تنقل الباحثة راشيل كنتس فيدر، وهي من باحثي مؤسسة موشيه دايان البحثية التابعة لجامعة تل أبيب، في أطروحتها للدكتوراه المنشورة في المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسط، ما يأتي: «بدأ تأليف هذا الكتاب (فدك في التاريخ) سنة 1946م؛ وهي السنة التي انتقل فيها الصدر من الكاظمية إلى النجف ليبدأ مسيرته في التحصيل الديني. وعلى الرغم من صغر سنه، فقد كان قد أثبت نضجه الفكري، إذ كان قد تمكّن في مطلع شبابه من الإحاطة بالمباحث الفلسفية والفقهية… ويشكّل السردُ التاريخي والتحقيقُ العلمي في الخلاف حول فدك المحورَ الأساس في هذا الكتاب؛ إذ لم يُنجز حتى الآن بحثٌ نقديٌّ جادٌّ في هذا الموضوع. وما نُشر من مصادر قليلة حول هذه الواقعة غالبًا ما انصرف إلى الهوامش، أو اكتفى بعرضٍ مبسّط جدًا لحقائق النزاع حول فدك… وقد أشارت مرنيسي وكورتز وكالديريني بإيجاز إلى أن علي شريعتي، في بيانه نظرَه إلى فاطمة بوصفها نموذجًا للمرأة، عرض أيضًا قصة فدك. وكتابه، الذي يكثر فيه الاستناد إلى كتاب الصدر فدك في التاريخ، ينظر إلى فدك في سياق حاجات المرأة الحديثة؛ أي في إطار الوعي والنضال من أجل انتزاع حقوقها الاجتماعية والسياسية».
وتتناول راشيل كنتس في دراستها، أولًا، الأبحاث التي أُنجزت حول فكر الشهيد السيد محمدباقر الصدر وشخصيته في العالم، ثم تمضي إلى نقد كتاب فدك في التاريخ وتحليله، وتبحث في دور التاريخ والمجتمع في تشكّل هذا الكتاب، ثم في أثره في أوساط الشيعة.
وكما تقول كنتس، فقد ألّف الصدر هذا الكتاب في مرحلة شبابه المبكر. وبعد مراجعات متعددة ونقدٍ للآراء المختلفة بشأن السنة الدقيقة لتأليفه، خلص أحمد أبو زيد العاملي، في كتابه محمدباقر الصدر؛ السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق، إلى النتيجة الآتية: «يبدو أن الشهيد الصدر اغتنم عطلة الدروس في شهر رمضان سنة 1367هـ (1946م) فكتب كتاب فدك في التاريخ… ولم يكن الشهيد يومئذٍ ينظر إلى هذا الكتاب إلا بوصفه ذكرى من ذكريات مرحلته العلمية في ذلك الحين، كما يصرّح في جوابه لأحد تلامذته حين سأله عن سبب تأليف هذا الكتاب، إذ قال: “كتبتُ مواد هذا الكتاب في صغري، وأحببتُ أن أحتفظ بذكرى من تلك المرحلة، ولذلك ألّفته”». غير أن هذا الكتاب لم يُطبع حتى سنة 1374هـ..
ومع أن هذا الكتاب كُتب في مرحلة المراهقة لدى الصدر، أي في الثالثة عشرة من عمره، فإنه يُعدّ من أعمق الكتب وأكثرها دقة في تحليل جانب من سيرة السيدة الزهراء عليها السلام. ففدك في هذا الكتاب تقوم مقام الجذع في شجرة بحثية متشعبة؛ بحثٍ يتوزع على خمسة فصول، وينتظم في نسقٍ خاص، لا يكتفي بنقل قصة فدك ونقدها نقدًا دقيقًا، بل يتجاوزها إلى قضايا أعمق في الفكر الديني، حتى يكاد يُقال إن الصدر اتخذ من فدك مادةً لبحث كيفية تلقّي المسلمين الأوائل لمعنى الدين. ومن ثم فإن هذا الكتاب، بقدر ما يحمل طابعًا تاريخيًا تحليليًا، يمكن أن يُعدّ أيضًا بحثًا في فلسفة الدين. وتتسع فروع هذا البحث، على الرغم من إيجازه، لأفقٍ واسع؛ إذ يتناول مثلًا مواقف شخصيات صدر الإسلام في مجالات كاقتصاد، فيقول: «ومن هنا تتّضح عقيدة هذين الخليفتين في الملكية الخاصة. فقد كانا يريان أن للخليفة الحق في مصادرة أموال الناس وإنفاقها في شؤون الدولة ومصالحها العامة من دون أن يدفع لهم عوضًا أو يستأذنهم. وعلى هذا الأساس، فمتى احتاجت الحكومة إلى أموال أحد أفراد المجتمع، فإن ذلك الفرد لا يملكها».
وفي الفصل الأول من الكتاب، يقدّم العلامة الشهيد السيد محمدباقر الصدر، بلغةٍ آسرةٍ مصوِّرة، إشارةً موجزة إلى سيرة السيدة فاطمة عليها السلام بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله، ويعرض حركتها في منازلة قضية فدك. أما الفصل الثاني، فيقدّم فيه تقريرًا دقيقًا مفصلًا عمّا مرّ على فدك عبر التاريخ، ويبيّن بالأدلة التي لا تقبل الإنكار أهميتها ومكانتها المادية والمعنوية. ثم ينتقل في الفصل الثالث إلى عرض قصة فدك بعد النبي صلى الله عليه وآله. وفي هذا الفصل، ومن خلال نقده لما كتبه الأستاذ عباس محمود العقاد عن قضية فدك، يحدد منهجه العلمي اللائق ورؤيته البحثية، كما يثير — ضمناً — سؤالًا حول تهميش هذا الجزء من التاريخ أو التقليل من شأنه في كتابات عدد من الباحثين التاريخيين. وفيه أيضًا يذكر الجذور التاريخية والخلفيات العاطفية لموقف السيدة الزهراء عليها السلام من الخليفة الأول. وإلى جانب ذلك، يتناول الأبعاد السياسية لهذه الحركة، ويرى فيها ثورة على السلطة القائمة، فيقول: «إذا دقق المرء النظر في واقعة فدك وتحوّلاتها وأنماط نضالها، فلن يرى فيها مجرد مطالبة بأرض، بل سيتجلى له معنى أوسع يحمل في داخله مطلبًا ساميًا يحرّك الثورة، وينشد استرداد السلطة المغتصبة، والولاية المفقودة، والمجد الكبير، وإعادة أمةٍ كانت قد ارتدت إلى القهقرى. وعلى هذا الأساس، تمتلك فدك دلالةً رمزية تشير إلى معنى أكبر، وليس المقصود منها مجرد قطعة أرض مغصوبة في الحجاز. وهذا المعنى الرمزي هو الذي حوّل تلك المواجهة من دعوى عادية ذات أفق محدود ودائرة ضيقة، إلى ثورة ذات مجال واسع وآفاق رحبة». كما أن دراسة أحداث السقيفة، وتحليل أوضاع القوى السياسية المختلفة بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله، وبيان مقتضيات مقام الإمام علي عليه السلام والسيدة فاطمة عليها السلام في مواقفهما، كلها مباحث تتضافر في هذا الفصل لتقدّم لوحةً مهيبة لبحثٍ دقيقٍ وعقلاني في واحدة من أكثر صفحات التاريخ الإسلامي إثارةً للجدل.
وفي الفصل الرابع، ينتقي الصدر مقاطع من كلمات السيدة الزهراء عليها السلام في الخطبة الفدكية الشهيرة، ثم يشرحها. وهذا الفصل، الذي يبدأ بوصف فاطمة عليها السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله، يبيّن كلماتها بوصفها دستورًا عقديًا فقهيًا، ثم درسًا سياسيًا اجتماعيًا، وعلى الرغم من أنه يورد جزءًا يسيرًا من الخطبة، فإنه يكشف بوضوح روحها الحاكمة كلها.
أما في الفصل الخامس، فيقيم الصدر محكمةً فكرية، ويعرض دعوى السيدة فاطمة عليها السلام على الخليفة الأول، ثم يضع ردوده وادعاءاته في ميزان النقد. وفي هذا الفصل، الذي يضم مجموعةً من المباحث الفلسفية واللغوية والحديثية والأصولية والفقهية، يبرز الصدر قدرته العلمية. فهو ينقل مباني العلماء من الشيعة والسنة ويناقشها في موضوعات شتى. فعلى سبيل المثال، عند بحث المعاني المختلفة للحديث الذي نُسب إلى الخليفة الأول في قضية إرث الأنبياء إلى النبي صلى الله عليه وآله، يتناول حقيقة الإرث، ويكتب: «في الحقيقة، ينتقل المال من المورِّث إلى الوارث، أما العلم والنبوة فلا ينتقلان انتقالًا حقيقيًا. وبناءً على نظرية اتحاد العاقل والمعقول يمكن بيان استحالة انتقال العلم بيانًا واضحًا تمامًا. أما إذا سلّمنا بالمغايرة الوجودية بين العاقل والمعقول، فينبغي القول: لا ريب في تجرد الصور العلمية، وأنها قائمة بالنفس على نحو صدوري؛ أي إنها معلولة للنفس، والمعلول الواحد، بذاته لا بمجرد الاتصال، يكون مرتبطًا بعلّته، وهويته متصلة بها. ومن ثم يستحيل انتقاله إلى علّة أخرى…» ثم يشرح بإيجاز في الحواشي كلَّ مبنى فلسفي ذي صلة، وعندما يصل إلى المباحث الفقهية والأصولية في الكتاب، يعتذر إلى القراء قائلًا: «أعتذر من أنني لا أستعمل في هذا الأثر الاصطلاحات العلمية الرائجة في المباحث المنطقية والفلسفية والفقهية والأصولية، إلا عند الضرورة؛ لأنني أسعى إلى أن تكون مباحث هذا الفصل مفهومةً أيضًا لغير المتخصصين في هذه الميادين». وقد تحقق هذا المقصد — أي جعل الكتاب مفهومًا للقارئ العام على الرغم من تضمّنه مباحث تخصصية متعددة — إلى حدٍّ كبير؛ فلا شك أن جميع المهتمين بتاريخ الإسلام ينتفعون بهذا الكتاب، غير أنه مكتوبٌ بعمقٍ يسمح لكل قارئ أن يتقدم فيه بقدر نصيبه من العلوم الإسلامية، فيغوص إلى أعماقٍ أكثر ويستزيد من معارفه.
وقد أشار آية الله السيد كاظم الحائري، في مقدمة مباحث الأصول، إلى ما يتمتع به هذا الكتاب من رتبة علمية عالية، مستعرضًا بعض النقد الذي وجّهه العلامة الصدر إلى عدد من الآراء الفقهية لكبار علماء الشيعة، مثل صاحب الجواهر وآقاضياء العراقي. ومن ذلك نقده لاستدلال صاحب الجواهر على نفوذ علم القاضي في مقابل البيّنة. وفي هذا الصدد كتب الشهيد: «إن هذا الدليل، في نظري، [مع أنه هنا يؤيد ما نذهب إليه]، يعاني ضعفًا جوهريًا؛ لأنه لم يُجرَ فيه قياس بين البيّنة وعلم الحاكم بالنسبة إلى نفس الواقع، وإنما نُظر فقط إلى مقدار تأثير كل منهما في ذهن الحاكم ونفسه. وعندئذٍ انتهى الأمر إلى القول بأن العلم أقوى من البيّنة، بحجة أن اليقين أشد من الظن. غير أن الحقيقة هي أنه ينبغي في هذا القياس النظر إلى أيِّهما أصلحُ بطبيعته في كل قضية للوصول إلى الحقيقة المطلوبة. وفي مثل هذا القياس لا يتفوق علم الحاكم على البيّنة؛ لأن البيّنة قد تخطئ، كما أن علم الحاكم قد يخطئ أيضًا. فهما في نظر الشرع سواء، وكلاهما عرضة للزلل والخطأ».
ولعل مثل هذه المباحث هي التي حملت العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين، صاحب الكتاب الشريف المراجعات، على أن يشهد باجتهاد السيد محمدباقر الصدر بعد اطلاعه على هذا الكتاب. وينقل ابن العلامة شرف الدين أنه بعدما وصل كتاب فدك إلى والده، قرأه، ولما أتمّه أغلقه وقال: «أشهد بالله أنه مجتهد؛ واللهِ إنه لمجتهد».[3]
وإلى جانب مضمون الكتاب، فإن لغته وأسلوب استدلاله يشكّلان بعدًا آخر من أبعاد أهميته وفرادته. فقد كتب الصدر في موضوعٍ يقع ضمن القضايا المذهبية الخلافية، بأسلوبٍ حافظ فيه على الخصوصية المذهبية، من غير أن تكون لغته خاصة بالشيعة وحدهم؛ بحيث يمكن تقديمه بسهولة إلى أهل السنة، ليتعرّفوا — من غير إثارة حساسيات مذهبية — على الرؤية الشيعية لقضية فدك على نحوٍ دقيق.
وقد طُبع كتاب فدك في التاريخ، إلى جانب كتابين آخرين للشهيد الصدر هما التشيع والإسلام وبحث حول المهدي عليه السلام، من قبل مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر.
لقراءة كتاب فدک فی التاریخ، اضغط هنا.

