الإدراك من وجهة نظر الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ادراک از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: علی سائلی

مقدمة

الشهيد الجليل، الفقيه المبتكر، الفيلسوف المفكر، الحكيم الرباني، الأصولي العميق آية الله العظمى سيد محمد باقر الصدر من العلماء الموثوقين الذين كانوا منذ الطفولة في طلب العلم الخالص والنقي، حتى أن الله الوهاب في ظل جهوده المخلصة وكفاحه المجاهد منذ البداية، ذاق له شهد العلم الحلو. إذا اختُصر حياة الشهيد آية الله الصدر في كلمتين، فهما: العلم والمجاهدة.

التناغم الحقيقي بين هذين المفهومين يدل على أن علمه كان ميراث الأولياء والأنبياء، ومجاهده كانت نابعة من الفكر والتأمل، ومن المعتقدات الدينية، ومبنية على الأهداف والآمال الفطرية والباطنية التي نمت وتسامت في ظل العلم والمعرفة الدينية.

كان الشهيد الصدر متمكناً وذو رأي في جميع العلوم الحوزوية، وكان لديه رؤية ونظرة استثنائية تجاه المسائل المختلفة؛ حتى أنه استطاع بنبوغه العجيب أن يبتكر ويبدع في العلوم الحوزوية المتنوعة. أفكاره السامية والجديدة في علم الأصول دفعته إلى إعداد دورة جديدة في الأصول بتبويب وتأليف مبتكر وبمفاهيم وأساليب خاصة. وقد قام بعمل مماثل في المدارس الاقتصادية بطريقة مقارنة، وفي الفلسفة أظهر ذلك أيضاً. كان الشهيد الصدر إنساناً روحانياً وعارفاً لا يفكر إلا بالله. كانت روحه الطاهرة لا تنسجم مع هذه الأرض ولا ترتبط بمظاهر هذه الدنيا. كان معاشه مع الذكر والأدعية. ذكر الله كان رأس ماله الأبدي الذي أبقاه قائمًا ومجتهدًا. انصراف روحه الملكوتية إلى عالم الجبروت جعله لا يكون لديه دافع مادي أو دنيوي في أعماله، وكان يكتفي بمعيشة بسيطة وحياة خالية من التكلّف، مكرسًا نفسه ومتفرغًا للتقرب والسمو. كما قال شيخ الرئيس في نمطه الصوفي في كتاب الإشارات: العارف جوادٌ فكيف لا وهو بمعزل عن محبه الباطل؛ العارف كريم وسخي، فكيف لا يكون كذلك وهو بعيد عن محبة هذا العالم الباطل.

في ظل هذا التصوف الإلهي وهذه الروحانية السامية، كان الشهيد الصدر يمتلك روحًا لطيفة ونفسًا رقيقة، تجلت في محبته لأهل البيت وعشقه لهم. كانت مودته الخاصة لأئمة المعصومين؟عهم؟ تجلّياً لذلك التصوف الذي جعله مولعًا وعاشقًا.

لم يستطع الشهيد الصدر، بسبب علمه وتصوفه، أن يبقى غير مبالٍ بالبيئة المحيطة به، ولا أن يكون غير مهتم بالأحداث والوقائع من حوله. لم تكن نظرته إلى القضايا سطحية أو ظاهرية، بل كان ينتبه إلى الأسباب والجذور، وينظر إلى الظواهر الاجتماعية من منظور عالم متخصص ومثقف. لذلك استطاع أن يدرك نقاط الضعف الاجتماعية في مجتمعه، وكذلك عيوب الدروس الحوزوية السائدة. وكتب لكل ضعف من تلك الضعف كتابًا، وبيّن الطرق الصحيحة لمواجهة تلك العيوب. كانت هذه الآلام الداخلية والهموم هي التي جعلته مولعًا وواضحًا في حب الإمام الخميني؟ره؟ مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران؛ لأنه وجد فيه كل ما كان يفكر فيه حيًا وكاملاً. كان يعلم أنه يجب أن يجتهد علميًا لمواجهة الأفكار الإلحادية، فقام بتحليل ودراسة المذاهب الإلحادية، وفي مجال المذاهب الاقتصادية والفلسفية، أعد دروسًا عن التقاليد التاريخية في القرآن لحل الشبهات والرد على التفسيرات المنحرفة. وأظهر هذا الدافع المضاد للانحراف في كتاباته الأخرى مثل فدك، فلسفتنا، اقتصادنا، الأسس المنطقية للاستقراء، نظامنا، مجتمعنا، الفتاوى الواضحة، غاية الفكر، المعالم الجديدة، دروس في علم الأصول، بحث حول الولاية، بحث حول المهدي(عجالمدرسة الإسلامية، وعدد من الكتب والمقالات الأخرى.

إلى جانب كل الدروس والنقاشات المدرسية، وكل التدريس والتأليف، كان الشهيد الصدر مجاهدًا صلبًا ومصلحًا حريصًا وشجاعًا في لباس الاجتهاد. حتى الآن، قلّما استطاع مجتهد أو مقاتل أن يجمع بين العلم والمجاهدة، لكنه كان كذلك، وفي النهاية ختم كل جهوده ومجاهده باستشهاده، وأكدها بدمه الطاهر. كما قال الإمام الراحل بعبارة جميلة:

«صلوات وسلام الله ورسوله على الأرواح الطاهرة للشهداء، خصوصًا شهداء الحوزات والروحانيين.

تحية لحاملي أمانة الوحي والرسالة، للحراس الشهداء الذين حملوا أركان عظمة وفخر الثورة الإسلامية على أكتاف التزامهم الأحمر والدموي.

سلام على صانعي الملحمة الدائمة للروحانيين الذين كتبوا رسالتهم العلمية والعملية حتى لحظة الشهادة وعلى ظهر دمائهم، وجعلوا من شمعة حياتهم جوهرة مضيئة على منابر الهداية والوعظ والخطابة للناس.

فخر وثناء على شهداء الحوزات والروحانيين الذين في لحظة القتال قطعوا رباط تعلقهم بالدروس والبحث والمدرسة، وخلعوا عقال أماني الدنيا من أقدام حقيقة العلم، وطاروا خفيفي الأجنحة إلى ضيافة الملائكة، وغنوا في مجلس الملكوت قصيدة الحضور.

سلام على الذين تقدموا في طلب الفقه حتى كشف الحقيقة، وأصبحوا منذرين صادقين لقومهم وأمتهم، حيث شهدت قطرات دمائهم وأشلاء أجسادهم الممزقة على صدق حديثهم، ولا يُنتظر من روحانيي الإسلام والتشيع الحقيقيين إلا هذا: أن يكونوا أول الضحايا في الدعوة إلى الحق وطريق النضال الدموي للشعب، وأن يكون ختم دفترهم الشهادة.

أولئك الذين أدركوا حلقة ذكر العارفين ودعاء السحر لمناجاة الحوزات والروحانيين، لم يروا في فلسفة حضورهم أمنية سوى الشهادة، ولم يطلبوا من عطايا الله في ضيافة الخلوص والتقرب سوى هبة الشهادة.

بالطبع لم يصل جميع الشغوفين والطالبين إلى مراد الشهادة. فبعضهم مثل حالتي قضى عمره في ظلمات الحصون والحجب، ولم يجد في بيت العمل والحياة سوى ورق وكتاب الغرور، وآخر قد مزق صدره الأسود من الشهوات في أول ليلة يلدائية للحياة، وعقد عقد الوصال والشهادة مع فجر الحب، وأما أنا الغافل، الذي لم أخرج بعد من كتم العدم إلى الوجود، فكيف لي أن أصف قافلة سالكي الوجود؟ نحن ومن على شاكلتي لا نسمع من هذه القافلة سوى صوت الجرس، فدعني أترك وأمرّ.

لا شك أن الحوزات العلمية والعلماء المتعهدين كانوا عبر تاريخ الإسلام والتشيع أهم القواعد الصلبة للإسلام في مواجهة الهجمات والانحرافات والزيغ. لقد بذل كبار علماء الإسلام جهدهم طوال حياتهم لنشر مسائل الحلال والحرام الإلهية دون تحريف أو تدخل.

لو لم يكن الفقهاء الأعزاء، لما كان معلومًا اليوم أي العلوم تُقدم للجماهير تحت مسمى علوم القرآن والإسلام وأهل البيت؟عهم؟.

جمع وحفظ علوم القرآن وآثار وأحاديث النبي الكريم وسنة وسيرة المعصومين؟عهم؟، وتسجيلها وتصنيفها وتنقيحها في ظروف كانت الإمكانيات فيها شحيحة، بينما السلاطين والظالمون يبذلون كل ما في وسعهم لمحو آثار الرسالة، لم يكن أمرًا يسيرًا، والحمد لله نرى اليوم ثمرة تلك الجهود في آثار وكتب مباركة مثل كتب الأربعة وكتب المتقدمين والمتأخرين في الفقه والفلسفة والرياضيات والفلك والأصول والكلام والحديث والرجال والتفسير والأدب والتصوف واللغة وجميع فروع العلوم المتنوعة([۱]).

من بين كتب وكتابات الشهيد آية الله صدر في سن التاسعة والعشرين([۲])، كتاب فلسفتنا الذي يقارن بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة المادية والماركسية. حاول المؤلف الكريم في هذا الكتاب توضيح النقاط الأساسية والجذرية للاختلاف بين الفلسفة الإلهية والفلسفة الإلحادية، وفي ضوئها يمنح القارئ القدرة على التمييز بين الحق والباطل واختيارهما. كما ذكر ودرس المدارس الفلسفية المختلفة وعلم النفس والنظريات المتنوعة للعلوم التجريبية في مختلف التخصصات، مما أضاف إلى شمولية وموثوقية الكتاب.

من أهم أقسام هذا الكتاب قسم الإدراك، حيث بيّن الشهيد الكبير نظريته الفلسفية في هذا الشأن، وهو محور ما يلي من المقال، ولكن قبل الدخول في النقاش، من الضروري التنبيه إلى بعض النقاط:

 

بعض النقاط
  1. نظام الخلق قائم على سنة العلية والمعلولية، وعلى أساس القدرات والاستعدادات، حيث خلق كل موجود بطريقة خاصة وفي هندسة محددة تمامًا، ووضع لكل واحد طريقًا إلى الله سبحانه وتعالى، بحيث إذا سلكه وصل إلى الغاية والهدف من خلقه.

سر الاختلافات ورمز التباينات التي تكمن في تلك السنة والأساس المذكور، جعل شكل وطريقة سلوك المخلوقات في طريقها مختلفة ومتنوعة، ولذلك كل واحد يسلك الصراط المستقيم بطريقة مناسبة لنظام وجوده وبما يتوافق مع تنظيم كينونته. خصوصية الإنسان تقتضي ألا تكون جميع احتياجاته ومتطلباته متوفرة فيه، بل على الأقل يجب أن تُكتسب وتُحصّل الأجزاء المهمة والمصيرية منه بالجهد والسعي، مع أن الأساس والمادة الخام للاكتساب والتحصيل كامنة فيه فطريًا وجبليًا.

لذا، الإنسان لا يملك كل ما كُلف به في ذاته، لكن جوهر ذلك مختلط ومندمج مع وجوده وطبيعته.

  1. في الحالات التي يمتلك فيها موجود ما شروط الهداية والدلالة المطلوبة واللازمة والكافية في ذاته، فإنه يسلك المسير الإلهي ولا يحتاج إلى الهدايات والدلالات الخارجية؛ ولكن المخلوقات مثل الإنسان التي لا تملك في ذاتها كل الشروط واللوازم، تكون مضطرة وحتمًا بحاجة إلى الهدايات والدلالات الخارجية حتى لا يبقى الصراط المستقيم مجهولًا وغير معروف. هذه المخلوقات بطبيعة الحال تمتلك اختيارًا وإرادة، وتُفرض عليها الواجبات والأحكام التي تحتوي على سعادتهم ونجاتهم، كمكمل ومتمم للهدايات والدلالات الباطنية، من خلال الأديان والشرائع من الخارج.

من خلال دراسة دقيقة لطريقة وشكل تطور الإنسان وارتقائه يتضح أنه مرتبط بثلاث مسائل:

أ ـ لا يجد الإنسان كل ما يحتاجه لسعادته في ذاته بشكل فعلي. فهو ليس كالنحلة أو النملة التي تسير منذ الولادة في مسار محدد وواضح، وتصدر غرائزها الأوامر اللازمة خطوة بخطوة؛ بل يخزن في ذاته الكليات والأسس والمبادئ التي لا تتضح إلا عندما تصبح دقيقة ومحددة، ولهذا يكون الوصول إلى الطريق له صعبًا وشاقًا جدًا.

ب ـ الحكمة والفلسفة من هذه الهداية المجملة والكليّة هي توفير من جهة مجال للاختيار والإرادة الواعية، ومن جهة أخرى تحقيق تطور وارتقاء أقوى وأشد وأعمق؛ لأن التطور الذي يتحقق عبر جذب متضاد ورغبات مختلفة مع اختيار وإرادة واعية، يكون أسمى وأفضل من التطور الذي يتم بدون هذا الجهد والمجاهدة.

ج ـ استحالة نقض الغرض والإخلال بالهدف من جانب الله الحكيم تستلزم ضرورة بعثة الأنبياء، وبواسطة البعثة تكتمل حلقة الهداية والدلالة للإنسان بشكل تام وكامل.

  1. الإنسان، لعدم امتلاكه الهداية الفعلية في بنيته الوجودية وتنظيمه الداخلي، وتكمل هذه الهداية تأتي عن طريق الأديان السماوية والشرائع الإلهية، يكنّ للدين احترامًا عميقًا في قلبه وروحه، ويعتبره دائمًا مقدسًا. وفي هذا السياق، الإسلام الذي هو تجلٍّ وظهور لجميع تلك الأديان والشرائع، جذب اهتمام الإنسان ورغبته بشدة؛ لأنه يعتبر الإسلام رغبة داخلية وطلبًا فطريًا، ويرى فيه تحقيق سعادته ممكنًا. سواء اعتبرنا الإسلام تفصيلًا لذلك الإجمال الفطري أو نتيجة لتلك الرغبات والميول العميقة والجذرية، يبقى دور الدين والإسلام بارزًا وأساسيًا.
  2. تطور الإنسان وارتقاؤه، الذي يمر عبر جاذبيات متضادة ويتمتع بموهبة الاختيار والحرية، يحمل بطبيعته مخاطر وأضرار بل وخسائر أيضًا. لا يمكن، رغم كل الجهود والجهادات التي بذلها الأنبياء والأولياء والصالحون في كل عصر، توقع نجاح كامل أو نتيجة تامة؛ لأنه إذا لم نقل إن الإنسان يخرج منتصرًا من هذا الميدان بنفس النسبة التي ينهزم فيها، على الأقل هناك عدد قليل من ضعيفي القدرات وغير الأكفاء الذين ينجرفون وراء بريق الجاذبيات وتغلب عليهم الميول الخاطئة، فيختارون طريق الضلال مذلولين لا مكرمين. تعاليم الأنبياء كانت ثقيلة وصعبة على كثير من الناس فامتنعوا عنها، والتاريخ يروي نماذج كثيرة من هذه الحوادث. ومن بين هؤلاء، لم يكتفِ بعضهم بالانحراف، بل تجاوز ذلك وسعوا إلى حكم الباطل وتحقيق مطالبهم غير المشروعة، فغُوِيَوا هم وأضلوا آخرين، وأوجدوا ساحات صراع مع الحق.
  3. الإسلام، أجمل تجلٍّ للدين، لم ينجُ من خطر المعارضين؛ فقد واجه منذ البداية أعداءً وأصحاب قلوب سوداء لا يرضون أبدًا بالخضوع للحق. وبالطبع، لا يقتصر أعداء الدين الحقيقيون على المعارضين المعاندين فقط؛ بل يمكن تصنيفهم إلى ثلاث مجموعات: الغلاة، المبطلين، والجهلاء. كما نقل الكليني عن الإمام الصادق؟ع؟ قوله:

«إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظًا وافرًا، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه؟ فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولًا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين([۳])؛

العلماء هم ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا مالًا من ذهب أو فضة، بل ورثوا أحاديث من أحاديثهم. ومن أخذ شيئًا منها فقد نال نصيبًا وافرًا. فانظروا من تأخذون علمكم منه؛ لأن في أهل بيتنا في كل عصر خلفاء عادلين ينفون عن العلم تحريف الغلاة وانتحال المبطلين وتأويل الجهلاء».

الغلاة هم الذين يبالغون في التعامل مع المعصومين؟عهم؟ ويغلوون فيهم؛ والمبطلون هم الذين يسعون لإبطال الدين وإطفاء نوره؛ والجهلاء هم الذين يفتقرون إلى العقل والفهم الكافي، ومع ذلك يريدون تفسير كل المعارف السامية والعرشية للدين بعقولهم الصغيرة.

الإمام؟ع؟ يرى أن كل من هذه المجموعات الثلاث يشكل خطرًا على المجتمع الإسلامي: الغلاة يحرفون الشريعة عن مسارها ويثبتون ما لا يليق بالله لعبده؛ المبطلون يحاولون نسب المعارف الثمينة والمغذية للدين لأنفسهم ويبعدون الناس عن الإسلام ويقودونهم نحو أنفسهم؛ الجهلاء يفسرون الآيات والأحاديث بمعانٍ وأفكار لا ترضي الدين ولم يظهر الدين أصلاً لمواجهتها.

  1. الدور البارز والمميز للعالم الديني، وارث علوم الأنبياء، هو السلوك والتصرف على مثالهم. وعندما يقول الإمام؟ع؟ إن من نال جزءًا من تلك العلوم والمعارف فقد نال نصيبًا وافرًا، يتضح أن درجة قرب العلماء من الأنبياء تعتمد على مقدار ما أخذوه من علوم ومعارف أهل البيت؛ وبالتالي، كلما استفاد الإنسان أكثر من هذه العلوم والمعارف، كان أقرب إلى أهل البيت، وحينئذ تبدأ مسؤوليته والتزامه تجاه تحريف الغلاة، وانتحال المبطلين، وتأويل الجهلاء.

من أقوال أمير المؤمنين؟ع؟ في نهج البلاغة يُستفاد أن لا شيء يحول بين الإنسان والعهود الإلهية سوى الجهل والغباء؛ فالجهل هو ما يردع الإنسان عن المسؤوليات الروحية والالتزامات السماوية، وبمجرد أن يصبح عالماً وواعياً بالحقائق والوقائع، يبدأ عهده وميثاقه مع الرب.

ويقول في جزء من خطبة الشقشقية:

«لولا.. وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم؛ ولو لم يكن… العهد الذي أخذه الله تعالى على العلماء ألا يرضوا بسير الظالم والجوعان للمظلوم».

على هذا الأساس، لا يمكن لعالم ديني بطبيعته وذاته أن يصمت أمام الإسلام والمجتمع المسلم والمخاطر التي تهددهم، ولا أن يمرّ بلا مبالاة بجميع تلك المخاطر؛ ولا أن يصمت أمام ظلم الظالمين، ولا أن يحفظ نفسه أمام القتل والنهب، ولا أن يكون غير مبالٍ أمام الفساد الأخلاقي والاجتماعي، ولا أن يفتقر إلى القلق والغيرة أمام الغزو الثقافي ونهب الثقافة الإسلامية من قبل الأجانب… فإذا بدا أن العالم والديني على الظاهر يمتلك مثل هذا الصمت والهدوء ولم يتحرك خطوة، فإن الأدلة والقرائن تشير قطعاً إلى أن رأس ماله ليس العلم، بل هو علم زائف؛ مثل السراب الذي لا يمتلك خصائص ومزايا الماء، لكنه يشبه الماء. نعم، العلم الزائف لا يمتلك خصائص وسمات العلم، ولا يثير في النفس الحماس للحركة والشوق للقيام، ولا يخلق الفرح بالصراخ، ولا حب السيادة الإلهية. العلم والوعي الحقيقيان اللذان ينبعان من جوهر الدين هما الخط الأحمر للشهادة والتضحية بالنفس في سبيل الله.

 

العلم والإدراك في الفلسفة الإسلامية وكتاب فلسفتنا

في الفلسفة الإسلامية، يحتل العلم والإدراك مكانة رفيعة. ورغم أن الحكماء الإسلاميين لم يجمعوا ويدرسوا جميع مباحث العلم في مكان واحد، إلا أنهم تناولوا الموضوع بعمق في مناسبات مختلفة وأدوا حقه. ربما إذا تم تحليل وتفسير موضوع العلم والإدراك، أو بمعنى آخر المعرفة والإدراك، بشكل مستقل، وتم التركيز على جوانب هذا الموضوع بشكل مستقل وجمع متطلبات وتسلسلات المباحث، يمكن القول بثقة إن فلسفة جديدة ستتبلور، حيث سيكون تقديم وتأخير مباحث الفلسفة الحالية من طريقة إلى أخرى على الأقل تغييراً في الشكل. كما سيحدث تغيير جذري في طريقة النظر إلى المباحث الفلسفية وطريقة الدخول والخروج منها، وكيفية تنظيم المبادئ والأسس الفلسفية والفروع والتوابع؛ لكن حالياً موضوع المعرفة منتشر في أبواب وفصول فلسفية مختلفة. وهذا يعود في المقام الأول إلى طبيعة وجود العلم والإدراك التي تتحمل مناقشة المباحث المختلفة من زوايا متعددة، وفي الوقت نفسه تحافظ على وحدتها.

أحياناً يُناقش العلم والإدراك في الفلسفة من حيث دراسة طبيعتهما، حيث لا بد من الدخول إلى مبحث المقولات العشر لمعرفة أي من المعقولات الأولية العشر يمكن أن يكون جنس الأجناس للعلم، بحيث يمتلك العلم المدرج تحت ذلك الجنس خصائصه وسماته، ويكون قابلاً للحمل بين ذلك المقرر والعلم بطريقة الحمل الصناعي الشائع. والمألوف والشائع في هذا المجال أن مناقشة العلم والإدراك تقع ضمن تقسيمات الكيف، في قسم الكيف النفسي وبجانب سائر شؤون النفس مثل الإرادة واللذة والألم وبقية الحالات النفسية.

وأحياناً يُدرج العلم والإدراك ضمن مباحث النفس، حيث تُدرس مراتب وأنواع العلم، وقد وضع صدر المتألهين معظم ما يتعلق بالعلم في هذه المباحث النفسية. كما تناول أحياناً موضوع اتحاد العاقل والمعقول، وأحياناً في مباحث الاعتبارات المتعلقة بالماهية، وأحياناً أثناء مناقشة المعقولات الثانوية، وكذلك في جزء كبير من مباحث الوجود الذهني، تم التطرق إلى العلم والمعرفة.

في بابين من هذه المباحث، يُطرح موضوع تجرد العلم والعالم وعدم ماديتهما: أحدهما في مبحث الوجود الذهني، والآخر في مبحث اتحاد العاقل والمعقول. أشار آية الله الشهيد صدر إلى هذه الأبواب في القسم الأخير من كتاب فلسفتنا الذي يحمل عنوان «الإدراك»، ودخل في هذا النقاش بنفس طريقته الخاصة، محاولاً اختيار وذكر ما يناسب النقاش من بين الأدلة المتعددة التي قدمها الحكماء لتجرد العلم والإدراك. ولكن طريقة النقاش لا تسمح له بتقديم الأدلة كما في الكتب الفلسفية وبالأسلوب المعتاد في أبواب الفلسفة، بل في ذروة الصراع العلمي وأفضل جدال، وأثناء طرح النظريات النفسية المادية ونقل أقوال مؤيدي الطبيعة والمادية للعلم والإدراك، يعرض الأدلة واحدة تلو الأخرى؛ كأنه يشارك في مناظرة حضورية وطاولة مستديرة فلسفية، وبذلك يعزز تأثير الأدلة ونفوذ أقوال الحكماء ويجعلها أكثر حيوية.

ثم بعد إثبات تجرد المعرفة ورفض النظريات المادية، يتناول تجرد العالم (تجرد النفس) ويعرف تجرد العالم كأحد لوازم تجرد العلم، ويعتبر تجرد أحدهما دون الآخر أمراً مستحيلاً وممتنعاً.

بعد ذلك يستنتج من ثنائية الإنسان، الروح والجسد، ويسعى إلى الربط بينهما، وينتقد باختصار وبشكل عابر الآراء التي لا تحلل العلاقة بين الروح والجسد بعمق، ويتبنى هو نفسه، تبعاً للحكيم الشهير الإمام الصدري صدر المتألهين الشيرازي، حدوث الروح والعلاقة التفاعلية بين الروح والجسد.

كما يذكر الشهيد في خضم هذه المباحث العقلية والفلسفية، خطوة بخطوة، وجهات النظر المادية – الماركسية، ويهاجمها برهانية، وفي النهاية يثبت بطلان النظريات المادية بطريقة علمية.

ونظراً لاتساع المباحث التي تناولها الشهيد الجليل، ولارتباط كل منها بمجال علمي خاص، وبسبب الإيجاز في هذا المقال، سنتناول فقط ثلاثة مواضيع: تجرد العلم، تجرد العالم، وحدوث الروح، ونعرض وجهة نظر الشهيد صدر في كل منها.

 

١) تجرد العلم

في الكتابات الفلسفية والكلامية، وُجدت أدلة كثيرة لإثبات تجرد العلم والإدراك، والتي حسب عدّ بعض أصحاب الرأي تجاوزت السبعين دليلاً([۴])، وكل دليل يتألف من حد وسط، ومبادئ، ومقدمات خاصة. بعض هذه الأدلة عقلية خالصة، ولم يُستخدم في أي من مقدمات القياس النقل أو الشريعة أو العلوم التجريبية، وبعضها الآخر يستعين بالمقدمات النقلية، وبعضها يستعين بالعلوم التجريبية كمقدمة أولى. صدر المتألهين في المجلد الثامن من أسفار، الذي يتعلق بمباحث سفر النفس، ذكر أحد عشر دليلاً لإثبات تجرد النفس، ثم تناول البراهين السمعية والنقلية. وكذلك حاج ملاهادي سبزواري في أسرار الحكم أورد أربعة عشر دليلاً وشرحها؛ لكن كل هذه الأدلة والبراهين لإثبات تجرد النفس (العالم) وليست لتجرد المعرفة والإدراك، لذا لم يشِر الشهيد العظيم آية الله صدر إلى أي منها، وطرح من البداية تجرد العلم والمعرفة، وإذا أثبت تجرد العالم في سياق البحث، فقد فعل ذلك عبر تجرد العلم، وليس أنه استدل على تجرد العالم والنفس بشكل مستقل.

في بحث الوجود الذهني في المجلد الأول من أسفار، يدخل صدر المتألهين تلقائياً في إثبات تجرد العلم والإدراك لإثبات الوجود الذهني ودحض الاعتراضات عليه، ويثبت تجرد الإدراك في مرحلة العلم الخيالي والإدراك المثالي. الشهيد صدر يذكر دليلين لإثبات تجرد العلم والإدراك، الأول منهما مستلهم ومستفاد من مباحث الوجود الذهني في أسفار. يقول في كتابه الشريف فلسفتنا في مبحث «الإدراك في مفهومه الفلسفي»:

«بعد أن تمّ بحث حقيقة الإدراك وعلاقته بالعلوم المختلفة، نناقش الإدراك من الناحية الفلسفية، وفق الطريقة المتبعة في فلسفة علم النفس. بمعنى أننا نأخذ الحقائق العلمية والمسلمات التجريبية، ونبحثها في ضوء القوانين والمبادئ التي تُستخدم في الفلسفة لاستنتاج حقيقة جديدة تتجاوز الحقائق التي تم الحصول عليها من خلال التجربة. سابقاً أظهرنا أن الإدراك العقلي، وهو صورة تُرى بالعين، كان موضوع نقاش بين الماديين والمتافيزيقيين، ونبدأ نقاشنا بهذا المثال ونقول إن الماديين يرون هذا الإدراك العقلي مادياً، والمتافيزيقيون يرونه مجرداً عن المادة.

المفهوم الفلسفي للإدراك عندنا يقوم على مبدأين:

الأول: أن الصورة المدركة لها خصائص هندسية.

الثاني: أن الصورة العقلية التي تُدرك تبقى ثابتة دائماً، ولا تتغير وفق التغيرات التي تحدث في الصورة المنعكسة».

كما يُلاحظ، يتناول بوضوح دليلين، الأول متعلق بمباحث الوجود الذهني. ولتوضيح الأمر، نشرح ذلك.

 

مسألة الوجود الذهني

أوضح وأوضح الإدراكات لدى الإنسان هي الإدراكات الحسية التي تتحقق عبر الحواس الخمس. الماديون لا يرون الإدراكات والمعارف الحسية إلا كأفعال وتفاعلات مادية (فيزيائية، كيميائية، وفسيولوجية) ولا يعتقدون أنها شيء آخر، وهم يظنون أن الإدراكات الحسية مساوية تماماً لتلك الأفعال والتفاعلات المادية. ولكن إذا فكرنا في هذا الموضوع بعمق ودرسنا حالات مختلفة من الإدراكات الحسية، سنعلم أن الإدراكات الحسية ليست مساوية تماماً لتلك الأفعال والتفاعلات المادية، بل في هذا النوع من الإدراكات، هناك مقدار مؤكد من الأفعال والتفاعلات المادية، لكنه بمثابة مقدمة وسبب تمهيدي؛ أي أن هذه الأفعال والتفاعلات المادية التي لا يمكن إنكارها، هي مقدمة ومهيئة لتحقيق الإدراكات الحسية في نفس وقت نشاط الحواس الخمس وبعده.

للأسف، هذا الإهمال واستبدال مقدمات الإدراكات بالإدراكات نفسها، جعل الماديين يعتبرون الأفعال والتفاعلات الجسدية هي الإدراك ذاته، ونتيجة لذلك، عندما يقول الإلهيون والحكماء إن الإدراك مجرد وغير مادي، يظنون أن الإلهيين والحكماء إما يعتبرون الأفعال والتفاعلات المادية مجردة، أو أن هناك تعارضاً وصراعاً بين التفكير الفلسفي والإلهي وبين معطيات العلوم التجريبية؛ بحيث يجب إما التفكير فلسفياً وإلهياً مع إنكار العلوم التجريبية، أو إذا أردنا أن نكون مؤيدين للعلوم التجريبية، يجب التخلي عن التوجهات الدينية والفلسفية.

الشهيد الرفيع القدر آية الله صدر في هذا النقاش المختصر عن الإدراك يلفت الانتباه إلى هذه النقطة مراراً؛ كأنه إذا استطاع توضيحها، فقد نجح في تنبيه الماديين إلى خطأهم.

في البداية، وبعد ذكر أقوال ماركس، إنجلز، جورج بوليتسر وروجيه جارودي، يقول: «المفهوم الفلسفي للإدراك ليس المفهوم الوحيد الذي يُناقش ويُبحث، بل الإدراك بشكل عام هو ملتقى نقاشات وأبحاث متنوعة، ولكل منها مفهوم خاص يمكنه حل إحدى المشكلات المختلفة وكشف جانب من أسرار الحياة الفكرية والعقلانية للإنسان بالغموض والتعقيد الذي يحيط بالإدراك، وفوق كل المفاهيم العلمية للإدراك، يوجد المفهوم الفلسفي له، وهو موضوع الصراع بين الماديين والمتافيزيقيين.

لذا، موضوع الإدراك هو موضوع يُناقش ويُبحث من الناحيتين الفلسفية والعلمية بأشكال مختلفة.

الكثير من الكتاب والباحثين وقعوا في خطأ، ولم يميزوا بين الجوانب الفلسفية والعلمية المختلفة للإدراك، وبناءً عليه ظن الماديون أن الإدراك من حيث المفهوم الفلسفي وفق اعتقاد المتافيزيقيين لا يتوافق مع الإدراك في مفاهيمه العلمية.

لهذا السبب، حاول جورج بوليتسر كما رأينا إثبات مادية الإدراك من حيث المفهوم الفلسفي بأدلة من العلوم الطبيعية. وبعض الماديين الآخرين بذلوا نفس الجهد. لذلك، من الضروري تحديد المفهوم الفلسفي للإدراك لإثبات:

أولاً، لا ينبغي الخلط بين المفهوم الفلسفي والمفاهيم العلمية للإدراك.

ثانيًا، لا ينبغي اتهام الميتافيزيقيات بأن حقائقها وقواعدها الميتافيزيقية لا تتوافق مع المبادئ والمعايير العلمية.

لذا يجب تنقية حساب الإدراك من الناحية العامة وتوضيح أشكاله العلمية المختلفة حتى يتبين جيدًا ما هي نقاط الخلاف بيننا وبين الماديين بشكل عام والماركسيين بشكل خاص؟

كما يجب أن يتضح أن الجوانب التي قد تُناقش من الناحية العلمية تتعارض تمامًا مع الجانب الفلسفي للإدراك، ولا يستطيع الماديون اعتبار الجوانب العلمية للإدراك دليلًا على ماديته من الناحية الفلسفية وإظهارها في النزاع الفكري الذي يخوضونه مع الميتافيزيقيين ـ أي البحث في المفهوم العام الفلسفي للإدراك. لقد أشرنا سابقًا إلى الجوانب المختلفة الموجودة في نقاش الإدراك من حيث النقاشات العلمية، ونتيجة لذلك، كل علم يدرس جانبًا خاصًا من الإدراك.

بل إن الخلاف في المدارس العلمية الواحدة قد يكون مصدرًا لجوانب متعددة في الإدراك؛ لأن كل علم من العلوم المختلفة والمدارس المتنوعة ينظر إلى الإدراك من زاوية خاصة. ففي نقاشات الفيزياء والكيمياء تُدرس وتُعنى جوانب خاصة من الإدراك، وكذلك في الفسيولوجيا وعلم النفس مع مدارسها المختلفة مثل أصالة الداخل، وأصالة السلوك، وأصالة الفعل، يتم دراستها بطريقة خاصة([۵])».

بعد أن تم بحث الإدراك من حيث العلوم والمدارس المختلفة وحصلنا على مفاهيمه العلمية، من الضروري أيضًا من الناحية الفلسفية دراسة مفهومه ومناقشة ما إذا كانت طبيعة الإدراك طبيعة مادية تقع في الجهاز العصبي للإنسان، أم هي حالة روحية مجردة تمامًا عن المادة؟

يقول الشهيد الصدر في نقاش الإدراك على مستوى الفسيولوجيا بعد توضيح التفاعلات المادية والجسدية:

«من الواضح أن الفيزياء والكيمياء والفسيولوجيا بكل وسائلها العلمية وطرقها التجريبية والاختبارية لا تستطيع إلا توضيح عمليات الجهاز العصبي والتغيرات التي تحدث فيه، لكنها لا تستطيع تفسير حقيقة الإدراك من الناحية الفلسفية؛ لأنها لا تستطيع إثبات أن العمليات والتغيرات الخاصة التي تحدث هي عين الإدراكات التي تُستمد من التجارب الحسية، والحقيقة هي أن العمليات الفيزيائية والكيميائية والفسيولوجية مرتبطة بالإدراك والحياة الروحية للإنسان وتلعب دورًا مهمًا في هذا المجال. كما أنها لا تستطيع بأي حال أن تكون دليلًا على مادية الإدراك (كما ظن الماديون)؛ لأن القول بأن الإدراك شيء يسبق أو يتبع سلسلة من العمليات الفيزيائية أو الكيميائية أو الفسيولوجية، يختلف عن القول بأن الإدراك أحد الظواهر المادية وأن المادة بعد بلوغها مرحلة معينة من التطور تحصل عليه (كما يقول الماديون). لذلك، لا تستطيع العلوم الطبيعية في نطاق دراساتها العلمية أن تستخلص مفهوم الإدراك من الناحية الفلسفية، وقد حاول أنصار مذهب أصالة السلوك في علم النفس تفسير الإدراك من خلال اكتشافات الفسيولوجيا، خصوصًا من خلال الانعكاسات الشرطية.

ومن البديهي أن تطبيق الانعكاس الشرطي على الحياة النفسية للإنسان سيؤدي إلى طرح نظرية ميكانيكية خالصة للحياة النفسية للإنسان([۶])».

 

أقسام العلم

كان كبار المنطق والفلسفة منذ القدم يقسمون العلم إلى قسمين: العلم الحصولي والعلم الحضوري. العلم الحصولي هو أن يدرك الإنسان شيئًا خارجيًا من خلال صورته أو مفهومه. بعبارة أخرى، الشيء نفسه لا يكون في نفس أو ذهن أو روح الإنسان، بل تكون صورة أو مفهوم الشيء حاضرة لدى العقل؛ مثل علمنا بجبل أحد أو بالملائكة الذين لا يحضرون في ذهننا، بل نعلمهم دائمًا من خلال المفهوم الذهني.

أما العلم الحضوري فهو العلم الذي يكون فيه الشيء نفسه حاضرًا في نفس العالِم بلا صورة أو مفهوم؛ مثل علمنا بأنفسنا أو بحالات النفس كالإرادة واللذة والألم والشجاعة والإيمان؛ فعندما يصاب الإنسان بالألم، لا يمكن القول إن مفهوم أو صورة الألم في ذهنه، لأن مفهوم أو صورة الألم لا يجعل الإنسان متألمًا. وبعبارة أدق، مثلاً تصور ألم الأسنان لا يجعل الإنسان يعاني من ألم الأسنان، بل حضور الألم نفسه هو الذي يشكل هذا العلم. وبالطبع يمكن للإنسان أن يفهم صورة ألم الأسنان الماضية ومفهوم الألم، وفي هذه الحالة يكون العلم حصوليًا، ولكن عندما يدرك ألم الأسنان حضورًا، يكون علمه حضوريًا.

وينقسم العلم الحصولي بدوره إلى أربعة أقسام: حسي، وخيالي، ووهمي، وعقلي.

العلم الحسي أو الإحساس بالمصطلح الفلسفي هو العلم والإدراك لشيء جزئي خارجي بواسطة الحواس الخمس، مثل رؤية منظر أو سماع صوت شخص مقابل.

الإدراك الخيالي هو إدراك أمر جزئي خارجي دون أن يكون أي من الحواس الخمس مرتبطًا به؛ مثلاً إذا أردت الآن إدراك شخص غير حاضر لديك، تستحضر صورته في ذهنك، وفي الوقت نفسه لا يكون أي من حواسك مرتبطًا به.

الإدراك الوهمي هو إدراك المعاني الجزئية؛ أي أولًا: ليس صورة، بل معنى. ثانيًا: لا يمكن لأي من الحواس أن يتصل به؛ مثل إدراك محبة الأب، وعداوة العدو، أو إدراك الإيمان والتقوى والشجاعة من شخص معين، أو الحسد والبخل لديه.

ومن البديهي أنه في هذا النوع من الإدراكات لا يدرك ذهن الإنسان صورة؛ لأن المحبة والعداوة والإيمان والتقوى والشجاعة والحسد والبخل وما شابهها أساسًا لا شكل لها ولا صورة. لذلك في تعريف الإدراك الوهمي، تُطرح المعاني الجزئية لا الصور الجزئية. كما نؤكد أن هذا النوع من الإدراك رغم تعلقه بالمعاني، فهو جزئي؛ لذا في الأمثلة المذكورة وردت كلمات مثل “نفسه” أو “شخص معين” التي تدل على الجزئية.

الإدراك العقلي هو إدراك المعاني الكلية؛ أي من جهة هو إدراك المعاني لا الصور، فهو يختلف عن الإدراك الخيالي، ومن جهة أخرى هو إدراك الكليات لا الجزئيات، فهو يختلف عن الإدراك الحسي والخيالي والوهمي، ومن جهة ثالثة، لا علاقة له بالأدوات الحسية بأي شكل من الأشكال.

كثير من العلماء الكبار لأنهم يرون الوهم عقلًا ساقطًا ومنخفضًا، لا يذكرون الوهم، ويختصرون مجموع الإدراكات في ثلاثة أقسام. كما أن الحكيم صدر المتألهين قد اعتبر في البداية أنواع الإدراكات أربعة أقسام ثم قال:

«في الواقع يمكن القول إن الإدراك ثلاثة أنواع. لأن العوالم لها ثلاث مراتب، وكل واحد من إدراكات الإنسان يتناسب مع إحدى تلك المراتب، والوهم هو في الحقيقة العقل الذي نزل من مرتبته([۷])».

 

بين الإدراك الحسي والخيالي، رغم أن كلاهما جزئي، يوجد اختلاف جوهري بخلاف ما ورد في تعريفهما، وهو أن الإدراك الحسي دائمًا يتم بوضع واتجاه ومكان خاص. بمعنى أنه للإدراك الحسي يجب أن يكون المدرك له علاقة خاصة مع الحواس الخمس واتجاهًا معينًا بالنسبة للإنسان ومكانًا محددًا، أما في الإدراك الخيالي فلا يشترط أي من هذه الأمور.

كان الحكماء الإسلاميون قديماً عمومًا يؤمنون بتجرد الإدراكات العقلية، وكل الأدلة التي ذكرها العلماء لتجرد العلم كانت موجهة نحو الإدراكات العقلية، وبالنسبة لتجرد الإدراكات الأخرى كانوا إما صامتين أو معارضين، مثل المشائين الذين كانوا يرون الإدراكات الحسية والخيالية مادية.

الحكيم صدر المتألهين في عدة مجلدات من أسفار، خصوصًا المجلد الأول والثامن، طرح بوضوح تجرد العلم والإدراك الخيالي ثم برهن عليه. النقطة المهمة أن العلامة الطباطبائي في كتبه بداية الحكمة ونهاية الحكمة وكذلك في حواشيه على أسفار قال إن الفرق الجوهري بين الإدراك الحسي والخيالي غير موجود. أن تكون الأدوات الحسية في الإدراك الحسي نشطة ويحتاج إلى وضع واتجاه ومكان خاص، وفي الإدراك الخيالي لا يحتاج ذلك، لا يخلق فرقًا جوهريًا بين النوعين. أساسًا الإدراك الحسي هو نفسه الإدراك الخيالي، لكن في الإدراك الخيالي أحيانًا تكون الأدوات الحسية نشطة وأحيانًا لا تكون. أن تتصل الأدوات الحسية في الإدراك الخيالي بالشيء الخارجي لا يغير من جوهر الصورة التي هي معلوم بالذات والمدرك الحقيقي للإنسان. لذلك قدم في موضوع الإدراكات الحسية ملاحظتين جديدتين:

الأولى أن الإدراكات الحسية، مثل الإدراك الخيالي، مجردة.

والثانية أن أقسام العلوم الحاصلة ليست أربعة أنواع، بل نوعان: الإدراك الخيالي والإدراك العقلي.

وفي تعليقه على نفس عبارة صدر المتألهين التي استبعد فيها الوهم من أقسام العلم الحاصل وقال إن الوهم عقل ساقط ومنخفض، قال تعليقًا كهذا:

«الحق أن العلم الحاصل نوعان: أحدهما خيالي والآخر عقلي، لأن حضور المادة (الشيء الخارجي) وغيابها لا يجعل الإدراك نفسه يختلف بحضور المادة أو بغيابها. نعم، أحيانًا قد يكون الإدراك الحسي أقوى وأحيانًا الإدراك الخيالي([۸])».

 

استحالة انطباع الكبير في الصغير

الدليل الأول الذي قدمه الشهيد الفذ آية الله صدر هو دليل معروف باسم استحالة انطباع الكبير في الصغير، وشرحه كالتالي:

لا شك أن كل واحد منا يدرك بواسطة الإدراكات الحسية حقائق أبعادها أكبر بكثير من أجسامنا وأبعادنا الفيزيائية؛ مثل إدراك صحراء واسعة، بحر شاسع، جبل عظيم وما شابه ذلك. فإذا كان هذا الإدراك الحسي وهذا التصور من المشهد المستلم مجردًا، فهذا هو المطلوب ولا خلاف فيه، وإذا كان ماديًا يحتاج إلى مكان ليحتوي هذا الإدراك وهذه الصورة. ومهما كان مكان هذا الإدراك والصورة المادية (الجهاز العصبي، الدماغ أو القوى الحسية) يجب أن يكون على الأقل مساويًا ومتساويًا لذلك المشهد ليتمكن من احتواء ذلك المنظر والمشهد الكبير، وبما أن مقارنة كبر المشهد وصغر أجسامنا مضحكة، فهذا يستلزم انطباع وانعكاس الكبير والعظيم في الصغير والصغير، وهذا مستحيل بديهي.

لذا، يجب على الماديين إما إنكار أصل الإدراك، أو رفض استحالة انطباع الكبير في الصغير، أو اعتبار المشهد الخارجي صغيرًا، أو الاعتقاد بأن الصورة المستقبلة في الذهن صغيرة وصغيرة الحجم. وبما أن الاحتمالات الثلاثة غير قابلة للنقاش إطلاقًا، قالوا إن تلك الصورة والمنظر الذي يدركه الإنسان مثل ميكروفيلم (صورة صغيرة)، لكن الإنسان بفضل تجاربه الكثيرة وبالاعتماد على القرائن والأدلة الموجودة يدرك أبعاد وكميات وأحجام الشيء الخارجي.

وفي الرد يجب القول: هل ما يدركه الإنسان ويراه الآن كبير أم صغير؟ إذا قالوا صغير فهذا يخالف الفطرة والإدراك الداخلي فينا جميعًا، لأننا جميعًا بلا شك نرى السماء الآن بحجمها الكبير. وإذا كانت الصورة كبيرة، سواء كانت كبيرة من البداية أو بعد التمييز والتكبير، فإن سؤالنا يعود: أين مكان هذه الصورة الكبيرة؟

الشهيد المفكر آية الله صدر في هذا الصدد وبعد ذكر مثال عن نجم الشعرى وشرح أن نجمًا قد ينفجر ويصل ضوؤه إلينا بعد قرون، يقول:

«بعد هذه النظرية (التي تقول إن الصورة المدركة العقلية للجسم المرئي هي في الحقيقة ذات الواقع الموضوعي نفسه) تبقى نظريتان أخريان سبق ذكرهما ويجب أن نرى أيهما صحيح. هل النظرية التي تقول إن الصورة المدركة نتيجة مادية للجهاز العصبي صحيحة، أم النظرية التي تقول إن الصورة المدركة أو محتوى عمل الإدراك غير موجود في المادة، وهي شكل من أشكال الوجود الميتافيزيقي؟

في هذه المرحلة من النقاش يمكننا أن نُبطِل نظرية مادية الإدراكات بشكلٍ عام. لقد أشرنا سابقًا إلى أنه يمكننا أن نتخيل صورة حديقة بكل خصائصها وصفاتها من حيث السعة والطول والعرض والأشجار الخضراء الوارفة والبلابل والطيور ذات الألحان العذبة، وأن نحصل على إدراك عقلي لها، فهل يمكن أن يكون هذا النوع من الإدراك ماديًا؟

من البديهي أن الجواب هو بالنفي؛ لأنه إذا كان الإدراك عبارة عن انعكاس للحديقة بكل خصائصها في عضو مادي معين، لما استطاع أن يُظهر الواقع الموضوعي بكل خصائصه، إذ لا يمكن أن ينعكس الكبير في الصغير؛ فكما لا يمكن أن تنعكس منظر كامل بكل خصائصه على صفحة واحدة، كذلك لا يمكن أن ينعكس بكل خصائصه في عضو مادي صغير، وعندما يصبح من المستحيل انعكاس كل خصائص منظر ما في عضو مادي، فكيف استطعنا إدراك ذلك المنظر بحجمه الكبير؟

لذا يجب أن نقول إن الإدراك ليس انعكاسًا لشيء في عضو مادي، بل الجهاز العصبي هو مقدمة الإدراك.

بعبارة أخرى، الإدراك وجود ميتافيزيقي ينشأ بواسطة الأجهزة العصبية، وبهذا يتضح أننا نعتقد أن الأشعة الضوئية تنعكس على الشبكية وتتحول إلى شكل خاص، ثم تُنقل عبر الأعصاب الحسية إلى مركز الدماغ، حيث تتشكل صورة مشابهة لتلك التي دخلت الشبكية.

لكن هذه الصورة لا يمكن أن تكون هي الصورة الإدراكية العقلية؛ لأنها صورة ذات خصائص هندسية للصورة الخارجية العادية، وإذا كانت مطابقة لها، لكان بإمكانها تجسيد خصائصها الهندسية، وبما أنها تستطيع تجسيد هذه السلسلة من الخصائص، فلا يمكن أن تكون هي الصورة الخارجية عينها. لذلك يجب اعتبار الصورة المدركة عقليًا وجودًا مجردًا من المادة، وباختصار، بما أن الانطباع والانعكاس من الكبير إلى الصغير مستحيل، فلا بد أن نعتبر الإدراك أمرًا مجردًا من المادة»([۹]).

وقد عرض العلامة الطباطبائي هذا الموضوع بوضوح وجلاء في مناقشة الوجود الذهني كالشكل الخامس في كتاب بداية الحكمة، مؤكدًا أن الفعل والتفاعلات المادية أثناء الإدراك الحسي أمر مسلم به ولا يمكن إنكاره، لكن نفس هذا الفعل والتفاعلات ليست هي الإدراك، بل كلها تجعل النفس مستعدة وجاهزة لاستقبال العلم والإدراك الذي هو مجرد، وهذا التجرد، لأنه يحمل آثار المادة، يُسمى التجرد المثالي والبرزخي والخيال المتصل:

«الشكل الخامس: نحن نتخيل الأرض الواسعة بسواحلها وجبالها وبراريها وبحارها، والسماء بمناطقها البعيدة والكواكب والنجوم بأبعادها البعيدة، وتحقيق هذه الكميات الكبيرة في الذهن يعني انطباعها في جزء (عضو) عصبي بقوة دماغية، كما قال القائلون بالانطباع، وهو من قبيل الانطباع العظيم في الصغير، وهذا (الانطباع الكبير في الصغير) محال. ودفع هذا الشكل بالقول إن المنطبَع فيه (الجزء العصبي أو القوة الدماغية) قابل للتقسيم إلى ما لا نهاية (وبسبب هذا التقسيم الوهمي، تصبح أجزاؤه كثيرة، وبالتالي حجمه كبير بحيث يتحقق التناسب اللازم بين حجم المرئي وحجم العضو المنطبَع فيه) ليس بقول مقبول؛ لأن كف اليد لا تتسع لسعة الجبل حتى لو قُسم إلى ما لا نهاية (لأن الأجزاء والأقسام الناتجة عن هذا التقسيم الوهمي هي وهمية، والانطباع يتعلق بواقعين ماديين موضوعيين: أحدهما العضو المنطبَع فيه والآخر الشيء الخارجي، ويجب أن يتحقق التناسب اللازم بين هذين الواقعين الخارجيين، لا بين واقع موضوعي وشيء وهمي مفترض).

الجواب على هذا الشكل هو أن الحق (في باب واقع العلم والصور العلمية) كما سيأتي في المرحلة الحادية عشرة من الفصل الثاني هو أن الصور الإدراكية الجزئية ليست مادية بل مجردة (من المادة). التجرد المثالي (وليس التجرد العقلي، والمقصود بالتجرد المثالي هو) أن في هذه الصور الإدراكية الجزئية آثار المادة مثل الكم والشكل وغيرهما (كاللون والوضع والاتجاه) لكنها ليست مادة. إذًا هذه الصور الإدراكية في مرتبة التجرد المثالي للنفس تُحصل لها، دون أن تنطبِع في جزء أو عضو بدني أو قوة تتعلق بعضو بدني.

أما الأفعال والانفعالات (والتأثير والتأثرات) التي تحدث في المرحلة المادية للجسد عند الإحساس بشيء أو تخيله (فإن) هذه الأفعال والانفعالات لا تدل على مادية الصور الإدراكية الجزئية؛ لأنّ هذه الأفعال والانفعالات ليس لها سوى تأثير كونها أسباب معدّة ومهيئة، والنفس بواسطتها تستعد لحصول الصور العلمية الجزئية المثالية عندها»([۱۰]).

كما يكتب العلامة الطباطبائي في تعليق تحت هذا الإشكال في الأسفار:

«خلاصة القول هي أنه عند إدراك مجموعة من الصور المادية التي توجد خارج المشاعر والحواس، والتي لها آثار مادية (أفعال وانفعالات مادية) في القوى الحسية للإنسان عند ارتباط الحواس الخمس بالخارج، في هذا الوقت لا يكون هناك إدراك ولا وعي، ولكن بالتزامن مع هذه الأفعال والانفعالات، يتحقق الوعي والإدراك للنفس. إنّ ظرف ومكان هذا الإدراك سواء كان جزئياً أو كلياً هو العالم المجرد، إلا أنه للإدراك الجزئي يكون العالم في مرتبة المثال الأعظم أو الأصغر، وفي الإدراك الكلي يكون العالم في مرتبة عالم العقول الكلية، والعوالم ثلاثة مراتب: عالم الطبيعة، وعالم المثال، وعالم العقل»([۱۱]).

الحكيم صدر المتألهين في بحث تجرد الخيال ذكر هذا البرهان تحت عنوان البرهان الثالث، والذي يبيّنه الأستاذ الفذ السيد مصباح اليزدي هكذا:

«الوجه الثالث من أوجه الإثبات الخاصة لوحدة قوى النفس مع النفس مبني على إثبات تجرد قوة الخيال والذاكرة. لقد أثبت المصنف في مباحث سابقة من كتاب الأسفار بطرق مختلفة أن الإدراكات الجزئية تتم بواسطة مرتبة المثال للنفس، وهنا يُشار إلى بعض هذه الطرق المرتبطة بقوة الخيال. الطريق الأول هو أن الإنسان في حالة النوم أو حينما يكون مصاباً بالصفرا وبمصطلح عمرور (أي مصاب بالعرّة) يتخيل صوراً لا شك بأنها موجودة لامتلاكها آثاراً واقعية، ولكن هذه الصور الخيالية ليست مادية؛ لأن الشيء المادي له وضع، بينما هذه الصور لا تملك وضعاً خاصاً. إذن، الصور الخيالية صور مجردة، ولذلك فإن القوة المدركة لها بالضرورة تكون قوة مجردة.

علاوة على ذلك، إذا كانت هذه الصور مادية، فإن انطباعها في جزء من الجسد يستلزم انطباعاً أكبر في الأصغر؛ لأن هذه الصور أحياناً صور لأشياء عظيمة تفوق جسدنا بكثير. لكن استحالة انطباع الكبير في الصغير من البديهيات العقلية. لذلك يجب القول إن الصور الخيالية صور مجردة، وقيامها ليس من قبيل قيام الصورة المادية في محلها، بل هي بالنسبة للنفس قائمة (صادرة). وهكذا يستنتج أن قوة الخيال (بوصفها خزينة الصور الخيالية) قوة مجردة ويجب أن تُعد من مراتب النفس»([۱۲]).

 

ثبات وعدم تغير المعرفة

المفكر الشهيد آية الله صدر، ذكر الدليل الثاني لإثبات تجرد المعرفة والإدراك، وهو الدليل المبني على ثبات وعدم تغير المعرفة، وهذا من خصائص التجرد؛ لأن كل أمر مادي متغير ومتحرك، والعكس نقيض يدل على أن كل أمر ثابت وغير متغير هو مجرد. يمكن صياغة هذا البرهان بالشكل الثاني كما يلي:

المقدمة الأولى: المعرفة والإدراك غير متغيرين وثابتين؛

المقدمة الثانية: الأمور المادية متغيرة وغير ثابتة؛

النتيجة: إذن المعرفة والإدراك ليست أموراً مادية.

سبب عدم ثبات واستمرار الأمور المادية والطبيعية هو أن وجودها في جوهرها وباطنها ونصها يحمل حركة، وهذه الحركة ليست أمراً عرضياً على الموجودات المادية، بل هي عين وجودها، إلى حد أنه في بحث ربط الحادث بالقديم والمتغير بالثابت، ذُكر أن القديم والثابت يفيض الوجود والهيئة على الحادث والمتغير، وحينئذ يكون هذا الوجود والهيئة، كونه عين الحركة، في انطلاق وحركة؛ كما أن كأس الماء بمجرد سكبه على الأرض يجري. في هذه الظاهرة (إذا دققت) أنت لم تُحدث الماء في الجريان، بل فقط سكبت الماء على الأرض. الحركة الجوهرية في الموجودات المادية هكذا؛ فالله تعالى هو الوحيد الذي يفيض الوجود عليها، وهي ذاتها بطبيعتها متحركة (انتبه) وليس أن يفيض وجود الأشياء المادية مرة ويجعل حركة مركبة لها مرة أخرى، لأنه في هذه الحالة وبناءً على قاعدة «الفاعل للحركة متحرك»، يترتب محذور حركة مجردة وثابتة.

الشهيد صدر في تقرير البرهان الثاني يكتب:

«المبدأ الثاني الذي يمكن أن يُبنى عليه المفهوم الفلسفي للإدراك عندنا هو ظاهرة الثبات، والمقصود بظاهرة الثبات هو أن الصورة العقلية التي تُدرك تميل إلى الثبات ولا تتغير وفق التغيرات في الصورة المنعكسة؛ مثلاً، عندما نضع قلماً على بعد متر، تنعكس صورة ضوئية خاصة به، وعندما نزيد المسافة وننظر إليه من بعد مترين، تقل الصورة المنعكسة إلى النصف، مع أن إدراكنا لحجم القلم لم يتغير كثيراً؛ أي أن الصورة العقلية تبقى ثابتة على حالها مع أن الصورة المادية تغيرت بسبب زيادة البعد. هذا الدليل يوضح جيداً أن الإدراك ليس مادياً وأن الصورة المدركة وجود ميتافيزيقي»([۱۳]).

العلامة الطباطبائي في كتاب أصول الفلسفة ومنهج الرومانية يشرح هذا الموضوع هكذا:

«البرهان الآخر: في مسألة العلم يكفي النظر مرة واحدة. إذا دققنا وبوجدان صافٍ سنرى أن الصورة العلمية والتغير لا يتوافقان أبداً، وبعبارة فلسفية، هيأة العلم تختلف عن هيأة التغير والتحول، ومع مراعاة أن الموجود المادي هو عين التغير والجريان، يجب أن نحكم بأن نوع العلم مختلف عن نوع المادة.

إذا لم يكن ذهنك مستعدًا لاستيعاب دقة هذه النقطة، فقد تقيس حالات العلم والإدراك المختلفة مثل المعرفة والتذكر (المعرفة والعودة إلى الذهن) في هذا المجال. الشيء الذي أدركناه وأدركناه مرة أخرى نفهم أن المدرك في الحالة الثانية هو ذاته المدرك الأول، وكذلك الشيء الذي أدركناه ثم نسيته أو غفلنا عنه ثم تذكرناه هو ذاته الأول الذي عاد إلى ذاكرتنا. إذا لم يكن مدركنا في كلتا الحالتين وحدة حقيقية واحدة وثبات وبقاء حافظ للذات، لما كان تحقق المعرفة والتذكر ممكنًا، مع أن لدينا معارف وتذكّرات تمتد عبر سبعين سنة أو أقل أو أكثر، وخلال هذه المدة تغيرت الأعصاب والدماغ بكل محتوياتها المادية عدة مرات حتى آخر جزء مادي منها.

الإشكال: يرد العلماء الماديون على هذا الاستدلال بأن التحولات التي تحدث في الدماغ تدريجية ودقيقة، وجهاز الإدراك غير قادر على إدراكها، ومن جهة أخرى، في أقصى سرعة، يجلس الجزء جزءًا والجزء الخاص الجديد، الذي هو مشكل خاص قديم، في مكان الجزء الخاص القديم، الذي لا تستطيع القوة المدركة تسجيله، ومن هنا يظن أن الجديد هو ذاته القديم. فإذا مرّ ماء صافٍ في مجرى مستوٍ وبدون مقاومة ونظرت إلى انعكاسك على سطح الماء، سيبدو الانعكاس ثابتًا لعينيك، مع أنك في الحقيقة ترى انعكاسًا جديدًا في كل لحظة ولا تميز بينهما. يجب تصور تبدل المدركات على هذا القياس.

الجواب: كما قيل في الردود على الإشكالات السابقة، لا ننكر حدوث فعل فيزيائي في الدماغ أو نرفض التحول والتغير في المادة والماديات، بل كلامنا يتعلق فقط بمفهوم جملة واحدة وهي (نظن أن الجديد هو ذاته القديم). في هذا الظن، الجديد والقديم واحد، وهذا الاتحاد لا يتوافق مع ماديات الإدراك، وبالطبع كما قيل، هذا الإدراك لا يمكن أن يكون خطأ أو باطلًا بالنسبة للواقع الخارجي، لا في ذاته ولا في ظرفه. ووفقًا لاعتقاد هؤلاء العلماء، لا يجب أن يكون تحقق التصديق (مقابل التصور) ممكنًا في العالم؛ لأن عندما يفترض ذهننا موضوعًا ليأتي بالمحمول ويحمله، يكون الموضوع قد زال بسبب التحول ويحل محله موضوع جديد. لا جواب لأي سؤال، ولا بطلان لأي إثبات، ولا علاقة لأي فرع بأي أصل. وبالطبع لا يقبل الضمير السليم أبدًا هذا النوع من التشكيك والمغالطة»([۱۴]).

يكتب الشهيد آية الله مطهري في شرح كلام العلامة:

«كما أُشير أعلاه، إحدى خصائص الذاكرة هي التعرف؛ أي التمييز بين هذه التذكرة وأنها هي ذاتها الأولى، والإدراك الحالي ليس جديدًا ولا وهميًا ولا بلا معنى، وهذا لا يتوافق مع نظرية المادية في الذاكرة؛ لأنه إذا افترضنا الدماغ بالنسبة للإدراكات كجهاز تسجيل صوتي، فإنه يمتلك فقط خاصية أنه كلما تم تحفيز نقطة معينة ينتج إدراكًا يشبه الإدراك الأول من كل النواحي، كما ينتج جهاز التسجيل الصوتي صوتًا يشبه الصوت الأول وليس هو ذاته، في حين أننا نعلم بضميرنا وحضورنا أن ذهننا يمتلك خاصية التعرف؛ أي يميز (أنه هو) وليس إنتاجًا جديدًا أو فعلًا جديدًا، وباختصار الإشكال هو أنه لا يمكن قبول نظرية المادية في الذاكرة عبر طريق الذاتية التي هي من خصائص قوة الذاكرة.

الدماغ بكل محتوياته يتغير ويتحول، وخلال عمر سبعين سنة يتغير ماديًا عدة مرات ويحل مكانه مادة أخرى، في حين أن الذكريات النفسية سواء كانت تصورات مثل صورة دقيقة لأيام الطفولة التي رآها في العاشرة من عمره، ووجه معلمه الذي لم يره بعد المرحلة الابتدائية، أو تصديقات مثل أنه سمع في المدرسة الابتدائية أن أرسطو كان تلميذ أفلاطون وقد أقرّ بهذا (التصديق حسب المنطق)، كل هذه تبقى ثابتة ومتينة في ذهنه، وباختصار كل التصورات والتصديقات السابقة ما زالت قائمة، ولو كانت هذه الأشياء محلولة في المادة لكان قد طرأ عليها تغيير بالضرورة.

وأما المثال الصوري الذي يُطرح في الماء الجاري والذي ذُكر في النص من قِبل الماديين، فمن الواضح أنه مثال شعري؛ لأننا نراه ثابتًا فقط لأن صورته الإدراكية تبقى في خيالنا، ولو افترضنا أنه حتى في الخيال لم تبقَ صورة إدراكية لما ظننا أنه باقٍ. خلاصة هذا الاعتراض هي أنه من حيث ثبات الإدراكات الذهنية التي هي من خصائص قوة الذاكرة، لا يمكن قبول نظرية مادية قوة الذاكرة. أهم حجة قدمها أنصار المادية في الذاكرة هي أننا عمليًا نرى أن الذاكرة مرتبطة ببعض أجزاء الدماغ، وعلى الرغم من أنه لم يُحدد بعد مكان معين وواضح لكثير من الأعمال الروحية مثل الذاكرة والتركيز، فلا شك أنه مع التغير أو الاضطراب الذي يحدث في بعض أجزاء الدماغ تختفي الذاكرة. إذًا يتضح أن الذاكرة من خصائص التكوينات المادية للدماغ، ومن حيث المبدأ يمكن تأييد نظرية مادية الذاكرة من طريقين»([۱۵]).

وقد ذُكرت هذه الحجة في معظم الكتب الفلسفية تقريبًا بهذا الشكل، ولأجل الإيجاز نمتنع عن ذكرها. هنا يبدو من المفيد التنبيه إلى أن الحجتين المذكورتين تختلفان من حيث العموم والخصوصية في المثال. الحجة الأولى ترتبط فقط بالإدراكات الحسية والخيالية ولا تشمل الإدراكات الوهمية والعقلية؛ لأن الحجة الأولى تعتمد على عظمة وكبر الصورة الخيالية والتصويرية التي تُدرك في علاقة بالخارج، وفي الإدراكات الوهمية والعقلية لا وجود للصورة إطلاقًا، ولا يُذكر شكل أو حجم أو أبعاد أو كميات أو أعداد، بل فقط المعاني والمفاهيم، ومن البديهي أن المعاني والمفاهيم منزهة ومنفصلة عن هذه الأمور.

أما في الحجة الثانية، فالمعتمد هو الثبات وعدم التغير، وهذه الخاصية تشمل جميع أنواع الإدراكات؛ أي كل الإدراكات سواء كانت حسية أو خيالية أو وهمية أو عقلية، فهي مجردة وثابتة وغير متغيرة (وطبعًا شمول وعموم التجرد والثبات بالنسبة للإدراك الحسي قائم على نفس الأساس الذي نُقل عن قول علامه طباطبائي).

 

٢) تجرد العالم

بعد إثبات تجرد العلم وبيان ما وراء المادي بدون معرفة، ننتقل إلى موضوع تجرد العالم من وجهة نظر الفلاسفة والشهيد الفذ آية الله صدر. كما ذُكر في الصفحات السابقة، فقد ورد في كتب المعقول مرارًا ذكر تجرد النفس وأُشير إليه بطرق مختلفة. أحيانًا يُثبت تجرد النفس لأنها لا تملك خصائص وميزات مادية، وأحيانًا من خلال حضور الإنسان في مشهد القيامة، وأحيانًا عبر ملازمة تجرد العلم أو تجرد العالم، وأحيانًا بطرق أخرى.

يُعبّر الشهيد العزيز والكرم آية الله صدر عن هذا الموضوع من خلال ملازمة تجرد العلم مع تجرد العالم على النحو التالي:

«بعد أن ثبت أن الإدراكات العقلية تقع في مستوى أعلى وأغنى من المادة، يطرح سؤال فلسفي آخر وهو: أين تحل الإدراكات العقلية التي لم تحل في المادة ولا وجود لها قائم على المادة؟

هذا السؤال أدى إلى اكتشاف حقيقة جديدة في الفلسفة، وهي أن الصور والإدراكات العقلية تُجسد اجتماعًا أو تتابعًا في مجال واحد، وهذا المجال هو الإنسان المفكر. الإنسانية حقيقة خارج المادة، مثل الدماغ أو المخ، بل هي درجة من الوجود مجردة عن المادة. الوجود الحي يصل إلى هذه الدرجة نتيجة التطور والكمال، وبالتالي فإن المدرك والمفكر هو هذه الإنسانية التي لا علاقة لها بالمادة ولها مقام أسمى من المادة.

لكي يتضح سبب عدم اعتماد الإدراكات على المادة، نلفت انتباهكم إلى الدليل التالي.

إدراكات الإنسان ليست إلا من ثلاثة أنواع:

  1. صور قائمة على مادة الجهاز العصبي، وهذه النظرية قد رُفضت سابقًا.
  2. صور مجردة من المادة ولها وجود مستقل ومنفصل عن المادة. وهذه النظرية غير معقولة؛ لأنه إذا كان لها وجود مستقل عنا فلن تكون إدراكاتنا.
  3. صور مجردة من المادة لكنها ليست لها وجود مستقل عنا، ومن البديهي أنه عندما تُرفض النظريتان الأوليان، نضطر لقبول الثالثة، ومن هنا يتضح أن المفكر والمدرك هو الإنسانية وليس العضو المادي للإنسان. العضو المادي للإنسان يمكنه فقط توفير شروط الإدراك؛ لأن هناك ارتباطًا قويًا جدًا بين الجانب الروحي والجانب المادي للإنسان»([۱۶]).

يمكن صياغة الحجة التي ذكرها الشهيد الجليل على مستويين متوسط وعالي.

أ ـ المستوى المتوسط: يرى كثير من الحكماء أن العلم من قبيل الكيف ومن نوع الكيف النفسي، والكيف مثل غيره من المقولات العرضية لا وجود له قائم بذاته، ولا يمكن أن يتحقق في الخارج بدون جوهر، وبعبارة أخرى هو قائم على غيره. لذلك، العلم حقيقة عرضية قائمة على العالم، وقد ثبت سابقًا أن العلم مجرد، فإذا كان العالم أيضًا مجردًا يكون المقصود قد تحقق، وإذا لم يكن العالم مجردًا، فلا بد أن يكون الأمر المجرد قائمًا على أمر مادي، وبما أن المجرد أقوى وأشد من المادي، فإن ذلك يستلزم قيام القوي على الضعيف، وهذا محال.

ب ـ المستوى العالي: إذا تم التدقيق والتأمل في معنى العلم ذاته، فإن تجرد العالم والعلم سيُقر به؛ لأن العلم بمعنى حضور المعلوم عند العالم، وهذا الحضور لا يمكن أن يكون إلا بالتجرد، إذ إن الشيء المادي في نطاق الزمان والمكان متفرق ومشتت، ولا يتمتع بالوحدة والتجمع. السبب في أن المرآة لا تدرك الصورة المنعكسة على سطحها هو أن كل جزء من الصورة يقع في قسم من المرآة، وهو غير مطلع على القسم الآخر أو الجزء الآخر، وإذا دققت النظر في ذلك القسم الواحد ستجده يتجزأ إلى أجزاء أصغر، وتنقسم الصورة إلى هذا العدد من الأجزاء، وفي النهاية تكون المرآة والصورة فيها في حالة استعداد للتقسيم إلى أقسام لا نهائية وصور صغيرة. لذلك، المرآة متفرقة ومنتشرة في فضاء المكان، وهي غير مطلعة على الأجزاء المحيطة بها والصور المنعكسة فيها. طالما استمر هذا التفرق والتشتت، فالأمر سيبقى على هذا الحال، والمشكلة تكمن في الوحدة والتجمع، فإذا أزلنا المكان، تتحقق الوحدة وبالتالي الحضور، ويتبع ذلك تحقق العلم. إذن، يجب أن يكون العالم مجردًا وخاليًا من المكان لكي يمكن أن يحضر المعلوم عنده.

هذا الأسلوب من الاستدلال قد استُعين به كروح في معظم البراهين. فقد ذكر الحكيم صدر المتألهين في المجلد الثامن من أسفار أحد عشر برهانًا لإثبات تجرد النفس، واستفاد في البراهين الأول والثالث والعاشر من هذه المبادئ كأسس راسخة.

في بداية البرهان الأول قال:

«البرهان الأول هو أن النفس يمكنها إدراك الماهيات والمفاهيم الكلية باعتبارها كلية وعامة، والكلية من حيث كونها كلية لا يمكن أن تحل في الجسم»([۱۷]).

وفي البرهان الثالث قال:

«نفوسنا يمكنها إدراك الكلي المشترك بين الأشخاص والأفراد، ومكان هذه المفاهيم الكلية إما جسم أو مجرد ومنفصل عن الجسم، والأول مستحيل… إذن مكان هذه المفاهيم التي هي النفس هو مجرد»([۱۸]). وفي البرهان العاشر قدم بعض الملاحظات وقال في عبارة جميلة جدًا:

«الجسم من حيث كونه جسمًا من المستحيل أن يكون مدركًا وعالمًا؛ لأن الجسم أساسًا لا يمتلك وجودًا موحدًا ومجمعًا بحيث يحضر له شيء أو يمكنه أن يحضر لشيء»([۱۹]).

وكذلك في المجلد الثالث، في مرحلة العقل والمعقول، الطرف الثاني، يخصص الفصلين الخامس والسادس لتجرد العالم. ولكن في الفصل الخامس يتناول العالم باعتباره عاقلًا ويقول:

«الفصل الخامس: في أن العاقل للشيء يجب أن يكون مجردًا عن المادة»([۲۰]). وفي الفصل السادس يتناول العالم باعتباره متخيلًا ويقول: «الفصل السادس: في أن المدرك للصور المتخيلة أيضًا لابد أن يكون مجردًا عن هذا العالم»([۲۱]).

وفي هذا الفصل يذكر وجوهًا مختلفة من البراهين ويحمل استدلال أفلاطون المتعلق بتجرد النفس على هذا المعنى والمضمون:

«برهان آخر اعتمد عليه أفلاطون الإلهي في تجرد النفس وشرحه بعض المحققين الإسلاميين هو أننا نستطيع تخيل صور لا وجود خارجي لها، مثل بحر من الزئبق وجبل من الياقوت، كما يمكننا التمييز بين هذه الصور الخيالية وغيرها من الأمور. إذن يجب القول إن هذه الصور الخيالية هي أمور وجودية، وكيف لا تكون كذلك ونحن عندما نتخيل زيدًا نراه في حيز الذهن ونميز بين زيد الخارجي وزيد المتخيل، ولو لم تكن هذه الصور الخيالية أمورًا وجودية لما كان ذلك ممكنًا لنا. والآن من المستحيل أن يكون مكان هذه الصورة شيئًا ماديًا ومن عالم الطبيعة؛ لأن جسدنا كله مقارنة بهذه الصور الخيالية العظيمة ضئيل جدًا، ولا يمكننا أن نقبل أن جزءًا من تلك الصورة العظيمة يتطابق مع جسدنا والجزء الأكبر مع الهواء المحيط بنا؛ لأن الهواء المحيط بنا ليس من أجزاء جسدنا ولا أداة لنشاطات النفس، وإلا كان يجب أن نشعر بالألم عند انشقاق الهواء وتفرقته، كما كان يجب أن نكون على علم تام بالتغيرات الجوية كما نعلم بأجسادنا. لذلك نستنتج أن مكان هذه الصور هو أمر غير مادي، وهو النفس الناطقة. إذن النفس الناطقة مجردة (نهاية برهان أفلاطون).

هذا برهان قوي، ولكن الفلاسفة ظنوا أن أفلاطون قدم هذا البرهان لإثبات أن النفس من المفارقات العقلية، بينما إثبات ذلك غير ممكن بهذا البرهان ونظائره، ولم أر في كتب الفلاسفة هذا الأمر مع تحقيق مماثل مع قبول تجرد الخيال والتمييز بينه وبين تجرد العقل والمعقول، وهذا من الأمور التي منّ الله بها عليّ وهداني إليها. أشكره وأحمده على هذه النعمة العظيمة»([۲۲]).

 

٣) حدوث النفس

حتى الآن كان النقاش أن العلم والعالم مجردان وغير ماديين. لكن بقي سؤال: هل الروح حادثة أم قديمة؟ وإذا كانت حادثة، فمتى حدثت؟ وإذا كانت قديمة، فمتى ارتبطت بالجسد؟

توضيح هذا النقاش بدقة وتحليل أبعاده المعقدة والمتنوعة يتطلب كتابًا مستقلاً بحد ذاته. فقد ذكر الحكيم صدر المتألهين حوالي مئة صفحة في المجلد الثامن من أسفار حول هذا الموضوع، وترجمة وشرح هذه المواد وحدها قد تصبح مثنويًا من سبعين من ورقة.

المفكر الشهيد آية الله صدر طرح هذا النقاش بشكل عابر وشرح رأيه الخاص، وكما في نقاش تجرد العلم والعالم، تناول هذه المسألة من منظوره الخاص.

يستنتج من إثبات تجرد النفس وثبوت وجود الجسد أن الإنسان ذو بُعدين، ومن خلال الترابط والتفاعل البديهي بين الروح والجسد، والآثار التي يتركها كل منهما على الآخر، ومع الأخذ في الاعتبار عمق هذا الترابط والتفاعل الذي يضعف الثنائية بين الروح والجسد، يستخلص نتيجة خاصة تتعلق بحدوث وقدَم الروح ثم يدافع عنها. نبدأ أولاً بنقل كلمات هذا الشهيد الفذ ثم نُجري دراسة مختصرة لآرائه.

«لقد أشرنا مؤخراً إلى أن إدراكات الإنسان ليست مستقلة ومنفصلة عنه، بل ترتبط به ارتباطاً كاملاً، وذلك بسبب وجود ارتباط وثيق بين الجانب الروحي والإنساني للإنسان والجانب المادي له (أعضاء الدماغ المادية التي تهيئ شروط الإدراك)؛ لأن الإنسان له جانبان: أحدهما مادي يظهر في تركيب أعضائه، والآخر روحي خارج المادة وهو مركز نشاطاته الفكرية والعقلية، ولا يمكن اعتبار الإنسان كائنًا ماديًا معقدًا فقط، بل هو شخصية مركبة من جانبين (مادي وغير مادي)، وبما أن الإنسان مركب من هذين الجانبين، فلا بد أن نستخلص نوع العلاقة والارتباط الموجود بين هذين الجانبين، ونحن نعلم قبل كل شيء أن هذه العلاقة قوية جداً ومتينة بحيث يمكن لأحد هذين الجانبين أن يؤثر في الآخر.

على سبيل المثال، عندما يرى الإنسان ظلًا في الظلام يرتجف، وعندما يُطلب من أحدهم إلقاء خطاب في مجلس عام يتصبب عرقًا، وعندما يفكر أحدنا في مسألة ما يحدث نشاط خاص في جهازه العصبي؛ إذن العقل والروح يؤثران في الجسد. وتأثير الجسد في العقل والروح يشبه أن الإنسان عندما يشيخ تضعف قواه العقلية، وإذا أسرف في شرب المسكرات يرى الشيء مرتين. الآن يطرح السؤال: إذا كانت الروح والجسد مختلفين ولا يشتركان في أي صفة، فكيف يؤثر كل منهما في الآخر؟

الجسد قطعة من المادة وله خصائص مثل: الثقل، الكتلة، الشكل، الحجم، وهو خاضع لسلسلة من القوانين الفيزيائية. أما العقل أو الروح فهو كائن غير مادي ومنسوب إلى عالم ما وراء المادة، ومن البديهي أن تفسير التأثير المتبادل بينهما صعب جداً بسبب هذا الفاصل العميق بين الجسد والروح؛ فمثلاً قطعة حجر يمكنها أن تُفتت نباتًا ساقطًا على الأرض، وقطعتا حجر عندما تصطدمان تؤثران في بعضهما البعض لأنهما ماديان. لكن كيف يحدث الاصطدام والتأثير المتبادل بين كائنين من عالمين مختلفين؟

هذا الأمر يحتاج إلى تفسير وتأويل. أفلاطون فسّر هذا النوع من العلاقة قائلاً: العلاقة بين الجسد والروح مثل العلاقة بين سائق العربة والعربة. وشرح ذلك بأن الروح جوهر مجرد من المادة وقديم، كان موجودًا في عالم ما وراء المادة ثم نزل إلى الجسد ليُدبر شؤونه، كما يدبر سائق العربة شؤون العربة.

هذا التفسير، مع الثنائية الصريحة والفجوة العميقة التي يفترضها بين الروح والجسد، لا يمكنه تفسير العلاقة الوثيقة التي توجد بينهما والتي بسببها يعتبر الإنسان نفسه وجودًا واحدًا موحدًا (وليس شيئين مستقلين ومنفصلين عن بعضهما ومن عالمين مستقلين يلتقيان في موعد واحد).

لذلك، فإن التفسير الأفلاطوني، رغم التعديلات التي أدخلها أرسطو عليه وبيانه أن الجسد والروح مثل المادة والصورة، لا يستطيع تفسير مسألة ارتباط الجانبين الروحي والمادي للإنسان. وكذلك التعديل الذي أدخله ديكارت على نظرية أفلاطون من خلال نظرية التوازي غير صحيح؛ لأن ديكارت يقول: الروح والجسد لا يؤثران في بعضهما البعض، وما نعتقده من تأثير متبادل بينهما خطأ، بل الأحداث في كل منهما تحدث مصاحبة لأحداث عقلية وجسدية، وليس معنى ذلك أن أحدهما سبب وعلّة لحدث الآخر، بل هذا التلازم هو من مشيئة وعناية الله الذي يريد عندما يشعر الإنسان بالجوع أن يمد يده إلى الطعام، وليس أن الشعور بالجوع هو سبب مد اليد إلى الطعام.

من البديهي أن نظرية التوازي التي أوردها ديكارت هي تعبير جديد عن نفس الثنائية التي أقرها أفلاطون، والعلماء الأوروبيون الذين يعتبرون نظرية أفلاطون باطلة لم يستطيعوا تقديم نظرية صحيحة لتفسير العلاقة بين النفس والجسد، وبسبب هذه الإشكالات ظهرت اتجاهات جديدة في الفكر الأوروبي: أحدها اتجاه أصالة المادة الذي يفترض الإنسان مجردًا من المادة، والآخر اتجاه المثالية الذي يميل إلى اعتبار الإنسان مجردًا كليًا من المادة.

مسألة ارتباط الروح بالجسد ظلت محط اهتمام العلماء حتى تمكن مؤخراً الفيلسوف الإسلامي صدر المتألهين الشيرازي من تفسير الإنسان بناءً على العنصرين المادي والروحي. هذا الفيلسوف العظيم اكتشف الحركة الجوهرية الموجودة في طبيعة الأشياء وأثبت أن كل الحركات التي تصيب الجسد وتكون محسوسة تنبع من تلك الحركة الجوهرية، وهذه الحركة الجوهرية هي التي يمكن أن تكون جسرًا يربط بين المادة وما وراء المادة؛ لأن المادة تتحرك نحو الكمال بفعل الحركة الجوهرية التي في ذاتها، وتستمر في سيرها حتى تخرج من ماديتها وتصبح ضمن ظروف خاصة مجردة من المادة وتتحول إلى ظاهرة غير مادية وروحية.

لذلك لا يوجد حد فاصل بين الوجود المادي والروحي، بل الوجود المادي والروحي هما مرحلتان من مراحل الوجود، والروح مع أنها ليست مادية إلا أن لها أيضًا نسبًا مادية؛ لأن الروح هي المرحلة العليا من تطور المادة التي نشأت بفعل الحركة الجوهرية، ومن خلال الحركة الجوهرية يمكن تفسير العلاقة والارتباط بين الروح والجسم، ويمكن تفسير التبادل والتأثير المتبادل بين الجسم والروح في بعضهما البعض بهذا التعبير بشكل جيد؛ لأن العقل وفق هذا التفسير ليس منفصلًا عن المادة ولا يوجد بينهما فجوة عميقة (كما كان يظن ديكارت واضطر إلى إنكار التأثير المتبادل بين الروح والجسم وتبرير نظرية التوازن بناءً على عناية الله). وفق تفسير صدر المتألهين، العقل هو صورة مادية تنشأ نتيجة تصاعد المادة من خلال الحركة الجوهرية للمادة، والفرق بين المادية والروحانية هو فرق درجات؛ أي مثل الفرق بين الحرارة الشديدة والحرارة الضعيفة. وفي الوقت نفسه يجب الانتباه إلى أن صدر المتألهين لا يريد أن يعتبر الروح نتيجة وجود المادة ولا يعتبرها من آثار المادة؛ بل يقول إن الروح هي نتيجة الحركة الجوهرية الموجودة في المادة، وليست نتيجة المادة نفسها. الحركة الجوهرية لا تنبع من نفس المادة؛ لأن الحركة عمومًا هي خروج تدريجي للشيء من القدرة إلى الفعل (من الإمكان والاستعداد إلى الفعالية)، والقدرة لا يمكن أن تكون محدثة للفعالية ولا صانعة للوجود. الحركة الجوهرية هي معلول لسبب وعلّة موجودة خارج نطاق المادة، والروح التي هي الجانب غير المادي للإنسان هي نتيجة هذه الحركة نفسها، والحركة هي الجسر الذي يربط بين المادية والروحانية»([۲۳]).

وكما تلاحظون كيف ينتقل الشهيد الفقيه آية الله صدر من العلاقة العميقة بين الروح والجسد إلى نظريته، فإن تأكيده وإصراره على وجود علاقة وثيقة بين الروح والجسد هو أساس دخوله وانتقاله إلى تلك النظرية. أحيانًا يقول: «نحن نعلم قبل كل شيء أن العلاقة بينهما وثيقة». وفي الجمل التالية يقول: «والهوة الفاصلة بين الروح والجسم في تفسير أفلاطون لا تصلح لتفسير العلاقة الوثيقة بينهما التي تجعل كل إنسان يشعر بأنه كيان موحد وليس شيئين من عالمين مستقلين التقيا على ميعاد».

هنا، لتوضيح المسألة، ننقل أشهر الآراء:

في وسط الفلاسفة الإسلاميين نجد ثلاثة آراء مهمة ومميزة: رأي المشائين، ورأي الإشراقيين، ورأي الحكمة المتعالية. تقسيم هذه الآراء هو كما يلي: الروح إما قديمة أو حادثة، وإذا كانت حادثة فهي إما حادثة مجردة أو حادثة مادية في البداية ثم وصلت إلى مرحلة التجرد وما فوق المادية.

الإشراقيون يؤمنون بقدم الروح؛ أي يعتقدون أن الروح ليست حادثة أصلًا، بل قديمة ووجدت قبل الجسد وكانت في عالمها، أي في المجردات والفواصل وديار المرسلات، وعندما اكتسب الجسد الاستعداد (بين ثلاثة وأربعة أشهر) تتعلق الروح بالجسد، ولأن الروح قبل الجسد كانت تتمتع بالتجرد وكل مجرد حسب القاعدة «كل مجرد عالم» يمتلك العلم والإدراك، فإن الروح قبل تعلقها بالجسد كانت عالمة ومدركة، لكنها عند تعلقها بالجسد أصابها النسيان وغمضت عن تلك العلوم والمعارف.

وفق هذا الأساس، كلما اكتسب الإنسان في هذه الحياة العلم والمعرفة، فهو تذكار وتذكير لتلك العلوم والمعارف السابقة.

بعض مؤيدي هذا الرأي لتعزيز قولهم استندوا إلى بعض الأمور النقلية والسمعية؛ مثل عالم الذر (بالمعنى والتفسير الذي يمكن أن يكون مؤيدًا ومؤكدًا) والآيات التي تقدم الشريعة أو القرآن الكريم أو تعاليم الأنبياء كتذكار، ويقول: «إنما أنت مذكر». وكذلك الأحاديث التي تقول إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي سنة.

المعارضون لنظرية الإشراق قدموا ردودًا على كل هذه المؤيدات وكذلك على أصل النظرية، وقد بيّن ذلك في مواضعها.

في تقييم عام يمكن القول إنه إذا كان المقصود الحقيقي للإشراقيين من تجرد الروح ووجودها قبل الأبدان هو تلك النفوس الإنسانية التي تدبر الجسد والتي هي مجردة في ذاتها ولكنها في مقام الفاعلية والتأثير غير مجردة، وليس تلك المفارقات النورية والمثل، ففي هذه الحالة سيواجه الإشراقيون مأزقًا شديدًا؛ لأن أمرهم سيكون بين التعطيل والتناسخ، بحيث إذا اعتبروا النفوس قبل تعلقها بالأبدان بلا عمل ولا فاعلية وبدون تأثير، فسيكون ذلك تعطيلاً محتملاً وهذا مستحيل؛ لأنه لا يمكن تصور موجود لا يستطيع أن يفعل شيئًا (وكل ما يريد فعله يحتاج إلى الجسد والجسد محروم منه ولم يُخلق بعد)، وإذا اعتبروا النفوس قبل الأبدان متعلقة بأبدان أخرى لتجنب التعطيل، فستنشأ مشكلة التناسخ وهذا أيضًا مستحيل، وعندما يصبح الشيء مستحيلًا فإن مؤيداته تكون وهمًا وخيالًا؛ لأن الأمر المستحيل لا دليل وجودي له إلا في صورة وهم وكذب.

المشائيون يؤمنون بحدوث الروح، ولكنهم يقولون إنها كانت مجردة وروحانية عند حدوثها، وبمصطلحهم يؤمنون بـ «روحانية الحدوث» و«روحانية البقاء»، ويعتقدون أن زمن حدوث هذه الروح هو وقت استعداد الجسد (بين ثلاثة وأربعة أشهر)؛ حينما يصبح الجسد مستعدًا، يخلق الله الروح ويربطها بالجسد.

هذه النظرية رغم أنها لا تعاني من مأزق التعطيل أو التناسخ، إلا أنها تقع في تمييز في فعل الله تعالى؛ لأن كل روح لها مجموعة من الخصائص والميزات الخاصة بها؛ بعضهم يمتلك استعدادات إلهية شديدة وفائقة، وبعضهم مستعد للشيطنة والخداع، وبعضهم يمتلك استعدادًا للغضب غير الصحيح، وبعضهم يتمتع بقوة عقل وذكاء متميزة. وهكذا كل شخص لديه رأس مال محتمل خاص به. ونتيجة قبول قول المشائين هو الاستشهاد المباشر والفوري لهذا الاختلاف في الاستعدادات والرؤوس المالية المحتملة إلى المبدأ المتعال والله سبحانه وتعالى ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

بالطبع، يبقى الاعتراض والنقد الذي وجهه المفكر الشهيد آية الله صدر، تبعًا لبعض الحكماء، قائمًا على نظرية الإشراق والمشّاء. كان اعتراض الشهيد يتمثل في أن العلاقة بين شيئين والتفاعل والترابط بينهما يستلزم نوعًا من التشابه والملاءمة والارتباط بينهما، وبدون افتراض ومراعاة هذا الارتباط، وبدون تفسير صحيح وبيان منطقي وعقلي لهذه المسألة المهمة والمذهلة، والاكتفاء بإعلان الإيمان والتمسك بقدرة الله تعالى التي هي قادرة على كل شيء، فإن هذا التفسير لن يكون مقبولًا.

الحكمة المتعالية تؤمن بحدوث الروح، لكنها لا تؤمن بحدوث روحي مجرد، بل بحدوث مادي وجسمي، وبمصطلحها تؤمن بـ «جسمانية الحدوث» و«روحانية البقاء»؛ بمعنى أن بعض الموجودات فقط، نظرًا لامتلاكها استعداد الإنسان، ترفع ذاتها بحركتها الجوهرية إلى مرتبة ومرحلة أعلى. وبعبارة أخرى، الحركة الجوهرية ثابتة لجميع الموجودات المادية والطبيعية، لكن ليس جميعها تمتلك قوة واستعداد الإنسان؛ هذه هي النطفة الإنسانية التي هي مستعدة ومتحركة بالحركة الجوهرية؛ هذه النطفة الإنسانية التي تتحرك بواسطتها الحركة الجوهرية، يتدفق وجودها وكيانها وتتجه نحو الغاية والمقصد، وعندما يصبح هذا الحراك المؤسسي أرضية ومجالًا لبروز استعدادات تلك النطفة، يحدث تحول وتغير مذهل في مرحلة ما؛ بحيث تبرز الروح المجردة والنفس المفارقة من أفق هذا الظاهرة المادية. ولكن هذه الروح المجردة ليست كالمفارقات والعقول التي تكون مجردة في حيز الذات وأيضًا مجردة في مجال الفعل، بحيث تمتلك جميع كمالاتها وذخائرها منذ بداية تحققها، بل هذه الروح المجردة الإنسانية التي تحققت حديثًا، رغم كونها مجردة في ذاتها، إلا أنها في مقام الفعل والفاعلية والتأثير ليست مجردة، وهكذا تكون هذه المجردات مكتملة ومتجهة نحو الكمال، تستعين بالجسد والقوى المضمنة فيه كأدوات للعمل والوظيفة من أجل العلو والكمال.

عندما تحدث الروح الإنسانية بهذه الصورة، يمكن القول بأنها «جسمانية الحدوث» وبما أنها ستبقى إلى الأبد على شكل مجرد ومفارقة، يمكن القول بأنها «روحانية البقاء».

هذا التفسير لا يعاني من مشاكل ومحاذير نظريات الإشراق والمشّاء. فمن جهة، لأنها حادثة، لا تصطدم بمأزق التعطيل أو التناسخ، ومن جهة أخرى، لأنها ناشئة من هذا العالم الطبيعي والمادي، وهذا المادة بمثابة الأرض والموطن الأصلي للروح المجردة، يتحقق الارتباط الوثيق والانتماء العميق اللازم في مثل هذه الترابطات والتفاعلات، كما تُحل مشكلة استشهاد الاختلافات والتباينات بالمبدأ المتعالي والله سبحانه وتعالى، الذي يستلزم التمييز وعدم المساواة؛ لأن هذه الروح المجردة تأخذ خصائصها وصفاتها من أرضها الأم وموطنها الأصلي. فإذا كانت تلك النطفة طاهرة ونقية، فإن الروح التي تطير من خلالها إلى السماء تأخذ خصائص تلك النطفة، وإذا كانت تلك النطفة دنيئة وخبيثة، فإن الروح التي تسقط بها إلى حضيض الظلمة تأخذ لون وخصائص تلك النطفة.

«وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا»([۲۴])؛

البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا.

«الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ»([۲۵])؛

النساء الخبيثات للرجال الخبيثين، والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات، والنساء الطيبات للرجال الطيبين، والرجال الطيبون للنساء الطيبات.

لذا، لم يحدث ظلم أو تمييز في أي مكان أو لأي شخص. بالطبع، في ارتباط مع هذه النظرية والأساس، تُطرح بعض الأسئلة والالتباسات التي لا يتسع هذا المقال لبحثها والرد عليها([۲۶]).

في ختام هذا النقاش، يقول الحكيم صدر المتألهين:

«الحق أن النفس الإنسانية من حيث الحدوث والتصرف الجسمي ومن حيث البقاء والتعقل، روحانية؛ بمعنى أن تصرفها في الأجسام جسمي، وتعقلها في ذاتها وذات خالقها روحاني، خلافًا للعقول المفارقة التي هي روحانية من حيث الذات والفعل، وخلافًا للطبيعات الجسدية التي هي جسدية ذاتًا وفعلًا. فلكل جوهر مقام معلوم إلا النفس الإنسانية، ولهذا قلنا إن النفس الإنسانية لها أطوار مختلفة؛ لأن تصرفها في الجسد ليس كتصرف المفارقات في الأجسام، إذ إن النفس الإنسانية ذاتًا تتحمل التحريك والإدراك الجزئي بطريقة انفعالية واستكمالية، بينما المفارقات تفعل ذلك بطريقة إفاضية وابتداعية»([۲۷]).

ما كان الشهيد الفذ صدر يلتفت إليه هو التفسير الصحيح للعلاقة بين الروح والجسد، الذي تم بيانه جيدًا في نظرية الحكيم صدر المتألهين. وجزء آخر من أقواله هو:

«في الآونة الأخيرة، استعاد ارتباط الروح والجسد في الإنسان تفسيره المعقول على يد الفيلسوف الإسلامي صدر المتألهين الشيرازي؛ لأنه يرى الحركة في الجوهر في عمق الطبيعة كأساس عام لجميع الحركات، وهذه الحركة هي جسر لربط الجسد والروح في الإنسان».

وفي الختام، من الضروري التنبيه إلى نقطة مهمة وهي أن الموجودات المجردة والمفارقة قديمة، أي أنه لا زمن لخلقها؛ لأن الزمن كمية متصلة غير ثابتة للحركة الجوهرية (أي مقدار وكمية الحركة الجوهرية)، والحركة الجوهرية هي ذاتية الموجودات المادية والطبيعية؛ بمعنى أنها من المعقولات الثانوية الفلسفية للموجودات المادية والطبيعية وليست من المعقولات الأولية والذوات الجوهرية لها. لذلك، من المستحيل أن يكون الشيء ماديًا وطبيعيًا ولا يكون متحركًا ومتغيرًا، وهذه إحدى القواعد الفلسفية التي تقول: «كل متحرك مادي». ومن ثم، إذا كانت الروح الإنسانية حادثة، فهي مرتبطة بالزمان ومقيدة به، ويتبع ذلك الحركة الجوهرية، ويتبعها المادية وعدم التجرد. والآن يطرح هذا اللغز: كيف تكون الروح الإنسانية من جهة حادثة ومن جهة أخرى مجردة؟

الجواب هو أن الروح طالما لم تتحقق فهي كائن مادي، وطبعًا تحمل كل خصائص وصفات المادية، وفي هذه الحالة لا يُطلق عليها روح إطلاقًا. أما من اللحظة التي يُطلق عليها فيها روح، فلا زمان ولا مكان لها.

والتوضيح هو: مع أن الروح حادثة ويمكن ملاحظة وقت ظهورها، إلا أنها ليست زمانية ولا مرتبطة بالزمن؛ بمعنى أنه عندما تتحقق وتصدق عليها الصفة المجردة، تصبح فوق الزمان والمكان، وكل كائن فوق الزمان والمكان فهو أزلي أبدي (إما أزلي أبدي بالذات مثل الواجب تعالى أو أزلي أبدي بالغير مثل الروح الإنسانية). ولتوضيح هذه المسألة يمكن القول إن الروح مثل الدخان الخارج من أنبوب أسطواني ضيق، لكنه بعد الخروج لا يبقى محدودًا بسطح الأنبوب بل يتمدد. مع أن هذا المثال من باب التشبيه العقلي بالمحسوس، إلا أن دقة النظر تكمن في أن حصر الشيء يكون بالزمان والمكان. فالروح رغم أنها قبل أن تصبح روحًا كانت أسيرة الزمان والمكان ومحدودة بطبيعة الحال، إلا أنه عندما صارت روحًا وتجردت، ارتقت فوق مستوى الزمان والمكان والمادية، ودست على كل ذلك وطار، وعندما طار لم يعد هناك ما يقيدها؛ لأن الفرض كان أن القيد من جهة الزمان والمكان والمادية، والروح ارتقت فوق هذه الأمور. ونتيجة لذلك، فالروح الإنسانية مع أنها حادثة ولها وقت تحقق، إلا أنه عند خروجها من هذه المرحلة لا يهددها أو يقيدها قيد، فتكون فوق الزمان، وفوق الزمان أزلي أبدي.

لذا عندما نقارن الروح بالجسد من الناحية الزمنية، هناك اعتباران لازمَان: الأول يتعلق بالوقت الذي لم تتحقق فيه الروح بعد، ومن هذا المنطلق يكون الجسد مقدمًا على الروح، ويمكن القول إن الجسد يتشكل أولًا ويتبع طريقه نحو الهدف بالحركة الجوهرية.

والاعتبار الثاني هو اعتبار الروح من اللحظة التي تصدق عليها وتصبح مجردة وفوق الزمان. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الروح مقدسة ووجودها سابق على الجسد؛ لأن الروح عندما ارتقت فوق مستوى الزمان، تخطت ثلاث حالات: الماضي، والحاضر، والمستقبل، وكل هذه الحالات الثلاث أصبحت خارج نطاقها، وارتقت فوقها، وربما تلك الأحاديث التي تصرح بتقدم خلق الروح على الجسد تشير إلى هذا الاعتبار، وليس إلى أن الروح خُلقت قبل الجسد وأن زمن استعداد الجسد تعلق بها.

والآن ننتبه إلى بعض الأحاديث في هذا الشأن:

1ـ في معاني الأخبار عن الإمام الصادق؟ع؟ نقل أنه قال:

«إن الله تبارك وتعالي خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام».

2ـ في بصائر الدرجات عن الإمام علي؟ع؟ جاء:

«إن الله تبارك وتعالي خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام».

3ـ في أصول الكافي عن الإمام باقر علوم النبيين؟ع؟ روى:

«خلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام».

وأحاديث أخرى تشترك في المضمون مع هذه الأحاديث. وفي شأن هذه الأحاديث تُطرح أسئلة مثل: لماذا ذُكر في كل هذه الأحاديث ألفي عام؟ هل تُخلق روح كل إنسان قبل جسده بألفي عام؟ أم أن الأرواح كلها خُلقت قبل أول جسد بألفي عام؟ ماذا كانت تفعل الروح خلال هذه الفترة التي تبلغ ألفي عام؟

من خلال ما قيل يمكن تقديم أجوبة على هذه الأسئلة؛ مثل أن تقدم الأرواح على الأبدان من حيث الاعتبار الثاني يجيب عن سؤال تقدم خلق الروح على الجسد، وأن كون الروح مجردة وغير زمانية يجيب عن مسألة الألفي عام، ويتضح أن المقصود هو تقدم مراحل الروح على الجسد.

ومثلما قيل عن الروح، يُطرح الأمر نفسه بالنسبة للجنة والنار؛ لأننا من جهة نقرأ في آيات كثيرة من القرآن وأحاديث أن الجنة والنار ليسا فقط مخلوقين بل إن الجنة مزينة ومزخرفة، ومن جهة أخرى، الجنة والنار نتيجة عمل الإنسان؛ فالعمل الصالح يتحول إلى الجنة أو حقيقة جَنَّانية، والخطيئة تتحول إلى النار أو حقيقة نارية (مع أن أصل نظام الجنة والنار ومرتبة وجودهما ليست معلولة بعمل الإنسان). الجمع بين هذين القولين ليس بالأمر السهل؛ لأن القول الأول يستلزم وجود الجنة والنار قبل العمل، والقول الثاني يستلزم وجودهما بعد العمل. والجمع بينهما ممكن بناءً على النقطة الأساسية المذكورة أعلاه، بحيث إن الأمور الجَنَّانية والنارية تظهر بعد عمل الإنسان، لكنها بمجرد تحققها تصبح مجردة وفوق الزمان والمكان، فتشمل الماضي والحاضر والمستقبل، ومن هذا الاعتبار يمكننا القول إن الجنة والنار كانتا موجودتين قبل عمل الإنسان.

وفي الختام نرسل التحية إلى النفس الطاهرة المطهرة للشهيد المفكر آية الله صدر، ونسأل الله تعالى أن يرفع درجات روحه القدسية.

 


 

[۱]. منشور الحوزويين.

[۲]. وُلد الشهيد صدر عام ۱۳۵۰ق والتاريخ الذي كتب في نهاية مقدمة الكتاب بيده هو عام ۱۳۷۹ق، وكتابة مثل هذا الكتاب الغني والفني في هذا العمر يدل على ذكائه وفطنته العالية.

[۳]. محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج ۱، ص ۳۹، حديث ۲.

[۴]. بالطبع هذا السبعون دليلاً قد ورد في إطار إثبات تجرد النفس.

[۵]. فلسفتنا، ص ۳۲۱.

[۶]. المرجع نفسه، ص ۳۲۳.

[۷]. أسفار، ج ۸، ص ۳۶۲، ولمزيد من الاطلاع انظر: ص ۳۶۰.

[۸]. أسفار، ج ۳، ص ۳۶۲.

[۹]. فلسفتنا، ص ۳۳۰.

[۱۰]. محمد حسين الطباطبائي، بداية الحكمة، ص ٤١ (الترجمة أعلاه من شرح السيد رباني). وقد ذكر صدر المتألهين هذا الإشكال بشكل موسع وبفوائد معرفية كثيرة جداً. انظر: أسفار، ج ۱، ص ۲۹۹.

[۱۱]. أسفار، ج ۱، ص ۲۹۹، تعليق العلامة الطباطبائي.

[۱۲]. المرجع نفسه، ج ۸، ص ۲۲۸ (تر. فوق از شرح آیه الله مصباح یزدی بر اسفار، ص ۴۶۴ نقل شده است).

[۱۳]. فلسفتنا، ص ۳۳۲.

[۱۴]. محمد حسين الطباطبائي، أصول الفلسفة ومنهج الواقعية.

[۱۵]. المرجع نفسه، (توضيحات الشهيد مرتضى مطهري) ولمزيد من الاطلاع انظر: ص ۷۶ وما بعدها.

[۱۶]. فلسفتنا، ص ۳۳۳.

[۱۷]. أسفار، ج ۸، ص ۲۶۰.

[۱۸]. المرجع نفسه، ص ۲۷۹.

[۱۹]. المرجع نفسه، ص ۳۰۰.

[۲۰]. المرجع نفسه، ج ۳، ص ٤٧۰.

[۲۱]. أسفار، ج ۳، ص ٤٧٥.

[۲۲]. المرجع نفسه، ص ٤٧٨.

[۲۳]. فلسفتنا، ص ۳۳٤.

[۲۴]. الأعراف: ٥۸.

[۲۵]. النور: ۲٦.

[۲۶]. لمتابعة هذا النقاش بشكل كامل انظر: أسفار، ج ۸.

[۲۷]. أسفار، ج ۸، ص ۳٤۷.