الفطرية بلا مبرّر مطلقاً؛ لأنّها كانت ترتكز على فصل بعض المعاني عن مجال الحسّ فصلًا نهائياً، فإذا أمكن تعميم الحسّ لشتّى ميادين التصوّر لم تبقَ ضرورة للتصوّرات الفطرية. وهذا الطريق هو الذي اتّخذه (جون لوك) للردّ على (ديكارت) ونحوه من العقليين، وسار عليه رجال المبدأ الحسّي مثل (باركلي) و (دافيد هيوم) بعد ذلك.

والطريق الآخر: هو الاسلوب الفلسفي للردّ على التصوّرات الفطرية، ويرتكز على قاعدة: أنّ الآثار الكثيرة لا يمكن أن تصدر عن البسيط باعتباره بسيطاً، والنفس بسيطة فلا يمكن أن تكون سبباً بصورة فطرية لعدّة من التصوّرات والأفكار، بل يجب أن يكون وجود هذا العدد الضخم من الإدراكات لدى النفس بسبب عوامل خارجية كثيرة، وهي آلات الحسّ وما يطرأ عليها من مختلف الأحاسيس‏[1].

 

[1] وبكلمة أكثر تفصيلًا: أنّ كثرة الآثار تكشف عن أحد امور: إمّا كثرة الفاعل، وإمّا كثرة القابل، وإمّا الترتّب المنطقي بين الآثار ذواتها، وإمّا كثرة الشرائط. وفي مسألتنا لا شكّ في أنّ التصوّرات التي نبحث عن منشأها كثيرة ومتنوّعة مع أ نّه لا كثرة في الفاعل والقابل؛ لأنّ الفاعل والقابل للتصوّرات هو النفس، والنفس بسيطة، ولا ترتّب- أيضاً- بين التصوّرات، فلا يبقى إلّاأن نأخذ بالتفسير الأخير وهو: أن تستند التصوّرات الكثيرة إلى شرائط خارجية، وهي: الإحساسات المختلفة المتنوّعة.( المؤلّف قدس سره)

72
2- النظرية العقلية:

وهي لعدّة من كبار فلاسفة اوروبا ك (ديكارت‏[1]) و (كانت‏[2]) وغيرهما.

وتتلخّص هذه النظرية في الاعتقاد بوجود منبعين للتصوّرات:

أحدهما الإحساس، فنحن نتصوّر الحرارة والنور والطعم والصوت؛ لأجل إحساسنا بذلك كلّه.

والآخر الفطرة، بمعنى: أنّ الذهن البشري يملك معانٍ وتصوّرات لم تنبثق عن الحسّ، وإنّما هي ثابتة في صميم الفطرة، فالنفس تستنبط من ذاتها. وهذه التصوّرات الفطرية عند (ديكارت) هي فكرة (اللَّه والنفس والامتداد والحركة) وما إليها من أفكار تتميّز بالوضوح الكامل في العقل البشري. وأمّا عند (كانت) فالجانب الصوري للإدراكات والعلوم الإنسانية كلّه فطري بما يشتمل عليه من صورتي الزمان والمكان والمقولات الاثنتي عشر المعروفة عنه.

فالحسّ على أساس هذه النظرية مصدر فهم للتصوّرات والأفكار البسيطة، ولكنّه ليس هو السبب الوحيد، بل هناك الفطرة التي تبعث في الذهن طائفة من التصوّرات.

والذي اضطرّ العقليين إلى اتّخاذ هذه النظرية في تعليل التصوّرات البشرية هو: أ نّهم لم يجدوا لطائفة من المعاني والتصوّرات مبرّراً لانبثاقها عن الحسّ؛ لأ نّها معانٍ غير محسوسة، فيجب أن تكون مستنبطة للنفس استنباطاً ذاتياً من صميمها. ويتّضح من هذا: أنّ الدافع الفلسفي إلى وضع النظرية العقلية يزول تماما

 

[1] راجع: مدخل إلى فلسفة ديكارت: 109- 114

[2] راجع: كانت أو الفلسفة النقديّة، د. زكريا إبراهيم: 46- 82

71

في نطاق الحسّ، وإنّما تتعلّق بتلك الحقائق الكلّية المجرّدة.
وهذه النظرية ترتكز على قضيّتين فلسفيتين:
إحداهما أنّ النفس موجودة قبل وجود البدن في عالم أسمى من المادّة.
والاخرى أنّ الإدراك العقلي عبارة عن إدراك الحقائق المجرّدة الثابتة في ذلك العالم الأسمى، والتي يصطلح عليها أفلاطون بكلمة (المُثل).
وكلتا القضيّتين خاطئتان كما أوضح ذلك ناقدو الفلسفة الأفلاطونية، فالنفس في مفهومها الفلسفي المعقول ليست شيئاً موجوداً بصورة مجرّدة قبل وجود البدن، بل هي نتاج حركة جوهرية في المادّة، تبدأ النفس بها مادّية متّصفة بخصائص المادّة وخاضعة لقوانينها، وتصبح بالحركة والتكامل وجوداً مجرّداً عن المادّة لا يتّصف بصفاتها ولا يخضع لقوانينها وإن كان خاضعاً لقوانين الوجود العامّة؛ فإنّ هذا المفهوم الفلسفي عن النفس هو المفهوم الوحيد الذي يستطيع أن يفسِّر المشكلة، ويعطي إيضاحاً معقولًا عن العلاقة القائمة بين النفس والمادّة، بين النفس والبدن. وأمّا المفهوم الأفلاطوني- الذي يفترض للنفس وجوداً سابقاً على البدن- فهو أعجز ما يكون عن تفسير هذه العلاقة، وتعليل الارتباط القائم بين البدن والنفس، وعن إيضاح الظروف التي جعلت النفس تهبط من مستواها إلى المستوى المادّي.
كما أنّ الإدراك العقلي يمكن إيضاحه مع إبعاد فكرة المُثل عن مجال البحث بما شرحه أرسطو في فلسفته: من أنّ المعاني المحسوسة هي نفسها المعاني العامّة التي يدركها العقل بعد تجريدها عن الخصائص المميّزة للأفراد واستبقاء المعنى المشترك، فليس الإنسان العامّ الذي ندركه حقيقة مثالية سبق أن شاهدناها في عالم أسمى، بل هو صورة هذا الإنسان أو ذاك بعد إجراء عملية التجريد عليها، واستخلاص المعنى العامّ منها.

70
1- نظرية الاستذكار الأفلاطونية[1]:

وهي النظرية القائلة: بأنّ الإدراك عملية استذكار للمعلومات السابقة. وقد ابتدع هذه النظرية أفلاطون، وأقامها على فلسفته الخاصّة عن المُثل وقِدم النفس الإنسانية، فكان يعتقد أنّ النفس الإنسانية موجودة بصورة مستقلّة عن البدن قبل وجوده، ولمّا كان وجودها هذا متحرّراً من المادّة وقيودها تحرّراً كاملًا، اتيح لها الاتّصال بالمثل أي: بالحقائق المجرّدة عن المادّة وأمكنها العلم بها، وحين اضطرّت إلى الهبوط من عالمها المجرّد للاتّصال بالبدن والارتباط به في دنيا المادّة، فقدت بسبب ذلك كلّ ما كانت تعلمه من تلك المثل والحقائق الثابتة، وذهلت عنها ذهولًا تامّاً، ولكنّها تبدأ باسترجاع إدراكاتها عن طريق الإحساس بالمعاني الخاصّة والأشياء الجزئية؛ لأنّ هذه المعاني والأشياء كلّها ظلال وانعكاسات لتلك المثل والحقائق الأزلية الخالدة في العالم الذي كانت تعيش النفس فيه. فمتى أحسّت بمعنى خاصّ انتقلت فوراً إلى الحقيقة المثالية التي كانت تدركها قبل اتّصالها بالبدن، وعلى هذا الأساس يكون إدراكنا للإنسان العام- أي:

لمفهوم الإنسان بصورة كلّية- عبارة عن استذكار لحقيقة مجرّدة كنّا قد غفلنا عنها، وإنّما استذكرناها بسبب الإحساس بهذا الإنسان الخاصّ أو ذاك من الأفراد التي تعكس في عالم المادّة تلك الحقيقة المجرّدة.

فالتصوّرات العامّة سابقة على الإحساس، ولا يقوم الإحساس إلّابعملية استرجاع واستذكار لها، والإدراكات العقلية لا تتعلّق بالامور الجزئية التي تدخل‏

 

[1] يراجع للتفصيل والتوضيح الأسفار الأربعة 2: 46 الفصل 9، و: أفلاطون، د. مصطفى غالب: 41، و: من الفلسفة اليونانيّة إلى الفلسفة الإسلاميّة، د. محمّد عبد الرحمن مرحبا: 126- 130

69

التصوّر ومصدره الأساسي‏

ونقصد بكلمة (الأساسي) المصدر الحقيقي للتصوّرات والإدراكات البسيطة؛ ذلك أنّ الذهن البشري ينطوي على قسمين من التصوّرات:
أحدهما المعاني التصوّرية البسيطة، كمعاني الوجود والوحدة والحرارة والبياض وما إلى ذلك من مفردات للتصوّر البشري.
والقسم الآخر المعاني المركّبة، أي: التصوّرات الناتجة عن الجمع بين تلك التصوّرات البسيطة. فقد نتصوّر (جبلًا من تراب) ونتصوّر (قطعة من الذهب) ثمّ نركّب بين هذين التصوّرين، فيحصل بالتركيب تصوّر ثالث، وهو: (تصوّر جبل من الذهب). فهذا التصوّر مركّب في الحقيقة من التصوّرين الأوّلين، وهكذا ترجع جميع التصوّرات المركّبة إلى مفردات تصوّرية بسيطة.
والمسألة التي نعالجها هي: محاولة معرفة المصدر الحقيقي لهذه المفردات، وسبب انبثاق هذه التصوّرات البسيطة في الإدراك الإنساني.
وهذه المسألة لها تأريخ مهمّ في جميع أدوار الفلسفة اليونانية والإسلامية والاوروبية، وقد حصلت عبر تأريخها الفلسفي على عدّة حلول تتلخّص في النظريات الآتية:

68

ويجب أن نعرف قبل كلّ شي‏ء أنّ الإدراك ينقسم بصورة رئيسية إلى نوعين: أحدهما التصوّر، وهو: الإدراك الساذَج. والآخر التصديق، وهو:

الإدراك المنطوي على حكم. فالتصوّر، كتصوّرنا لمعنى الحرارة أو النور أو الصوت. والتصديق، كتصديقنا بأنّ الحرارة طاقة مستورَدة من الشمس، وأنّ الشمس أنور من القمر، وأنّ الذرّة قابلة للانفجار[1].

ونبدأ الآن بالتصوّرات البشرية لدرس أسبابها ومصادرها، ونتناول بعد ذلك التصديقات والمعارف.

 

[1] ولبعض الفلاسفة الحسّيين( كجون ستوارت ميل) نظرية خاصّة في التصديق حاولوا بها تفسيره بتصوّرين متداعيين. فمردّ التصديق إلى قوانين تداعي المعاني، وليس المحتوى النفسي إلّاتصوّر الموضوع وتصوّر المحمول.

ولكنّ الحقيقة: أنّ تداعي المعاني يختلف عن طبيعة التصديق كلّ الاختلاف، فهو قد يتحقّق في كثير من المجالات ولا يوجد تصديق، فالرجال التأريخيون الذين تسبغ عليهم الأساطير ألواناً من البطولات يقترن تصوّرهم في ذهننا بتصوّر تلك البطولات، وتتداعى‏ التصوّرات، ومع ذلك فقد لا نصدّق بشي‏ء من تلك الأساطير. فالتصديق- إذن- عنصر جديد يمتاز على التصوّر الخالص، وعدم التمييز بين التصوّر والتصديق في عِدّة من الدراسات الفلسفية الحديثة، أدّى إلى جملة من الأخطاء، وجعل عِدّة من الفلاسفة يدرسون مسألة تعليل المعرفة والإدراك من دون أن يضعوا فارقاً بين التصوّر والتصديق. وستعرف أنّ النظرية الإسلامية تفصِّل بينهما، وتشرح المسألة في كلّ منهما باسلوب خاصّ.( المؤلّف قدس سره)

67

تدور حول المعرفة الإنسانية مناقشات فلسفية حادّة تحتلّ مركزاً رئيسياً في الفلسفة وخاصّة الفلسفة الحديثة، فهي نقطة الانطلاق الفلسفي لإقامة فلسفة متماسكة عن الكون والعالم، فما لم تُحدَّد مصادر الفكر البشري ومقاييسه وقيمه لا يمكن القيام بأيّة دراسة مهما كان لونها.
وإحدى تلك المناقشات الضخمة هي: المناقشة التي تتناول مصادر المعرفة ومنابعها الأساسية بالبحث والدرس، وتحاول أن تستكشف الركائز الأوّلية للكيان الفكري الجبّار الذي تملكه البشرية. فتجيب بذلك على هذا السؤال: كيف نشأت المعرفة عند الإنسان؟ وكيف تكوّنت حياته العقلية بكلّ ما تزخر به من أفكار ومفاهيم؟ وما هو المصدر الذي يمدّ الإنسان بذلك السيل من الفكر والإدراك؟
إنّ الإنسان- كلّ إنسان- يعلم أشياء عديدة في حياته، وتتعدّد في نفسه ألوان من التفكير والإدراك، ولا شكّ في أنّ كثيراً من المعارف الإنسانية ينشأ بعضها عن بعض، فيستعين الإنسان بمعرفة سابقة على تكوين معرفة جديدة.
والمسألة هي: أن نضع يدنا على الخيوط الأوّلية للتفكير، على الينبوع العامّ للإدراك بصورة عامّة.

66

65

1- نظريّة المعرفة

 

المصدر الأساسي للمعرفة

التصوّر ومصدره الأساسي.
التصديق ومصدره الأساسي.