تبيين أدلة إثبات ولادة وحياة الإمام المهدي بأسلوب الاستقراء عند الشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تبیین ادله اثبات ولادت و حیات امام زمان (عج) با روش استقرایی شهید صدر (ره)‌ ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: لطالما لجأ المتكلمون الشيعة إلى الاستدلالات العقلية والروايات التاريخية لإثبات وجود الإمام المهدي. وبما أن وجود الإمام الحي في كل عصر ضروري وفقًا للعقيدة الشيعية، ومن جهة أخرى، تزداد ادعاءات الدجالين بالمهدي في المجتمع، فقد أصبحت إثبات ولادة وحياة الإمام المهدي بطرق جديدة وفعالة أمرًا ذا أهمية بالغة. الشهيد صدر باستخدام حساب الاحتمالات، حوّل الاستدلال الاستقرائي إلى يقين، وفي الاستدلال الكلامي، استند إلى المنهج الاستقرائي للشهيد صدر ليبرهن على ولادة وطول عمر الإمام. في هذا المنهج، يقترب الاستقراء خطوة بخطوة من اليقين عبر الحصول على قرائن خارجية، حتى يتحقق اليقين الموضوعي بشأن ولادة وطول عمر الإمام المهدي. وقد تناول هذا البحث هذه الأدلة بأسلوب وصفي-تحليلي.

المؤلف: مرتضی عزیزی

المصدر: حکمت کریمان، خريف 1402، العدد 5، ص 30 إلى 61.

المقدمة

حقيقة الإمامة وضرورة وجود الإمام الحي في كل عصر من أركان العقيدة في المذهب الشيعي الجعفري. وفقًا للأحاديث المتعددة، يجب أن يكون الإمام موجودًا وحياً في كل عصر. لذلك، يجب على المتكلمين الشيعة أن يكونوا قادرين على إقامة أدلة قوية لإثبات ولادة وطول عمر الإمام المهدي للحفاظ على كيان الشيعة. منذ القدم، قام المتكلمون بطرق مختلفة لتحقيق هذا الهدف. فقد استند خواجه الطوسي في كتابه “تجريد الاعتقاد” أولاً إلى قاعدة اللطف لإثبات الإمامة العامة وضرورة وجود الإمام، ثم أثبت الإمامة الخاصة للإمام علي وباقي الأئمة باستخدام طريقة عقلية مركبة ودليل نقلي محض. وهو يرى في البداية أن العصمة شرط عقلي للإمامة، ثم بعد تحقيق خارجي يصل إلى نتيجة أن هذا الشرط لا يوجد إلا في علي بن أبي طالب (طوسی، ۱۳۱۱‌: ۱۸۲‌).

اليوم، مع تزايد ادعاءات الدجالين بالمهدي، تزداد الحاجة إلى إثبات ولادة الإمام المهدي. يمكن أن تقنع طرق الاستدلال الجديدة والمبتكرة عقول الناس المختلفة وتساهم في تعزيز هذا الاعتقاد في قلوب المؤمنين. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يكون المنهج الاستقرائي للشهيد صدر مفتاحًا لتعزيز اليقين في الاستدلالات العقلية، ويغلق الباب أمام الدجالين، ويقوي فكر المهديّة الشخصية. لأنه بإثبات ولادة الإمام المهدي في منتصف شعبان سنة 255 هـ وإثبات طول عمره حتى الوقت الحاضر، لا يبقى مجال لإمامة مدعين آخرين، إذ لا مكان لمدعين آخرين بعد وجود إمام حي وباقٍ. قبل هذا البحث، تناولت العديد من الكتب مثل “الغيبة” للشيخ الطوسي و”شرح تجريد” لخواجه الطوسي و”إكمال الدين” لابن بابويه وغيرها من الكتب الكلامية أدلة عقلية أو نقليّة للمهديّة، لكن استخدام المنهج الاستقرائي لإثبات ولادة الإمام المهدي طرح لأول مرة في كتاب “بحث حول المهدي” للشهيد صدر، وقد تم التوضيح الدقيق له لأول مرة في هذه المقالة.

الولادة في اللغة تعني أن تضع الأم الطفل إلى الدنيا، وفي “لسان العرب” وُصف الوضع بأن الأم تلد ولدها (ابن منظور، 1375: 427.15).

الإمام المهدي هو الإمام الأخير في الشيعة الإثني عشرية، وهو وفقًا لمبادئ الشيعة ابن الإمام العسكري، وُلد سنة 255 هـ، وقد مدّ الله في عمره، وسيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً وقسطًا. ولادة الإمام المهدي هي نظرية خاصة بالشيعة، وبعض أهل السنة يؤمنون بأن الإمام المهدي الموعود العالمي قد وُلد ويعيش اليوم بشكل مجهول، وسيبدأ قيامه يوم الظهور.

الاستقراء في اللغة يعني البحث قرية قرية (شيرازي، 1396: 20)، وفي الاصطلاح المنطقي يعني الوصول إلى حكم كلي عبر السير من الجزئي ورؤية حالات متعددة للوصول إلى الحكم الكلي (إبراهيم مصطفى (۱۳۶۸: ۷۲۲)). يقول أرسطو: الاستقراء نوع خاص من البحث والدراسة يتم فيه الانتقال من الجزئي إلى الكلي. الأدلة جمع دليل، وفي هذا البحث تعني الاستدلال. يعرف البيهقي الاستدلال بأنه إيراد الدليل والشهادة والتمسك به (بیهقی، ۱۳۶۶: ۵٫۲). الاستدلال الاستقرائي هو نوع من الاستدلال ومنهج علمي يعتمد على الوصول إلى نتيجة كلية من خلال ملاحظات جزئية متعددة. الاستدلال الاستقرائي هو استدلال يستفيد من الاستقراء في صغراه، كما أن المنهج يعني الطريقة أو الأسلوب وأسلوب القيام بشيء ما (دهخدا، ۱۳۸۵: ۴۰).

1. بيان تعزيز اليقين بالاستقراء في منهج التوالد الذاتي للشهيد صدر

لا يتسع هذا المقال لشرح تفاصيل المنهج الاستقرائي للشهيد صدر، وعلى الرغم من تقديم بعض التوضيحات، يجب على الباحث لفهم دقيق الرجوع إلى كتب الشهيد صدر (صدر، 1410-142). وهذا النقاش جزء من مبادئ التصديق في هذه المقالة، لكن ملخص نظريته هو كما يلي: الاستقراء في نظر المنطقيين والفلاسفة استدلال غير يقيني يحاول عبر النظر في التفاصيل أن يصدر حكمًا كليًا، وبما أن الاستدلال اليقيني في المنطق الأرسطوي هو القياس، فالاستقراء ليس اسماً ممكنًا، والاستقراء ناقص بسبب عدم ملاحظة جميع الحالات، ولا يمكن تعميمه على الحالات المستقبلية، لذلك لا يمكن أن يكون معززًا لليقين. ومن هذه المشكلة أُطلق على الاستقراء اسم “مشكلة الاستقراء”.

لقد قدم العلماء والفلاسفة نظريات متعددة لحل هذه المشكلة، ومن بين هذه النظريات نظرية الشهيد الصدر. فهو باستخدام حساب الاحتمالات والتكرار في التجارب، وبالنظر إلى نتائج التجارب التي تُجرى نتيجة لتكرار الخبرات، يقرب الاستقراء خطوة بخطوة نحو زيادة اليقين، ومن جهة أخرى يعتبر اليقين الموضوعي، وهو يقين يختلف عن اليقين النفسي واليقين المنطقي الأرسطي، يقينًا معتبرًا. ومن خلال هذه العملية يولد يقين جديد يُسمى اليقين الموضوعي، وهو مقبول عند العقلاء والعرف، ويُمارس يوميًا في مئات الأمثلة، مثل اليقين الموجود في المتواترات. فالتجربة في نظر المنطقيين والتجارب تحتوي على هذا النوع من اليقين، الذي كان سابقًا جزءًا من مواد البرهان عند المنطقيين، وله دور بارز في إنتاج العلم.

التوالد في اللغة يعني الولادة، ولكن في اصطلاح منهج الشهيد الصدر هو أنه باستخدام الاحتمالات يصل الاستقراء إلى اكتشاف السبب، ويزيد احتمال أن يكون ألف هو سبب الحادث ب إلى حد كبير، حتى يصل تكرار التجربة إلى يقين عرفي مبرر، والذي يسميه الشهيد الصدر اليقين الموضوعي. يوضح الشهيد الصدر المسألة بالقول: على سبيل المثال، إذا أردنا أن نعرف هل حرارة 100 درجة (ألف) هي سبب حادثة تبخر الماء (باء) أم لا، أو هل حادثة أخرى (جيم) هي السبب، فإننا ندرس المسألة على النحو التالي: نفترض أولاً أنه لا يوجد دليل صحيح سابق للاعتقاد بنفي علاقة السببية بين ألف وباء بالمفهوم العقلي.

كما نفترض أن الاعتقاد باستحالة الصدفة المطلقة له أساس صحيح، وأن لدينا علمًا بالسببية السلبية بالمفهوم العقلي بين عدم السبب والمسبب، ونتذكر قضية الاستقراء التي نريد أن نطبق فيها المنهج العام للدليل الاستقرائي، وهي القضية التي تقول: “يتبع باء كل ألف” بناءً على الرؤية الموجودة في هذا المجال. ويمكن للدليل الاستقرائي أن يعبر عن القضايا بثلاث صور، وهذه الصور الثلاث هي:

1- على شكل تعميم يقول: يتبع باء كل ألف.

2- ألف سبب بالمفهوم التجريبي لباء، ونحن نُطلق على هذا النوع من السببية اسم القانون السببي.

3- ألف سبب بالمفهوم العقلي لباء، ونحن نُطلق على هذا النوع من السببية اسم العلاقة السببية. وهذه السببية احتمالية، لأننا في هذا المنظور افترضنا أنه لا يوجد دليل صحيح سابق للاعتقاد بنفي العلاقة السببية بالمفهوم العقلي بين ألف وباء، وكل شيء لا يوجد دليل صحيح لرفضه فهو محتمل.

التعبيران الأول والثاني يشيران إلى أمر واحد، لأن السببية بالمفهوم التجريبي ليست سوى التزامن، لذا يمكن اعتبار هذه الثلاثة قضيتين معممتين وعلاقة سببية واحدة، حيث أن الثانية تشمل الأولى من القضايا المعممة. في تفسيرنا، اتجاه الدليل الاستقرائي هو إثبات العلاقة السببية بين ألف وباء، ونثبت التعميم من خلال هذه العلاقة بطريقة سنشرحها. نحن في استخدام هذا المنهج العام للاستدلال الاستقرائي بحاجة إلى علم إجمالي يكون أساسًا لزيادة احتمال السببية بالطريقة التي أشرنا إليها سابقًا، وبما أننا في هذا المنظور افترضنا استحالة الصدفة المطلقة، فإن باء له سبب يرتبط به عبر العلاقة السببية، لأنه إذا لم يكن له سبب، لكان وجوده صدفة مطلقة، بينما نحن افترضنا سابقًا استحالة الصدفة المطلقة (صدر، ۱۳۹۲: ۳۲۲).

إذا افترضنا أن السبب الذي يرتبط به باء عبر العلاقة السببية هو ألف أو جيم، فهذا يعني أن سبب باء هو واحد فقط من هذين الاثنين. الآن إذا أجرينا تجربة يظهر فيها ألف لنلاحظ ما يصاحبها ويتزامن معها، ونرى هل باء يظهر في نفس الوقت، فإن هذا التزامن له حالتان:

1- إما حالة نكون فيها متيقنين من عدم وجود جيم في الظروف التي نجري فيها التجربة.

2- أو حالة لم يتضح لنا فيها وجود جيم في تلك الظروف، ونحن نشك هل جيم موجود أم لا.

في الحالة الأولى يمكننا استنتاج سببية ألف لباء، وهذا الاستنتاج يقيني ويعتمد على الرؤية المفترضة في هذا المجال، لأنه عندما يكون وجود باء بدون سبب مستحيلًا، ومن بين الأشياء التي يحتمل أن تكون سببًا لباء لا يوجد سوى ألف المرتبط والمتزامن معه، فمن الضروري والواجب أن يكون ألف هو السبب الوحيد لباء. نحن في هذا الاستنتاج لا نحتاج إلى أي علم إجمالي أو زيادة تدريجية في الاحتمال، لأن دليل السببية هنا هو دليل استنتاجي محض وليس استقرائي.

أما في الحالة الثانية، فبالرغم من التزامن، فإن سببية ألف لباء محتملة، لأن هذا التزامن كما يمكن تفسيره بناءً على وجود علاقة سببية بين الاثنين، يمكن تفسيره أيضًا كصدفة نسبية، ويمكن افتراض أن باء هو نتيجة وجود جيم في تلك اللحظة؛ لذلك يمكننا تقديم تفسيرين لظاهرة التزامن بين ألف وباء في التجربة التي أجريناها: أحدهما سببية ألف لباء، والآخر صدفة التزامن بين ألف وباء.

إذا كررنا التجربة ونجحت التجربة الثانية أيضًا، وكان فيها ألف مرتبطًا ومتزامنًا مع باء، فإننا نواجه مرة أخرى التفسيرين السابقين، لأن الصدفة النسبية كما هي محتملة في التجربة الأولى فهي محتملة أيضًا في التجربة الثانية. في هذه الحالة يدخل العلم الإجمالي لزيادة احتمال سببية ألف لباء وفقًا لنظرية الاحتمال، أي أننا من تجربتين ناجحتين نصل إلى علم إجمالي لمجموعة الظروف المحيطة بهما التي تشمل أربعة أعضاء، وهذه الأعضاء الأربعة هي في الحقيقة الحالات الاحتمالية الأربعة التالية:

1- جيم غير موجود في أي من التجربتين.

2- جيم موجود فقط في التجربة الأولى.

3- جيم موجود فقط في التجربة الثانية.

4- جيم موجود في كلتا التجربتين.

تشكل هذه الحالات الأربع مجموعة كاملة، ومن هذه المجموعة ينشأ العلم الإجمالي. كل عضو من هذه المجموعة، العلم الجمالي الذي يشمل جميع حالات ج، نرمز له بـ ni، ومجموعة أعضاء هذا العلم نرمز لها بـ p2ni، أما العلم الإجمالي نفسه فنرمز له بـ P2.

إذا لم يكن هناك دليل صحيح لزيادة الاحتمال بالنسبة لعدم وجوده أو العكس، فإن مقدار اليقين يتوزع بالتساوي على الأعضاء الأربعة لهذا العلم، فنحصل على أربع حالات احتمال مرتفعة. الحالات الثلاث الأولى من هذه الحالات الأربع تستلزم علية ألف على ب، لأن بموجب هذه الحالات الثلاث لا يوجد ج على الأقل في تجربة واحدة. لذا فإن تفسير وجود ب في تجربتين لا يكون إلا على أساس فرضية علية ألف على ب، لأننا في هذا المنظور قد رفضنا الصدفة المطلقة.

لكن في الحالة الرابعة يكون موقفها محايدًا وغير متحيز تجاه علية ألف على ب، ولا تتعارض مع هذه العلية، وهذا يعني أن ثلاثة من قيم الاحتمالات الأربعة التي تُصوَّر في شكل 2 مخططين، تحمل صلاحية علية ألف على ب، ونصف مقدار الاحتمال الرابع يمثل حالة محايدة وغير متحيزة، ولذلك فإن احتمال علية ألف على ب بعد تجربتين ناجحتين يساوي

توضيح الحساب يكون على النحو التالي: أولاً يتم إجراء العملية 1.2 × 3، ولضرب هذه الأعداد يُؤخذ المقام المشترك.

يُؤخذ المقام المشترك بين الكسرين لأن الكسرين في الواقع على هذا النحو يتم الحساب بهذه الطريقة: يُضرب المقام المشترك في بسط كل كسر، ثم يُقسم الناتج على الأساسي. العدد 4 في العبارة الأولى يجب أخذه وقسمته على أربعة. في قسمة الكسر 7.2 على الكسر 4.1 يُضرب العدد 7 في 1 ويوضع في البسط، والعدد 2 يُضرب في 4 ويوضع في المقام، بحيث يكون الضرب متقابلًا (البعيد في البعيد والقريب في القريب)، وهذا هو حاصل قسمة هذا المقدار.

ويزداد هذا المقدار بعد ثلاث تجارب ناجحة ويصبح مساويًا للعدد

بنفس الطريقة التي أُجري بها الحساب السابق، يُجرى الحساب هنا أيضًا بنفس الأسلوب، ويُحصل على العدد 0.937. وهكذا كلما زاد عدد التجارب، يزداد احتمال علية ألف على ب، ويزداد الاحتمال تباعًا لجميع الحالات الممكنة بعد التجارب الناجحة، ومن هنا نُطلق عليه العلم الإجمالي التالي، لأن دوره يظهر في زيادة احتمال العلية بعد الاستقراء. (صدر، 1382: 437) بعد هذه المرحلة، يستخدم الشهيد صدر قاعدة الضرب أو الحكم الذي يُسمى في الاحتمالات بالاحتمالات الشرطية، ليُظهر أن كل تجربة مقارنة بالتجربة السابقة تعزز العلم الإجمالي وتُظهر احتمالًا أعلى لعلية ألف على ب، حتى يصبح هذا الاحتمال كبيرًا جدًا ويقترب من 1.

عندما يصل إلى 1، يتحول ظننا إلى يقين، وهذا يعني أن احتمال علية ألف على ب يساوي

هذه هي نظرية الشهيد صدر التي نُقلت باختصار. ولزيادة استقلالية اليقين، رسم لنفسه مرحلتين: المرحلة الأولى التي تعتمد على حساب الاحتمالات ورؤاه الابتكارية المبنية على العلم الإجمالي، حيث يرفع احتمال علية ألف على ب ويُكرره مرات عديدة ليصل به إلى أقصى حد، وهذه المرحلة تولد ظنًا قويًا وليس يقينًا.

المرحلة الثانية هي مرحلة التولد الذاتي لليقين، حيث يرفع الشهيد في هذه المرحلة عدد مجموعة المراقبين التجريبيين تدريجيًا حتى يصل درجة اليقين لديه من التكرار والتصاعد في الاحتمالات إلى حد كبير، وفي النهاية يتيقن أن ألف هو سبب ب، وهذا اليقين هو يقين موضوعي ناتج عن تكرار التجارب المتعددة.

كيفية تشكل اليقين الذاتي في مرحلة التولد الذاتي: بعد بلوغ مقدار الاحتمالات ذروته، يصف الشهيد صدر كيفية تشكل هذا الموضوع بأن حركات عدد كبير من القيم الاحتمالية تتجمع حول محور واحد، وهذا المحور بسبب تجمع القيم المختلفة للاحتمال الكبير.

2. العرض النظري لنظرية الشهيد صدر في إثبات ولادة وحياة الإمام المهدي

يكتب الشهيد في كتاب “بحث حول المهدي” في الكلام الخامس ما يلي: هذا الأصل بأن المهدي هو القائد الموعود والمنقذ لعالم البشرية قد ورد بشكل عام في الأحاديث النبوية وبشكل خاص في روايات أئمة أهل البيت. في هذه الروايات تم التأكيد على المسألة بطريقة لا تترك مجالًا لأي شك. فقد تم عدّ أربعمائة حديث فقط من طريق إخوان أهل السنة، وبإضافة روايات الشيعة يصل العدد إلى أكثر من ستة آلاف رواية؛ وهذا رقم إحصائي مرتفع جدًا.

فيما يتعلق بالعديد من المسائل البديهية في الإسلام التي يؤمن بها المسلمون، لم تُروَ كل هذه الأحاديث (عسقلانی، ۱۴۲۴: ۳۵۸٫۶)، لكن تجسيد هذا الفكر في وجود الإمام الثاني عشر له أسباب مقنعة كثيرة. يمكن تلخيص هذه الأسباب في سببين: أحدهما نقلي والآخر علمي؛ فالسبب النقلي يثبت وجود الإمام الموعود، والسبب العلمي يثبت أن الإمام المهدي ليس أسطورة أو فرضية، بل حقيقة ملموسة وجوده في التاريخ.

٢-١ السبب النقلي

وصلت مئات الأحاديث والروايات عن النبي الأكرم وأئمة أهل البيت تقول إن المهدي الموعود يمتلك هذه الخصائص: هو من أهل البيت، من نسل فاطمة، من نسل الحسين، وهو الابن التاسع لذلك الإمام. كما توجد روايات تقول إن خلفاء النبي اثنا عشر (بخاری، ح ۲۶۴۰)، (صدوق، ١٣٩٢: ١٦٠). هذه الروايات تحصر المهدي الموعود في شخص الإمام الثاني عشر وتحدده، ومع أن الأئمة كانوا يحاولون عدم طرح المسألة على المستوى العام حفاظًا عليه من الاغتيال والقتل، إلا أن هناك العديد من الروايات في هذا المجال. بالطبع، كثرة الروايات وحدها لا تكفي لقبولها، بل هنا توجد قرائن وشواهد خاصة تدل على صحة هذه الروايات.

في الحديث الشريف النبوي ذُكر الحديث عن الأئمة خلفاء الأمراء، وذكر اثني عشر شخصًا. نصوص الأحاديث مختلفة؛ ففي بعضها اثنا عشر إمامًا، وفي بعضها اثنا عشر خليفة، وفي بعضها اثنا عشر أميرًا. بعض المؤلفين عدّوا عدد هذه الأحاديث أكثر من مئتين وسبعين حديثًا، جميعها من كتب معتبرة عند الشيعة والسنة مثل صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن الترمذي، سنن أبي داود، مسند أحمد، والمستدرك على الصحيحين، وحاكم النيسابوري.

المسألة الخاصة والقرينة المهمة هي أن البخاري، الذي روى هذا الحديث، كان من معاصري الإمام التاسع والعاشر والحادي عشر [1] «أَنَّ أَبَا هرَيرَةَ قالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيفَ أَنتُمْ إِذَا نزَلَ ابْنُ مَرْيمَ فِيكُمْ وَإِمامُكُمْ منْكُمْ؟»

هذه العبارة ذات معنى عميق وأهمية بالغة، ولها وجوه مهمة يجب الانتباه إليها، لأنها تُظهر أن هذا الحديث سُجل قبل أن يتحقق مضمونه في الخارج وقبل أن يظهر فكر الأئمة الاثني عشر، وقد ورد عن لسان النبي، مما يدل على أن نقل هذا الحديث لم يكن انعكاسًا لظاهرة خارجية؛ لأن الأحاديث المكذوبة عادة ما تُختلق لتبرير أحداث خارجية وقعت (بخاری ۱۳۹۱: ۲۵٫۴).

لذا يمكننا، بالنظر إلى أن هذا الحديث سُجل قبل تحقيق كامل وظهور الأئمة الاثني عشر، أن نستنتج أن هذا الحديث ليس تبريرًا للوضع القائم، بل هو حقيقة نقلها النبي الأكرم، نبي الرحمة، الذي لا يتكلم إلا بوحي (بخاری، ح ۲۶۴۰). فقد قال أولاً إن خلفائي اثنا عشر (بخاری، ح ۲۶۴۰)، ثم ذكر الاثني عشر إمامًا من علي حتى الإمام المهدي (صدوق ١٣٩٣: ٦٣٫٢) حتى يستعيد هذا الحديث الشريف معناه وتفسيره الحقيقي.

٢-٢ السبب العلمي[2]

السبب العلمي هو التجربة، تجربة عاشها جماعة من الناس لمدة سبعين عامًا؛ أي الغيبة الصغرى التي يجب أن نشرحها بإيجاز:

الغيبة الصغرى هي المرحلة الأولى من إمامة الإمام المهدي. كان مقدرًا منذ البداية أن يختفي الإمام فور توليه الإمامة عن الأنظار العامة، وأن يبتعد ظاهريًا عما يحدث في المجتمع، رغم أنه في الحقيقة يشعر ويدرك كل الأحداث عن قرب. لكن يجب الانتباه إلى أنه لو حدثت الغيبة فجأة، لكان ذلك ضربة قاسية لقاعدته الشعبية وأنصاره، لأن الناس كانوا على اتصال بإمامهم، يلجأون إليه في المشاكل، وإذا غاب الإمام فجأة وشعر الناس بعدم إمكانية الوصول إلى قائدهم الفكري والروحي، كان من الممكن أن يفقدوا كل شيء وينقسموا.

لذلك كان من الضروري تمهيد الغيبة تدريجيًا حتى يعتاد الناس عليها ويبنوا أنفسهم على أساسها. في الغيبة الصغرى تم هذا التمهيد. في هذه الفترة كان الإمام المهدي مخفيًا عن الأنظار، لكنه كان على اتصال مع شيعته عبر وكلاء ووكلاء موثوقين، كانوا حلقة الوصل بينه وبين الناس المؤمنين بالطريقة الإمامية. خلال هذه الفترة، تولى أربعة من أنقى وأتقى المؤمنين نيابة الإمام وخلافته؛ وهم:

1- عثمان بن سعيد العمري

2- محمد بن عثمان بن سعيد العمري

3- أبو القاسم حسين بن روح

4- أبو الحسن علي بن محمد السمري

تولى هؤلاء الأربعة النيابة بالتتابع، وعندما توفي أحدهم، خلفه الآخر بأمر من الإمام المهدي. كان الوكيل على اتصال بالشيعة، ينقل أسئلتهم ومشاكلهم إلى الإمام، ويرد عليهم أحيانًا شفهيًا وغالبًا كتابيًا، ومن خلال هذه العلاقات غير المباشرة كان الناس الذين حُرموا من رؤية الإمام يطمئنون. كانوا يرون أن كل الرسائل والمكاتيب التي تصلهم من الإمام المهدي تحمل أسلوبًا واحدًا ونمطًا واحدًا، ولم يتغير هذا الأسلوب طوال سبعين عامًا من النيابة لهؤلاء الأربعة.

السمري، الذي كان آخر الوكلاء، أعلن نهاية الغيبة الصغرى وبداية الغيبة الكبرى (صدوق، ١٣٩١: ٥١٦). في الغيبة الكبرى لم يعد هناك شخص معين يتولى النيابة والوكالة عن الإمام (بور سيد آقائي (۱۳۷۹: ۱۵۰)). في الغيبة الصغرى تم تمهيد الأرضية ليعتاد الناس على الغيبة الكبرى ولا يذعروا، ومنذ ذلك الحين أصبح على الناس أن يلجأوا إلى وكلاء ونيابة الإمام العامة، وهم المجتهدون العادلون المطلعون على أمور الدين والدنيا.

ممّا ذُكر يمكنكم تقييم الموضوع وفهم بوضوح أن هناك حقيقة خارجية عاش معها جماعة من الناس، وكان سفراء ذلك الإمام خلال سبعين سنة وسيطًا بينه وبين الناس، ولم يرَ أحد منهم أو يسمع عن خطأ في أي مجال.

أقسم عليكم بالله، هل تعتقدون أنه من الممكن أن يدوم كذب لمدة سبعين سنة وأن يلعب أربعة أشخاص دورًا واحدًا بتنسيق كامل وبصوت واحد؟ لقد خلقوا بالتصرفات الودية ثقة في الناس حتى آمن الجميع بأقوالهم وأفعالهم) واردي (۱۳۸۱ (1) يقول: هل يمكن لهؤلاء الأربعة أن يلعبوا دورًا بحيث لا يدرك أحد الحقيقة، مع أن هؤلاء الأشخاص لم يكن بينهم أي علاقة خاصة لنقول إنهم تآمروا في هذه القضية.

قالوا منذ القدم: حبل الكذب قصير. والمنطق أيضًا يحكم بأنه من المستحيل أن يدوم كذب بهذه الصورة، وأن لا يُكتشف الموضوع طوال هذه المدة مع كل التعاملات والعلاقات المختلفة، ويؤمن الجميع بصحته. وهكذا ندرك أن ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن أن تكون كدليل علمي مثبت على وجود حقيقة خارجية، وهي وجود حياة ثم غيبة الإمام المهدي. وبعد الغيبة الصغرى أعلن الإمام أنه سيدخل في غيبة كبرى ويختفي عن الأنظار ولن يراه أحد (صدر، ۱۳۸۹ (۴۸)

3. العرض الحسابي لنظرية الشهيد صدر في إثبات ولادة وحياة الإمام المهدي

الشهيد صدر عرض الحل بشكل موجز، ونحن هنا سنثبت دليله بطريقة حسابية ونشرح تفصيليًا استدلاله الاستقرائي. سنثبت الموضوع بعدة طرق، أولًا يجب إثبات أن الإمام الثاني عشر، ابن الإمام العسكري، قد وُلد وتجسد في العالم الخارجي. ثم نثبت وجوده حتى نهاية الغيبة الصغرى، وبعدها نثبت حضوره حتى الوقت الحاضر.

يمكن إثبات هذين الأمرين بطريقتين: 1- إثبات ولادة الإمام، 2- إثبات وجود الإمام حتى الوقت الحاضر، واللتان بحسب رأي الشهيد هما في الحقيقة طريق واحد.

الطريقة الأولى هي استخدام الروايات المتواترة التي يمكنها إثبات الولادة وكذلك بقاء الإمام حيًا حتى الوقت الحاضر. الشهيد يعتبر التواتر حجة لأنه مع تكرار الظن وازدياده، يتحول هذا الظن تدريجيًا إلى يقين بسبب تكرار أشخاص لا يعرفون بعضهم البعض، وعادة لا يمكنهم التواطؤ للكذب.

الطريقة الثانية هي الدليل الاستقرائي، الذي من خلاله يمكن إثبات وجود الإمام المهدي بناءً على ظنون متفرقة. هذه الأدلة هي:

أ – التوقيعات التي كتبها الإمام للأفراد خلال فترة الغيبة الصغرى أو بعدها في الغيبة الكبرى، كلها على نسق واحد، ولا يمكن أن يكون هذا كله صدفة أن يكتب أشخاص مختلفون تلك الرسائل.

ب – أو أن عدة أشخاص من النواب الأربعة يتصرفون مع الناس بطريقة خاصة، ويصادف أن يؤمنوا بهذا المبدأ، ويتصادف أن يعملوا منسقين في تنفيذ أنشطتهم النيابية رغم أنهم لم يروا بعضهم البعض.

ج – الناس رغم أن مبدأ المهديّة يكلفهم أشياء مثل دفع الأموال للإمام الحاضر وإمكانية القتل، يؤمنون بهذا المبدأ، وكلما زاد عدد الناس قل احتمال أن يكون هذا الاعتقاد بلا سبب أو ملفقًا، لأن شخصًا واحدًا قد يؤمن بلا سبب، لكن إقناع شخص آخر (الشخص الثاني) أصعب، وإقناع الشخص الثالث أصعب أيضًا، لأنهم بالتأكيد سيطلبون دليلًا ليطمئن قلبهم إلى تلك الحقيقة.

بحسب رأي الشهيد صدر، القضية تعود إلى التواتر والاستقراء. في “الدروس في علم الأصول” في الحلقة الثالثة يعرض رأي أهل المنطق في حجية التواتر ويقول: في الخبر المتواتر عدد كبير جدًا من الأخبار، وهذا التواتر له جانبان:

1- اقتران الحدث الأول بالحدث الثاني (مثل استحقاق الله للإمام علي ورفع يد الإمام من قبل الرسول وقوله: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”، وهو بمثابة الصغرى للقضية كليني ۱۳۸۵: ۱٫ ۲۹۵)

والكبرى هي أن هذا الحدث المتكرر لا يمكن أن يكون حادثًا عشوائيًا دائمًا (أي أنه لا يتكرر بهذا الشكل).

هاتان القضيتان تريدان إثبات أن كذب المبلغ، أي افتراض مصلحة تدفعه للكذب، مع مصلحة المبلغ الثاني الذي يخفي الحقيقة لنفس المصلحة، ومصلحة المبلغ الثالث وهكذا حتى يصبح الخبر متواترًا، لا يمكن أن تكون كلها متفقة على مصلحة واحدة وتكذب جميعًا من أجلها (صدر ۱۳۹۱، ۱۷۳). وهو يوجه نقدًا للمنطق الأرسطي القديم بأن هذه القضية “الاتفاقية لا تكون دائمة” هي قضية تجريبية، فلا يمكن أن تكون أساسًا لحجية الاستقراء والتجربة والدليل.

يقول إن اليقين الحاصل في التواتر هو يقين موضوعي، أي إنه يولد من تكرار التجربة وإثبات العلية في نفس الإنسان. في التواتر يوجد في كل خبر عنصران هما: الاقتران بدون صدفة + قرينة احتمالية. على سبيل المثال، في الخبر الأول القضية متواترة، فمن جهة يوجد احتمال المصلحة الذي يدعو المخبر إلى الكذب، وهذه قرينة احتمالية وجانب من جوانب الاحتمال، ومن جهة أخرى يوجد احتمال أن يكون الحادث الأول سببًا للحادث الثاني، في مثالنا يعني استحقاقه الإلهي لسيدنا وبيان ولاية سيدنا علي عليه السلام من قبل النبي الأكرم، حيث إن أحدهما سبب للآخر وهو أمر إلهي.

من جهة يوجد احتمال وقرينة له بأنه مصلحة، حيث إن جميع الناس، أي الشيعة والسنة، قد اتبعوا هذا الطريق، ومع اعتبار أن أهل السنة قد نقلوا الخبر أيضًا، فإن الاحتمال يضعف بشدة، ومن جهة أخرى يوجد احتمال أن استحقاق سيدنا علي جعله النبي يعلن ولايته من عند الله تعالى. مع تكرار الخبر يضعف احتمال وجود المصلحة للكذب أكثر فأكثر، ومن جهة أخرى يقوى احتمال أن استحقاق سيدنا علي هو سبب اختياره من قبل النبي من ناحية الذات الأقدس الربوبية حتى يصل هذا الاحتمال إلى 100% ويصل احتمال الكذب إلى الصفر.

ويقول الشهيد في متابعة كلامه إن اليقين في التواتر يسببه القرائن التي تعزز الاحتمال في النفس الإنسانية. في المثال السابق، نقل أهل السنة الذين لا يؤمنون بولاية سيدنا علي عليه السلام الخبر، وأن أشخاصًا من أجيال مختلفة وفي عصور مختلفة قد نقلوا القضية، يجعل القضية يقينية. فكلما كثرت القرائن أو كانت أقوى، يتولد اليقين أسرع، وهذا هو السبب في أن التواتر لا يحدد عددًا ثابتًا للمخبرين، ففي كل مكان نقلها عدد مختلف من خمسة إلى سبعة إلى اثني عشر إلى أربعة عشر إلى ثلاثمائة وثلاثة عشر (صدر، ۱۳۹۲: ۳۲۲).

كما يشرح الشهيد مطهري إثبات التواتر عقليًا بمثال آخر، فيقول إن الأمر في حساب الاحتمالات كذلك، عندما يكثر الفعل أو التركيب، تزداد الاحتمالات إلى حد أن احتمال أن يكون الأمر صدفة يصبح ضعيفًا جدًا بحيث لا يوجد أحد بلا يقين، وإن قال ربما صدفة، فلسفيًا لا يستطيع أحد أن يرد على احتماله، لكن المتكلم نفسه لديه يقين بأن الأمر ليس كذلك. أذكر مثالًا من مكان آخر عن الأمور التي يكون فيها الإنسان متيقنًا، وهي مسألة التواتر. هل دققتم في التواتر؟ دائمًا الإنسان يشك في قول شخص واحد في الخبر ويحتمل الكذب.

الآن، إذا لم تكن هناك قرائن خاصة، فهذا هو الحال العادي. ويحتمل الخطأ والزلل أيضًا. إذا جاء شخص عادي وقال إنه زار مدينة في مكان ما في أوروبا ورأى كذا وكذا وكان لها هذا الاسم، فمن الطبيعي أن يحتمل أن يكذب أو يخطئ. الآن إذا جاء شخص آخر تمامًا مثل ذلك الشخص، وليس أكثر موثوقية منه، ونقل كلامه حرفيًا، فالاحتمال في الخطأ موجود أيضًا. وإذا جاء شخص ثالث، فالاحتمال في الخطأ موجود أيضًا. وإذا جاء مئات الآلاف من الناس وأبلغوا، في كل واحد منهم احتمال الكذب أو الخطأ موجود، فما الدليل على أن احتمال الخطأ أو الكذب في كلام الجميع يذهب، لنقول إنهم جميعًا تآمروا على الكذب؟ مع أننا دائمًا نقبل سلسلة من الأخبار من العالم بيقين لا شك فيه، فقط بنقل الأقوال دون أن نراها.

من الأمثلة المعروفة التي كانوا يذكرونها قديمًا، أنهم كانوا يقولون إن مكة موجودة في العالم. وكان الحجاج قليلين آنذاك، لكنها كانت بمستوى التواتر. تمامًا كما لا يشك الإنسان في وجود الشمس التي يراها، لا يشك الإنسان الذي لم يزر مكة في وجود مكة والكعبة الآن، ولا يحتمل أن كل هؤلاء الناس الذين يذهبون ويأتون يقولون كذبًا، وأنهم تعمدوا الكذب. في كلام كل واحد منهم احتمال الكذب موجود، لكن في المجموع احتمال الكذب لا يوجد. لا يمكنك إقامة برهان رياضي أو فلسفي على هذا الأمر.

الفلاسفة أقاموا بعض البراهين، لكن الذي يملك اليقين هنا لا يحتاج إلى برهان، لكنه يملك اليقين. وهنا أيضًا كما في المثال الذي ذكره، إذا قال أحدهم إن گلستان سعدي كتبه سعدي، مع أن هذا سعدي كان أميًا تمامًا ولم يكن يدرك هذه المعاني والمفاهيم، وجلس فقط وخربش الورق، وأخرج هذا العمل، لا يمكن لأحد أن يقيم برهانًا مثل البرهان الرياضي أو الفلسفي لرد هذا الادعاء، لكنه لا يحتمل الاحتمال، بل لديه يقين بأنه ليس كذلك.

نحن لا نريد سوى اليقين. الشهيد مطهري (۱۳۶۸‌: ۱۷۷٫۱) والشهيد صدر بعد بيان التواتر يقسمان العوامل التي تجعل اليقين يتحقق أسرع أو أبطأ إلى فئتين: عوامل موضوعية وعوامل ذاتية؛ ومن العوامل الموضوعية: 1- ثقة الشهود، 2- بعد الشهود عن بعضهم البعض، 3- مستوى وعيهم بالقضية، ومن العوامل الذاتية: 1- قوة الحفظ والتذكر، 2- الخلفيات الذهنية، 3- قوة الذهن وغيرها (صدر‌، ۱۳۹۱: ۱۳۹).

تطرح هذه القرائن نفسها الشهيد صدر في مناقشاته كعامل لزيادة الاحتمال. هذه العوامل هي ذاتها العلم الإجمالي الذي يستخدمه في تفسير الاحتمالات بطريقة التوالد الموضوعي والذاتي من العلم الإجمالي (صدر، ۱۳۹۱: ۴۸۷).

٣-١ الإثبات الحسابي لميلاد الإمام المهدي بطريقة الاستقراء عند الشهيد صدر

والآن ننتقل إلى إثبات الموضوع الأول وهو إثبات ولادة ووجود الإمام المهدي من خلال طريقته الاستقرائية. طريقنا هو التواتر. بالطبع، نحن هنا لا نعني التواتر بما هو تواتر استدلالي، ولا دليلنا هو حجية خبر المعصوم، بل نستفيد من الدليل الاستقرائي، وهو الدليل الذي بتركيز الظنون يؤدي إلى اليقين الموضوعي. نقتبس الأحاديث المتواترة من المصادر الروائية من كتاب كمال الدين وإتمام النعمة للشيخ صدوق، الذي جمع في باب ذكر من شهد القائم والطريق والكلمة، وقد نقلها الشيخ صدوق ومن مصادر موثوقة أخرى.

فقط في هذا الكتاب، في ذكر الأشخاص الذين رأوا الإمام ونقلوا ذلك وتحدثوا معه، نقل المرحوم صدوق ٢٦ حديثًا، وقد رواها عدد كبير من الأشخاص (٤٠ شخصًا) (صدر، ۱۳۹۱: ۴۸۷) (صدوق، ١٣٨١، ص ٤٨٧). بعض الرواة هم من الجزئيين وأصحاب الإجماع، وبعضهم مثل خادمة الإمام أو حكيمة خاتون عمة الإمام العسكري (مفيد ١٤١٣، ص ٣٥١، فصل في ذكر أسماء من رأى المهدي). وقد قال علماء الرجال في كتبهم كلامًا عظيمًا في شأنهم، مثل أنهم قالوا إن بعض هؤلاء هم وكلاء الأئمة. كل هذه القرائن تزيد من احتمال صدق أخبار ولادة الإمام المهدي.

الأشخاص الذين تمكنوا من زيارة الإمام المهدي هم:

١. محمد بن عثمان العمري مع أربعين شخصًا

٢. أبو هارون

٣. يعقوب بن منقوش

٤. عمرو الأهوازي

٥. حكيمة بنت الإمام جواد

٦. محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر

٧. أبو نصر ظريف الخادم

٨. أبو علي بن مطهر

٩. عقيد الخادم وإسماعيل بن علي النوبختي

١٠. نسيم، خادم الإمام العسكري

١١. أصحاب الإمام العسكري

١٢. رجل من فارس

١٣. أبو عمرو

١٤. إبراهيم بن عبده النيشابوري وخادمه

١٥. رشيق قائد المأمورين الموثوقين

١٦. كامل بن إبراهيم المدني

١٧. أحمد بن إسحاق القمي

وقد ذكرت مصادر أخرى عدد هؤلاء الأشخاص أيضًا (الطوسي، ١٣٩٣، ص ٢٧١).

نقتبس بعض هذه الأحاديث:

الحديث الأول

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِي مَا جِيلَوَيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِي قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ حُكَيْمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَمْرِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالُوا: عَرَضَ عَلَيْنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِي عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنَحْنُ فِي مَنْزِلِهِ وَكُنَّا أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَقَالَ: هَذَا إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي وَخَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ أَطِيعُوهُ وَلَا تَتَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِي فِي أَدْيَانِكُمْ فَتَهْلِكُوا أَمَا إِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُ بَعْدَ يَوْمِكُمْ هذَا. قَالُوا فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَمَا مَضَتْ إِلَّا أَيَّامٌ فَلَائِلُ حَتَّى مَضَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

يقول معاوية بن حكيم ومحمد بن أيوب ومحمد بن عثمان: كنا أربعين شخصًا في منزل الإمام الحسن، وقد قدم لنا ابنه وقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتى عليكم، أطيعوه ولا تفرقوا بعدي في دياناتكم فتُهلكوا، ألا إنكم لن ترونه بعد يومكم هذا. قالوا: خرجنا من عنده وبعد أيام قليلة توفي أبو محمد عليه السلام.

وقد وثق رجال الحديث كل واحد من رجال هذا السند، وهم محمد بن علي ماجيلويه[3] ومحمد بن يحيى العطار وجعفر بن محمد بن مالك الفزاري[4]، حيث وصفوه بأنه ثقة جليل (خوبي ١٣٩٠، ج ١٩، ص ٣٣). وبالنسبة لراوي الحديث محمد بن عثمان العمري، فقد وصفه بأنه ثقة جليل القدر وأحد نواب الأربعة، وقد وصفه الإمام العسكري بقوله: “فإنه ثقتي وكتابه كتابي”. وهو أحد نواب الأربعة للإمام المهدي (طوسی، ۱۳۹۳: ۲۹۱).

هذا نموذج من هذه الأحاديث التي قلّ نظيرها في جلالة قدر الرواة.

الحديث الثاني

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى جَمِيعًا عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ الْحِمْيرِي قَالَ: اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالشَّيْخُ أَبُو عَمْرُو رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ فَغَمَزَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الْخَلَفِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ وَمَا أَنَا بِشَاةٍ فِيمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ فَإِنَّ اعْتِقَادِي وَدِينِي أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ إِلَّا إِذَا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ رُفِعَتِ الْحُجَّةُ وَأُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ فَلَمْ يَكُنْ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا فَأُولَئِكَ أَشْرَارٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُمُ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ الْقِيَامَةُ وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَزْدَادَ يَقِينًا وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرِيهُ كَيْفَ يَحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ثُمَّ قَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ رَأَيْتَ الْخَلَفَ مِنْ بَعْدِ أَبِي مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ وَرَقَبَتُهُ مِثْلُ ذَا وَأَوْمَا بِيَدِهِ» (کلینی، ۱۳۸۵: ۳۲۲٫۱).

يقول عبدالله بن جعفر الحميري: كنت مع عثمان بن سعيد العمري، سفير الإمام الزمان في بيت أحمد بن إسحاق، وكيل الإمام. أشار إلي أحمد بن إسحاق أن أسأل عن خليفة الإمام العسكري. قلت لسفير الإمام الزمان عثمان بن سعيد: أريد أن أطرح سؤالاً. سؤالي ليس من باب الشك والريبة، لأن ديني وعقيدتي تقوم على أن الأرض لا تخلو من الحجة إلا أربعين يوماً قبل القيامة، ففي ذلك اليوم يرفع حجة الله إلى السماء، وفي ذلك اليوم يُغلق باب التوبة والرجوع إلى الإيمان، فلا يُقبل إيمان من كان كافراً حتى ذلك اليوم، ولا يُحتسب عمل صالح للناس يُجازى عليه.

الناس الذين يكونون على الأرض في تلك الأربعين يوماً هم أشرار خلق الله، ويدمر الكون على أيديهم. بهذا الاعتقاد واليقين أحب أن أزيد يقيني. إن إبراهيم الخليل طلب من الله أن يُريه كيف يحيي الموتى، فقال له الله: ألست تؤمن؟ قال إبراهيم: بلى أؤمن، ولكني أريد أن أطمئن قلبي وأجد السكينة. وأنا أيضاً أؤمن بك أنت، سفير الإمام الزمان، ثقة كاملة….

قال عثمان بن سعيد: اطرح سؤالك واسأل ما تشاء. قلت: هل رأيت بنفسك خليفة الإمام الحسن العسكري؟ قال: نعم، والله حين رأيته كان عنقه قد نما إلى هذا الحد، وأشار بيده.

أحوال رجال السند على هذا النحو

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله: (نجاشی ۱۴۲۴: ۱۲۲)

يكتب النجاشي عنه:

محمد بن عبدالله بن جعفر بن الحسين بن جامع بن مالك الحميري أبو جعفر القمي، كان ثقة، وجهاً، كاتب صاحب الإمرة.

مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى العطار:

محمد بن يحيى أبو جعفر العطار القمي، شيخ أصحابنا في زمانه، ثقة، عين، كثير الحديث.

عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ الْحِميري (نجاشی، ۱۴۲۴: ۲۳۷)

عبد الله بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع الحميري أبو العباس القمي، شيخ القميين ووجههم.

أحمد بن إسحاق القمي:

أحمد بن إسحاق بن عبدالله بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري، أبو علي القمي، وكان وافد القميين، وروى عن أبي جعفر الثاني وأبي الحسن عليهما السلام، وكان خاص أبي محمد.

عثمان بن سعيد العمري

عثمان بن سعيد العمري الزيات، ويقال له: السمان، يكنى أبا عمرو، جليل القدر، ثقة، وكيله (نجاشی، ۱۴۲۴: ۲۰۱)

كما ثبت في “إثبات الصانع” أن الروايات الإثباتية لأنها تخبر عن حكمة الخالق والنبي ونظام العالم وتكشف تناغمها مع هدف العالم، في حساب الاحتمالات والاحتمال الاحتمالي يكون هذا الاحتمال مشروطاً، وفي مقابل ذلك فإن الاستدلال بعدم صحة وجود الإمام الحاضر احتمال مستقل.

الآن، مع الأخذ في الاعتبار الروايات، سننتقل من طريق الدليل الاستقرائي إلى حساب احتمال ولادة الإمام الزمان. احتمال أن تؤدي الرواية الأولى إلى الاعتقاد بولادة الإمام الزمان إذا اعتبرناه ١٫٢، وهو في الحقيقة أكثر من ذلك لأن الخبر عالي السند، سنحسب معاً مقدار ١٫٢ الذي يساوي ٥ (نصف) .

احتمال أن هذه الرواية تسببت في خلق الاعتقاد بولادة الإمام الزمان.

احتمال صدق أحاديث ولادة الإمام الزمان (= p) احتمال صدق الحديث الأول (xp) احتمال صدق الحديث الثاني (xp) احتمال صدق الحديث الثالث (p……..x) احتمال صدق الحديث الأخير(=

p=(A) احتمال صدق الحديث الأول.

p=(B) احتمال صدق الحديث الثاني.

هذا الاحتمال لا ينقص بل يزداد بزيادة عدد الأحاديث، بينما في حالة الاعتقاد بولادة الإمام الزمان بدون دليل ينقص الاحتمال تدريجياً.

إذا أردنا كتابة الصيغة لهذا الموضوع، وهو أن الاعتقاد بولادة الإمام بدون أي دليل وانتشار عشوائي بين الناس واعتبرناه ١٫٢، مع أن هذا الاعتقاد ليس ٠٫٥ لأن الناس في ذلك الوقت لا ينبغي أن يعتقدوا بذلك لأنه يشكل خطراً على حياتهم، لكننا بتساهل نعتبره ٠٫٥، مع أنه ليس كذلك، فصيغة الحساب تكون:

p) احتمال عشوائية ولادة الإمام الزمان = p) عدم استناد إلى الحديث الأول (xp) عدم استناد إلى الحديث الثاني (0.25=

واحتمال صدق الأحاديث أكبر من احتمال كذبها

بتكرار الصيغة للحديث الثالث والرابع… يرتفع احتمال الصدق حتى يصل إلى ١ ويصبح الاحتمال المقابل صفراً.

وفقاً لصيغة المتمم يجب أن يكون مجموع الاحتمالات واحداً

= (احتمال عشوائية الاعتقاد بولادة الإمام الزمان وعدم الاستناد إلى الروايات) p

كلما ازداد احتمال توثيق هذه الروايات الصحيحة ازداد احتمال عدم صدفة الاعتقاد بالإمام الزمان حتى يصل إلى حد أن احتمال عدم صدق هذا الاعتقاد وكذب الروايات يصبح صفراً، ويزول عملياً هذا الاحتمال.

٣-٢ إثبات حسابي لطول عمر الإمام الزمان حتى الوقت الحاضر بطريقة الاستقراء الشهيد الصدر

بنفس الطريقة نتناول التوقيعات المباركة، مع الأخذ في الاعتبار وحدة أسلوب هذه التوقيعات وعدم إمكانية تكرار هذا الأسلوب صدفة، فيزداد احتمال أن يكون نفس الشخص، أي الإمام الزمان، هو الذي كتبها، ويزداد احتمال أن يكون شخص واحد هو الذي قام بهذا العمل حتى ينعدم احتمال العكس، أي أن عدة أشخاص قاموا بهذا العمل عبر التاريخ، لأنه من غير الممكن أن يكتب عدة أشخاص، على مدى سنوات طويلة، رسائل لأشخاص مختلفين دون أي خطأ، وتصادف أن تكون جميع الرسائل متشابهة.

وبهذا السبب، بالإضافة إلى تثبيت ولادة الإمام، يثبت أيضاً طول عمره، لأنه يثبت أن الذي كتب أول توقيع هو نفسه الذي كتب التوقيع العاشر والأخير، فلا بد أن يكون حياً وقادراً على كتابة هذا التوقيع الأخير، وبذلك نكون قد أصبنا عصفورين بحجر واحد.

قبل بدء النقاش، سنقدم بعض التوضيحات حول التوقيعات:

التوقيع يعني الهامش المكتوب، وفي الاصطلاح هو الأوامر والرسائل التي كان الخلفاء والملوك يكتبونها لأشخاص مختلفين، ولكن في كتب علماء الشيعة يُقصد بها الرسائل والأوامر التي كانت تصل من الإمام المهدي في زمن الغيبة إلى شيعته، وهذا هو المقصود من التوقيعات في هذا السياق. في كتب الشيعة والإمامية المعروفة مثل كمال الدين للشيخ الصدوق، الغيبة للشيخ الطوسي، الاحتجاج للطبرسي، بحار الأنوار للمجلسي وغيرها، نقل حوالي ثمانين توقيعاً من الإمام الزمان المقدس، بعضها موجه إلى السفراء والنواب الخاصين، وبعضها موجه إلى علماء وفقهاء الشيعة، وبعضها رد على أسئلة، وبعضها الآخر يتضمن تكذيباً ولعناً ونفراً على من ادعى زوراً البابوية والنيابة عن ذلك الإمام. وبشكل عام، هذه التوقيعات الشريفة هي كنز من المعارف الإلهية (صالحي، العدد (٨٢)).

تنقسم التوقيعات إلى قسمين: توقيعات عصر الغيبة الصغرى وتوقيعات عصر الغيبة الكبرى. وقد طرح بعضهم السؤال: هل جميع التوقيعات بخط الإمام؟ الجواب هو أنه لا شك في أن العديد من التوقيعات الثمانين هي من الإمام وبيده، ولكن لا يمكن القول إن جميع التوقيعات بخط الإمام، ولا يمكن إنكار أن بعض التوقيعات بخط الإمام نفسه. يعتقد بعضهم أن كاتب تلك التوقيعات هو الإمام نفسه، وأن خطه المبارك كان معروفاً بين خواص الصحابة وعلماء ذلك الوقت وكانوا يتعرفون عليه جيداً، وهناك أدلة على ذلك نذكرها:

1- يقول إسحاق بن يعقوب: “كان لدي مشاكل وكتبت رسالة وأرسلتها بواسطة محمد بن عثمان إلى الإمام المهدي، وكان جوابها بخط الإمام المبارك نفسه” (مجلسی، ۱۴۰۳: ۲۴٫۵۳).

وقد نقل عن الشيخ الصدوق أنه يمتلك توقيعاً بخط الإمام الزمان صادرًا لوالده (جزائري، ٢٤٫٣:١٤٢٣).

2- يقول الشيخ أبو عمر العامري: “ابن أبي غانم القزويني اختلف مع جماعة من الشيعة في مسألة، وكتبوا رسالة إلى الناحية المقدسة لرفع النزاع، وأبلغوا الإمام بذلك، فجاء جواب الرسالة بخط الإمام المبارك” (مجلسی، ۱۴۲۳: ۱۷۸٫۵۳).

في المقابل، وبناءً على قرائن أخرى، لم تكن التوقيعات بخط الإمام الزمان، ومن ذلك:

4- يقول أبو نصر هبة الله: “كانت توقيعات صاحب الأمر تُصدر بنفس الخط الذي كان يُصدر به في زمن الإمام الحسن العسكري بواسطة عثمان بن سعيد ومحمد بن عثمان للشيعة”. ونقل عن عبد الله بن جعفر الحميري: “عندما توفي عثمان بن سعيد، كانت توقيعات صاحب الأمر تُصدر بنفس الخط الذي كنا نتواصل به سابقاً”.

بهذه التوضيحات يمكن الاستنتاج أنه من الممكن أن بعض التوقيعات صدرت بخط الإمام المبارك نفسه، وبعضها الآخر كتب بإملاء الإمام ولكن بواسطة كاتب آخر، وهذا لا يؤثر على صدور التوقيعات الأصلية من قبل حضرة بقيّة الله، ولا يخلّ بذلك بأي شكل.

مضمون بعض التوقيعات

في رسالة إلى علي بن محمد السمري، يخبر الإمام عن من يدّعي رؤيته ونيابته، ويقول: “سيأتي من شيعتي من يدعى المشاهدة، فليعلموا أن من ادعى رؤيتي قبل خروج السفياني والصيحة السماوية فهو كاذب وافترى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم الأعلى” (الصدوق، ١٣٨٨ (٢٤٠٫٢)).

وفي توقيع بعد وفاة عثمان بن سعيد، النائب الأول للإمام، قال: “حفظ الله ابنه، كان موثوقاً عندنا في زمن والده، فليرض الله عنه وعن والده، وليفرح بروح والده، ابنه عندنا كوالده وجالس مكانه، وما يقوله منا فهو قولنا، ويعمل بأمرنا” (الطاهري، ١٣٩٤: ٢٤٢).

ونقل عن أبو عمر العمري أن الإمام في توقيع موجه إلى الشيعة قال: “بسم الله الرحمن الرحيم، حفظكم الله من الفتن، ومنحنا وإياكم روح اليقين، ونجانا وإياكم من سوء العاقبة…” (المجلسي، ١٤٠٣: ٥٣٫ ١١٧٨).

وفي توقيع موجه إلى أحمد بن إسحاق الأشعري دعا له قائلاً: “بسم الله الرحمن الرحيم، يا إسحاق، وصلتني رسالتك، فحفظك الله…”

أو في توقيع موجه إلى الشيخ أبو القاسم حسين بن روح قال: “اللهم أمد في عمره وأرِه كل خير وأتم عمله بالخير والصلاح واجعل سعادته دائمة…” (طبرسی، ۲۹۰٫۱۳۸۱:۲).

احتمال أن يصدر توقيع من قبل الإمام هو ١٫٢) (نصف) لأن هناك احتمالاً في المقابل أن يكون كاتب الرسالة غير الإمام، ومع الأخذ في الاعتبار أن الإمام استمر في طريقة كتابة الرسائل على نمط والده، فهناك قرائن واضحة في رسائله بحيث كان علماء عصر الغيبة يتعرفون على خط الإمام.

ولكن نحن بافتراض نفس ١٫٢ نفترض هذا الاحتمال، وصيغة الاحتمال الشرطي تكون على الشكل التالي. لأن احتمال أن يكتب الإمام الرسالة بنفسه ويكون ذلك موافقاً للحكمة الإلهية في الإمامة هو صيغة احتمال شرطي وليس احتمال مستقل.

… X (الإمام المهدي كاتب التوقيع الثاني) Xp (الإمام المهدي كاتب الرسالة الأولى) =p (فرد كاتب التوقيع هو الإمام المهدي)p

= (الإمام المهدي كاتب التوقيع الأخير)p

في المقابل، احتمال أن يكتب شخص غير الإمام الرسالة الأولى وشخص آخر غيره الرسالة الثانية، وأن تكون هذه الرسائل مصادفةً متشابهة مع رسالة الإمام، هو أقل بكثير من ١٫٢، ولكننا مع التسامح نأخذ هذا المقدار بعين الاعتبار.

احتمال كتابة الرسائل من قبل الإمام المهدي مقارنة باحتمال كتابتها من قبل شخص آخر في الفحصين الأول والثاني، أي الرسالة الأولى والثانية، هو ٠.٥ مقابل ٠.٢٥. احتمال كتابة التوقيعات الأخرى من قبل الإمام المهدي يزيد الاحتمال تدريجياً إلى أن احتمال أن يكتب شخص غير الإمام هذه التوقيعات ويصادف أن يكون خطه مشابهًا لخط الإمام ورسائله يقترب من الصفر، وبنظرية التوالد الذاتي يتحول الظن إلى يقين موضوعي. في هذا الجزء، باستخدام المنهج الاستقرائي للشهيد الصدر، تم إثبات ولادة الإمام المهدي وكذلك إثبات طول عمره حتى الوقت الحاضر.

النتيجة

استخدم الشهيد الصدر المنهج الاستقرائي ونظريته المعرفية الخاصة في مجال زيادة اليقين، فتنوع الاستقراء في الاستدلالات الكلامية، وواجه به منكرين وجود الإمام المهدي، وباستخدامه سعى لإثبات ولادة الإمام المهدي وإثبات طول عمره. في هذا المنهج الاستقرائي، مع اكتساب القرائن الخارجية خطوة بخطوة يقترب إلى اليقين حتى يتحقق اليقين الموضوعي بخصوص الولادة وطول العمر.

قائمة المراجع

1- ابراهیم مصطفی و مؤمین (۱۳۶۸) معجم الوسیط، قاهره: دار الدعوة.

2- ابن منظور‌، محمد‌ بن مکرم (۱۳۷۵)، لسان العرب بیروت‌: دار‌ البیروت‌.

3- بخاری‌، محمد‌ بن اسماعیل (۱۳۹۱‌) صحیح‌ بخاری، بیروت: شیخ الاسلام.

4- بیهقی، احمد بن علی (۱۳۶۶)، تاج المصادر، تهران: پژوهشگاه علوم انسانی

5- جزائری‌، سید‌ نعمه‌ الله (۱۴۲۹) الانوار النعمانیه فی بیان معرفه‌ النشاه‌ الانسانیه‌، بیروت‌: دار‌ القاری‌.

6- خوبی، ابوالقاسم (۱۳۹۰) معجم رجال الحدیث، قم: مركز نشر الثقافة الإسلامیة فی العالم.

7- حلی، ابن مطهر (۱۳۹۲) شرح كشف المراد فی تجرید الاعتقاد، قم: موسسه امام صادق‌..

8- صدر، محمد باقر (۱۳۹۵) معالم الجدیده، تهران: نجاح.

9- صدر، محمد باقر (۱۳۸۲)، مبانی منطقی استقرا، قدسی، تهران: منشورات یمین

10- صدر، محمد باقر (۱۳۹۸) اعتقاد ما ترجمة ملک زاده، تهران‌: دار‌ الصدر.

11- صدر، محمد باقر (۱۴۱۰) الفتاوى الواضحه بیروت دار التعارف للمطبوعات.

۱۲ -صدر، محمد باقر (۱۳۹۱) الدروس فی علم الاصول، قم: دار الصدر.

۱۳- صدوق، محمد بن علی‌ (۱۳۸۲‌)، اتمام الدین و اكمال النعمه، قم: مسجد جمکران

۱۴- صدوق، محمد بن علی (۱۳۹۳)، عیون اخبار الرضا، قم: نشر جمكران

۱۵- صدر، محمد باقر‌ (دون تاريخ)، بحث حول المهدى، قم‌: مركز‌ الغدیر للدراسات القم

۱۶- مطهری، مرتضی (۱۳۶۸) مجموعه آثار، تهران: صدرا.

۱۷- مفید محمد بن محمد (۱۴۱۳)، الإرشاد فی معرفة حجج الله على العباد‌، قم‌: المؤتمر العالمی.

۱۸- مجلسی‌ محمد‌ باقر (۱۴۰۳) بحار الانوار، تهران: موسسه نشر الوفاء.

۱۹- نصیر الدین طوسی، محمد بن محمد (۱۳۱۱)، تجرید الاعتقاد، بیروت.

۲۰- نصیر الدین طوسی، محمد بن محمد (۱۳۹۳)، الغیبه، قم: جمكران‌.

۲۱‌- نصیر الدین طوسی، محمد بن محمد (۱۴۱۷)، الفهرست، جامعه مدرسین.

۲۲- طاهری، حبیب الله (۱۳۹۴)، سیمای آفتاب، قم: زائر

۲۳- طبرسی، احمد بن علی (۱۳۸۱)، الاحتجاج، تهران: دار الکتب اسلامیه‌.

۲۴‌- کلینی، محمد‌ بن یعقوب (۱۳۸۵)، اصول کافی، منشورات اسو.

۲۵- نصیری پرویز (۱۳۹۳) آمار و احتمالات مهندسی منشورات دانشگاه پیام‌ نور

۲۶- نجاشی، احمد ابن علی (۱۴۲۴) رجال نجاشی، النشر الاسلامی‌

۲۷‌- زبانی‌ قمشه‌ای (۱۳۷۴) مقاله برهان نظم به حساب احتمالات، کلام اسلامی، شمار، ۱۵

۲۸- عاشوری، حسن (۱۳۹۸‌) ‌‌تاریخ‌ عصر غیبت، آینده روشن

۲۹- عسقلانی ابن حجر (۱۴۲۴) فتح الباری فی شرح‌ بخاری‌، دار‌ الكتب بیروت

۳۰- شیرازی عبد الرحیم (۱۳۹۶) منتهی الارب، امید امجد

۳۱- محمدی علی (۱۳۸۸‌)، شرح اصول فقه، دارالفکر قم، الطبعة السادسة

۳۲- وارد ی، سید تقی (۱۳۸۱) مقاله‌ انحرافات شلمغانی نشریه پاسدار‌ اسلام‌، العدد ۲۵۴

۳۳- دهخدا، علی اکبر (۱۳۸۵) لغت نامه دهخدا دانشگاه تهران الطبعة الأولى.

[1] قال النبي (ص): كيف حالكم حين يأتي المسيح من السماء ويكون إمامه وقائده إمامكم.

[2] المقصود هو الدليل الاستقرائي نفسه.

[3] الشيخ الطوسي، محمد بن حسن الأبواب (رجال الطوسي) وبالنظر إلى عبارة رضي الله عنه الشيخ الصدوق يُحكم على وثاقته.

[4] النجاشي قد ضعّفه وذلك بسبب ضعف ابن غضائري، وبالنظر إلى ضعفه الذي هو غلوّ ولا يُعتد به فقد وثقه الشيخ الطوسي.