ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: سیمای فلسفه جدید در آثار شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: قاسم اخوان
هل يمكن أن يكون هناك فلسفة إسلامية معاصرة؟ ما هي التبريرات المنهجية والمفاهيمية التي تثبت وجود الفلسفة الإسلامية المعاصرة؟ الفكر الإسلامي يسعى إلى تغيير المجتمع وإعادة بناء الأمة الإسلامية، فهل يتطلب هذا أن يقرب الفكر الإسلامي نفسه من الواقع من خلال المفاهيم الفلسفية؟
حاول الفكر الإسلامي في بداية القرن التاسع عشر من خلال نقد الفكر السابق، أن يوافق [الفلسفة الإسلامية] مقتضيات العصر التاريخي الجديد. [لذلك] استخدم المفكرون المسلمون بعض المفاهيم لمواجهة الفكر الغربي الجديد (الرد على الماديين، سيد جمال الدين ورسالة التوحيد، محمد عبده).
طرح الجزئي في الفكر الإسلامي
لكن الفكر الإسلامي لا يزال في بداية طرح القضايا والمسائل الفلسفية و[لا يزال] لم يتحرر تمامًا من طرح الجزئي للقضايا والمسائل بشكل عام. لا شك أن الشخصيات والقادة الإصلاحيين منذ منتصف القرن التاسع عشر حاولوا فهم أسباب وعوامل تقدم وتطور الغرب واكتشاف الأدوات التي يمكن أن توصِل العالم الإسلامي إلى حضارة وثقافة الغرب. في هذه الفترة، كان الفكر الإسلامي بسبب نقص الأدوات والمفاهيم الفلسفية، تفكيرًا أدنى من مستوى المواجهة [مع الحضارة الغربية]. [لذلك] أعطى القادة الإصلاحيون والثقات ثقة للنُّخب الإسلامية من خلال تعريفهم بالأثر الغني لتراثهم. ولكن خلف هذا الموقف العاطفي، لم يكن هناك أي نظرية اجتماعية أو سياسية تجاه تاريخ الأمة. [لذلك] لم يعِد القادة الإصلاحيون والعديد من المفكرين المسلمين حتى اليوم بناء هيكل الفكر الإسلامي وفق مقتضيات العصر.
طرح القضايا فلسفيًا
كان الفكر الإسلامي يدور حول نقد [فروع الفقه] وعلم الكلام، وكان سيد جمال الدين هو أول من طرح القضايا فلسفيًا. وكان هذا الطرح الفلسفي للقضايا ضعيفًا وضمنيًا جدًا؛ [حتى] تناولها مباشرة محمد إقبال والإمام الخميني ـ قدس الله روحه ـ وأكملها الشهيد سيد محمد باقر الصدر [بطرح القضايا] بشكل فلسفي كامل.
وجهة نظر نقدية لا مصالحة
طرح القضايا فلسفيًا عند الشهيد الصدر يقوم على النقد، وهذه النظرة تختلف كليًا عن النهج التوفيقي والمصالحي للفلسفة الإسلامية القديمة. كما هو واضح في النهج الجديد [في العالم الإسلامي] الذي حاول أن يوفق بين الماركسية والإسلام؛ مثلما حاول عبدالرحمن بدوي تشكيل الفلسفة الوجودية العربية. [لذلك] حدد الشهيد الصدر إطار المنهجية والمعرفة للفلسفة الإسلامية المعاصرة وفق مقتضيات المفاهيم الإسلامية مثل التوحيد والمعاد وخلافة الإنسان. كما طرح الشهيد الصدر على أساس هذه المفاهيم مسألة العلاقة بين الفلسفة والتاريخ والمجتمع، ومشكلة الميتافيزيقا ونقد العقل بطريقة تم طرحها في العلوم الإنسانية في العالم الإسلامي.
لقد فتح أفقًا جديدًا للنقاش في ميدان الفلسفة خارج النظرة الغربية. هذا الأفق الجديد يقابل النهج الجديد الذي استخدم المفاهيم الفلسفية الغربية في بحوثه حول التراث وتاريخ الأمة الإسلامية. كما هو موجود في [أعمال] طيب تيزيني والحاري وعلي أمليل وعبدالله العروي وفؤاد زكريا وعبدالرحمن بدوي. هؤلاء المفكرون لجأوا في دراستهم الفلسفية والتاريخية والثقافية والسياسية للأمة الإسلامية إلى المدارس الفلسفية الغربية، الماركسية، والوجودية.
الصدر والغزالي وابن رشد
أعاد الشهيد الصدر بناء الفكر الإسلامي على شكل فلسفة جديدة في أفق نقدي أقوى من فلسفة الغزالي وابن رشد. لا شك أنه بنى مفاهيم وفق مقتضيات وشروط عقلانية؛ [لأنه] كان يدرك أنه اليوم لا يمكن استخدام مفاهيم مثل العقل والنقل والاجتهاد والانحطاط والتقدم والتطور والأمة والقومية خارج الإطار الفلسفي. [لأنه] لا يمكن تقديم حل للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأمة [الإسلامية] دون أن يكون هناك رأي فلسفي، ودون الفلسفة لا يمكن امتلاك رؤية نقدية تجاه التيارات الفكرية الغربية.
من إقبال إلى الشهيد الصدر
على الرغم من الجهود والسعي الذي بذله الفكر الإسلامي [للانفتاح على] الثقافة الجديدة منذ بداية القرن التاسع عشر، لم يتمكن المفكرون الإسلاميون إلا منذ زمن محمد إقبال من الوصول إلى الفلسفة الغربية. [لذلك] كان المفسرون للفكر الإسلامي دائمًا في موقف دفاعي وسلبي تجاه الفلسفة الغربية، ولم يبدأ الفكر الإسلامي بمحاولة مواجهة فلسفة كانت وهيجل وماركس ونيتشه وبرغسون إلا منذ زمن محمد إقبال. كما أن الفكر الإسلامي تجاهل دائمًا وحتى اليوم المناهج والمدارس الفلسفية الغربية. يتميز الشهيد الصدر بأنه في طرح مشكلة الربط والعلاقة بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي، طرحها بشكل علمي وفلسفي وبعيد عن العواطف الانفعالية أو التبعية والتقليد. [لذلك] قام بتحليل نقدي لفلسفة كانت وأوغست كونت وهيجل وماركس وغيرهم، سواء من حيث الشكل أو [من حيث] المضمون. في نقده لمحتوى مدارس هؤلاء الفلاسفة، لم يكتفِ كما فعل الغزالي في موقفه تجاه الفلسفة اليونانية ـ لأن [الغزالي] نقد مضمون هذه الفلسفة بناءً على الفلسفة اليونانية (المنطق الأرسطي) ـ بل تجاوز ذلك.
نقد فلسفة الغرب من قِبَل الشهيد الصدر نقد جذري يشمل مضمون هذه الفلسفة وكذلك الطرق التي تعتمد عليها. فقد قرأ الشهيد الصدر الفلسفة الغربية قراءة إسلامية، وحلّل فلسفة هيغل وكانط وماركس بمعايير ومفاهيم الثقافة الإسلامية. كما يرى الشهيد الصدر أنه إذا كان مفهوم المصالحة والتوافق بين العقل والدين على طريقة فلاسفة المسلمين، فإن كلًّا من الدين والعقل يُختزل ويُحصر بشكل منفصل. أما إخضاع العقل لمقتضيات الدين فيزيد من قدرات العقل. يختلف الشهيد الصدر(ره) مع كانط من حيث أنه يحدّ نسبية العقل بحدود الظواهر الحسية ولا يمدّ هذه النسبية إلى ما وراء الظواهر، في حين أن ارتباط العقل بالدين يولد عقلانية نسبية [تُرحب بالحركة والتطور؛ تطور قصور العقل ونسبيته المستمرة والدائمة.
زلّة كانط ونهضة الشهيد الصدر
الاهتمام والشغف بالمطلق يدلّان على فطرة الإنسان وكونه خليفة. ومن ثم، فإن هذا الاهتمام، بحسب رأي الشهيد الصدر، له أهمية معرفية كبيرة في المجال الميتافيزيقي. وبما أن هذا الاهتمام يمكّن العقل من التجاوز عن ذاته، فإن العقل من هذه الناحية هو استمرار وبداية البُعد الغيبي للإنسان. في فلسفة كانط، حيث يُحبس العقل ويُحصر في المعطيات الحسية، لا يكون الأمر كذلك. لا يستطيع كانط حل التناقض الذي أحدثته فلسفته؛ لأن العقل، في نظره، لا يمكنه العمل في المجال الميتافيزيقي. ومن ثم، فإن المهمة المعرفية لمبادئ وأصول العقل تقتصر على الظواهر المحسوسة، ويرى أن الإنسان يمكنه بلوغ الميتافيزيقا عبر الأخلاق. لذلك، إن إثبات عجز العقل ـ في الحقيقة ـ ينفي كل قدراته عدا القدرات المعرفية الأخرى مثل القلب أو الحدس، مع الأخذ في الاعتبار أن كانط لا يؤمن بأي أداة معرفية سوى العقل.
العقلانية والفلسفة
أما موقف الشهيد الصدر فلا يتضمن أي تناقض، إذ إن نسبية العقل من وجهة نظره ليست نسبية حصر أو عجز، بل هي نسبية ترحيب بالحركة والتطور، ومن هنا يكتسب العقل الكفاءة للنشاط المعرفي في المجال الميتافيزيقي.
لقد أدرك أن المشاكل والتحديات التي تطرحها الفلسفة الغربية أمام الفكر الإسلامي لا يمكن التغلب عليها بمجرد تفسير وتأويل عقلاني للإسلام على أساس الفلسفة الإسلامية. يكمل نقد الشهيد الصدر للعقلانية في الفلسفة الإسلامية والعقلانية في الفلسفة الغربية من موقع نوع من العقلانية ـ التي تتحقق من خلال ارتباط العقل بمطالب ورغبات الدين ـ. لذلك، تُقيد العقلانية في إطار اهتمامها وارتباطها بالغيب، ولأن كل ما هو من المفاهيم والتصورات العقلية يتكامل عبر الغيب. ومن ثم، فإن العقلانية ـ كما تجلت في فلسفة الشهيد الصدر ـ تستمد قوتها من ارتباطها وطاعتها للغيب.
وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن موقف فلسفة الشهيد الصدر خارج الصراع بين الواقعية والمثالية؛ لأن الغيب يتطلب التعبير عنه، أي دين يساعد الإنسان في الوصول إلى المطلق، وهذا الوصول إلى المطلق لا ينفي العقل، فحجية العقل شرعًا ثابتة لكنها في مجال الميتافيزيقا محدودة. ومن ثم، فإن قوة ونفوذ العقلانية الفلسفية للشهيد الصدر(ره) تتجمع مع التديّن المطلق النسبي تجاه الدين. لذلك، فإن حدود وخطوط فلسفته محصورة ومقيدة ضمن علاقة الربط بين الأسئلة الميتافيزيقية والأجوبة التي يقدمها الدين. ولهذا، في جميع كتبه ـ حتى في مبادئ الاستقراء المنطقي الذي يعتمد فيه على المنهج التجريبي ـ يسعى إلى تفسير قدرة الإنسان على قبول الغيب وتجاوز نسبية العقل من خلال التحليل الفلسفي والعملي.
نسبية العقل
لا شك أن فكر نسبية العقل لم يُحلل فلسفيًا من قِبَل الفكر الإسلامي المعاصر؛ لذلك، أكد معظم المفكرين على نسبية العقل لإثبات مطلقية الإسلام. ولهذا السبب، تهرب معظم المفكرين المسلمين من طرح المشكلة الفلسفية «علاقة العقل بما وراء العقل»، وبدلًا من التحليل الفلسفي لربط العقل بالغيب، لجأوا إلى مفهوم الغيب لتبرير ذلك. تكمن تفوّق الشهيد الصدر في توسيع المناقشات التي دارت في ميدان الميتافيزيقا؛ لأنه طرح مسائل جديدة وفتح آفاقًا جديدة أمام الفكر الإسلامي (نسبية العقل، العقل والغيب، الاستقراء والميتافيزيقا، العلاقة بين المجتمع والغيب…)، ونتيجة لذلك، طرح مشكلة العلاقة بين العقل والدين بشكل عام، وخاصة الرؤية الإسلامية للغيب خارج إطار علم الكلام والفلسفة الإسلامية. ولهذا، طرح هذه المشكلة في أفق فكري يجمع بين علم الكلام والفلسفة والتصوف.
نلاحظ أن الشهيد الصدر(ره) قد أعطى مشكلة العلاقة بين العقل والدين شكلاً جديداً؛ [لأنه] لا يحلل هذه العلاقة خارج الأبعاد الاجتماعية والسياسية والفلسفية. [لذلك] حينما كان يناقش المفاهيم المدرجة في الأحكام الشرعية، تخلى عن الفقه بالشكل القديم لتأسيس مدرسة اجتماعية إسلامية. يُعتبر هذا الموقف انفصالاً معرفياً[1] عن الفلسفة الإسلامية والفقه ـ كما كان مطروحاً في القديم.
الرؤية الجديدة
على عكس معظم المفكرين المسلمين، ينظر الشهيد الصدر(ره) إلى العقل ليس ككلمة بل كمفهوم؛ [بمعنى] أنه ينظر إلى العقل ضمن أشكال العقل النقدي. مصدر هذا الموقف هو رؤية وفكر جديد مرتبط بكل الفلسفة الإسلامية القديمة وعلم الكلام وأصول الفقه. كما أنه يتعامل مع جميع جوانب الفكر الإسلامي بشكل نقدي. لذا فإن ميزة الفلسفة الإسلامية المعاصرة التي أسسها تقع خارج الفلسفة الإسلامية والمناهج الكلامية. [لذلك] تبدأ منهجية فلسفة الصدر(ره) من موقف نقدي تجاه الفكر الإسلامي القديم والمعاصر والجديد، أي أن منطلقها هو الانفصال المعرفي الذي أعطى تبريراً جديداً للفكر الإسلامي.
يتجاوز الشهيد الصدر الخلاف بين ابن رشد والغزالي فيما يتعلق بربط العقل بالدين، [لذا] يُعتبر طرحه لهذه المشكلة نقداً أساسياً لفلسفة ابن رشد؛ وكذلك يُعتبر نقداً منهجياً لفلسفة الغزالي؛ لأن فلسفة الغزالي قد نقدت محتوى الفلسفة اليونانية لكنها لم تنتقد المنهج الذي تقوم عليه هذه الفلسفة.
آفاق جديدة
الرجوع النقدي إلى التراث وتفسير القرآن الكريم في الأفق الاجتماعي والتاريخي ـ كما هو موجود في كتب الشهيد الصدر(ره) ـ فتح مجالاً فلسفياً جديداً وواسعاً أمام الفكر الإسلامي المعاصر:
- سعى الشهيد الصدر(ره) إلى إعادة بناء الفكر الإسلامي ورفعه إلى مستوى التحديات ـ أي مواجهة جميع التيارات الفكرية الغربية ـ وطرح بدائل إسلامية في المجالات المعرفية والمنهجية والاجتماعية والثقافية والحضارية.
- تمت إعادة بناء الفكر الإسلامي بشكل جديد، كما حاول الغزالي، ولكن بشكل أفضل على يد الشهيد الصدر(ره).
- تأثر الشهيد الصدر(ره) في الفكر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الإسلامي بالفقه لا بالفلسفة؛ [لذلك] المفاهيم التي من خلالها تناول هذه المجالات هي نفسها المفاهيم التي تتضمن الأحكام الشرعية. لذا يمكن القول إنه تجاوز الانفصال بين الفقه والفلسفة كما ظهر في الفكر الإسلامي القديم، وخلق تركيبة بين الفلسفة والفقه.
الرابط بين الفرد والواقع الخارجي
قدم الشهيد الصدر(ره) في نظرية المعرفة خصائص فلسفية جديدة تُستنبط من تفسير الواقع، وهذه النظرية في مجال المعرفة تنقذ الفكر من الارتباط العقيم بين الفرد والواقع الخارجي. لا شك أن هيغل بنى فلسفته على أنها فلسفة تُطابق الفرد بالواقع. [لأنه] ظن أنه أكمل الفلسفة بهذا التركيب بين الفرد والواقع وحول الواقع إلى مفهوم واحد. [لذلك] لا وجود للفرد والواقع، ولا وجود لله والإنسان، ولا يبقى شيء سوى المفهوم. فكل شيء يتحول إلى مفهوم.
[لذلك] عندما نُقارن فلسفة هيغل بفلسفة الشهيد الصدر(ره) ـ كما يظهر من تفسير الواقع عند الشهيد الصدر ـ تتضح نظريته بجلاء؛ [لأن] تفسير الواقع يعتمد على نظرية معرفية [تفصل] عن المراقب، خصوصاً في ما يتعلق بأشكال العلاقة بين الفرد والواقع.
ما معنى تفسير الواقع في المجال المعرفي؟ يوضح الشهيد صدر(ره) أن المعرفة لا تكتمل فقط من خلال العلاقة بين الفرد والواقع؛ لأن هناك جانبًا ثالثًا في هذا السياق يعطي للمعرفة معنى جديدًا ويفتح أمامها آفاقًا كثيرة، وهذا الجانب هو النص الذي أوحِي به. لذلك، فإن رؤية الإنسان للواقع من خلال القرآن الكريم من جهة، ومن خلال علاقة الفرد بالواقع من جهة أخرى (أي رؤية الإنسان للقرآن الكريم حسب وضع المرحلة التاريخية) تُنتج هذا الإطار من العلاقات والروابط فلسفةً لا يذوب فيها الفرد في الواقع، ولا يُختزل كل من الفرد والموضوع في تركيب تم بطريقة هيغلية. ومن ثم، لا يوجد غاية أو نهاية للفلسفة والتاريخ؛ لأن علاقة الإنسان بالقرآن الكريم ـ كما هي في تفسير الواقع ـ ليست سوى حقيقة تختلف عن طريقة لربط الإنسان بالمثل العليا، وهذا ما لم يصل إليه الفلاسفة المسلمون في القديم؛ لأنهم كانوا يرون غاية الفلسفة في التوفيق بين الإسلام والفلسفة اليونانية (أي التوفيق بين القرآن المطلق والفلسفة اليونانية النسبية). لذلك، بدلاً من فتح آفاق جديدة لبناء فلسفة جديدة على أساس ربط العقل النسبي بالدين المطلق، وضع الفلاسفة المسلمون المطلق تحت النسبية. وهكذا وضعوا حدًا للتفكير والامتداد، على عكس ما فعله هيغل حين وضع العقل الكلي (الله في فكر هيغل) تحت تصرف التاريخ. ونرى العكس جذريًا في فلسفة الشهيد صدر؛ لأنه وضع الإنسان تحت تصرف المثل العليا، والتاريخ تحت تصرف الله، ونتيجة لذلك الفلسفة تحت تصرف القرآن الكريم.
مشكلة الفلسفة اليونانية
كانت الفلسفة الإسلامية قد وصلت إلى طريق مسدود؛ لأن مقولات الفلسفة اليونانية لم تكن تملك القدرة على فهم مبادئ ومفاهيم الإسلام. لذلك، كان القرآن الكريم يختلف مع الفلسفة اليونانية في نظرته الجديدة إلى اللاهوت والوجود والإنسان وتغير العالم، ولهذا السبب واجهت الفلسفة الإسلامية مشكلة في نظريتها حول النبوة، كما هو واضح في فلسفة الفارابي. وعلى الرغم من جهود الفارابي في تبرير معرفي للنبوة، إلا أن الفلسفة الإسلامية كانت بعيدة عن حقيقة النبوة؛ لأنه لم يدرك نسبية الفلسفة اليونانية ومطلقية مصدر النبوة.
ولهذا السبب، فإن فلسفة الفارابي في مجال فلسفة النبوة بعيدة عن أصل النبوة؛ لأن إصدار الأحكام حول النبوة من خلال مقولات الفلسفة اليونانية التي حددت اللاهوت في مفهوم محدود أمر مستحيل.
فلسفة النبوة
تتضح نظرية الشهيد صدر(ره) في هذا المجال من خلال تقديمه لإطار عام للتفكير الإسلامي حول ربط الفلسفة بالدين. هذا الإطار يضمن بناء نظرية معرفية في مجال النبوة. لم يرفض الشهيد صدر(ره) الفكر الغربي جذريًا ولا تفصيليًا، ولم يسعَ إلى التوفيق بين الإسلام والفلسفة الغربية. بل أعاد بناء العديد من مفاهيم الفلسفة الغربية، وهذا واضح في نقده ورفضه لجميع الاتجاهات الاجتماعية والتاريخية. لذلك، يرى أن العوامل الاجتماعية والتاريخية من الشروط الضرورية لظهور النبي. ومن ثم، فإن الجانب الاجتماعي والتاريخي عامل ضروري في النظرية المعرفية لتفسير النبوة، لكن البحوث الاجتماعية والتاريخية تختلف عن الاتجاهات الاجتماعية والتاريخية. ويعتقد أن الإيمان بأن العوامل الاجتماعية والتاريخية في الحجاز وفي العالم كانت تطلب ظهور النبي لا يعني أن النبوة تُفسر بشكل كامل وشامل بحيث يمكن إنكار الأصل الغيبي للرسالة؛ كما تفعل النظرية المعرفية ضمن الاتجاهات الاجتماعية والتاريخية. لذلك، تفسر العوامل الاجتماعية والتاريخية النبوة، لكنها لا تفسر أصل النبوة.
كما يقدم الشهيد الصدر رؤية جديدة في ميدان المعرفة تُعد نقيضًا لنظرية المعرفة في الفلسفة الإثباتية (البوزيتيفية) التي سيطرت على الفكر [الغربي] منذ القرن الثامن عشر، والتي تنفي الغيب باسم العلم. [لذلك] فإن التفسير العلمي للنبوة في نظرية الشهيد الصدر لا ينفي الغيب. فهو يتخلى عن التفسير العلمي، كما يتضح في مناقشاته الاجتماعية والتاريخية؛ [لأنه] يعتمد على منهج تجريبي يستند إلى الاستقراء، يفسر النبوة كظاهرة تاريخية واجتماعية لها أصل ومصدر غيبي.
الفرق بين الشهيد الصدر وابن رشد
كانت الفلسفة الإسلامية في معتقد ابن رشد تحت سيطرة الفلسفة اليونانية بالكامل، وأصبح الإسلام خاضعًا لمطالب مفاهيم الفلسفة اليونانية إلى حد أنه نفى البعث والحشر وخلق العالم. [لذلك] بلغ التناقض بين الفلسفة والغيب في فلسفة ابن رشد أقصى درجاته. بينما الفلسفة الإسلامية ـ التي أسسها الشهيد الصدر(ره) ـ كسرت هذا التناقض بين العقل والغيب. [لأنه] اعتمد على المنهج التجريبي في الاستدلال على وجود الله والاستدلال على حقيقة النبوة، كما أن فلسفة ابن رشد فصلت بين الفلسفة والحياة، وبين العقل والغيب إلى حد أنه جعل الفلسفة للخواص والشريعة للعوام. أما فلسفة الشهيد الصدر فقد أزالت هذا التناقض بربط الفلسفة بالحياة والعيش. لذلك بنى فلسفة اجتماعية وسياسية لتغيير الواقع وإعادة بناء الثقافة والحضارة الإسلامية، وجعل معنى الوجود أساسًا لإحداث التغيير. كما أعاد بناء العلاقة بين العقل والدين من موقع مطلقية الدين ونسبية العقل ونسبية الفلسفة، وكذلك أعاد بناء مفهوم الخواص والعوام ـ لأن الجمهور هم العامل الأساسي والحاسم في إحداث التغيير ـ. [لهذا الغرض] بدأ من المفهوم القرآني للمستضعفين الذين هم محور التغيير وإعادة بناء الحضارة والثقافة الإسلامية، بالإضافة إلى ذلك، واجه كل من الفلسفة اليونانية والإسلامية وشكل فلسفة جديدة للإنسان تستند إلى مفهوم الخلافة. هذا المفهوم غير موجود عند الفلاسفة الإسلاميين، في حين أن بعض الفلاسفة المتأثرين بالفلسفة اليونانية حقّروا الأجناس والقبائل، وقسموا الناس إلى خواص وعوام ورعايا وعبيد وفوضويين و… .
التحرر من التبعية
فتح الشهيد الصدر(ره) آفاقًا جديدة أمام الفكر الإسلامي، إذ حرره من محاولة التوفيق بين الإسلام والفلسفة الغربية؛ وهو توافق لا يعدو كونه صورة من صور التبعية. وتظهر هذه الهدية الجديدة من خلال جهوده لاكتشاف رؤية الإسلام بشأن الإنسان والمجتمع.
تزامنت جهود الشهيد الصدر(ره) في كل من المقدمات التعبدية والاعتقادية والوجودية، فالإسلام ليس مجرد موضوع للفلسفة. [لذلك] المصدر والأصل للدين أسمى من الفلسفة والعدل، ولا تصل أي من المدارس الفلسفية إلى الله المطلق من خلال نسبية العقل والمثل العليا التي يدركها الفيلسوف. لذلك اعتمد الشهيد الصدر(ره) على منهج لمعالجة العلاقة بين العقل والدين، بينما بدأ الفلاسفة المسلمون من [أمر [مسلّم لا أساس له وهو أن [الدين حق والفلسفة حق، والحق لا يتناقض مع الحق، أو كما يقول ابن رشد «الفلسفة والشريعة أخوان رضاعيان».
ابتعاد الفلسفة والتصوف عن الواقع الاجتماعي
كما تخلى الشهيد الصدر(ره) عن كل من الفلسفة الإسلامية والتصوف، ليس فقط في ميدان المعرفة بل في ميدان العمل أيضًا؛ وبالطبع في ميدان فلسفة الحياة وارتباط الفيلسوف بالمتصوفة بالواقع الأممي واهتمامات الشعوب الإسلامية، لأن ارتباط الفلاسفة والمتصوفة باهتمامات الأمة كان ارتباطًا منفصلًا. [لذلك] لم يتخذ الفلاسفة المسلمون، رغم عمق فلسفاتهم، موقفًا نقديًا تجاه الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وكان موقفهم من الحكام المستبدين متوافقًا ومساندًا لهم في العالم الإسلامي، [لذا] كانوا غافلين عن القضايا التي تهم غالبية الناس الجهلة والغير واعين، مثلًا أبو حامد الغزالي الذي يمثل ويعبر عن هذه الفئة في نهاية المطاف ضعيف؛ [لأنه] ابتدع مفهوم «السلطان المطاع» ولم يتخذ موقفًا ضد الحروب الصليبية. وينطبق الأمر نفسه على المتصوفة؛ [لأن] شغفهم بالله محصور في دائرة الفرد، وفي ميدان المجتمع والسياسة لا يدل على حكمة.
ارتباط فلسفة الشهيد الصدر(ره) بالواقع الاجتماعي
[لكن] الأمر ليس كذلك مع الشهيد الصدر؛ [لأن] فلسفته ملتزمة بنضالات الشعوب الإسلامية وبالإنسانية عمومًا. [لذلك] لم يدمج فقط بين الفقه وعلم الكلام والفلسفة، بل دمج بين الفلسفة والتصوف والجهاد أيضًا. لذلك فإن مشروع الشهيد الصدر(ره) في القضايا مشروع فلسفي واجتهادي ونضالي. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن نموذجه هو الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ؛ [لأنه] كسر خوف ورعب الحاكم، كما كسر الإمام(ع) خوف ورعب الحاكم في كربلاء. [لذلك] محبة الله عند الشهيد الصدر(ره) تعني محبة الإنسان والالتزام تجاه قضاياه.
النافذة التي فتحها الشهيد الصدر(ره) على البعد الفلسفي للفكر الإسلامي كانت في جهوده وسعيه حول العلاقة بين الوحي المتعالي والتاريخ؛ أي العلاقة بين الحقيقة المطلقة وحركة التاريخ. [لذلك] لم يقتصر على ربط المسألة بالعقل فقط، بل عالجها في إطار العلاقة بين العقل والوحي والواقع. ومن ثم يمكن القول إن الشهيد الصدر(ره) بفضل الاجتهاد فتح طريق الفلسفة أمام الفكر الإسلامي. فقد بنى وحلل المفاهيم الاقتصادية والسياسية والمعرفية وفقاً لمتطلبات الدين.
نقد الفلسفة الإسلامية والغربية
نقد الشهيد الصدر(ره) للفلسفة الإسلامية والغربية ليس من أجل رفض العقلانية والفلسفة بشكل عام، [لأن] هذا النقد يتضمن رفض عقلانية معينة؛ أي عقلانية تعتقد أنها كافية بذاتها (الفلسفة الغربية) أو تعتقد أنه لا يوجد تعارض بينها وبين الدين (الفلسفة الإسلامية التي جمعت بين الفلسفة اليونانية والدين). [لذلك] انتقد الشهيد الصدر(ره) الفلسفة الإسلامية والغربية باسم رؤية فلسفية جديدة تربط العقل بالدين والتاريخ. ومن ثم يمكن القول إنه رد على الفكر الغربي من خلال إرث غني وثقيل؛ أي من خلال إرث يتضمن جوانب سلبية ـ مثل الاقتصار على الفلسفة الإسلامية فقط، وتغول فقه العبادات على فقه المعاملات، وتغول فقه الفروع على أصول الفقه، والانفصال بين الفقه والفلسفة ـ وكذلك من خلال المكاسب والنتائج التي تتحقق من غياب هذه الأمور السلبية في المدرسة الاجتماعية الإسلامية. لقد نظر الشهيد الصدر(ره) إلى كل جانب من جوانب هذا الإرث بنظرة نقدية، ولم يرد على الفكر الغربي بالاعتماد على فروع الفقه فقط، بل بالاعتماد على المفاهيم الفلسفية التي بنى عليها بناءً على القرب النقدي الذي مارسه على الإرث ـ وهذا القرب هو ربط المفاهيم الفقهية بالمفاهيم الفلسفية ـ ولتشكيل مدرسة اجتماعية ورؤية إسلامية تاريخية تتضح فيها المدرسة الاجتماعية الإسلامية.
من الدفاع إلى الهجوم
لم يقتصر الشهيد الصدر(ره) الفكر الإسلامي على موقع الدفاع عن الإسلام في مواجهة التيارات الفكرية الغربية، كما كان حال كثير من المفكرين المسلمين في موقف انفعالي ودفاعي. [لأنه] حلل ونقد المدارس الفلسفية الغربية، وطرح بديلاً إسلامياً من خلال تحديد خصائص العقلانية التي تقع خارج نطاق المنهج الإثباتي (البوزيتيفي) والتوجه العلمي، وكل ذلك يبدأ من «تفسير الواقع» على أساس القرآن الكريم؛ أي من منطلق يرى في القرآن الكريم موقع الارتباط بين الدين وتطور الفكر وحركة التاريخ، وهو جهد جماعي قام به فرد.
هذا العمل ـ الذي يعبر عن فهم ونقد شامل لكل المدارس الفلسفية المعاصرة ـ لا يستطيع إنجازه إلا مجموعة من الفلاسفة والمفكرين، بينما قام الشهيد الصدر به بمفرده. [لأنه] فتح الفكر الإسلامي المعاصر أمام أسئلة جديدة تتمحور حول العقل ونظرية المعرفة والمنهج والتطوير، وأعاد بناء الحضارة والثقافة الإسلامية، وأعاد النظر في كثير من جوانب الفكر الإسلامي القديم والمعاصر، كما أعاد النظر في الفكر الغربي.
عقلانية الشهيد الصدر
العقلانية التي تجلت في فلسفة الشهيد الصدر تختلف عن عقلانية الفلسفة الإسلامية والمنهج العلمي؛ [لأن] هذه العقلانية تستمد قوتها من التعبد والتواضع، والنتيجة عقلانية نقدية [تتوجه] نحو نفسها والواقع كموضوع للمعرفة. [لذلك] يدرك العقل إمكاناته وقدراته ونسبيته في ميادين الميتافيزيقا والاجتماع. [وبالتالي] اتخذ الشهيد الصدر(ره) هذا الموقف النقدي وأعاد بناء نظرية المعرفة في ميادين الاجتهاد وعلم الكلام والفلسفة والميتافيزيقا.
كيف حل الشهيد الصدر مشكلة نسبية الحقيقة؟
أجاب الشهيد الصدر على مشكلة نسبية المعرفة والحقيقة. [بينما] كانت الفلسفات الغربية مثل الماركسية والإثباتية (البوزيتيفية) وغيرها من المدارس الفلسفية التي تنفي أي أصل مطلق للوجود والمعرفة والحقيقة، وتهدد الفكر الإسلامي الذي يعتمد على الدين كحقيقة مطلقة، كيف يمكن للفكر الإسلامي أن يقدم معايير لإعادة بناء الحضارة والثقافة الإسلامية؟
عالج الشهيد الصدر(ره) هذه المشكلة خارج الإطار الضيق الذي اختاره بين مطلقية الحقيقة أو نسبيتها. [لأن] اهتمام الإنسان بالحقيقة أي الدين هو اهتمام كان دائماً موضع نقاش. لا شك أن الدين، باعتباره وحيًا، يُعتبر حقيقة مُنحت من رحمة الله. ولكن الإنسان لا يدرك هذه الحقيقة بشكل كامل وكامل [لذلك] دائماً ما يُناقش موضوع النسبية واهتمامه بالدين كمطلق. ابتكر الشهيد الصدر(ره) مفهوم «منطقة الفراغ» كطريقة تعبر عن العلاقة بين مطلقية الحقيقة ونسبية الحوادث، وما هو من نسبية المعرفة في مجال العلوم الإنسانية، وكان هذا انزلاقًا للتفكير الجديد الذي اتهم الفكر الإسلامي بالاعتماد على أفكار جاهزة ومهيأة ويطرح نفسه كحقيقة مطلقة. تختلف نسبية المعرفة في نظريته عن نسبية المعرفة في الفلسفة الغربية؛ كما هو واضح مثلاً في المنهج التجريبي، حيث يرتبط الفكر بالتجربة والاختبار، ومن هذه الناحية التي تعطي أهمية للتجربة والاختبار يتوافق ويتحد مع فلسفة التجربة، لكن هذه التجربة في الحوادث وفي مواجهتها، [لأن] فلسفة الشهيد الصدر(ره) تعطي العقل للحوادث إلا من حيث وضع العقل في وضع تجاوز، تجاوز المعطيات والنتائج التجريبية لفتح طريق إلى الميتافيزيقا.
فلسفة الشهيد الصدر؛ من وصف الواقع إلى تحوله
يمكن القول بشكل عام إن فلسفة الصدر لم تتخذ موقفًا فقط في المجال الوصفي (وصف الواقع) كما هو شائع في منهج العلوم الاجتماعية اليوم؛ أي لم تكتف بوصف الواقع وتحليله، كما لم تتخذ موقفًا في حدود فلسفات «المدينة الفاضلة» أيضًا. [لذلك] في حالتين، حوّل الفلسفة إلى فلسفة محايدة. لأن الفلسفات كانت إما تكتفي بوصف الواقع والخارج، أو بتشكيل أفكار عامة كلية مجردة، وسعى الشهيد الصدر(ره) في كتب أساس المنهجية ونظرية الفلسفة الإسلامية المعاصرة إلى مواجهة كل هذه الفلسفات. كما سعى في هذه الفلسفة إلى تقديم خصائص ومميزات مكانة الأمة في اتجاه إعادة بناء الثقافة والحضارة الإسلامية. المثالية في فلسفة الصدر نوع خاص من المثالية؛ أي لها خصوصية لا توجد في أنواع المثالية المتطورة، [لأنها] متجذرة في التاريخ والواقع [لذلك] تبدأ من الواقع من أجل تغييره وتحويله.
تبرير الواقع وتطور المثالية
موقف الشهيد الصدر(ره) فتح طريقًا ومنهجًا جديدًا للفلسفة، [لأن] الخصائص والمميزات التي رسمها خارج تبرير الواقع والمثالية السائدة للفلسفة الإسلامية المعاصرة. الحقيقة من وجهة نظره لا تعبر عن مطابقة العقل مع نفسه، كما أن الحقيقة ليست في مطابقة العقل مع الوجود. من مفهوم الخلافة يُستخلص وجهة نظر فلسفية يكون محورها وأساسها الوصول إلى المثل العليا. ما يُستخلص من هذه المعرفة والوعي هو الإرادة في التخلي؛ التخلي عن عجز العقل والتخلي عن واقع هو معطى خارجي. تميز فلسفة الصدر بالتحليل الجديد والمواقف القرآنية والمفاهيم الجديدة. من هذا التحليل يُفتح مجال واسع للنقاش في مواجهة الفكر الإسلامي المعاصر. طرح الشهيد الصدر(ره) لمشكلة ربط الفلسفة بالدين من موقع نسبية الفلسفة يدل على موقف نقدي تجاه الفلسفة والعقل.
الاكتشافات القرآنية
هذا الرأي الجديد لربط الفلسفة بالدين وضع فلسفة الصدر في موقف نقاش دائم. [لأن] بدلاً من المطابقة الواسعة والسريعة بين الفلسفة والدين، وجه الشهيد الصدر(ره) الفلسفة الإسلامية المعاصرة إلى التخلي عن مفهوم المطابقة وتوسيع مجال النقاش في مواجهة الفكر الإسلامي المعاصر. كشف عن مسائل ومواقف فلسفية جديدة في القرآن الكريم مثل الفطرة والعقل والقيمة والمجتمع والأمة والانحطاط والتنمية والتقدم وحركة التاريخ وربطها بسُنن الله… بالإضافة إلى ذلك كشف عن موضوعات فقهية ـ التي من أبعادها المفهومية يكتمل بها الفكر المذهب الاجتماعي الإسلامي ـ كشف عنها.
الفصل بين الفقه والفلسفة
كانت سمة الفكر الإسلامي القديم في الفصل بين الفقه والفلسفة، فالفقه عندما اقتصر على الفروع والأحكام لم يكن له حركة أو نشاط، [لذلك] بدلاً من تحليل الموضوعات الفقهية في أفق فلسفي، اقتصر الفقه على تحليل قضايا محدودة، ونتيجة لذلك كان بعيدًا عن النظرة الشاملة التي يمكن بها تشكيل الرؤية الاجتماعية الإسلامية.
وأيضًا أول نتيجة على الصعيد المعرفي للفصل بين الفقه والفلسفة، هي الفصل بين الفقه والسياسة الذي أدى إلى غياب الفكر الاجتماعي [الذي] مصدره مسائل ومفاهيم فقهية. [لأن] الفقه غارق في تفاصيل الفروع الفقهية المختلفة ولم يطرح الفقهاء القضايا الاجتماعية بل حللوها ضمن الأمور الاجتماعية العامة. [لذلك] تحليل الأحكام الشرعية المتعلقة بالصيام والزكاة والعمل والجهاد والإمامة والخلافة ضمن النظرة الكلية والمفهومية ـ بسبب عدم وجود تصور فلسفي للأحكام الشرعية ـ ليس كاملاً وشاملاً.
والنتيجة القيمة الأخرى، بالنسبة للفكر الإسلامي، هي أن الفصل بين الفقه والفلسفة دفع الفلسفة الإسلامية إلى الانفصال والابتعاد عن واقع الأمة والقضايا التي تهم الشعوب الإسلامية.
لا شك أن علم الكلام استنبط بعض المفاهيم ـ مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتأكيد على مسؤولية الإنسان ـ من القرآن الكريم، لكن المتكلمين لم يقدموا من خلال هذه المفاهيم نظرية محددة عن الإنسان والمجتمع؛ لأن هذه المفاهيم كانت منفصلة عن نظرية الإسلام حول الوجود والإنسان.
الجمع بين الاجتهاد والفلسفة
في هذا الصدد يتضح ويظهر هدية الشهيد الصدر من بين الاثنين أن فلسفته محدودة بحدود الاجتهاد. نقطة الاتحاد بين اجتهاد الصدر والاجتهاد القديم تظهر في الموقف التعبدي تجاه النص، لأن الشهيد الصدر(ره) بتطبيق الفلسفة في الاجتهاد، تخلى عن الاجتهاد بالمفهوم القديم. وهذا ما جعل تشكيل مدرسة اجتماعية إسلامية ممكنًا، وهذا التشكيل لإطار عام للعلوم الاجتماعية الإسلامية يختلف عن العلوم الاجتماعية ذات الأساس الغربي والعلوم الاجتماعية السائدة اليوم.
مشكلة الميتافيزيقا
الشهيد الصدر(ره) وقف موقفًا معارضًا تجاه رؤية الفلسفة الغربية عن الإنسان ـ التي تقوم على الانفصال عن الغيب ـ وعالج من خلالها مشكلة الميتافيزيقا من الناحية المعرفية. كما طرح هذه المشكلة من موقع ارتباطها بالدين وحلل تأثير الميتافيزيقا على الحياة والحياة الاجتماعية. رفض وأدان موقف ماركس والبراغماتية تجاه الميتافيزيقا بناءً على تحليل نقدي وطرح الفلسفة الإسلامية كبديل لها. في نظر الشهيد الصدر(ره) كانت الميتافيزيقا ضرورية وبديهية من جهة العقل والدين؛ لأن الميتافيزيقا ـ كما كانت البراغماتية تنفيها باسم فكر التاريخ (مدرسة أوغست كونت) ـ ليست مرتبطة بتطور العقل. ووفقًا لرأي الشهيد الصدر، الميتافيزيقا ليست مرتبطة بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية في مرحلة تاريخية معينة كما يقول الماركسية. لذلك، الأسئلة الميتافيزيقية هي أسئلة تصدر فطريًا من الإنسان. هنا كان التناسب بين العقل والوجود وبين نظام الوجود وإدراك العقل لمعنى الوجود محل اهتمام الشهيد الصدر. لأن بنية وتركيب العقل ليست منفصلة عن الوجود، ومن ثم المبادئ والأسس التي يهتم بها العقلانية والمعرفة ـ مثل السببية والغاية ـ هي ذاتها المبادئ الضرورية التي لا يستطيع العقل تصورها وإدراكها بدونها.
رفض الشهيد الصدر(ره) المدرسة الفلسفية التي تعتبر الله خارج الوجود، وفي الوقت نفسه رفض التوحيد الذي يذوب فيه الله في الوجود ـ كما تفعل بعض المدارس الفلسفية التي لا تفرق بين الله والوجود ـ لأن أسماء وصفات الله تنفي التوحيد. ولهذا انتقد في فلسفة الصدر ما يسمى بالتحدث مع الله، لكنه في فلسفة الصدر لا ينفي التحدث باعتباره دلالة على المحبة والارتباط بين الله والوجود.
نظرية الاستقراء
مع أن الشهيد الصدر(ره) يعتمد ويثق في الطريقة التجريبية للاستدلال على وجود الله، فقد اكتشف دليلًا جديدًا للاستدلال على وجود الله ـ وهو الدليل الاستقرائي أو العلمي. ومع ذلك يعلم أن حقيقة الله سبحانه والبعث والحشر الجسدي أمور تفوق قدرة العقل وهي من الضروريات الدينية. لذلك، الدين يتضمن الغيب، لكن الغيب من جهته لا ينفي العقل، ومن ثم الدليل الاستقرائي هو برهان على وجود الله. لكن الشهيد الصدر(ره) لا ينفي نسبية العقل أمام حقيقة الله ويعتقد أن القول بمعنى الوجود يترافق مع النظرة العلمية إلى العالم، وهذا هو التناقض الذي واجهته الفلسفة المادية؛ لأن هذه الفلسفة تنظر إلى الطبيعة كأمر عارض ولا تملك تبريرًا لوجود الطبيعة ونظامها، ومن جهة أخرى تؤكد على النظرة العلمية للطبيعة. كما يرى الشهيد الصدر(ره) أن وجود الله يبرره نظرية تعتبر العالم خاضعًا لنظام، أي تبرر المبدع الذي وضع العالم تحت قوانين، وبناءً على هذا السياق اعتمد الشهيد الصدر(ره) الطريقة العلمية (الاستقراء)، لأنه يستدل على وجود نظام للوجود ووجود الله ويعالج مشكلة الميتافيزيقا من وجهة نظر دينية وعلمية وعقلية واجتماعية. قدرة العقل ليست في العقل ذاته، بل في ارتباط العقل بالدين والعالم. لذلك، لا يتحقق أي تغيير اجتماعي إلا إذا تحقق تغيير في فكر الإنسان تجاه الوجود.
الخلاصة
بالنظر إلى ما سبق يمكن القول إن الشهيد الصدر(ره) أعاد بناء الفلسفة الإسلامية القديمة والتفكير الإسلامي بشكل عام، كما أعاد بناء فلسفة الغزالي وابن رشد؛ لأنه من خلال هذا النقد (نقد الفلسفة الإسلامية والغربية) بنى فلسفة إسلامية معاصرة غنية من حيث المفاهيم والمنهج، لأن مكانة هذه الفلسفة ضمن الاتجاهات الفكرية الموجودة في الثقافة المعاصرة. بل إن الشهيد الصدر(ره) قدم فلسفة جديدة للثقافة الإنسانية بشكل عام، تسعى إلى ربط الإنسان بالله سبحانه وبالقيم، من خلال ارتباط الإنسان بالنبوة والإمامة.
[1] المقصود من انفصال علم المعرفة عن الفلسفة الإسلامية والفقه في الطرح الجديد للموضوع هو الاختلاف في المنهج.

