ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ارزیابی معناشناسی حسن و قبح در اندیشه محقق خراسانی با محوریت نقدهای شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
دلالة حسن وقبح وبيان المعنى المختلف عليه في هذه المسألة، أحد المحاور المهمة في موضوع الحسن والقبح. في فكر المحقق الخراساني، معنى الحسن والقبح هو التوافق والتنافر مع القوة العاقلة، والمقياس للتوافق والتنافر عند القوة العاقلة هو سعة وضيق الوجودي للأفعال التي تكون منشأ آثار الخير أو الشر. في فكر الشهيد الصدر، رغم أن وجهة نظر المحقق الخراساني تُعدّ أرقى وأدقّ وجهات النظر في هذه المسألة بين الأصوليين، إلا أن هناك ثلاث مآخذ مهمة عليها: أولاً) الخلط بين المدرك بالذات والمدرك بالعرض؛ ثانياً) أربع حالات نقض لهذه النظرية؛ ثالثاً) غياب تحليل مقياس المدح والذم. هذا المقال بأسلوب وصفي تحليلي، يبيّن أولاً وجهة نظر المحقق الخراساني ثم يذكر نقد الشهيد الصدر، وفي النهاية يقيم نقد الشهيد الصدر.
المؤلف: رحمان عشریه، حسن رضایی هفتادر، محمدعلی اسماعیلی
المصدر: المجلة العلمية البحثية للكلام الإسلامي، المجلد ٢٦، العدد ١٠٢، ص ٢٣-٣٨
مقدمة
مسألة الحسن والقبح كانت محل اهتمام المفكرين منذ زمن بعيد، وقد نوقشت في اليونان القديمة كواحدة من المسائل التي اهتم بها سقراط وأفلاطون وأرسطو (افلاطون،١٣٨٠، ١: ٢٩۶؛ ارسطو، ٢٠٠٨، ١: ١۶٨؛ کاپلستون، ١٣٧۵، ١: ٣٧٩). هذه المسألة كانت من القضايا المهمة في علم الكلام بين المتكلمين المسلمين، وذات دور محوري في مسائل مختلفة مثل أفعال الله، اختيار الإنسان، بعثة الأنبياء(ع)، نصب الأئمة(ع) وضرورة المعاد، وقد قسم المتكلمون إلى عدلية وغير عدلية بناءً عليها. كما تناول المفسرون هذه المسألة بنظرة قرآنية كلامية تحت الآيات المتعلقة بالحسن والقبح (نحل: ٩٠؛ اعراف: ١۵٧؛ الرحمن: ۶٠) و(فخررازی، ١۴٢٠، ١۴: ٢٧٨؛ آملی، ١۴٢٢، ٣: ٢٢١؛ طبرسی، ١٣٧٢، ۶: ۵٨۶).
دلالة الحسن والقبح وبيان المعنى المختلف عليه في هذه المسألة، أحد المحاور المهمة في موضوع الحسن والقبح. المحقق الخراساني من بين المفكرين الذين تناولوا بدقة ورقة مسألة الحسن والقبح وخاصة دلالتهما؛ وقد عرض وجهة نظره في الفائدة الثالثة عشر من كتاب «فوائد الأصول» بعنوان «فائدة في المدح والذم في الأفعال» (خراسانی، ١۴٠٧، ١٢١-١٢٧). الشهيد الصدر أيضاً من القلة الذين تناولوا جوانب مختلفة لمسألة الحسن والقبح في مباحثهم الأصولية، وقدموا تحليلاً ونقداً مهماً لبعض الآراء السائدة، وقيّموا بشكل واسع وجهة نظر المحقق الخراساني وقدموا عدة نقديات مهمة عليها. هذا المقال بأسلوب وصفي تحليلي، يبيّن أولاً وجهة نظر المحقق الخراساني ثم يذكر نقد الشهيد الصدر، وفي النهاية يقيم نقد الشهيد الصدر. هذا البحث يعتمد على المنهج المكتبي ويجمع المعلومات ويحللها ويبحثها باستخدام المصادر. من حيث الهدف، هذا البحث من نوع البحوث النظرية، ومن حيث الطبيعة والمنهج، وصفي تحليلي، ومن حيث طريقة جمع البيانات، مكتبي. هدف هذا البحث هو الوصول إلى وجهة نظر المحقق الخراساني في دلالة الحسن والقبح وتقييمها.
دلالة الحسن والقبح في فكر المحقق الخراساني
كلمة «حُسن» من الجذر «ح س ن»، في اللغة تعني الجمال (زبیدی، د.ت.، ١٨: ١۴٠) وكل ما يبعث على البهجة والسرور ويكون مرغوباً ومأمولاً (راغب اصفهانی، ١۴١٢: ٢٣۵). وكلمة «قبح» من الجذر «ق ب ح»، في اللغة تعني القبح وكل ما يبعث على النفور ويكرهه الإنسان وينفر منه (المرجع نفسه: ۶۵١). الحسن والقبح في علم الكلام وردا بمعانٍ متعددة مثل «الكمال والنقص» (طوسی، ١۴٠۵: ٣٣٩؛ جرجانی، ١۴١٩، ٨: ١٨٢؛ تفتازانی، ١۴٠٩، ۴: ٢٨٢؛ ابن میثم بحرانی، ١٣٩٨: ١٠۴؛ فاضل مقداد، ١۴٠۵: ٢۵۴)؛ «الملاءمة والتنافر مع الطبيعة» (طوسی، ١۴٠۵: ٣٣٩؛ طوسی، د.ت.: ٧٧؛ جرجانی، ١۴١٩، ٨: ١٨٢؛ تفتازانی، ١۴٠٩، ۴ :٢٨٢؛ ابن میثم بحرانی، ١٣٩٨: ١٠۴؛ فاضل مقداد، ١۴٠۵: ٢۵۴)؛ «الموافقة مع المصلحة وعدم الموافقة معها» (جرجانی، ١۴١٩، ٨: ١٨٢؛ مظفر، ١۴٢٢، ٢: ۴١١) و«استحقاق المدح أو الذم» (طوسی، ١۴٠۵: ٣٣٩؛ فخررازی، ١٩٨۶، ١: ٣۴۶؛ جرجانی، ١۴١٩، ٨: ١٨٣؛ تفتازانی، ١۴٠٩، ۴: ٢٨٢؛ ابن میثم بحرانی، ١٣٩٨: ١٠۴). وفقاً للرأي الشائع بين المتكلمين، المعنى المختلف عليه هو استحقاق المدح والذم (تفتازانی، ١۴٠٩، ۴: ٢٨٢؛ ابن میثم بحرانی، ١٣٩٨: ١٠۴).
في فكر المحقق الخراساني، معنى الحسن والقبح هو التوافق والتنافر مع القوة العاقلة. وقد سبق هذا الرأي قطب الدين السبزواري (سبزواری، ١٣٧٣: ٣۵۴).
المحقق الخراساني في سبيل توضيح وجهة نظره المختارة، قارن بين وجهة نظر الفلاسفة في مسألة الخير والشر ومسألة الحسن والقبح في الأفعال؛ فالفلاسفة يرون أن الوجود خير محض والعدم شر محض (سهروردی، ١٣٧۵، ٣: ٣٩؛ صدرالمتألهین، ١٩٨١، ١: ٣۴٠). ويعتقد المحقق الخراساني أن هذا الأساس ينطبق أيضاً على الأفعال؛ فكل فعل له سعة وجودية أكبر يكون خيره أكثر، وكل فعل له نصيب أقل من الوجود يكون خيره أقل وشره يغلب (خراسانی، ١۴٠٧: ١٢٣؛ شهید صدر، ١۴٣٣، ١: ۴٣٠).
في فكر المحقق الخراساني، مراتب الأفعال ليست متساوية عند العقل، والأفعال مثل غيرها من الأشياء لها سعة وضيق؛ وهذا الاختلاف الوجودي هو منشأ الاختلاف في آثار الخير والشر؛ كما أن الإدراك عبر القوى الحسية يختلف، فإن القوة العاقلة التي هي من القوى الإنسانية، بل هي رئيس هذه القوى، لا بد أن تدرك بعض الأمور الملائمة والمتوافقة برحابة صدر، وبعض الأمور غير المتوافقة بشمئزاز، والمقياس للتوافق والتنافر عند القوة العاقلة هو ذات السعة والضيق الوجودي التي تُعد منشأ آثار الخير أو الشر، والقوة العاقلة بحكم تجردها تتوافق مع كل ما له حظ ونصيب وجودي أكبر، وتتنافر مع كل ما له نصيب وجودي أقل. معنى الحسن والقبح العقلي هو هذا الملاءمة والتنافر للفعل مع القوة العاقلة، وهذا التوافق والتنافر بالضرورة يؤدي إلى صحة مدح الفاعل المختار بما هو فاعل أو ذمه (خراسانی، ١۴٠٧: ١٢۴). لذلك يمكن تصوير نظرية المحقق الخراساني هكذا: اختلاف الأفعال في السعة الوجودية منشأ لآثار الخير والشر، وهذا بدوره منشأ للملاءمة والتنافر مع القوة العاقلة، وهذا بدوره منشأ لصحة المدح والذم للفاعل.
يعتبر المحقق الخراساني وجود الاختلاف والتفاوت في الأفعال أمرًا بديهيًا وواضحًا للعقل لا مجال للشك فيه؛ والدليل على ذلك السعة والضيق في الاختلاف الموجود في آثار هذه الأفعال. كما يشبّه اختلاف الأفعال بالاختلاف في الأشياء، ويضرب لذلك مثلًا بين الضربة التي تسبب الألم والعطاء والإنعام الذي يسبب السرور، ويبيّن أنه كما أن الأشياء مختلفة في الوجود، فكذلك الأفعال تختلف في الوجود، مما يؤثر على القوى المدركة الإنسانية. ويعتبر فهم هذه الاختلافات أمرًا عقليًا، ويعتقد أنه كما أن القوى الحسية تلتذ أو تنفر من بعض الأمور، فلا بد أن تكون القوة العاقلة، التي هي مثلها بل وربما رئيستها، كذلك تشعر بالفرح والاشمئزاز. وكلما كان الفعل أوسع في وجوده، كان أكثر توافقًا وانسجامًا مع العقل المجرد الذي يمتاز بسعة وجودية بسبب تجرده، وكلما كان أضيق، كان أقل توافقًا مع العقل. وهذه التوافقية وعدم التوافق مع القوة العاقلة تشكل معنى الحسن والقبح، مما يؤدي إلى صحة المدح والذم للفاعل المختار (خراسانی، ١۴٠٧: ١٢٣؛ شهید صدر، ١۴٣٣، ١: ۴٣٠؛ نصیری، ١٣٨٩: ٧). ووفقًا لرأي الشهيد الصدر، فقد فسّر المحقق الخراساني الحسن والقبح العقليين بالتلذذ والاشمئزاز لدى القوة العاقلة؛ فالقوة العاقلة تستمتع بالفعل الحسن وتنشد إليه، أما الفعل القبيح فتبغضه وتشمئز منه، والحسن والقبح ليسا إلا هذا التلذذ والاشمئزاز (شهید صدر، ١٩٩۶، ۶ :١۵٢).
نقدات الشهيد الصدر على رؤية المحقق الخراساني
تناول المفكرون بعد المحقق الخراساني تحليل هذه الرؤية ودراستها (انظر: اصفهانی، ١۴٢٩، ٣: ٣۴٠؛ سبحانی، ١٣٨٢: ٣۶). وما يهمنا في هذا المقال هو تحليل وتقييم هذه الرؤية في فكر الشهيد الصدر. يرى الشهيد الصدر أن المحقق الخراساني ربط بين الحسن والقبح وبين المصلحة والمفسدة (شهید صدر، ١۴٣٣، ١: ۴٣١). ولكن من اللازم التنبيه إلى أن المحقق الخراساني لم يذكر المصلحة والمفسدة في شرح رؤيته؛ أما سبب وصف الشهيد الصدر لرؤية المحقق الخراساني بأنها ربط بين الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة، فهو أن الشهيد الصدر يرى أن المصلحة هي ما يكون كمالًا لقوة من قوى الإنسان أو للنفس الإنسانية ككل، وهذا المعنى يدل على المصلحة الفردية، أو الكمال للنوع الإنساني، وهذا يدل على المصلحة النوعية؛ والمفسدة هي ما يكون نقصًا لقوة من قوى الإنسان أو للنفس الإنسانية ككل، أو نقصًا للنوع الإنساني (المرجع نفسه: ۴٢٩)؛ لذلك تنقسم المصلحة والمفسدة إلى «مصلحة ومفسدة بالنسبة لقوة من القوى الإنسانية» و«مصلحة ومفسدة بالنسبة للنفس الإنسانية كلها»؛ وبالتأمل في رؤية المحقق الخراساني يتضح أن هذه الرؤية أيضًا تندرج ضمن تفسير «المصلحة والمفسدة بالنسبة لقوة من القوى الإنسانية».
في فكر الشهيد الصدر، يمكن اعتبار رؤية المحقق الخراساني أرقى وأدق الرؤى بين الأصوليين من حيث التوافق مع المصطلحات الفلسفية (المرجع نفسه: ۴٣٢). ومع ذلك، لم تكن رؤيته مقبولة لدى الشهيد الصدر، وهناك عدة مآخذ عليها:
المأخذ الأول: الخلط بين المدرك بالذات والمدرك بالعرض
في رؤية المحقق الخراساني، وقع خلط بين المدرك بالذات والمدرك بالعرض. فالـ«معلوم بالذات» هو معلوم وجوده في ذاته، أي أن وجوده عين وجوده للمدرك، وصورته العينية هي نفسها صورته العلمية. أما الـ«معلوم بالعرض» فهو معلوم وجوده في ذاته ليس عين وجوده للمدرك، وصورته العينية ليست عين صورته العلمية (صدرالمتألهین، ١٩٨١، ۶: ١۵١). إن التفريق بين «المعلوم بالذات» و«المعلوم بالعرض» وآثارهما من المسائل المهمة في الفلسفة؛ ووفقًا لمبادئ الحكمة المتعالية، فإن «المعلوم بالذات» في جميع مراتب الإدراكات يكون مجردًا وخاليًا من المادية؛ لذلك فالمحسوس بالذات، والمتخيل بالذات، والمتوهم بالذات، والمعقول بالذات، وكل هذه التي تمثل أقسام العلم الحصولي، هي مجردة وخالية من المادية (طباطبائی، ١٣٨۵، ۴: ٩٢٢).
إشكال الشهيد الصدر على رأي المحقق الخراساني هو الخلط بين المدرك بالذات والمدرك بالعرض؛ فالمدرك بالعرض لا يكون حاضرًا في النفس والعقل أبدًا؛ وبالنسبة للمدرك بالذات، فإن القوة العاقلة لدينا لا تختلف في سعة الوجود أو ضيقه بالنسبة للإدراكات المختلفة. وبعبارة أخرى، الاختلاف في السعة والضيّق يتعلق بالمدرك بالعرض، لا بالمدرك بالذات؛ فالشيء الخارجي الذي له آثار وجودية كثيرة، له سعة وجودية، والشيء الذي له آثار وجودية قليلة، له ضيق وجودي. إذًا، الخارج الذي هو المقصود بالعرض والمدرك بالعرض، يختلف من حيث السعة والضيّق الوجودي. أما المدرك بالذات، وهو صورة حاصلة في النفس، فهو صورة مجردة؛ ولا يمكن القول في موضع ما حيث تصورت الله، لأن الله وجود مطلق، فإن إدراكك أيضًا إدراك قوي؛ أو في موضع ما حيث تصورت إنسانًا، نقول إن الإنسان مرتبة أدنى من وجود الله، وبالتالي إدراكه أضعف قليلًا؛ لأن وفقًا للمباني الفلسفية، الإدراكات لقوة واحدة من حيث السعة الوجودية مناسبة لتلك القوة؛ لكنها ليست بحيث يختلف الإدراك نفسه أيضًا. إدراك الشيء المادي ليس ماديًا، وإدراك الشيء المجرد ليس مجردًا بحيث نقول إن الإدراكات تختلف باختلاف متعلقها؛ بل الإدراك نوع واحد. لذلك، الشيء الذي من أعلى درجات الموجودات مع ما هو من أضعف درجات الموجودات، من حيث إدراك القوة العاقلة ومن حيث السعة والضيّق، واحد ولا يتغير ولا يختلف ولا يتفاوت. إذًا، الملاءمة والتنافر بالنسبة للمدرك بالعرض صحيح؛ فالمدرك بالعرض، وهو شيء خارجي، له قدرة على الملاءمة والتنافر والاختلاف الإدراكي بالنسبة للقوة العاقلة؛ أما بالنسبة للمدرك بالذات، فلا يمكن القول إن هذا المدرك بالذات متنافر أو ملائم مع القوة العاقلة؛ لأنه من حيث الإدراك، لا يوجد فرق بين هذين الأمرين (شهید صدر، ١۴٣٣، ١: ۴٣٢-۴٣٣).
الإشكال الثاني: أربعة إشكالات نقضية على رأي المحقق الخراساني
طرح الشهيد الصدر أربعة نقوض على رأي المحقق الخراساني وادعى أنه إذا كان بالإمكان الرد على بعضها بتكلف، فلا يمكن الرد على مجموعها. وتبيان هذه النقوض على النحو التالي:
النقض الأول: لزوم تبعية العقل العملي للعقل النظري
إذا كان الحسن والقبح العقليان باعتبار الملاءمة والتنافر مع القوة العاقلة، فلابد أن يختلف العقل العملي باختلاف العقل النظري؛ ومن حيث السعة والضيّق، يجب أن يكون العقل العملي تابعًا للعقل النظري. لذلك، من كان لديه عقل نظري أقوى وأقدر على فهم المجردات، يجب أن يكون أقوى في إدراك الحسن والقبح، ويجب أن يشعر بانقباض وضيق أكبر تجاه الفعل القبيح؛ بينما نعلم أن هذا ليس كذلك (المرجع نفسه: ۴٣٣-۴٣۴).
لم يبين الشهيد الصدر وجه الملازمة بين رأي المحقق الخراساني و«تبعية العقل العملي للعقل النظري»؛ لكن في ضوء نقطتين يمكن توضيح وجه الملازمة بينهما: النقطة الأولى، أنه وفقًا لرأي الشهيد الصدر، الفرق بين العقل النظري والعقل العملي في مجال المدركات؛ فالعقل النظري والعقل العملي ليسا قوتين مستقلتين، بل قوة واحدة لها مجالان إدراكيان: إدراك الأمور التي بالذات لا تستلزم جريانًا عمليًا، وإدراك الأمور التي بالذات تستلزم جريانًا عمليًا (شهید صدر، ١۴٢١: ٣٠۵؛ همو، ١۴٣٣، ١: ٣٩۶). النقطة الثانية، أنه وفقًا لرأي المحقق الخراساني، الحسن والقبح العقليان باعتبار الملاءمة والتنافر مع القوة العاقلة. لذلك، مع الأخذ في الاعتبار هاتين النقطتين، القوة العاقلة التي هي قوة واحدة فقط، إذا كانت قوية في مجال إدراكي، ستكون قوية أيضًا في المجال الإدراكي الآخر؛ وبالتالي إذا كانت أقوى في إدراك المجردات وفهم الكليات، ستكون أقوى أيضًا في الانقباض والضيق تجاه الأفعال القبيحة.
النقض الثاني: اختلاف قبح الأفعال في ضوء اختلاف العقول
يستلزم رأي المحقق الخراساني أن يكون فعلاً ما مباحًا عند الإنسان الضعيف، وقبيحًا عند الإنسان القوي؛ فمن كان لديه عقل نظري أقوى، يجب أن يرى ما هو مباح عند الإنسان ضعيف العقل، قبيحًا عنده. وهذا غير صحيح؛ لأن الشيء القبيح قبيح عند الجميع، ولا معنى لأن نقول إنه مباح عند عقل شخص وقبيح عند عقل آخر (شهید صدر، ١۴٢١: ۴٣۴).
النقض الثالث: تماثل قبح الأفعال في ضوء تماثل العقول
إذا رأى شخص واحد أن فعلًا قبيحًا صدر من نبي، ورأى أيضًا أن نفس الفعل القبيح صدر من إنسان عادي، وفقًا لرأي المحقق الخراساني، حيث إن الحسن والقبح من حيث السعة والضيّق تابع لعقل الشخص، وهنا حيث يوجد مدرك واحد فقط وعقل واحد، لا يمكن لهذا الشخص أن يقول إن قبح الفعل الصادر من النبي أعظم من قبح الفعل الصادر من الإنسان العادي؛ لأن المعيار هو عقله هو، والعقل له حد معين في الإدراك؛ لذلك لا يختلف عند شخص واحد أن يكون الفعل القبيح صادرًا من النبي أو من إنسان عادي. وهذا الاستنتاج غير مقبول (المرجع نفسه).
النقض الرابع: تحليل حقيقة قبح الأفعال
النقض الرابع يتعلق بتحليل حقيقة قبح الأفعال؛ عندما نقول: «الكذب قبيح»، فما هو اعتبار هذا القبح للكذب؟ هل هو باعتبار أن للكذب حدًا عدميًا؟ أم باعتبار جميع الإعدامات الملازمة له؟ أم أن إسناد القبح للكذب ليس إسنادًا حقيقيًا بل مجازيًا؟ بمعنى آخر: وفقًا لرأي المحقق الخراساني، المعيار في الحسن والقبح هو القوة العاقلة، فهل المعيار للقوة العاقلة في تقبيح الأفعال هو الحد العدمي لها، ويقال إن هذا المعيار منافر للنفس والقوة العاقلة، لذا فهو قبيح؟ أم أن المعيار هو الإعدام الملازم له؟ أم أن إسناد القبح للكذب مجازي أساسًا؟
لذلك، في تحليل قبح الكذب، هناك ثلاثة احتمالات؛ لكن قبل بيان إشكالات الشهيد الصدر، من الضروري توضيح هذه الاحتمالات وشرح الفرق بين الاحتمال الأول والثاني:
وفقًا للاحتمال الأول، قبح الكذب يكون باعتبار ماهية الكذب؛ والماهية بالمعنى الأخص تعني «ما يُقال في جواب ما هو؟»؛ والماهية بهذا المعنى تدل على ذات وذوات الشيء التي تُعرض ضمن الحد والرسم. والماهية بالمعنى الأخص، وفق تفسير بعض المتأخرين، هي حد الوجود؛ وطبقًا لهذا التفسير، الماهية أمر عدمي، وكل موجود محدود له ماهية؛ ومن هنا فإن كل وجود معلول محدود وله ماهية (صدرالمتألهین، ١٩٨١، ٢: ٢؛ طباطبائی، ١٣٨۵، ١: ۶٩). لذلك، وفق الاحتمال الأول، قبح الكذب يكون باعتبار ماهية الكذب التي تعبّر عن محدودية وجود الكذب وحدّ عدمه.
أما وفق الاحتمال الثاني، فالقبح في الكذب يكون باعتبار الإعدام الملازم للكذب؛ ونتيجة محدودية وجود الكذب، يُسلب باقي الدرجات والمراتب الوجودية من وجود الكذب؛ لذلك الكذب ليس عدلًا، وليس شجرًا، وليس بقرًا، وبقية المراتب الوجودية التي تُسلب من الكذب. والفرق بين الاحتمال الأول والثاني ليس اختلافًا جوهريًا، بل اختلافًا في طريقة النظر: الاحتمال الأول يشير إلى أن قبح الكذب يكون باعتبار ماهية الكذب التي تعبّر عن محدودية وجوده؛ أما الاحتمال الثاني فيشير إلى أن قبح الكذب يكون باعتبار مجموعة السلبات الملازمة لمحدودية وجود الكذب.
في ضوء شرح الاحتمالات السابقة، ننتقل إلى تحليل ومناقشة الشهيد الصدر لهذه الاحتمالات:
وفقًا للاحتمال الأول، إذا اعتبرت القوة العاقلة قبح الكذب بمقياس حدّ عدمه، فإن الصدق أيضًا له حدّ عدم؛ فالصدق والكذب كلاهما كيان نفسي وكيان مسموع، ولهما محدودية وجودية؛ لذلك وجود حدّ عدمي هو نقطة مشتركة بين الصدق والكذب، وليست خاصة بالكذب؛ ومن ثم، لا فرق بين الصدق والكذب عند القوة العاقلة من هذه الناحية.
وفقًا للاحتمال الثاني، المقياس الذي تعتمد عليه القوة العاقلة في تقبيح الأفعال هو الإعدام الملازم لها؛ ووفقًا لرأي الشهيد الصدر، هذا الاحتمال فيه عيبان:
العيب الأول: أنه وفق هذا الاحتمال، الكذب الذي يعتبره العقل البشري قبيحًا، يكون كذلك لأنه ملازم بمجموعة من الإعدامات؛ كعدم المنفعة، وعدم الاعتبار، وعدم المصلحة، وما شابه ذلك. وفي هذه الحالة، يستلزم ذلك أنه عندما يريد العقل أن يحكم بقبح الكذب، يجب أن ينتبه إلى كل الإعدامات الملازمة للكذب ليقول: «الكذب قبيح»؛ وبدون هذا الانتباه، لا يستطيع الشخص أن يحكم بقبح الكذب. وهذا يتعارض مع البديهة، إذ نجد أن بعض الناس يحكمون بقبح بعض الأفعال دون الانتباه إلى الإعدامات الملازمة لها. وكذلك وفق هذا الاحتمال، مقياس حسن بعض الأفعال هو الانتباه إلى الموجودات الملازمة لها؛ مثل حسن ترك الانتقام باعتبار الموجودات الملازمة له؛ ومن ثم، بدون الانتباه إلى تلك الموجودات، لا يصدر من العقل حكم بالحسن عليها؛ وهذا أيضًا يتعارض مع البديهة، إذ نجد أن بعض الناس يحكمون بحسن بعض الأفعال دون الانتباه إلى الموجودات الملازمة لها.
العيب الثاني: أن هذا الاحتمال يتعارض مع المبدأ الأصولي لمحَقِّق خراسان في مسألة الضد (شهید صدر، ١۴٣٣، ١: ۴٣۴-۴٣۵)؛ لأن محقق خراسان يرى أن الأمر بشيء لا يستلزم النهي عن ضده الخاص (خراسانی، ١۴٢٧: ٢٣٧)؛ وهذا الاحتمال يتعارض مع هذا المبدأ الأصولي.
وفقًا للاحتمال الثالث، فإن إسناد القبح إلى الكذب هو مجازي، ويكون باعتبار الإعدامات الملازمة له؛ وهذا الاحتمال أيضًا غير مقبول، وإلى جانب العيب الأول المتعلق بالاحتمال الثاني، فهو يتعارض مع البديهة، لأن العقلاء في العالم يرون قبح الكذب حقيقيًا ولا يعتبرون إسناد القبح إلى الكذب مجازيًا (شهید صدر، ١۴٣٣، ١: ۴٣۴-۴٣۵).
العيب الثالث: غياب تحليل مقياس المدح والذم
يناقش الشهيد الصدر في العيب الثالث تحليل ومناقشة مقياس المدح والذم؛ فوفقًا لمحَقِّق خراسان، اختلاف الأفعال في سعة وجودها هو منشأ الآثار الخيرية والشريرة، وهذا بدوره منشأ للملاءمة والتنافر مع القوة العاقلة، وهذا أيضًا منشأ لصحة المدح والذم للفاعل. لذلك، مقياس حسن وقبح الأفعال هو انبساط وانقباض القوة العاقلة؛ وانبساط وانقباض القوة العاقلة هو منشأ لصحة المدح والذم للفاعل (خراسانی، ١۴٠٧: ١٢۴). أما وفق رأي الشهيد الصدر، فإن محقق خراسان لم يبيّن منشأ انبساط وانقباض القوة العاقلة لصحة المدح والذم للفاعل، ولا يعتبر انبساط وانقباض القوة العاقلة منشأً لصحة المدح والذم للفاعل، بل يجب البحث عن منشأ صحة المدح والذم للفاعل: فإذا اعتبرنا منشأ صحة المدح والذم اعتبار العقلاء، فهذا يعني في الواقع إنكار الحسن والقبح الذاتي، لأن وفق هذا الرأي، الحسن والقبح تابعان لاعتبار العقلاء، ولا يتمتعان بواقعية في مقام الثبوت. وإذا اعتبرنا منشأ صحة المدح والذم وجود خاصية في الأفعال نفسها، فلا حاجة عندئذ إلى طرح نظرية انبساط وانقباض القوة العاقلة، بل يمكن تقديم وجود هذه الخاصية نفسها كمقياس للحسن والقبح. إلا إذا اعتبرنا انبساط وانقباض القوة العاقلة علامة ودلالة على وجود تلك الخاصية، وهذا الاحتمال يتعارض مع ظاهر عبارات محقق خراسان الذي يعتبر هو نفسه مقياس الحسن والقبح هو انبساط وانقباض القوة العاقلة (شهید صدر،١۴٣٣، ١: ۴٣۵).
يستنتج الشهيد الصدر من مجموع المآخذ التي يطرحها على رؤية المحقق الخراساني أن الحسن والقبح لا علاقة لهما بالمصلحة والمفسدة؛ وكذلك لا علاقة لهما بالتلاؤم والتنافر مع القوة العاقلة التي هي فرع من المصلحة والمفسدة. إلى جانب نقده لرؤية المحقق الخراساني التي تعبّر عن الجانب السلبي لنظريته، بيّن الشهيد الصدر رؤيته المختارة بشكل واسع، والتي تعبّر عن الجوانب الإيجابية لرؤيته؛ وقد تناولها الكاتب في مقالة أخرى (انظر: اسماعیلی، ١٣٩۴: ٣١-۵٨).
تقييم نقدات الشهيد الصدر
طرح الشهيد الصدر ثلاث مآخذ على رؤية المحقق الخراساني؛ وتقييم هذه المآخذ هو كما يلي:
تقييم المأخذ الأول
المأخذ الأول للشهيد الصدر ينبع من خلط بين صفة وجودية وصفة معرفية؛ فالصُوَر والمفاهيم الذهنية لها صفتان: الأولى، الصفة الوجودية؛ فهي بهذا المعنى مجموعة الموجودات الذهنية ومن جنس الكيف النفسي؛ والثانية، الصفة المعرفية؛ فهي بهذا المعنى تشكل العلم وتعبر عن معيارها الخاص.
وبالنظر إلى هذه النقطة، فإن الشهيد الصدر في المأخذ الأول يركز على الصفة الوجودية للصور والمفاهيم الذهنية؛ فهي بهذه الصفة تتمتع بدرجة وجودية متساوية ولا ينتقل إليها اتساع أو ضيق وجودي من معيارها (المرجع نفسه: ۴٣٣)؛ أما رؤية المحقق الخراساني فهي تركز على الصفة المعرفية لها؛ فالمفاهيم والصور الذهنية تعبر عن معيار خارجي؛ ومع أن الآثار الخارجية للمعلوم بالعرض لا تنتقل إلى المعلوم بالذات (طباطبائی، ١٣٨۵، ١: ١۴٣)، إلا أن المعلوم بالذات من منظور معرفي يعبر ويخبر تماماً عن المعلوم بالعرض؛ لذلك فهو يعبر عن حقيقة المعلوم بالعرض؛ وعندما يكون المعلوم بالعرض متصفاً باتساع أو ضيق وجودي، فإن المعلوم بالذات أيضاً يعبر ويخبر عن هذا الاتساع أو الضيق الوجودي. إن لذة القوة العاقلة من المعلوم بالذات ليست باعتبار الصفة الوجودية له حتى يثار مأخذ الشهيد الصدر، بل باعتبار الصفة المعرفية له. وتتضح هذه النقطة في ضوء تفسير الجوهر بـ«حد الوجود» (صدرالمتألهین، ١٩٨١، ٢: ٢ و ٧: ٢٢٧؛ طباطبائی، ١٣٨۵، ١: ۶٩)؛ فوفق هذا التفسير، الجوهر الذي يتبادر إلى الذهن هو حد الوجود ويعبر عن اتساع أو ضيق وجودي لمعياره؛ وملاحظة هذا الجوهر الذهني من منظور معرفي تعبر بدقة عن اتساع أو ضيق وجود معياره.
الدليل على صحة ما تقدم هو أن مسألة اللذة، وخصوصاً اللذة العقلية، كانت مطروحة منذ القدم في الكتب الفلسفية ومرتبطة بالصفة المعرفية؛ فاللذة هي حصول الكمال لشيء متوافق معه (سهروردی، ١٣٧۵، ٢: ٢٢۴). وقد ذُكر تقسيم اللذة حسب القوى الإدراكية في كلام الفلاسفة (ابن سینا، ١٣۶٣: ١٧؛ همو، ١٣٧٩: ۵٩١). لكل قوة من قوى النفس لذة وألم. وقد تناول السهروردي إلى جانب شرح لذات القوى الإدراكية الأخرى، شرح لذة القوة العاقلة واعتبر لذة القوة العاقلة أقوى من غيرها (سهروردی، ١٣٧۵، ٣: ۴٣٣). كما يرى ابن سينا أن اللذة العقلية أعلى بكثير من اللذة الحسية؛ لأن موضوع الإدراك العقلي هو الأمر الكلي والباقي، ويتحد المدرك مع المدرك، والقوة المدركة تدرك جوهر المدرك (ابن سینا، ١٣۶٣: ١٨). والنتيجة أن لذة القوة العاقلة من المدركات العقلية مقبولة عند الفلاسفة؛ وهذه اللذة لها صورة مقبولة تماماً ولا يدخل عليها مأخذ الشهيد الصدر؛ لأن اللذة العقلية مرتبطة بالصفة المعرفية، في حين أن مأخذ الشهيد الصدر مرتبط بالصفة الوجودية.
التمييز بين هاتين الصفتين واضح أيضاً في آيات القرآن الكريم؛ فالقرآن الكريم مع قبوله من جهة الحسن والقبح الذاتي، يصف بعض الأفعال بأنها حسنة وبعضها قبيحة (نحل: ٩٠؛ اعراف: ١۵٧)، ويقر بقدرة العقل البشري على إدراك الحسن والقبح (اعراف: ٢٨؛ قلم: ٣۵-٣۶)؛ لكنه من جهة أخرى، وبنظرة وجودية، يساوي الوجود بالحسن ويصف جميع المخلوقات بأنها حسنة. فالله تعالى خالق كل شيء: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ» (غافر: ۶٢)، وكل مخلوقاته حسنة: «الَّذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَه» (سجده: ٧). فكل المخلوقات من حيث كونها مخلوقة لله تعالى ومنسوبة إليه، هي حسنة وجميلة، فالحسن والجمال يدوران مدار الخلق، كما أن الخلق يدور مدار الحسن (طباطبائی، ١۴١١، ١: ١٩؛ فخررازی، ١۴٢٠، ٢۵: ١۴١؛ زمخشری، ١۴٠٧، ٣: ۵٠٨).
النقطة الثانية في المأخذ الأول للشهيد الصدر هي أن هذا المأخذ، حتى لو قُبل، خاص بالعلم التحصيلي ولا يطرح في العلم الحضوري؛ لذلك، بناءً على من فسّر الإدراك العقلي بالاتصال بالعقل الفعال ومشاهدة العلوم فيه (طوسی، ١٣٧۵، ٢: ٣۶۶)، لا يكون هذا المأخذ واردًا.
النقطة الثالثة هي أنه وفقاً لمأخذ الشهيد الصدر، فإن اللذة الحسية والخيالية أيضاً غير مقبولة؛ لأن نفس المأخذ ينطبق عليهما أيضاً، في حين أن اللذات الحسية واضحة ولا تحتاج إلى إثبات؛ وكل دليل طرحه الشهيد الصدر في تبرير اللذات الحسية ينطبق أيضاً على اللذات العقلية.
تقييم المأخذ الثاني
النقض الأول للشهيد الصدر في المأخذ الثاني (شهید صدر، ١۴٣٣، ١: ۴٣٣-۴٣۴) غير وارد على رؤية المحقق الخراساني؛ لأن قبول هذا النقض لا يؤدي إلى أي تناقض فاسد؛ ومن المقبول تماماً أن من يمتلك عقلًا نظريًا أقوى وأقوى في فهم المجردات، يجب أن يكون أقوى في إدراك الحسن والقبح، وأن يشعر بانقباض وضيق أكبر تجاه الفعل القبيح؛ وهذا الأمر ليس بمأخذ بل هو قابل للدفاع تماماً؛ ومن الواضح أن انقباض وانزعاج أولياء الله من الأفعال القبيحة أكبر بكثير من انقباض وانزعاج الناس العاديين.
النقض الثاني أيضاً غير وارد على رؤية المحقق الخراساني؛ لأن ادعاء الشهيد الصدر بأن من يمتلك عقلًا نظريًا أقوى يجب أن يعتبر ما يُعتبر مباحًا عند الإنسان ضعيف العقل قبيحًا عنده، غير مقبول (المرجع نفسه، ۴٣۴). بل وفق رؤية المحقق الخراساني، الحسن والقبح يعبران عن التوافق وعدم التوافق مع العقل المتعارف عليه؛ لذلك، جميع العقول تشترك في درجة معينة في إدراك التوافق أو عدمه، لكن الدرجات الأعلى منها تتعلق بالعقول الأكمل.
النقض الثالث (المرجع نفسه، ۴٣۴) أيضًا غير وارد على رأي المحقق الخراساني؛ لأنه مع أن حسن القبح عند المحقق الخراساني مرتبطان بالسعة والضيق ويتبعان التوافق أو عدم التوافق مع عقل الشخص نفسه، إلا أن هذا القول لا يعني أن الفاعل لا يشارك في التوافق أو عدم التوافق بين الأفعال والعقل؛ بل إن عقل الإنسان يشارك الفاعل أيضًا في مقدار التوافق أو عدم التوافق بين الأفعال والقوة العاقلة؛ لذلك يمكن للعقل أن يقول: إن قبح فعلاً صادرًا عن النبي أعظم من قبح فعلاً صادر عن شخص عادي.
النقض الرابع (المرجع نفسه، ۴٣۴-۴٣۵) أيضًا غير وارد على رأي المحقق الخراساني؛ لأن هذا الاعتراض، مثل الاعتراض الأول، نابع من الخلط بين الوضع الوجودي للأفعال والوضع المعرفي لها؛ هذه الاحتمالات الثلاثة تتعلق بالوضع الوجودي للأفعال، بينما حسن القبح يتعلق بالأفعال الذهنية بوضعها المعرفي.
تقييم الاعتراض الثالث
في الرد على الاعتراض الثالث للشهيد الصدر على رأي المحقق الخراساني يمكن القول: بحسب رأي المحقق الخراساني، مصدر صحة المدح والذم هو وجود صفة خاصة في الأفعال نفسها، والانبساط والانقباض في القوة العاقلة هما علامة ودليل على وجود تلك الصفة.
في ضوء النقاط السابقة يتضح أن اعتراضات الشهيد الصدر على رأي المحقق الخراساني غير واردة.
الخلاصة والاستنتاج
في فكر المحقق الخراساني، معنى الحسن والقبح هو التوافق وعدم التوافق مع القوة العاقلة، وميزان التوافق وعدم التوافق عند القوة العاقلة هو السعة والضيق الوجودي للأفعال؛ وبحسبه، مراتب الأفعال ليست متساوية عند العقل، والأفعال مثل غيرها من الأشياء لها سعة وضيق؛ وهذا الاختلاف الوجودي هو مصدر الاختلاف في آثار الخير والشر. في فكر الشهيد الصدر، رغم أن رأي المحقق الخراساني هو من أدق وألطف الآراء بين الأصوليين، إلا أن عليه ثلاثة اعتراضات مهمة: أولاً) الخلط بين المدرك بالذات والمدرك بالعرض؛ ثانيًا) أربعة نقوض على هذه النظرية؛ ثالثًا) غياب تحليل معيار المدح والذم.
الاعتراض الأول للشهيد الصدر على رأي المحقق الخراساني غير وارد وينشأ من الخلط بين الوضع الوجودي والوضع المعرفي. النقوض الأربعة في الاعتراض الثاني أيضًا غير واردة على المحقق الخراساني. وفي الرد على الاعتراض الثالث يمكن القول: بحسب رأي المحقق الخراساني، مصدر صحة المدح والذم هو وجود صفة خاصة في الأفعال نفسها، والانبساط والانقباض في القوة العاقلة هما علامة ودليل على وجود تلك الصفة.

