نظرية الخلافة العامة للإنسان في الفكر السياسي للسيد محمد باقر الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نظریه خلافت عمومی انسان در اندیشه سیاسی سید محمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: محمدحسین جمشیدی‌

مقدمة

لقد وضعنا عبارة أو مصطلح «الخلافة العامة للإنسان» مقابل مصطلحين هما «خلافة الإنسان» و«خلافة العام» اللذين استخدمهما الشهيد الصدر (رحمه الله) كلاهما – بمعنى واحد وبشكل مترادف – للتعبير عن مقصده؛ وذلك لكي نتمكن من تحقيق قصدَه وتقديم المفهوم المراد بصورة صحيحة وواضحة.

الأساس والمحور الجوهري لنظريات الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر رحمه الله السياسية هو «النظرة والرؤية التوحيدية» و«ربانية نظام الوجود».[۱] فإذا كان صحيحًا أن: «كل إنسان يعمل بحسب رؤيته للعالم؛ أي أن التصور الذي نقش في ذهننا عن الوجود يؤثر مباشرة في عملنا وعقيدتنا وسلوكنا الاجتماعي …».[۲] فإن نظريات السياسيين والمفكرين في عالم السياسة تتشكل أيضًا على أساس رؤيتهم ونظرتهم الوجودية. وبالطبع لا يمكن هنا إنكار دور مقتضيات الزمن وتأثيرات الأفكار والمفكرين الآخرين. ولكن ما يحظى بأهمية أساسية في هذا السياق هو الإبستمولوجيا، ونظرة العالم، ونظرة الإنسان، وكما قال سارتر: «كل إنسان يعيش بحسب معرفته للعالم».[۳]

وفقًا للنظرة التوحيدية، العالم ليس مجموعة من العناصر والقوى والقوانين العمياء، بل هو تنظيم من القوى والأنظمة والقوانين (السنن)، وعناصر وأجزاء مترابطة ومنظمة ومنسجمة وهادفة وذات معنى، وعلى هذا الأساس يصبح «الإنسان» كائنًا ذا معنى وهدف ومسؤولية. في هذه الرؤية، يصبح التوحيد ذو وجهين كما في رأس يانوس، حيث تمثل الربوبية[۴] وجهًا من وجوهه والعبودية[۵] الوجه الآخر؛ بمعنى آخر، التوحيد هو علاقة شاملة وحيوية بين الرب والمدبر للوجود والمربوب أو نظام الوجود. وبذلك يكون أساس العالم هو الربوبية والعبودية. العالم يدور في مدار التوحيد والربوبية.

لذا، فإن العالم المبني على الربوبية والعبودية، التي تنبع من العلم والحكمة المطلقة الإلهية وتحت التدبير الأزلي والمستمر له، ليس عبثًا ولا بلا هدف، والإنسان أيضًا – كجزء من الوجود بل وربما أسمى جزء فيه – ليس كائنًا حرًا أو عبثيًا أو بلا هدف:

«أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون؛[۶]

هل حسبتم أننا خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون».

وجود علاقة السلطة بين الرب والعبد أو الربوبية والعبودية، يعبر عن الأصل الأساسي لـ«السيادة المطلقة» لله تعالى على العالم والإنسان؛ أي أنه في دائرة الوجود هو الحاكم المطلق وحده.

في دائرة الجزء نحن نقطة البركار                 لطف ما تفكر فيه حكم ما تأمر به

العالم يُدار بهدف ومعنى وفق قوانين وسنن تُعرف بـ«السنن الإلهية»[۷]. وعلى هذا الأساس، المبدأ الثاني الأساسي في الفكر السياسي للصدر هو وجود السنن الإلهية الحاكمة على عالم الوجود.

وكذلك خلق الله الإنسان على أساس حكمته، ومنحه الكرامة والفضل الفطري الذاتي بسبب وجود جوهر العقل وقوة التفكير والتدبر فيه؛ فضيلة وكرامة جعلته ليس فقط أسمى من المخلوقات الأخرى بل وأعطته القدرة على السيادة على مصيره:

«ولقد كرمنا بني آدم… وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً…؛ [۸]

لقد كرمنا بني آدم… وفضلناهم على كثير من المخلوقات تفضيلاً…».

هذه الأفضلية والكرامة الذاتية والطبيعية للإنسان ناتجة عن وجود العقل، والفكر، والإدراك، والتعقل، والوعي فيه:

يا أخي أنت كل الفكر               والباقي عظم وجذر

هنا يتجلى الدور العظيم والبنّاء للتوحيد في هذه النظرة، وهو تقديم أفضل النظرات إلى الوجود. نظرة شاملة وحاسمة. نظرة قائمة على الهدف والبناء. نظرة تحدد الطريق والهدف واتجاه حركة الإنسان والمجتمع:

«دور التوحيد هو أنه يعطينا “رؤية فكرية” و”أيديولوجيا واضحة”. التوحيد يجمع كل آمال وأهداف الإنسان في مثال أعلى موحد، وهو الله سبحانه وتعالى».[۹]

من جهة أخرى، يتمتع الإنسان باعتباره «عاقلًا» وذو «قوة تعقل» و«فكر» و«قدرة تمييز» و«استنباط» بحرية و«اختيار» في سير حياته وإدارة شؤونه، ولا يملك أحد سلطة أو نفوذًا عليه. حرية الإنسان، مثل عقله وحكمته، فطرية وطبيعية وليست مكتسبة أو مصطنعة. وعلى هذا الأساس، فإن القوانين والسنن الإلهية حينما ترتبط بمصير الإنسان تأخذ طابعًا بشريًا، ومن ثم يمكن للإنسان دراستها والتعرف عليها واكتشافها، وهي تخضع ليد الإنسان. لذلك، لا تتعارض مع عقله أو حريته.

سيادة الإنسان

بناءً على ما سبق من النظرة التوحيدية للسياسة، تنبع ثلاثة مبادئ أساسية:

١) السيادة المطلقة لله على الوجود؛

٢) وجود السنن الإلهية الحاكمة على العالم؛

٣) حرية الإنسان واختياره.

من وجهة نظر الشهيد الصدر (رحمه الله)، السيادة والولاية المطلقة على العالم والإنسان أصلاً وحقيقةً لله تعالى:

«لا سيد ولا مالك ولا إله للكون وللحياة إلا الله سبحانه وتعالى …».[۱۰]

الله سبحانه وتعالى، بناءً على سيادته المطلقة وسنن الخلق الحاكمة على الوجود، جعل الإنسان العاقل المختار حاكمًا على مصيره بسبب قدرته على التمييز والاستنباط وقوة اتخاذ القرار والإرادة؛ أي أن أساس خلق الإنسان – مقارنة بالمخلوقات الأخرى – قد صُمم بحيث يكون لديه «القدرة والاستعداد» لإدارة مجتمعه. هذه القدرة والاستعداد والميل الفطري والآني للإنسان تمنحه حقًا يسمى «حق السيادة» أو «حق الولاية»؛ وبعبارة أخرى، كما أن الغرائز والاستعدادات الفطرية للإنسان تمنحه «حقوقًا فطرية»[۱۱] مثل «الحياة»[۱۲]، و«الحرية»[۱۳]، و«الملكية الخاصة»[۱۴].[۱۵] فإن الخصائص الفطرية والاستعدادات الذاتية تمنحه أيضًا حق تحديد مصيره.

يذكر الشهيد الصدر (قده) هذه السيادة أو الولاية المعطاة من الله للبشر بصورة جعل تكويني تحت عناوين «خلافة العام»، «خلافة الإنسان»، «استخلاف»، «استئمام» و«استئمان» التي تُعد أساس إنشاء الدولة[۱۶] والنظام السياسي وتشكيل الحكم.

«… ومن ثم فإن مسألة خلافة الإنسان، من وجهة نظر القرآن، هي في الحقيقة أساس حكم الإنسان على الوجود … وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم …».[۱۷]

من وجهة نظر الصدر (قده)، فإن مثل هذه السيادة تُعرض على الإنسان بصورة تكوينية وفطرية من جانب الله، مدير ومدبر الوجود. لذلك، فإن جعل وعرض الخلافة العامة على الإنسان له جانب تكويني لا اكتسابي أو تشريعي. ومن ناحية أخرى، فإن الإنسان أيضًا بسبب كونه بطبيعته يمتلك الشروط والظروف اللازمة لتحقيق هذه السيادة، فقد تحمل مسؤوليتها تكوينيًا وفطريًا – بصورة طبيعية وذاتية. وعلى هذا الأساس، فإن الخلافة العامة للإنسان من الجانب البشري هي «أمانة عامة».

في الواقع، يمكن اعتبار الخلافة العامة للإنسان ذات وجهين: الوجه الإلهي وهو «الاستخلاف» أو «الاستئمام» وهو العرض أو الجعل التكويني والفطري، والوجه الإنساني وهو «الاستئمان» أو «الأمانة العامة» وهو قبول الإنسان الذي هو جوهري له. لذلك، فإن العرض والقبول للخلافة العامة للإنسان كلاهما له جانب تكويني. وبالنظر إلى الدور الأساسي لهذه النظرية في تشكيل الدولة وكذلك في إنشاء التشكيلات الحكومية، سنتناول في هذا المقال مفهوم وطبيعة خلافة الإنسان وأسس ونتائج قبولها.

١. مفهوم وطبيعة خلافة الإنسان[۱۸]

يستخدم الشهيد الصدر (قده) في بيان مقصده في تفسير هذه النظرية مفاهيم ومصطلحات مثل «خلافة الإنسان؛ ولاية الإنسان» أو «خلافة العام؛ الولاية العامة»، «الاستخلاف؛ التعيين كخليفة»، «الاستئمام؛ التولي» و«الاستئمان؛ الإيداع»؛ وسنبحث كل منها على حدة هنا.

١- ١- «خلافة الإنسان» و«خلافة العام»

للتعرف على مفهومي «خلافة الإنسان» و«خلافة العام» يجب أولاً دراسة كلمة «خلافة» في اللغة العربية:

أ- الخلافة: هذه الكلمة لم ترد في القرآن، لكن بعض مشتقاتها مثل: «خليفة» (مرتين)، «خلائف» (أربع مرات)، «خلفا» (ثلاث مرات)، «خلف» … ذُكرت في كتاب الله. في اللغة العربية تعني الخلافة «النيابة» و«الوكالة» وبمصطلح اليوم «القيام مقام» و«خلف يخلف» تعني: أصبح خليفة، أخذ مكان [شخص أو شيء]، و«خليفة» تعني: خليفة، نائب، قائم مقام، … على سبيل المثال، يكتب راغب الأصفهاني في كتابه مفرداته:

«والخلافة: النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه وإما لموته وإما لعجزه وإما لتشريف المستخلف وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أوليائه في الأرض؛[۱۹]

الخلافة هي النيابة والخلافة عن الآخر في أحد هذه الحالات:

– النيابة بسبب غيبة الآخر (الخليفة)،

– النيابة بسبب موت الآخر (الخليفة)،

– النيابة والوكالة بسبب عجز الآخر (الخليفة)،

– النيابة بسبب ترفيع وتكريم الخليفة ورفع مكانته وشرفه وكماله.

وبناءً على الحالة الرابعة، خلا الله أوليائه في الأرض».

ب- خلافة الإنسان: عندما تُضاف كلمة خلافة التي تعني ولاية إلى اسم، تعني ولاية ذلك الاسم ونيابة عنه. لذلك، المقصود من خلافة الإنسان هنا هو ولاية الإنسان على الأرض نيابة عن الله. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون «الـ» (أل) في «الإنسان» لها أحد المعنيين التاليين:

١- للدلالة على شمول جميع أفراد الجنس؛ في هذه الحالة تعني الكل وتدل على الشمولية والعمومية، أي «خلافة جميع البشر» أو «ولاية جميع الناس» نيابة عن رب العالمين.

٢- للدلالة على النوع والجنس؛ في هذه الحالة تعني نوع الإنسان وتدل أيضًا على «ولاية نوع البشر» نيابة عن الله رب العالمين. في كلتا الحالتين، معناها أن «الإنسان نوعًا» أو «جميع البشر» – بشكل محتمل – هم خلفاء الله ونيابته على الأرض، ولذلك «خلافة الإنسان» تعني ولاية نوع الإنسان أو جميع البشر. هذا الموضوع يعبر عن جعل تكويني للخلافة للبشرية في جميع أبعاد حياتهم على كوكب الأرض.

ج- خلافة العام: المقصود بخلافة العام هو ولاية الإنسان العامة على الأرض. يمكن اعتبار هذه الكلمة مرادفة لولاية عموم نوع البشر، لأن «العام» إما صفة للخلافة تعني الخلافة العامة، أو مضاف إليه تعني عموم البشر وفي الواقع نوع الإنسان. يأخذ الشهيد الصدر هذا المصطلح مرادفًا لـ «خلافة الإنسان». لذلك اخترنا في ترجمة هذين المصطلحين عبارة «الخلافة العامة للإنسان».

لذا، «خلافة الإنسان» أو «الخلافة العامة» تعني ولاية الإنسان أو الناس على الأرض نيابة عن رب العالمين. سبب هذه الولاية ليس الغيبة أو الموت أو العجز والضعف للخليفة، بل بسبب الترفيع والتكريم والكرامة وبلوغ الإنسان إلى الكمالات الاجتماعية والفردية المستحقة، وسبب ذلك أن الإنسان بسبب امتلاكه العقل والحرية والإرادة والسعي للكمال … كان جديرًا بذلك:

«وَلَقَد كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ… وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا…؛ [۲۰]

يقول العلامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر عن خلافة الإنسان:

«أكرم الله سبحانه الإنسان بخلافته على الأرض. فالإنسان من هذه الناحية، كونه خليفة الله في الأرض، متميز عن سائر مخلوقات العالم».[۲۱]

ويضيف الشهيد الصدر:

«بسبب هذه الخلافة، استحق الإنسان أن تسجد له الملائكة وأن تطيع جميع القوى الظاهرة والخفية في العالم».[۲۲]

١- ٢- الاستخلاف

هذه الكلمة أيضًا مصدر باب استفعال ومن جذر «خلافة» وتعني التعيين كخليفة، الدعوة للخلافة، النيابة، …:

«استخلف فلاناً: جعله خليفة له، و فلاناً من فلان: جعله مكاناً»[۲۳] (استخلف فلاناً أو جعله نائباً وقائماً مقامه، واستخلف فلاناً من فلان: جعله آخر خلفه). الشهيد الصدر في تحليل عناصر المجتمع يعتبر أحد هذه العناصر «الاستخلاف». وهو يستند إلى الآية:

«وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً …؛[۲۴]

ويذكر حين قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة…».

ويكتب:

«عندما ندرس هذه الآية، نلاحظ أن الله تعالى يحيط الملائكة علماً بأنه قد أسس مجتمعاً على الأرض. نريد أن نعرف، بناءً على هذا التعبير القرآني، ما هي عناصر هذا المجتمع، ومن تعبير القرآن يمكن استخراج ثلاثة عناصر رئيسية:

١- الإنسان؛ «الإنسان»،

٢- الأرض أو الطبيعة بشكل عام؛ «الأرض أو الطبيعة على وجه العموم …»،

٣- الرابط الروحي الذي يربط الإنسان بالأرض وبالطبيعة من جهة، وبالإنسان الآخر كأخ من جهة أخرى. هذا الرابط الروحي يسميه القرآن «الاستخلاف».[۲۵]

وبالتالي، بناءً على فهم الشهيد الصدر، يتكون المجتمع الأرضي من ثلاثة عناصر: «الأرض»، «الإنسان» و«الاستخلاف». وعلاقة الاستخلاف تتجلى بثلاث صور؛ علاقة الإنسان بالإنسان (نفسه)، الإنسان بالآخرين (المجتمع) والإنسان بالطبيعة:

هذه العلاقة تعبر عن أن الإنسان مسؤول وأمين تجاه ثلاثة مصائر: «مصير نفسه، مصير المجتمع ومصير الطبيعة». بالإضافة إلى أن الاستخلاف رغم كونه رابطاً اجتماعياً، إلا أن أحد أطرافه خارج هذا المجتمع، لأنه عامل خارجي عن المجتمع الذي نشأ، وهو الذي أسسه، وهو أحد الأسس الجوهرية لهذا الرابط الاجتماعي. لذا فإن هذا الرابط له أربعة أركان أو أبعاد، ومن هذه الأركان الأربعة، الركن الخارجي هو الأهم، لأنه أساس ومرتكز «الاستخلاف». طبعاً، رابط الاستخلاف يشمل هذا الركن الخارجي أيضاً. وبحسب الشهيد الصدر، فإن عناصر أو أركان «الاستخلاف» هي:

١- المستخلف – وهو الله سبحانه وتعالى (الخليفة المدبر)،

٢- المستخلَف – وهم البشر على الأرض (الخلفاء)،

٣ و٤- المستخلَف عليه – (ما جرت عليه الخلافة)، ويشمل الإنسان، المجتمع والأرض (الطبيعة). يمكننا تمثيل الرابط الرباعي للاستخلاف بشكل هرمي:

الشهيد الصدر بعد بيان العناصر الأربعة لـ«الاستخلاف» يكتب:

«دور الإنسان في تعامله مع حياته هو دور الاستخلاف والامامة؛ أي أن الله جعل الإنسان خليفة له في الأرض ومنحه مقام الإمامة. في هذا المجتمع الأرضي، علاقة الإنسان بالطبيعة ليست علاقة مالك ومملوك، بل علاقة أمين بالأمانة، وعلاقة الإنسان بأخيه (الإنسان الآخر) في كل موقع اجتماعي هي علاقة زميلين في أداء مهمة الخلافة الإلهية. وليست علاقة حاكم ومحكوم، أو مالك ومملوك، أو إله وعبد».[۲۶]

وفقاً للشهيد الصدر، إذا أزلنا البعد أو الركن الرابع لهذا الرابط الاجتماعي «الاستخلاف» أي «الله»، فإن كل الروابط تتغير ويأخذ البناء الاجتماعي شكلاً آخر. «تظهر الحاكمة والملكية بألوان مختلفة، وتتحول حاكمة الإنسان على الإنسان الآخر إلى صور متعددة، وقد عانى التاريخ – بعد تجاهل البعد الرابع – من أنواع وأشكال كثيرة منها …».[۲۷]

لذا، ما يغير مضمون العلاقات الاجتماعية هو وجود أو عدم وجود «المستخلف» في أركان تكوينها.

 ١- ٣- الاستئمام

تعبير آخر استخدمه الشهيد الصدر للتعبير عن «الخلافة العامة» للإنسان على الأرض هو «الاستئمام» الذي يعني الإمامة، أو تعيين إمام، أو استقرار الأمانة والقيادة… بناءً عليه، يرى الشهيد الصدر أن الله قد كرّم الإنسان بمقام «الإمامة» في الأرض.

الاستئمام والإمامة تعبير آخر عن الاستخلاف والخلافة العامة أو خلافة الإنسان. حين ننظر إلى الاستخلاف (حكم الإنسان) في الأرض من الأعلى ومن البعد السماوي ومن جهة جاعل الخليفة، فهو نيابة وخلافة، وحين ننظر إليه من البعد الأرضي والبشري ومن جهة الخليفة وبالاعتماد على دور الإنسان في موضوع الخلافة العامة، فهو «استئمام» و«إمامة» و«قيادة». أي نجد الإنسان خليفة الله في الأرض وكذلك إماماً وقائداً وحاكماً. الإمامة والقيادة هنا مفهومان فطريان وتكوينيان لا تشريعيان؛ أي أن جعلهما جعل تكويني ومبني على طبيعة خلق الإنسان وخصائصه الفطرية مثل العقل والحرية، ولهذا له معنى عام وليس خاصاً.

 ١- ٤- الاستئمان

مصطلح ومفهوم آخر استخدمه الشهيد الصدر في دراسة نظرية الخلافة العامة للإنسان هو «الاستئمان» الذي يعني «إيداع الأمانة» أو «عرض الأمانة» أو «تسليم الأمانة» و«تعيين الأمين»… بناءً عليه، إذا نظرنا إلى موضوع خلافة الإنسان من زاوية أخرى – أي من الأسفل ومن منظور البشر أو من الخارج – نراه كأمانة. طبعاً، الأمانة هنا أيضاً قبول تكويني، وهي في الواقع سنة إلهية تحققت. وبحسب الشهيد الصدر:

«هذه الأمانة التي قبلها الإنسان وتحملها، عندما عُرضت عليه وفق هذه الآية[۲۸] … حدث القبول التكويني، وهذا هو معنى السنة التاريخية».[۲۹]

٢. ماهية وحقيقة الاستخلاف

أ- الاستخلاف ومنح الأمانة: يصر الشهيد الصدر على أن «الاستخلاف» و«إمامة» الإنسان في الأرض هي «أمانة»، وعلاقة الإنسان بالمجتمع (الناس الآخرين) هي علاقة «الأمين» بـ«المؤتمن». الاستخلاف وإمامة الإنسان في الأرض هي ذات الأمانة التي رفضت السماوات والأرض والجبال قبولها، وقبلها الإنسان الحامل لها:

«إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا».[۳۰]

يُظهِرُ البحث التحليلي لموضوع الخلافة من وجهة نظر الإنسان وباعتبار قبول الإنسان، الوصاية في شكل «الأمانة» و«المسؤولية»؛ أي إن الخلافة في التحليل الجديد تتحول إلى «الاستئمان»، لأن «الخلافة» تقع على عاتق الله و«الاستئمان» على عاتق الإنسان. تُعرض الخلافة والإمامة من جهة الله، ولكن قبولها من قبل الإنسان يتحقق في قالب «الأمانة»:

«الأمانة هي الصورة المتحققة للخلافة: الخلافة تُعرض من جهة الله الذي يمنح هذا المقام الرفيع للإنسان. الأمانة والخلافة تعنيان الاستخلاف والاستئمان، أي اختيار الوصاية، وأخذ الأمانة، وتحمل حملها الثقيل …».[۳۱]

لذا فإن مفهوم «الجعل» في الآيات المتعلقة بخلافة الإنسان يعني «عرض الأمانة»، لأن في «الجعل» توجد العناصر الأربعة نفسها «الاستخلاف والاستئمان» التي هي:

١- الاستخلاف، الاستئمام، الاستئمان، الجعل، عرض الخلافة والإمامة.

٢- المستخلِف، المستئمِم، المستئمِن، الجاعل، المعروض منه، الله.

٣- المستخلَف، المستئمَم، المستئمَن، المجعول، المعروض عليه، الإنسان.

٤- المستخدم عليه، المستئمم عليه، المستئمن به، المجعول له، المعروض، المجتمع والطبيعة.

ب- التكوين أو التشريع: الآن يجب أن نرى هل هذا «الجعل» أو عرض «الخلافة والأمانة» هو عرض تشريعي وقانوني – كما ظن بعضهم – أم هو عرض تكويني وطبيعي؟ هذه الخلافة أو الرباط الاجتماعي وفق تفسير الآية ٧٢ من سورة الأحزاب عُرضت على الإنسان، والإنسان قبلها وتحمل مسؤوليتها، ولذلك تحولت إلى أمانة، لأنه حتى لا يقبل الأمين الأمانة لا تتحقق العلاقة والعقد المبني على الأمانة والأمانة. لذلك هنا الحديث عن أمانة عُرضت على إنسان وقبلها، ومن ثم تحققت العلاقة الاجتماعية للخلافة؛ بينما عُرضت هذه الخلافة على المخلوقات الأخرى لكنها لم تقبلها. هنا نقول إن هذا الجعل والعرض ليس تشريعياً وقانونياً بل هو تكويني وفطري، ويختلف عن الجعل التشريعي مثل إرسال الرسل. أي، كما يعبّر الشهيد الصدر، هذا «الجعل والعرض» هو سنة اجتماعية-سياسية أو تاريخية، وليس تشريعاً وقانوناً يُطلب فيه الطاعة والاتباع؛ لأن الطاعة والاتباع في شأن المخلوقات الأخرى مثل الجبال والسموات والأرض التي عُرضت عليها هذه الأمانة سابقاً لا معنى له:

“من هنا نفهم أن هذا العرض هو عرض تكويني وليس عرض تشريعي. المقصود هو أن هذه العطية الإلهية بحثت عن مكان يتناسب مع طبيعتها، ويتناسب مع فطرتها وذاتها، ويتناسب مع بنيتها التاريخية والوجودية، فطافت في كل مكان. الجبال لم تكن متوافقة مع هذه الخلافة. السموات والأرض لم تكن مناسبة لهذا الرباط الاجتماعي الرباعي حتى تتحمل حمل الأمانة والخلافة الإلهية. ولكن الكائن الوحيد الذي يتناسب حسب بنيته وتركيبته وبحكم فطرته الإلهية مع هذه الخلافة هو الإنسان. لذلك، عرض الأمانة هنا هو عرض فطري وتكويني، وقبول الإنسان أيضاً هو قبول فطري وتكويني، ومعنى السنة التاريخية هو هذا بالذات».[۳۲]

لذا في فكر الشهيد الصدر، حكم الإنسان وخلافته سنة فطرية وفي الوقت ذاته تاريخية وسياسية، ولذلك رغم أن الإنسان «ظلوم وجاهل» يمكنه أن يقف في وجهها ويقاومها ويمنع تحققها، لكنه لا يستطيع إنكار وجودها.

ج- الخلافة العامة والنوعية: هل هذه الخلافة التي وضعها الله كأمانة في يد الإنسان، كما يظن بعضهم، إعلان حكم وخلافة لشخص آدم (عليه السلام) أم أن النوع الإنساني هو المقصود؟ في الآية ٣٠ من سورة البقرة ورد أن الملائكة اعترضوا على هذا الاستخلاف وقالوا: هل تجعل فيه من يفسد فيه ويسفك الدماء …؟ من هذا الاعتراض يتضح أن الخلافة لم تكن حصرية لآدم (عليه السلام)؛ لأن الذي يفسد ويسفك الدماء على الأرض، حسب ما أقلق الملائكة، لم يكن آدم (عليه السلام).[۳۳] بالإضافة إلى ذلك، لم يذكر التاريخ أن آدم (عليه السلام) سفك الدماء أو أفسد في الأرض، ووفق آيات القرآن ونصوص التوراة والإنجيل فإن أول سفك دماء كان على يد ابن آدم (عليه السلام) قابيل. كما أنه لا معنى لأن تعترض الملائكة على أمر مؤقت ولمدة سنوات، بل كانوا يعترضون على أمر مستمر ودائم، وهو أمر يصبح سنة في تاريخ العالم ويستمر ما دام الإنسان يعيش على الأرض. في آيات أخرى أيضاً نسبت الخلافة والاستخلاف إلى جميع البشر:

١- «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ»[۳۴]

٢- «إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ»[۳۵]

٣- «جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ»[۳۶]

لذا موضوع الخلافة أمر تكويني وعام وشامل، ولا يختص بآدم (عليه السلام):

«هذه الخلافة التي يتحدث عنها الله في آيات القرآن ليست إعلان خلافة لشخص آدم (عليه السلام)، بل الجنس البشري بشكل عام هو المقصود، لأن الذي يفسد ويسفك الدماء على الأرض، حسب ما خاف منه الملائكة، لم يكن آدم (عليه السلام)، بل الإنسانية والبشرية عبر التاريخ. لذلك الخلافة للبشرية على الأرض …».[۳۷]

وهذا ما قاله رسول الإسلام (ص): «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».[۳۸]

الموضوع الآخر الذي لم يطرحه الشهيد الصدر صراحةً ولكنه مستنتج من نقاشاته هو أن «خلافة الإنسان» ليست تفويضاً للحكم الإلهي إلى الإنسان، لأن الحكم الإلهي مطلق، غير محدود وحقيقي، ولذلك لا يمكن تسليمه إلى كائنات ذات خصائص محدودة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحكم على الكون من صفات الله وهو ذاته، لذا لا معنى لتفويضه. كما أن قابلية التجزئة غير موجودة في حكم الله بحيث يفوض جزءاً منه للبشر. «الخلافة والحكم العام للبشر» مثل بقية القوانين والسُنن الإلهية هي من الأمور الفطرية والكونية التي جُعلت للإنسان تكويناً وذاتيًا من قبل الله كحاجة طبيعية له وللوصول إلى الكمال، وقد قُبلت منه ذاتياً.

٣. خصائص خلافة الإنسان

أ- الجعل الإلهي: جعل الله الإنسان خليفة له في الأرض، وقد تم هذا الخلافة بهدف نمو الإنسان وارتقائه وحركته نحو السعادة والكمال والخلود. لذلك، من هذا المنظور لا يمكن للإنسان أن يدعي أنه ذاتياً يمتلك الحكم والخلافة، لأن الإنسان هو مقام «الخلافة» ومركز الأمانة والمسؤولية الإلهية. ولهذا السبب، وردت خلافة الإنسان في الأرض في القرآن بفعل «جعل». ومن هذا المنطلق، فإن مصدرها ومنبعها خارج المجتمع البشري، فهي جعلية واعتبارية.

«… في الإسلام الناس هم مركز ومحور خلافة الله ومقام المسؤولية أمامه».[۳۹]

ب- المحدودية والنسبية: بالنظر إلى أن الخلافة في الأرض تتحقق بيد البشر، وأن قدراتهم وإمكاناتهم وجهودهم محدودة ونسبية، فإن خلافته ستكون كذلك. هذه الخاصية المهمة في هذا النظر تعبر عن أن الخلافة لا تعني الحكم المطلق أو الصلاحيات غير المحدودة. خاصة أن الإنسان كائن معرض للخطأ، الزلل، الذنب والمعصية، وحتى التلوث بالظلم والفساد (إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)، وهذا الوضع في السياسة والسلطة أشد بكثير.

ج- تكويني وفطري: ولاية وخلافة الإنسان في الأرض أمر طبيعي وتكويني؛ أي متوافق مع طبيعته وفطرته، وليس تشريعياً أو وضعياً وقانونياً؛ أي لم تُفرض عليه كواجب أو تكليف، بل عُرضت عليه بسبب التناسب والتناغم مع طبيعته وبنيته الطبيعية، وقبلها هو ذاتياً. وإذا استُخدم فعل «جعل» في شأنها، فجعله تكويني وفطري وليس تشريعي ووضعي. الجعل هنا يشبه «الخلق» أو إتمام الخلق. كما في القرآن حيث يبدأ بخلق السماوات والأرض ثم يكملها بجعل الظلمات والنور.[۴۰]

د- سنة إلهية: خلافة الإنسان في الأرض بما أنها أمر فطري وحقيقي وجذورها في طبيعة الإنسان والعالم، تُسمى «سنة» أو «قانون» إلهي. لذلك، لها كل خصائص السنن الإلهية. لكنها سنة من نوع السنن الثالثة، أي الميل الطبيعي والفطري؛ بمعنى أن الإنسان ككائن اجتماعي-سياسي (أو كما يقول أبو نصر الفارابي «مدني») بدون خلافة وحكم – بالمعنى الحقيقي – لن يكون إنساناً، ولا يمكن فصله عن هذه الخاصية، رغم إمكانية مواجهتها مؤقتاً بالفطرة والطبيعة والوقوف ضد السنن الفطرية.

هـ- العمومية والشمول: «خلافة الإنسان» موضوع عام، إنساني وشامل. هي شاملة وعالمية وعامة، ولا تخص فرداً أو جماعة أو طبقة معينة، ولا يمكن لأي فرد أو جماعة أو طبقة أن تدعي أن الآخرين يفتقرون إليها. كما أن الناس جميعاً متساوون أمام الحق، فهم متساوون أيضاً في حق الولاية والخلافة في الأرض.

و- الاتساع والشمول: نطاق ودوائر خلافة الإنسان في الأرض واسعة جداً وتشمل جميع أبعاد حياته. في السياسة، الاقتصاد، المجتمع، الثقافة، الأخلاق، العلم… الإنسان هو خليفة الله. مثلاً في الاقتصاد، الإنسان كخليفة الله:

«عليه أن يدير الثروة التي وضعها الله تحت يده وفق الأوامر والتعليمات الخاصة بالمالك الأصلي».[۴۱]

وفي القرآن أيضاً إشارة إلى هذا النوع من الخلافة الاقتصادية:

«أنفقوا مما جعلكم مستخلصين فيه».[۴۲]

لذلك، خلافة الإنسان ليست مجرد خلافة سياسية بحتة، بل لها أبعاد متعددة، وهي طريق للإنسان للوصول إلى مقام العبودية الخالصة لله والتشبه به. بعض أبعاد الخلافة هي:

١) إقامة المجتمع السياسي والدولة وفي النهاية تشكيل الحكم (الخلافة السياسية)؛

٢) الخلافة الأخلاقية والتربوية والتكوينية (بناء الإنسان)؛

٣) إقامة العدالة الاقتصادية والتنمية والرفاه والتقدم (الخلافة الاقتصادية)؛

٤) الخلافة العلمية والثقافية؛

٥) الخلافة الاجتماعية؛

٦) الخلافة على الطبيعة؛

٧) خلافة الإنسان على نفسه… وبعبارة الشهيد الصدر:

«… الله هو رب الأرض وكل خيراتها، ورب الإنسان والحيوان وكل دابة… وهكذا فإن خليفة الله في الأرض هو نائب الله في كل هذه الأمور والأشياء…».[۴۳]

أما في البعد السياسي، فهذه الخلافة لها ثلاثة جوانب: أولاً الولاية والقيادة والخلافة في المجتمع، ثانياً الأمانة وتحقيق المسؤولية، وثالثاً الرقابة والشهادة والمشاركة في الشؤون السياسية للمجتمع. وهذه الثلاثة تنبع من خاصيتين طبيعيتين للإنسان وهما العقل والحرية.

ز- المساواة في الخلافة: حسب رأي الشهيد الصدر، جميع البشر متساوون في حقوق الخلافة، وحق الخلافة لا يزيد لأحد على آخر؛ أي أن الحق والحصة التي يمتلكها شخص أ لتحقيق خلافة الله في الأرض، يمتلكها شخص ب أيضاً، ومن هنا تُلغى في هذا النظرية التفضيل والاستعلاء بين الأفراد.

«كما تقدم، الناس أصحاب حق وحملة هذه الأمانة، وهم جميعاً متساوون أمام القانون في هذا الحق، ولهم جميعاً الحق في التعبير عن آرائهم وأفكارهم وممارسة النشاطات السياسية بطرق مختلفة، كما أنهم أحرار في أداء شعائرهم الدينية والمذهبية».[۴۴]

ح- كونه أمانة: الأمانة هي ما يجب على الأمين أن يتصرف فيه بناءً على رضا وتوافق صاحب الأمانة. خلافت الإنسان في الأرض من نوع الأمانة؛ أي إن المجتمع والطبيعة هما أمانة والإنسان هو الأمين عليهما. ولهذا السبب، الأمانة تستلزم المسؤولية والالتزام.

ط- توحيدية: المركز والمحور الرئيسي لخلافة الإنسان هو «التوحيد» وأساسها ومبناها يقوم على الإيمان بالمبادئ التوحيدية، ومن ثم فإن تحقيقها يبدو مستبعدًا بدون قبول التوحيد.

ي- عدم جواز الانتزاع: كما ذُكر سابقًا، «خلافة الإنسان» في الأرض لها طابع عام وشامل، والجميع متساوون في امتلاكها وحقوقها. ومن هذين المقدمتين يمكن الاستنتاج أنه لا يمكن انتزاع حق الخلافة في الأرض من أي شخص في أي من أبعادها (السياسية، القانونية، الاقتصادية، …). على سبيل المثال، أحد أبعادها هو الوكالة في الطبيعة والثروة التي تترتب عليها حق الملكية الخاصة، ولا يمكن انتزاع حق الملكية الخاصة من أحد. وفي الأمور السياسية الأمر نفسه، فمثلاً أحد جوانبها هو حق الرقابة والمشاركة في الحكم، وهذا الحق لا يمكن انتزاعه من أحد.

ك- عدم جواز النقل: هذه الخلافة لا يمكن نقلها لسببين، أولًا الجميع لهم حق خلافة متساوٍ وحق تدخلهم في شؤون المجتمع متساوٍ. لذا فإن نقلها من شخص إلى آخر لا معنى له، وثانيًا نقل حق الخلافة من شخص إلى آخر يعني أنه لم يعد يسيطر على مصيره ومصير المجتمع والطبيعة، وأصبح تحت سلطة الآخرين، وهذا يعادل فقدان حريته.

ل- أساس وبنية الحكم: الناس بامتلاكهم حق الخلافة في الأرض يمكنهم تشكيل الحكومة لتولي إدارة شؤون المجتمع؛ لأنه ما دام الناس جميعًا لا يملكون حق التدخل في مصير مجتمعهم، فلا يمكنهم تشكيل الحكومة:

«… ومن هنا فإن مسألة خلافة الإنسان، من وجهة نظر القرآن، هي في الحقيقة أساس حكم الإنسان على الوجود. وبهذا الشكل يتأسس حكم الإنسان على نفسه أيضًا. كما أن حكم الناس على الناس، أي الحق في السيادة الوطنية، يمكن أن يكون مشروعًا وقانونيًا باعتباره خلافة الله على الأرض للبشر: … وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله …»[۴۵]

٤- مبادئ خلافة الإنسان

حتى الآن تم توضيح مفهوم خلافة الإنسان أو الخلافة العامة وخصائصها. الآن يجب أن نرى على أي أساس ومبادئ تقوم هذه «الخلافة العامة». هنا يتم بيان بعض المبادئ والأسس الرئيسية لخلافة الإنسان العامة:

أ- التكوين والفطرة البشرية: الإنسان كائن مدني أو اجتماعي، أي لا يمكنه الاستمرار في حياته بدون تنظيم واجتماع. منذ قرون أشار أرسطو إلى هذا الأمر المهم:

«الإنسان بطبيعته حيوان اجتماعي (مدني)، ومن كان بلا وطن بطبيعته وليس بالصدفة، فهو كائن إما أدنى من الإنسان أو أعلى منه».[۴۶][۴۷]

كون الإنسان اجتماعيًا يعني أنه يمتلك مصيرًا مشتركًا يُسمى المصير الاجتماعي. لذلك، فطرة وطبيعة الإنسان هي بحيث تمكنه من السيطرة على هذا المصير المشترك، والمفهوم التكويني والفطري لخلافة الإنسان العامة هو هذا بالذات؛ أي أن الإنسان حسب فطرته وطبيعته وضرورة تكوينية يسيطر على مصيره. كما أن السُنّة التاريخية لخلافة الإنسان تدل على توافقها وانسجامها مع البنية الطبيعية والفطرية للإنسان. وبعبارة الشهيد الصدر:

«… ولكن الكائن الوحيد الذي يتناسب مع هذه الخلافة حسب تركيبه وبنيته وبحكم فطرته الإلهية هو الإنسان. لذلك، تقديم الأمانة هنا هو تقديم فطري وتكويني، وقبول الإنسان هو قبول فطري وتكويني، ومعنى السُنّة التاريخية هو هذا بالذات».[۴۸]

ب- عقل الإنسان: أهم صفة تميز الإنسان عن باقي مخلوقات الوجود هي العقل[۴۹]. ولهذا السبب قيل في تعريف الإنسان «حيوان ناطق» أي حيوان يمتلك النطق والوعي والإدراك والفهم، وبشكل عام العقل. العقل هنا هو قوة الإدراك والفهم والتمييز، وهو مقابل «السفه» و«الجهل». الإمام السابع (عليه السلام) يقول عن العقل بهذا المعنى:

«يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه، فقال: فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ …».[۵۰]

مضمون الرواية هو أن الله بشر أهل العقل والفهم في كتابه حيث يقول: بشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ومن هذا الكلام يتضح تمامًا أن أبرز جانب للعقل هو الإدراك والتمييز بين الصواب والخطأ والحق والباطل.[۵۱] لذلك، الإنسان العاقل يمتلك القدرة والاستعداد لاتخاذ القرار بشأن مصيره أو التدخل والمشاركة فيه.

ج- الحرية والاختيار: الإنسان كائن يمتلك الاختيار وأساس خلقه قائم على الحرية؛ أي لا قوة تمنع حركة إرادة الإنسان. فقط الإنسان الحر يمكنه المشاركة في إدارة شؤون مجتمعه، وكانت هذه الحرية سببًا في قبوله تقديم الأمانة الإلهية. (وفقًا لنظرية ما) الملائكة عندما اعترضوا ظنوا أن هذه الخلافة ستُمنح لكائنات مثلهم لا تملك الحرية والاختيار، بينما مضمون الآيات يبين خلاف ذلك، حيث يشير الله بقوله «إنّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» إلى الفرق بين الإنسان والملائكة في تعلق الخلافة العامة. لذلك، الإنسان يستحق الخلافة لأنه كائن حر وذو اختيار.

د- الإرادة والعزم: ناتج العقل والحرية في الإنسان هو ما يُسمى بالإرادة، أي أن الإنسان يقيس بالعقل، يميز، يقيم، ثم يقرر بحرية. لذا فإن الإرادة والعزم ممكنان حيث توجد المعرفة والوعي مع الحرية والاختيار وقوة الاختيار. قبول الإنسان للخلافة من قبله يعبر عن عزمه وقراره. وبالطبع القرار والعزم هنا لهما جانب تكويني.

هـ- حق الولاية والمسؤولية (حق الولاية الإرشادية أو الرقابية): يشير الشهيد الصدر إلى الآية ٧١ من سورة التوبة ليطرح أن المؤمنين على بعضهم بعضًا لهم ولاية [إرشادية ومبنية على النصيحة]: «المُؤْمِنُونَ وَ المُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أوْلياءُ بَعْضٍ …».

ومن تجليات هذا النوع من الولاية الإرشادية والرقابية المبنية على النصيحة والخير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو نوع من الرقابة والمشاركة الاجتماعية «يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ …». وجود هذا الحق هو الذي يسمح للإنسان أن يأمر وينهى الآخر أو يحذره أو ينصحه، وإذا لم يكن للإنسان مثل هذا الحق على الآخر، فكيف يمكنه أن يقول له: افعل هذا، فلان الأمر ليس في صالحك؟ هذا الحق في الولاية والسيادة يعبر عن أن الإنسان لا يمكن أن يكون غير مبالٍ بالمجتمع ومصيره:

«هذه الآية تتحدث عن الولاية، وأن كل إنسان مؤمن هو وليٌّ لإنسان مؤمن آخر، والمراد بالولاية هنا هو الرعاية والسيادة والولاية [الإرشادية] على شؤونه».[۵۲]

و- الإيمان بالتوحيد: من الأسس الأخرى لخلافة الإنسان الإيمان بالتوحيد وخاصة البعد الاجتماعي للتوحيد في حياة الإنسان.

«ركن وجوهر العقيدة الإسلامية هو التوحيد، والإسلام على أساس هذه العقيدة يحرر الناس من عبودية غير الله (لا إله إلا الله) … ويعتبر حكم وملكية أي مالك غير الله باطلة. الإيمان بحكم وملكية الله (على الكون) يؤسس لحرية الإنسان (الداخلية والخارجية) …».[۵۳]

المقصود هنا أنه برفض الحكومات والخلافات غير الإلهية، يقبل الإنسان «خلافته العامة» ويسعى لتحقيقها؛ لأنه بدون نفي الحكومات الأخرى لا معنى لقبول حكمه وخلافته. بالإضافة إلى ذلك، الإنسان يتجه نحو التبعية لمركزية التوحيد ليتمكن من تحقيق مفهوم خلافته العامة على الأرض ويقطع أيدي الظالمين عن نفسه:

«المجتمع الإنساني قبل أي تبعية أو انتماء، مرتبط ومنسوب إلى مركز واحد وهو المستخدم (مركزية خلافته) أي الله سبحانه وتعالى الذي جعله خليفة له على الأرض».[۵۴]

ز- الشورى والمشورة: يشير الشهيد الصدر إلى الآية «أمْرُهُمْ شُوري بَيْنَهُمْ»[۵۵]، ويعتبر الشورى من أسس وقواعد خلافة الإنسان.[۵۶] الشورى والمشورة من أهم الطرق العرفية والعقلائية والفطرية في الحياة الاجتماعية للإنسان، وحتى في الأنظمة الاستبدادية توجد بصورة ما، وإن كانت ضعيفة. أصلًا مسألة الشورى وتبادل الرأي بين الناس لها تاريخ إنساني، وفي الإسلام لها مكانة عالية وسورة من القرآن سميت «الشورى». وفي سيرة النبي (ص) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) كثيرًا ما نرى الشورى والمشورة في الأمور، كما أوصوا بتحقيقها.

يقول الشهيد الصدر:

«… نرى إلى أي حد يصر النبي الأكرم (ص) على إشراك الناس في مهام الحكم ومسؤولية خلافة الله على الأرض، حتى إنه في بعض الأحيان يختار رأي الأغلبية في المشورة، مع أنه يعلم أنهم (في الواقع) ليسوا أهلًا لذلك. هذا الفعل فقط لكي يشعر الناس بأن لهم دورًا إيجابيًا في الأعمال وتجربة وإعادة بناء المجتمع».[۵۷]

بشكل عام، الشورى عمل أخلاقي وعقلي فطري للإنسان، وهدفها الوصول إلى رأي صائب، جامع، معقول وصحيح.

٥- نتائج نظرية خلافة الإنسان

أ- إنشاء المجتمع السياسي والدولة وتشكيل الحكم: المجتمع الإنساني بوصفه خليفة الله على الأرض، لإنهاء وإدارة شؤونه، يقوم بإنشاء الدولة وبالتالي تشكيل الحكم. لذلك فإن أساس الدولة هو «خلافة الإنسان العامة». لأنه إذا لم يكن الإنسان خليفة الله على الأرض، فكيف يمكنه تدبير شؤون المجتمع والتصرف فيه؟ الخلافة تعني القدرة الكامنة على إنشاء الدولة وتشكيل المؤسسات الحكومية، ومن ثم يجب على الإنسان أن يحول هذه القدرة والموهبة الكامنة إلى قوة فعلية، ويُنشئ دولة ويؤسس للحكم والمؤسسات السياسية لتحقيق أهداف الدولة. الدولة هي مجتمع سياسي يتحقق من خلاله البعد السياسي لخلافة الإنسان «السياسة»:

«يا داوُدُ إنَّا جَعَلْناكَ خَليفَهً في الأرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ».[۵۸]

وفقًا لهذه الآية، داود هو خليفة الله على الأرض، وهذه الخلافة قد تكون تكوينية وقد تكون مخصصة له كخلافة عامة للإنسان، لأنه مخاطب وهو إنسان يمثل ويجسد الإنسان الآخر، وقد تكون تشريعية وتحقيق خلافته في إقامة حكم حقيقي وصحيح.

ب- حرية الإنسان ونفي الاستبداد: بقبول السيادة الإلهية المطلقة وأنه جعل جميع الناس خلفاء له على الأرض، وليس فردًا أو جماعة أو طبقة خاصة، وأن الجميع متساوون في هذه الخلافة بطبيعتهم، يُنفي الاستبداد والتفوق، وتحفظ حرية الإنسان وتحترم. من هذا المنظور، حتى الفضائل الروحية والتقوى والإيثار في سبيل الله لا تخلق أي تفوق سياسي-اجتماعي أو سيطرة على الآخرين. في كل الأحوال، الإنسان المتقي متساوٍ مع الآخرين في تحقيق هذه الخلافة وفي الحقوق الاجتماعية والسياسية.

«التفوق والامتياز لا يُقبَلان إلا على المقياس الإلهي، وذلك فقط على أساس العمل الصالح الذي ينبع من جوهر التقوى، والعلم، والجهاد، ولا يكون للإنسان شيء سوى جهده… لقد جعل الله الكائن الحر المختار خليفة له على الأرض ليكون بإرادته “مصلحًا” أو “مفسدًا في الأرض” ويختار طريقه بحرية».[۵۹]

ج- التقدم والتكامل: حسب رأي الشهيد الصدر، بقبول هذا النظرية، يفتح الطريق أمام الإنسان للتقدم والتطور والتكامل، ولا توجد أية قيود على الأفراد في هذا السبيل، ويستمر هذا التحرك التطوري للإنسان حتى بلوغ الله (المثل الأعلى المطلق)، أي لا وجود لتوقف في ذلك:

«يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه».[۶۰]

يكتب الشهيد الصدر في تفسير هذه الآية:

«هذه الآية الكريمة تضع هدفًا أسمى للإنسان، أي للإنسانية والمجتمع البشري، فتقول إن الإنسانية في جميع المستويات تسعى للوصول إلى لقاء الرب. الكدح يعني حركة وجهد مستمر، مصحوب بالألم والمعاناة والاحتراق. الكدح يشمل المجتمع البشري كله، لأن هذه الحركة ليست حركة عادية، بل هي حركة تصاعدية، تكامل وارتقاء…».[۶۱]

الإنسان خليفة الله في هذا المسار يرفع نظره إلى السماء ويرى الأرض بعين سماوية، على عكس الإنسان الغربي الذي يثبت نظره على الأرض وينسى السماء، والشرقيين الذين نظروا إلى السماء ونسوا الأرض. وعندما يُنظر إلى الأرض بنظرة سماوية روحية، يفتح ذلك الطريق نحو تحقيق الخلافة الإلهية فيها:

«أما إذا لبست الأرض لباسًا سماويًا وأصبح العمل على الطبيعة عنوانًا للواجب ومفهومًا للعبادة، فإن نظرية الإنسان الغيبي المسلم تتحول إلى قوة تحركه وتدفعه للمشاركة في رفع مستوى الحياة، وهذا هو الواجب الذي يجب على الدولة الإسلامية القيام به…».[۶۲]

د- التشبه بالله والهدف غير المحدود: الهدف والأساس في «خلافة الله» للإنسان وتشكيل دولته وحكمه على الأرض هو أن يتمكن من تجسيد القيم الإلهية في ذاته، وبما أن القيم والصفات الإلهية غير محدودة، فإن حركة الإنسان ونشاطه دائمة:

«النمو الحقيقي في منطق الإسلام يتحقق عندما يستطيع الإنسان “خليفة الله” أن يحقق في وجوده، بوصفه خليفة له… تشابهًا مع القيم التي تتجلى في وجود الله تعالى… وبما أن هذه الفضائل الأخلاقية في مستواها الإلهي مطلقة ولا حدود لها، والإنسان كائن محدود، فمن البديهي أن تطبيق هذه الأخلاق في كائن بشري يستلزم أن يكون حركة دائمة نحو اللانهاية».[۶۳]

هـ- القوة لا تجلب الفساد: نظرة بعض المفكرين الغربيين أدت إلى الاعتقاد بأن القوة تجلب الفساد… لكن من وجهة نظر الشهيد الصدر، فإن الشعور بالمسؤولية والأمانة، والحضور أمام الله، والاهتمام بالآخرة يمنع الفساد الناتج عن القوة.

«بهذا البناء اللائق الذي يتمتع به المواطنون في الدولة الإسلامية، يمكن للإنسان أن يتحرر من قيود الظواهر الأرضية (المادية)، وينهض عن الأهداف والقرارات التافهة التي تفرقه عن الله، ويعيش من أجل الأهداف والقرارات العظيمة والسموّة…».[۶۴]

المجتمع الذي يُبنى على أساس كونه الإنسان خليفة الله هو مجتمع توحيدي؛ أي أن التوحيد هو الحاكم على جميع العلاقات والضوابط، والمجتمع هو الحاكم. لذلك، في مثل هذا المجتمع يتحرر الإنسان من القيود الحيوانية والمادية، ويعمل على تطبيق القانون والعدل بشكل صحيح في المجتمع.

و- تحقيق العدل والقسط: العدل هو أحد أبرز أهداف البشر في الحياة الفردية والاجتماعية. الحياة البشرية بدون عدل تفتقر إلى كل الخيرات والفضائل. إذا لم يكن هناك عدل وقسط في المجتمع، فلن يكون هناك أمان وإنصاف. يبدو أن العدل هو الركيزة الأساسية والأساس لجميع الخيرات والقيم الإنسانية.

بقبول نظرية الخلافة العامة للإنسان على الأرض لجميع البشر، والسعي لتحقيقها وتنفيذها بشكل لائق، تُرفع التمييزات والازدواجيات من المجتمع البشري؛ لأن قبول هذه النظرية يتضمن مبدأً أساسيًا في الحياة السياسية والاجتماعية للبشر، وهو:

١- مبدأ «لا ولاية لأحد على أحد» كمبدأ أول في إدارة المجتمع البشري ومصير الإنسان داخل المجتمع السياسي (المدينة)؛

٢- مبدأ حرية الجميع في تحديد مصيرهم؛

٣- مبدأ احترام الحقوق على أساس مبدأي «الحرية» و«المساواة» مع مراعاة «مواهب الأفراد» و«استحقاقاتهم».

والآن، بتحقيق هذه المبادئ الثلاثة – وخاصة المبدأ الثالث الذي يستند إلى المبدأين الآخرين – لا يبقى مكان للظلم والتمييز في المجتمع، وإذا وُجد عدم مساواة، فهذه عدم مساواة في الحقوق ناتجة عن مواهب أو استحقاقات غير متساوية، وبالتالي فإن هذا النوع من عدم المساواة هو في الحقيقة مساواة بمعناها الحقيقي، ومن ثم فهو عدل. بينما في الأصل، يكون الأفراد أحرارًا في تحديد مصيرهم، وجميع الحقوق الطبيعية متساوية بينهم، ولا أحد يتفوق على الآخر. يتجلى التفوق حيث يظهر شخص ما استحقاقًا أكبر دون انتهاك حقوق الآخرين أو إهدار حقوقه الإنسانية-الإلهية، مع مراعاة المساواة في استخدام الموارد الطبيعية. لذلك، فإن تحقيق نظرية الخلافة العامة للإنسان هو طريق لتحقيق العدل والقسط في المجتمع البشري.

 

 

[۱]. راجع إلى: سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية (بيروت، دار التعارف للمطبوعات، د.ت.، الدرس الحادي عشر)؛ وفلسفتنا (قم؛ المجمع العلمی للشهید صدر، ١۴٠٨هـ.) ص ٤٧- ٣٢؛ الفتاوى الواضحة (بیروت، دارالتعارف للمطبوعات، ١٩٨١ م.- ١۴٠١هـ.) الجزء الأول، ص ٨٢- ٧.

[۲]. حسن رهجو، الكلمات الاجتماعية-السياسية الإسلامية (تهران، انتشارات قلم، ١٣۵٨ ش.) ص ٩٦- ٩٧.

[۳]. المرجع نفسه، ص ٩٨.

[۴]. الربوبية والربانية وليست الخلقية، لذا في هذا الموضع العلاقة بين الوجود والله ليست مجرد علاقة خالق ومخلوق؛ بل هي علاقة حاكم ومحكوم، علاقة سلطوية. بالإضافة إلى أن الرب هو الخالق ذاته، وخلقيته متضمنة في جوهر ربوبيته. بينما يمكن تصور خالق ليس برب، وهذا التصور ذاته نوع من الشرك.

[۵]. العبودية هي الوجه الأرضي للربوبية، ولذلك تعبر عن البعد الثاني للسلطة، وهو الطاعة والانقياد.

[۶]. المؤمنون (٢٣) آية ١١٥.

[۷]. سنة الله، سنن الله، كلمات الله و…

[۸]. الإسراء (١٧)، آية ٧٠.

[۹]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، المرجع نفسه، ص ١٩٧؛ سنن التاريخ في القرآن (تفسير موضوعي)، ترجمة سيد جمال موسوي (قم، منشورات إسلامية تابعة لجماعة المدرسين في حوزة علمية قم، د.ت.)، ص ٢٤٤.

[۱۰]. المدرسة الإسلامية، ص ١٢٩؛ سنن التاريخ في القرآن (تفسير موضوعي) ص ١٩٦.

[۱۱]. Iralienable Rights .

[۱۲]. Life .

[۱۳]. Liberty .

[۱۴]. Privative Property .

[۱۵]. Mark N. Hago Pian, Ideals and Ideologies of Modern politics, New york, longman Inc., ed. ٩ th, ٥٨٩١, p. ٧١.

[۱۶]. يمكن اعتبار الدولة – في هذا المقال – معادلة لكلمة State الإنجليزية وEtat الفرنسية التي تتألف من الأركان الأربعة للسيادة (Sovereignty)، الحكومة (Government)، الأرض (Country /Territory /Land) والسكان (Population).

[۱۷]. سيد محمد باقر صدر، الإسلام يقود الحياة (طهران، وزارة الإرشاد الإسلامي – الجمهورية الإسلامية في إيران، د.ت.) ص ١٣٢؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء (تهران، جهاد البناء، قسم العلاقات الخارجیه، ١٣٩٩هـ.) ص ٩- ١٠.

[۱۸]. يجب التنويه إلى أن الشهيد صدر يطرح خلافة الإنسان مع شهادة الأنبياء، وشهادة الأنبياء في عصر الغيبة تنتقل إلى الفقهاء الذين لهم دور فعال في توجيه وضبط السلطة، لكن في هذا المقال تم طرح مسألة الخلافة العامة فقط، ومسألة شهادة الأنبياء (شهادة الأنبياء) مؤجلة إلى فرصة أخرى.

[۱۹]. راغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن (تهران، نشر الکتاب، الطبع الثانی، ١۴٠۶هـ.) ص ١٥٦- ١٥٥.

[۲۰]. الإسراء (١٧)، آية ٧٠.

[۲۱]. سيد محمد باقر صدر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء (تهران، جهاد البناء، ١٣٩٩هـ.) ص ٨؛ الإسلام يقود الحياة (طهران، وزارة الإرشاد الإسلامي، د.ت.) ص ١٣٢؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ترجمة سيد جمال موسوي (تهران، روزبه، ١٣۵٩ ش.) ص ٩.

[۲۲]. خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ٨؛ الإسلام يقود الحياة، المرجع نفسه، ص ١٣٢؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ٩.

[۲۳]. لويس معلوف، المنجد في اللغة والأعلام (بيروت، دار المشرق، الطبعة الثالثة والعشرون، د.ت.) ص ١٩٢؛ محمد علي الشرقي، قاموس نهج البلاغة (تهران، دارالکتب الإسلامیه، الطبعه الثانیه، ١٣۶۶ ش.) ج ١، ص ٥٤٠.

[۲۴]. البقرة (٢) آية ٣٠.

[۲۵]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية (بيروت، دار التعارف للمطبوعات، د.ت.) ص ١٢٦؛ السنن الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مدرسة القرآن، ترجمة حسين منوچهري، إعداد: جلال الدين علي الصغير (تهران، مرکز نشر فرهنگی رجاء، ط.١، ١٣۶٩ ش.) ص ١٦٧- ١٦٨؛ الإنسان المسؤول وصانع التاريخ، ترجمة محمد مهدي فولادوند (مؤسسة القرآن، د.ت.) ص ٥٨- ٥٩.

[۲۶]. المدرسة القرآنية، المرجع نفسه، ص ١٢٩؛ تفسير موضوعي لسنن التاريخ في مدرسة القرآن، المرجع نفسه، ص ١٧٠- ١٧١؛ الإنسان المسؤول وصانع التاريخ، المرجع نفسه، ص ٦٠.

[۲۷]. المدرسة القرآنية، المرجع نفسه، ص ١٣٠؛ تفسير موضوعي لسنن التاريخ في القرآن، المرجع نفسه، ص ١٨٧.

[۲۸]. الأحزاب (٣٣)، آية ٧٢.

[۲۹]. المدرسة القرآنية، المرجع نفسه، ص ٤- ١٣٣؛ تفسير موضوعي لسنن التاريخ في القرآن، المرجع نفسه، ص ١٨٩- ١٩٠.

[۳۰]. الأحزاب (٣٣) آية ٧٢.

[۳۱]. المدرسة القرآنية، المرجع نفسه، ص ١٣٢؛ تفسير موضوعي لسنن التاريخ في القرآن، المرجع نفسه، ص ١٨٩؛ السنن الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مدرسة القرآن، المرجع نفسه، ص ١٧٣- ١٧٤.

[۳۲]. المدرسة القرآنية، المرجع نفسه، ص ١٣٤- ١٣٥؛ الإنسان المسؤول وصانع التاريخ، المرجع نفسه، ص ٦١.

[۳۳]. خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ٨؛ الإسلام يقود الحياة، المرجع نفسه، ص ١٣٣؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ٩.

[۳۴]. النمل (٢٧) آية ٦٢.

[۳۵]. الأعراف (٧)، آية ٦٩.

[۳۶]. الأنعام (٦) آية ١٦٥.

[۳۷]. خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ١٠؛ الإسلام يقود الحياة، المرجع نفسه، ص ٤٣١؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ١١.

[۳۸]. الأسس الإسلامية، الأساس رقم ٦؛ محمد الحسيني، الإمام الشهيد السيد محمد باقر صدر (بیروت، دارالفرات، الطبعه الاولی، ١٩٨٩م.- ١۴١٠هـ.) ص ٨٤٣ نقلًا عن سيد بن طاووس، مجموعة ورام، ص ٦.

[۳۹]. لمحة فقهية تمهيدية، عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران (تهران، جهاد البناء، ١٣٩٩هـ.) ص ١٨؛ الجمهورية الإسلامية، ترجمة سيد جعفر حجت (طهران، روزبه) ص ٢٣. وكذلك: Islamic politicay system, Trans. M. A. Ansari, Karachi, Islamic Seminary, ٢٨٩١, pp ٣٨- ٤٨.

[۴۰]. الأنعام (٦) آية ١.

[۴۱]. سيد محمد باقر صدر، صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي (تهران، جهاد البناء، ١٣٩٩هـ.) ص ١٥؛ المؤسسات الاقتصادية في الإسلام، ترجمة غلام رضا بيات وفخر الدين شوشتري (تهران، بدر، ١٣۵٨ ش) ص ٤٠.

[۴۲]. الحديد (٥٧) آية ٧.

[۴۳]. خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ١٠؛ الإسلام يقود الحياة، المرجع نفسه، ص ٧٤؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ١٠.

[۴۴]. لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، المرجع نفسه، ص ٢٩؛ الإسلام يقود الحياة، المرجع نفسه، ص ١٤؛ الجمهورية الإسلامية، المرجع نفسه، ص ٢٠.

[۴۵]. خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ٩- ١٠؛ الإسلام يقود الحياة، المرجع نفسه، ص ١٣٤.

[۴۶]. المترجم أورد وطن هنا في ترجمة polis التي تعبر عن وجود هيكل وتنظيم مدني (المجتمع السياسي أو المدينة).

[۴۷]. أرسطو، السياسة، ترجمة حميد عنايت (تهران، جیبی، ط.٤، ١٣۶۴ ش.) ص ٥.

[۴۸]. المدرسة القرآنية، المرجع نفسه، ص ١٩٧.

[۴۹]. العقل هنا بمعنى القدرة على الإدراك، والقدرة على الاستنباط، والتمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، ومعادلها الفارسي (خرد)، وليست بمعنى Ration العقل الحاسوبي، أو العقل الآلي أو المنهج الحاسوبي الذي شاع في الغرب في العصر الحديث.

[۵۰]. محمد بن يعقوب الكليني، الأصول الكافية، ترجمة سيد جواد مصطفوي (طهران، علمية إسلامية) ج ١، ص ٢٩- ٣٠.

[۵۱]. راجع: مرتضى مطهري، التعليم والتربية في الإسلام (تهران، الزهراء، ط. هشتم، تابستان ١٣۶۵ ش.) ص ١٨.

[۵۲]. سيد محمد باقر صدر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص ٥٤؛ الإسلام يقود الحياة، ص ١٧١؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص ٥٠.

[۵۳]. محمد باقر صدر، صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي، ص ٩- ١٠؛ المؤسسات الاقتصادية في الإسلام، المرجع نفسه، ص ٢٧.

[۵۴]. خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ١١؛ الإسلام يقود الحياة، المرجع نفسه، ص ١٣٥؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص ١١.

[۵۵]. الشورى (٤٢) آية ٣٨.

[۵۶]. سيد محمد باقر صدر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص ٥٤؛ الإسلام يقود الحياة، ص ١٧١؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص ٤٩- ٥٠.

[۵۷]. خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ٤٤؛ الإسلام يقود الحياة، المرجع نفسه، ص ١٦٣.

[۵۸]. ص (٣٨) آية ٢٦.

[۵۹]. خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ١٠- ١٢؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع نفسه، ص ١١- ١٢.

[۶۰]. الانشقاق (٨٤) آية ٦.

[۶۱]. المدرسة القرآنية، المرجع نفسه، ص ١٧٩- ١٨٠؛ تفسير موضوعي لسنن التاريخ في القرآن، المرجع نفسه، ص ٢٢٩.

[۶۲]. مصادر القدرة في الدولة الإسلامية (طهران، جهاد البناء، د.ت.) ص ٣٠؛ منابع القوة في الحكم الإسلامي، ترجمة أكبر ثابت (روزبه، د.ت.) ص ٤٦.

[۶۳]. خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص ١٧- ١٨؛ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص ١٧.

[۶۴]. مصادر القدرة في الدولة الإسلامية، ص ١٢؛ منابع القوة في الحكم الإسلامي، ص ١٥.