ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: سید محمدباقر صدر در تاریخ ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: سعد غنامی؛ مترجم: محمد جواد برهانی.
المصدر: مجله کوثر معارف، ربيع الأول ١٣٨٨ – العدد ٩
مقدمة
يُعتبر السيد محمد باقر الصدر شخصية فريدة وخاصة نظرًا للسمات التي تميّزه في العالم الفكري الإسلامي المعاصر وفي مسيرته العلمية. فهو رائد ومبتكر ومجدد في العديد من المجالات المعرفية الإسلامية والإنسانية. لقد أضفى وجهًا جديدًا على الساحة العلمية للحوزة العلمية، حيث كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا ومرتبطًا بالبيئة الخارجية لها، وشمل جميع مشاكل المجتمع والدولة والأمة الإسلامية. يُعد مرجعًا دينيًا ومفكرًا أدرك حقيقة المواجهة بين الإسلام والفلسفة والمعتقدات الأخرى، وطرح الإسلام كبديل ومنقذ للبشرية من جميع الأزمات التي كانت تواجهها.
إنه قائد رفع صوت الحق في وجه السلطان الظالم والمستبد، واستعان بأسلوب أجداده الطاهرين: «لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيلِ وَ لَا أَفِرُّ فِرَارَ الْعَبِيد (مفید، ارشاد١٤١٤: ٩٨/٢)؛ لا أستسلم لكم كالبشر الذليلين ولا أهرب كالعبيد».
قدم الشهيد الصدر دمه ليلتحم بقلمه، وبذلك أظهر للأمة طريقة تضيء لهم الطريق. ربط بين الماضي والحاضر ومهد الطريق للمستقبل. كان ضمير الأمة وباطنها ومدافعها، كالصدر الذي يحمي قلب الأمة الإسلامية.
السمات والدلالات المنهجية لشهيد الصدر
حدد السيد الصدر الأسس والقوانين العامة والشاملة لدخول أي علم، بما في ذلك التاريخ، ويعتقد بوجود طريقين للتعامل مع العلوم المختلفة ومنها علم التاريخ: الطريق الأول: النظرة الجزئية والتخصصية؛ الطريق الثاني: النظرة الكلية أو الموضوعية. في إطار الطريق الأول، أي المنهج الجزئي، يتحدث مع التاريخ ويستخدم الأدوات والوسائل التي يؤمن بها لتفسير الأحداث والوقائع التاريخية، ولكن فقط بقدر توضيح مدلول الحدث التاريخي الخاص الذي يرغب في استخلاص النتائج منه. إذًا، الهدف من كل خطوة في هذا المنهج هو فهم الجزء من التاريخ الذي يجب على المؤرخ أو الباحث مواجهته بكل الوسائل الممكنة والمتاحة.
فالهدف هنا جزئي وخاص، لأنه يبقى دائمًا بجانب فهم ذلك الجزء أو النص، وعادة لا يتجاوزه ولا يتعداه. ونتيجة هذا الأسلوب هي الوصول إلى كمية كبيرة جدًا من المعارف والمدلولات التاريخية بشكل متفرق وكثيف، دون الكشف عن أوجه العلاقة بين هذه المعارف والمدلولات والأفكار المختلفة.
لهذا الأسلوب آثار خاصة به، ونتيجته هي الحيرة وظهور تناقضات كثيرة في تفسير وشرح العديد من القضايا التاريخية. إذ يكفي أن يجد المؤرخ أو الباحث شيئًا يؤيد رأيه ليعلنه ويجمع حوله أنصارًا وأتباعًا.
أما في إطار الاتجاه والطريق الثاني، وهو النظرية التوحيدية “الكلية”، فلا يفحص المؤرخ التاريخ بأسلوب الطريقة الأولى، بل يسعى إلى دراسة الموضوعات التاريخية، وهدفه من هذه الدراسة هو تحديد وجهة النظر النظرية للإسلام تجاه هذه الحقيقة. التمييز بين هذين المنهجين، حسب اعتقاد الشهيد الصدر، غير ممكن في إطار الحقيقة العملية والتطبيقية، لأن النظرة التوحيدية في بيان وتحديد مدلول الحدث الذي تريد التفاعل معه تحتاج إلى المنهج الجزئي.
وهذا هو المنهج الذي اتبعه الشهيد الصدر في مسيرته العلمية، وفرق بين المنهجين بشكل واسع وكبير، لأن المنهج الجزئي في معظم الحالات سلبي ومرفوض. والسبب في ذلك أن هذا المنهج يحاول النظر إلى الموضوع الذي حدده منفصلًا دون اعتبار الفرضيات والاقتراحات، ويسعى إلى الاستنتاج فقط بالاعتماد على الوسائل المتاحة. لكن هذا لا نراه في المنهج الثاني، المنهج الكلي، لأن الباحث لا يبدأ من نص أو موضوع بحثي، بل يبدأ مساره من واقع الحياة. ثم يركز نظره على موضوع معين، ويأخذ في الاعتبار كل ما طرحته الدراسات والمقارنات التاريخية من أسئلة وفراغات.
ثم بعد هذه المرحلة يتوجه إلى ذلك الحدث الخاص، ويطرح أمام ذلك النص موضوعًا جاهزًا ومحددًا، واضحًا ومبينًا مع الأفكار والمواقف البشرية، وضمن إطار النتيجة التي حصل عليها من خلال تجارب البشرية يبدأ في إعادة فحص ذلك النص والحدث. وهذا هو المنهج الذي نجده في كتاب فدك في التاريخ. حيث يطرح قضية فدك ويحدد لها عنوانًا خاصًا لدراسة الظروف المؤثرة في ذلك الحدث، وهو: قضية فدك في ضوء الظروف الوضعية.
أهل البيت(ع)، تنوع الظروف ووحدة الهدف
موضوع كتاب «أهل البيت» أيضًا هو تنوع العصور ووحدة الهدف. يتحدث الشهيد بوضوح عن نوع المنهج الذي اتبعه: «هذا المنهج يشمل حياة جميع الأئمة ويدرس تاريخهم بناءً على النظرة الكلية، أي ينظر إلى الأئمة (ع) ككل مترابط ومتكامل، ويدرس هذا الكل ويحدد الخصائص العامة والأهداف المشتركة والطبع الأصلي له، وبذلك يوضح العلاقة بين خطواته ويدرك الدور الذي قام به جميع الأئمة في الحياة الإسلامية. لا أقصد هنا عدم دراسة حياة الأئمة (ع) بالمنهج الجزئي، أي دراسة كل إمام على حدة، بل إن هذه الدراسة الجزئية ضرورية وملزمة لتحقيق دراسة كاملة وشاملة متناسقة ومتوافقة مع بعضها ككل.»
لذلك، لا بد من دراسة كل إمام(ع) على حدة في البداية، بحيث تشمل هذه الدراسة حياة كل إمام وأنشطته وأهدافه وتحركاته قدر الإمكان، حتى نتمكن لاحقًا من دراسته ككل مترابط والوصول إلى الدور المشترك للأئمة(ع) والأهداف والخصائص والروابط بينهم. ثم يجب دراسة أوضاع الأئمة(ع) وفقًا لهذين التوجهين. في التوجه الأول، نواجه بعض الاختلافات في أحوال السلوك لدى الأئمة(ع) واختلاف الطرق، وكذلك التناقض في الجانب الشخصي بين الأدوار التي كان الأئمة(ع) يتحملونها.
على سبيل المثال، الإمام الحسن(ع) عقد صلحًا مع معاوية، بينما الإمام الحسين(ع) خاض الجهاد مع يزيد. حياة الإمام السجاد(ع) كانت قائمة على الدعاء، في حين أن حياة الإمام الباقر(ع) كانت مبنية على الحديث والفقه… ولكن في إطار التوجه الثاني، حين نحاول الوصول إلى الخصائص العامة والدور المشترك للأئمة(ع) ككل متكامل ومترابط، تختفي كل هذه الاختلافات والتناقضات والصراعات. لأن وفق هذا المنهج، هذه الاختلافات ليست سوى تعبيرات مختلفة عن حقيقة واحدة، وهذه التعبيرات تختلف بسبب اختلاف الظروف والخصائص التي مرت على كل إمام، والإسلام والتشيع كانا يتعاملان معها، وكانت محصورة في فترة إمام معين حتى آخر؛ لذلك كانت في حالة اختلاف وتعارض. ومن ثم، من خلال دراسة الأئمة(ع) من منظور شامل يمكننا الوصول إلى نتائج أكثر قيمة ورفعة من الدراسة الجزئية، لأننا نكتشف من خلالها العلاقة بين أفعال وسلوك الأئمة(ع) وندركها» (صدر، اهل البیت تنوع ادوار و وحدة هدف ١٩٧٩: ١٥٣).
لذا، هنا يلتقي التاريخ بالواقع، والواقع بالحياة، لأن الحقائق التاريخية تنبع من الواقع وتؤدي إلى التاريخ، وليس أن يبدأ التاريخ وينتهي بالتاريخ، لأن في هذه الحالة يكون الفعل منفصلًا ومنفردًا عن الواقع، بل هو ينبع من الواقع وينتهي بالتاريخ. كما أن السيد صدر قدس سره يرى أن «من المستحيل أن نتوقع من التاريخ تفسيرًا واضحًا وصريحًا لكل شيء» (صدر، فدک فی التاریخ ١٤١٥ ٦٣).
معنى التاريخ من وجهة نظر الشهيد صدر
النقاش حول معنى التاريخ لتحديد مكانة الأمة في صراع التحول والتغيير التاريخي ومكانتها بالنسبة للقيم المصاحبة والمتوافقة مع هويتها لا يتحقق من خلال نظرة كلية للتاريخ؛ نظرة تدمج الجانب الاجتماعي مع الجوانب الروحية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. الحاجة إلى هذه النظرة التاريخية الشاملة واضحة ومحددة في كلمات الشهيد صدر (قدس سره).
معنى التاريخ عند الشهيد صدر هو نقطة البداية لبدء الفعل، وليس مجرد مصطلح صرف، لأن جميع البشر يتحركون وينشطون باسم التاريخ؛ وخاصة المسلمون الذين ينبع تاريخهم في نظرهم من الإيمان بالله، وهذا يمنح التاريخ معنى مختلفًا عما هو شائع في الغرب. وهكذا، يشمل معنى التاريخ العلاقة بين الإنسان والإنسان والعالم الطبيعي والله، وتنشأ ولاية الإنسان على الأرض من قبل الله العظيم من هذه العلاقة الثلاثية لتتجلى وتظهر في التاريخ.
أما فلسفة التاريخ في الغرب، فهي تحدد معنى التاريخ فقط في العلاقة بين الإنسان والإنسان والإنسان والطبيعة. ومن هنا يرى السيد صدر أن العلاقة العقائدية والعقيدة الإسلامية بالحياة الاجتماعية وبالتاريخ علاقة حية وديناميكية، لأن العقيدة تؤثر في منهج وسلوك المسلمين وتشكل ذهنيتهم. العلاقة بين العقيدة والحياة الاجتماعية تختلف حسب الظروف القريبة والبعيدة لكنها لا تنعدم أبدًا، ومن المستحيل أن يحدث ذلك، لأن زوالها يعني زوال الأمة وانفصالها عن التاريخ.
يرى السيد صدر أن السعي لتحقيق الثقافة الإسلامية واجب شرعي وعنصر أساسي من عناصر تشكيل معنى التاريخ. لأن معنى التاريخ عنده ليس مجرد مسألة نظرية فحسب، بل له جانب عملي أيضًا. وهذا الجانب العملي هو بدوره العامل الرئيسي ومن عوامل تشكيل معنى التاريخ. إذًا، ارتباط الشريعة بالواقع هو ما يخلق معنى التاريخ (نخبة من الباحثین، دراسات فی حیاته وفکره ١٤١٦: ٢٤١).
المخطط الفلسفي للسيد صدر حول التاريخ ونقاط التميز والاختلاف عنه مع المخططات الأخرى واضح وجلي هنا. معنى التاريخ كما يبيّنه السيد صدر ليس مجرد سرد لحدث تاريخي أو «انعكاس لأحداث مرحلة تاريخية» فحسب، بل معنى ومفهوم التاريخ في نظر السيد صدر يستند إلى مقومات وأسس تميزه عن كاتب التاريخ نفسه وعن شمولية أو نسبية المرحلة التاريخية، لأن في النظرة الإسلامية مصدر معنى التاريخ هو القرآن الكريم. هنا تقوم فلسفة التاريخ على إطار فكري شامل يطرحه القرآن الكريم، وهذه النظرة تمنع الانحراف في النظر إلى التاريخ، كما تمنع استسلام الأمة أمام حدث تاريخي فاسد مثل الانحطاط والتخلف والتبعية العمياء. ومن الجدير بالذكر أن السيد صدر يعبر عن معنى التاريخ من خلال بيان غاية ونهاية التاريخ. لذا، يتحدد معنى التاريخ عند السيد صدر بحسب الهدف والغاية من التاريخ.
مع تذكير سيد صدر بالتأكيد والاهتمام بالعلاقة الثلاثية بين الله والإنسان والطبيعة، يتضح هذا التيار بشكل كامل وواضح، لأن الشهيد صدر يطلب الهدف النهائي للتاريخ في عامل الإيمان بالله. أي أن حركة التاريخ وديناميكيتها تتأثر بثلاثة أنواع من العلاقات التي هي: علاقة الإنسان بالإنسان؛ علاقة الإنسان بالطبيعة؛ وعلاقة الإنسان بالله عز وجل. وكل هذه العلاقات تُعتبر من سنن الله في عالم الوجود. علاقة الإنسان بالله عز وجل تجعله كائنًا مختلطًا وداخلًا في الطبيعة والوجود، وفي الوقت نفسه وأثناء ذلك تكون أعلى وأسمى من هذين الاثنين، لأن الإنسان متصف بخلافة الله في الطبيعة والوجود. ولهذا السبب، يرى سيد صدر أن الإنسان هو العامل الأساسي والرئيسي في حركة التاريخ، وأن التاريخ يكتسب معناه من علاقة الإنسان بالله، ومن هذه العلاقة تتحقق عقلانية راسخة: الله الواحد، الإنسانية الواحدة، والمصير المشترك؛ توجه التاريخ نحو هدف إلهي.
لم يغفل سيد صدر عن بيان المراحل التاريخية المختلفة، بل قام بتحليلها وشرحها، وبيّن أن البشرية قد اجتازت المرحلة الأولى في هذا المسار وهي «مرحلة الحضانة»، ثم وصلت إلى «مرحلة الفطرة والوحدة والتماسك وعدم الاختلاف بين الناس»، وأخيرًا إلى «مرحلة الاختلاف والتمدد» التي تتخلل كل حياتها.
حدود نطاق التاريخ
نطاق التاريخ هو البيئة التي تشمل الأحداث والوقائع التاريخية التي يهتم بها المؤرخون والكتاب التاريخيون، وهي مجموعة من الأحداث والوقائع التي يسجلها المؤرخون في كتبهم. البيئة التي تفيض بهذه الأحداث التي يهتم بها المؤرخون تُسمى البيئة التاريخية(صدر، مقدمات فی التفسیر الموضوعی للقرآن ١٩٧٥: ٥٤).
هنا يطرح سؤال: هل كل الأحداث التاريخية محكومة ومقيدة بسُنن التاريخ؟ بالتأكيد جزء معين ومحدد من الحوادث والقضايا التاريخية تحت سيطرة سنن التاريخ، ولكن هناك حوادث لا تتوافق مع سنن التاريخ، بل تؤثر عليها قوانين فيزيائية، أو قوانين الحياة، أو قوانين أخرى مرتبطة بمجالات أخرى من عالم الوجود. على سبيل المثال، وفاة أبو طالب وخديجة (عليها السلام) في سنة معينة هي حادثة تاريخية مهمة تم تدوينها من قبل المؤرخين، والأهم من ذلك أن لهذا الحدث بعدًا في التاريخ له آثار كثيرة متأثرة به، ولكن هذه الحادثة ليست محكومة بسُنن التاريخ، بل تحكمها قوانين الحياة، التي جعلت من وفاة أبو طالب (عليه السلام) في ذلك الوقت المحدد، ووفاة خديجة (عليها السلام) في نفس الوقت. هذه الحادثة تقع ضمن إطار حوادث المؤرخين، ولكن ما يحكم هذه الواقعة هي القوانين الفيزيائية لأجساد أبو طالب (عليه السلام) وخديجة (عليها السلام)، أي قوانين الحياة التي فرضت المرض والشيخوخة بشروط وخصائص معينة على هذين العظيمين.
القيود والمنهج التاريخي للمؤرخ والراوي
لم يحدد سيد صدر كتابًا مستقلاً لبيان أسلوب التاريخ والقوانين والنواميس التاريخية التي أسس فكره عليها في دراسة القضايا التاريخية وحركة التاريخ بناءً عليها. وربما يعود السبب إلى نقاط أشار إليها بعض الباحثين. «هذه القضية تعود إلى بعض الأسباب؛ منها:
١. العامل المرتبط بمسألة الأولويات، حيث أن سيد صدر لم يكن يعطي أهمية كبيرة للمجال النظري المجرد، بل كان يبحث في موضوعات تُطرح باستمرار في مجال الفكر الإسلامي، وكان يوميًا ودائمًا مرتبطًا بالحركات والانتفاضات الإسلامية في الحياة الواقعية.
٢. العامل المتعلق بالنظرة الإسلامية للأحداث والقضايا؛ وهي رؤية شاملة تجمع بين الجانب المعرفي والجوانب السياسية والاجتماعية، وهذا موضوع واضح في كتابات وأعمال الشهيد صدر، بحيث أن فلسفة التاريخ تُعتبر العمود الفقري لأفكاره، وهذا الموضوع يظهر بشكل صريح أو ضمني في هياكل كتاباته للفكر الاقتصادي الإسلامي والفكر السياسي. وحتى في كتابات سيد صدر التي لا تبدو مرتبطة بفلسفة التاريخ، مثل أصول الفقه والعبادات، يظهر ذلك بوضوح» (نخبة من الباحثین، دراسات فی حیاته وفکره ١٤١٦: ١٩٢).
يستخدم الشهيد صدر في دراسة ومتابعة القضايا التاريخية أساليب علمية، ويطرح هذه القضايا في إطار مناقشات علمية وتحليل عميق، ويفحص الموضوع وفقًا لمنطق علمي. نادرًا ما يجد الباحث هذا الأسلوب في كتابات سابقة وكذلك في الدراسات التحليلية للحقيقة التاريخية والفلسفية في حركة التاريخ الديناميكية. بعد أن يحدد سيد صدر الأساليب العامة في دراسة كل علم من العلوم المختلفة، يتناول الأسلوب التاريخي. ويتم ذلك من خلال «الابتعاد عن الخلفيات الفكرية والعناد في الحكم، والحرية في التفكير، لأن هذه الأمور هي الشروط الأساسية للحياة الفكرية المثمرة، والمهارة والتخصص في أي نوع من الدراسة العقلية مع أي موضوع. إذًا هذه الأمور هي الشروط الأساسية والجوهرية لبناء تاريخي قوي وثابت للقضايا والأحداث السابقة» (شهید صدر، فدک فی التاریخ ١٤١٥: ٤٥).
هنا يحدد الشهيد صدر الشروط العامة التي هي: الابتعاد عن الفرضيات الفكرية، والحرية في التفكير والتأمل. فهاتان الشرطان من الشروط الأساسية للدخول إلى أي علم. وعندما نرغب في دراسة عمق الأحداث التاريخية وأسرار التاريخ بدخول علم التاريخ والتحقيق في الزمن في هذا المجال، يبقى الوضع على هذا النحو، ومن الضروري أن نكون مجهزين ومسلحين بهذين الشرطين، ومن وجهة نظر الشهيد صدر هذان الشرطان ضروريان وأساسيان ولازمَان.
النتيجة المرغوبة والمتوقعة من هذين الشرطين هي كما يلي: في هذا المجال يتبع خطوات السابقين ويفحص خصائصهم الشخصية. كما أنه يتوسع ويتسع من أجل إجراء دراسات كاملة وشاملة حول كل موضوع، ويتعرف على التاريخي والاجتماعي ومدى تأثيره في حياة عامة الناس أو في حياة خاصة يهم الباحث. هذا التعرف يُعد محورياً وأساسيًا لنقاشه ودراسته، مثل الحياة الدينية، والأخلاقية، والسياسية، وغيرها من المجالات المختلفة التي يتكون منها المجتمع الإنساني (شهید صدر، فدک فی التاریخ ١٤١٥: ٤). وبالطبع يجب أن يكون هذا الموضوع بعيدًا عن الخلفيات الفكرية والمشاعر والعواطف. وبهذه الطريقة، يحدد الشهيد صدر هدف الدراسات التاريخية والإطار العام الذي يشمل هذه الدراسات، ولا يتجاوز خصائص هذه المدرسة.
شمولية رؤية المؤرخ
هذه خاصية أخرى يضيفها الشهيد صدر، وهي قيد مرتبط ومفترض على المؤرخ. والشرح أن المؤرخ أحيانًا يعتاد على أن يقتصر جهده وعمله على نطاق محدود لا يوجد فيه حركة أو نشاط ولا تأثير على المجتمع الإنساني، لأن التاريخ الجامد والثابت لا يمنح المجتمع الحيوية والديناميكية التي يُنتظرها، ولا يشجع أفراد المجتمع على السير في طريق الوصول إلى الكمال.
يعبّر الشهيد صدر عن هذا الموضوع بالقول: «الأسباب التي تمنع النقاد والمفكرين الأحرار من النقد العملي كثيرة حقًا. لقد اعتاد المؤرخون على التركيز والانتباه إلى جوانب معينة من المرحلة التي يكتبون تاريخها. وعندما يوسع الباحث تصورات ومعتقداته في موضوع ما، يحاول أن يصنع التاريخ بطريقة تظهر فيه الجمال الفني والتقني. هذا التصور، في معظم الأحيان، صورة كاذبة لا تظهر فيها معاني الحياة الدنيوية الحقيقية للناس والجوانب المليئة بالفرح والنشاط والحيوية» (شهید صدر، فدک فی التاریخ ١٤١٥: ٤٧).
التاريخ ليس لمواجهة الآخرين. يحدد السيد صدر قيدًا للطريقة التي رسمها. الباحث بعيد عن المشاعر والعواطف وحسابات الآخرين، لأن الحكم على الخير أو الشر للآخرين، حسب اعتقاد صدر، ليس من أساليب النقاش العلمي في التاريخ: «عندما ندرس التاريخ، ليس لتحديد ما إذا كانت الحقيقة خيرًا أو شرًا، وهذا بسبب تقييد الدراسة في إطار أساليب النقاش الخالص والعلمي فقط.
كما أن الأمر ليس لجمع الفرضيات والاحتمالات التي قد تنطبق على التاريخ ليُحذف منها كل ما لا لزوم له في النقد والنقاش ويبقى ما يستحق الدقة والاهتمام، بل هذا الأمر لكي نستمد من المشاعر والعواطف وما وصلنا من التاريخ إلهامًا، وبذلك نطلب تاريخ أسلافنا» (صدر، فدک فی التاریخ ١٤١٥: ٤٦).
المؤرخ «كاتب التاريخ» والراوي
الخاصية الأخيرة التي يذكرها السيد صدر للمنهج العلمي في التاريخ هي أن الباحث في هذا المجال يجب أن يكون مؤرخًا لا راويًا يستلهم من عالم ذهنه ولا يجد بدًا من تركيزه فقط على الأحداث والوقائع التاريخية. التاريخ في نظر السيد صدر هو نوع من تحمل المسؤولية التي يجب أن تحيط بها الأمانة من كل جانب لكي يكون النقاش والدراسة متوافقين مع الأساس العلمي وبناءً على المناهج العلمية. يعبّر السيد صدر عن هذا الأمر قائلاً:
إذا أردت أن تكون حرًا ومستقلاً في فكرك ومؤرخًا لعالم الناس لا راويًا يستمد مادته من عالم ذهنه، فعليك أن تترك المشاعر والعواطف جانبًا أو تملأ كل جزء من نفسك بها، لأن نفسك ملكك فقط ولا تنتمي لأحد غيرك. لكن فكر في استثناء، لأن بعد أن تحملت مسؤولية التاريخ وتعهدت بأن تكون أمينًا يلتزم في النقاش والدراسة بكل الشروط التي تستند إلى أسس صحيحة، لن يكون التفكير ملكك ومنفردًا (صدر، فدک فی التاریخ ١٤١٥: ٤٦).
البيان التاريخي بحد ذاته لا يحدد عوامل النهضة أو أسباب الضعف والانحطاط، لأن النظرة فيه تقتصر على تاريخ أشخاص مثل الملوك والأبطال والعظماء الذين كانوا معروفين ومشهورين في تلك الحقبة التاريخية. ومن ثم، لا يمكن من خلال سرد تاريخ عدد من الأفراد الذين عاشوا في حضن أمة ما أن نبيّن الخصائص التاريخية لتلك الأمة. بينما إذا اخترنا منهج النظرة الفلسفية إلى التاريخ وجعلناه المصدر الأساسي للنقاش والدراسة، فسنتعرف بلا شك على توجهات هذه الأمة وتاريخها من خلال معرفة الأسباب والعوامل المؤثرة في حركة التاريخ. وهذا يتطلب نظرة شاملة ومنظوراً واسعاً ومتسعاً للتاريخ، بحيث يشمل جميع جوانب الحياة ويربط بينها جميعاً.
التجربة التاريخية وأهميتها
يسعى السيد صدر من خلال النقاش النظري في التفسير الموضوعي إلى بيان أمر لفهم نظر القرآن في هذا الموضوع. يحاول أن يستعين بالقرآن لفهم أسباب وعوامل النهضة وزوالها. يستمد القوانين العامة لفهم فلسفة التاريخ من القرآن. إذن، نقطة انطلاق عمل السيد هي القرآن الذي لا مجال للباطل في أي جزء من نقاشه. يبدأ بالقوانين العامة التي أشار إليها القرآن لنمو التاريخ وهدايته؛ قوانين مثل وعد الله بالنصر للمستضعفين على الظالمين وزوال الباطل وتغير الظروف بتغير المجتمع. كل هذه المبادئ تشكل عوناً ومساعدة للوصول إلى الهدف وتحدد الأطر العامة لفهم فلسفة التاريخ ومسار حركته. إذن، هذا العمل ليس نقاشاً تاريخياً صرفاً وخالصاً، أي ليس شرحاً وتفسيراً للتاريخ ومراحله وتوجهاته ومعناه للوصول إلى نظرية عامة عن التاريخ. من وجهة نظر السيد صدر ونظرته الواسعة وإيمانه بتداخل المبادئ العامة للعلوم، لم يغفل الجانب التاريخي في بحوثه. هنا يكتشف التجربة التاريخية من وجهة النظر النظرية للقرآن في شرح خصائص ونقاط ضعف وقوة تاريخ الأمم، وبذلك يبين المسار الصحيح الذي يعكس تاريخ الأمم.
يناقش الأطر والقوانين التي تحظى بأهمية خاصة في مسار التاريخ للأمم، ولشرح هذه القوانين والأطر يستعين بكم هائل من الآيات القرآنية.
التجربة التاريخية وقيمتها وأهميتها من بين هذه القوانين التي يؤيدها السيد صدر بالاستشهاد بهذه الآية الكريمة: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَ فَلَمْ يَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُون (یوسف: ١٠٩)؛ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا، أفلا تعقلون؟»
كما تؤكد آيات كريمة أخرى هذا الأمر بأن «امتداد التاريخ، مثل امتدادات العالم الكوني الأخرى، له سنن وقوانين خاصة به.» فلا يحدث شيء في العالم صدفة أو بلا تخطيط، ولا يعني الاستسلام والضعف شيئاً، بل كل شيء في العالم الكوني يتحرك ويتفاعل بشكل محدد ومخطط له مسبقاً وفق قوانين العالم، وجميع البشر في هذا المجال متساوون ومتكافئون: «وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَ لَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلينَ (انعام: ٣٤)؛ لقد كذب رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله، ولقد جاءك من نبأ المرسلين.» هذه الآية أيضاً منحت قلب النبي (ص) القوة والقدرة، وأعطته عزيمة، فهي تتحدث إلى النبي (ص) عن تجارب الماضي وتربط عاقبة عمله بهذا القانون وتوضح أن هناك سنة إلهية جرت على النبي (ص) والأنبياء قبله، وهي أن النصر والنجاح سيأتيان في النهاية.
لكن هذا النصر له شروطه المحددة والواضحة، وهي الصبر والثبات وإتمام جميع الشروط. وهذا هو الطريق إلى النجاح، ولهذا قال الله في القرآن: «فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله»(صدر، مقدمات فی التفسیر الموضوعی للقرآن ١٩٧٥: ٣٨). إذن، في طول التاريخ هناك قانون ثابت ودائم من عند الله، وهذا القانون قائم على العلاقة بين النصر والنجاح ومجموعة من الشروط والوقائع والخصائص التي وردت في آيات متفرقة من القرآن وجُمعت هنا إجمالاً.
في هذه الحالة، القوانين الإلهية ثابتة، مستقرة، ولا تتغير أو تتحول، ولا معنى لحدوث أي حادثة أو واقعة مفاجئة وعشوائية في مسار حركة التاريخ. هذا القانون هو قانون إلهي يُطلق عليه «سنة الله»، أي ثبات الإنسان في علاقته بالله، وأن كل ما يحدث في العالم ويقع، يتم فقط بإرادة وتدبير الله عز وجل. حرية الإنسان هي أيضاً محور ودائرة حركة التاريخ. لذا لا يمكن للإنسان أن ينتظر نتيجة أو مكافأة ما دام لم يقم بعمل ولم يهيئ الشروط اللازمة للوصول إلى الهدف.
التاريخ والأمم لا الشخصية الفردية
يرى السيد صدر أن الإسلام نموذج وقدوة في بناء تاريخ الأمة الإسلامية، ولكن هذا الأمر لم يكن فقط بسبب وجود أمر خاص في أمة صدر الإسلام، بل بسبب وحدة الأمة والقائد وذوبان القائد في الأمة والأمة في القائد: «لقد نفخ رسول الله (ص) روحه في ذلك العصر، وتأثرت الأمة الإسلامية بذلك، وأصبحت متجانسة ومتوافقة مع الروح الإلهية العظيمة، حتى أن مجموعة من الأفراد الطاهرين والمخلصين والمختارين من النبي (ص) اندمجوا في هذه الروح الإسلامية، ولهذا السبب لم يكن لديهم أي توجه أو ميل سوى نحو الخالق الفريد الذي تنبعث منه أنوار الوجود وتعود إليه». مثل هذا المجتمع الذي يسعى إلى القضاء على المصالح الفردية والعمل لصالح الأمة والإنسانية جمعاء، هو مجتمع يستحق التقدير والدهشة. يستشهد السيد بمجتمع دائم السعي والنشاط «وفي هذا المجال هدفه الجهاد لصالح مصالح نوع البشرية، ومعنى هذا الأمر هو تجاهل وإنكار مذهب الفردية والمصالح الشخصية في الدنيا وإخراجها من حساب أعمال الإنسان؛ (نقول) إن فترة تجمع فيها كل هذه الفضائل معاً تستحق التقدير والتقديس والدهشة والتكريم» (صدر، فدک فی التاریخ ١٤١٥: ٤٨).
لهذا السبب نرى السيد يتناول موضوعاً بقوة وصلابة لا يقدر كثير منا على معالجته؛ حيث يطرح السيد أولاً السؤال: «صحيح أن الإسلام في زمن الخليفتين الأول والثاني كان مسيطراً على كل مكان واستمرت الفتوحات المتتالية، وكانت الحياة تسير بنظرة إيجابية وخير، وكانت كل بقعة مزدهرة بروح معنوية شاملة ولون قرآني مشرق، لكن هل من المنطقي والممكن أن نقبل أن السبب الوحيد وتفسير هذا الأمر هو وجود أبو بكر (الصديق) وعمر (الفاروق) على عرش الخلافة؟» (صدر، فدک فی التاریخ ١٤١٥: ٥٠).
هنا يريد السيد صدر إنكار الشخصيات الفردية، فيجيب قائلاً: «لن يُسجل في التاريخ أي مجد أو تفوق أو سيادة لحكومة قامت في عهد هذين الخليفتين، مادام أن كل الأعمال والحركات الحربية والاحتياجات والتجهيزات والوسائل تمت بشكل اجتماعي بواسطة أمة جعلت شخصيتها باقية وخالدة وفعالة بأعمالها العملية، وعبّرت عنها وأظهرتها.
لكن هذه الأمة لم تشير إلى شخصية حاكم لم تصل إليه حتى شعلة من نار الحرب، ولم يقدم اقتراحاً مستقلاً. فقد تمت الفتوحات دون أن ينال هو أدنى نصيب أو منفعة» (صدر، فدک فی التاریخ ١٤١٥: ٥٠).
لهذا السبب، يرى السيد صدر أن الفتوحات واتساعها تحققت بسبب عاملين: العامل الأول: وعد الله ورسوله المؤكد بفتح إمبراطوريات كسري وقيصر، الذي هز قلوب المسلمين بهذا الخبر وملأها إيماناً ويقيناً.
العامل الثاني: عامل آخر وفر وسائل النصر للمسلمين وأوصلهم إلى الانتصار في ساحات القتال، ولا يتعلق بأي شكل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بالخلافة أو حكم الشورى. هذا العامل هو السمعة الطيبة التي نشرها النبي في أنحاء العالم وفي البلدان المتحضرة آنذاك. لذلك، لم يتجه المسلمون نحو فتح أي بلد إلا وكان أمامهم جيش آخر من الدعايات والترويج لدعوتهم وأصول دينهم (ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغه ١٩٦٢: ٢١٠/١٦).
ومع ذلك، لا يتوقف السيد صدر عن مدح وتقدير أمر خاص بالفتوحات يخص الحكام وليس بقية المسلمين الذين يقومون بأعمال أخرى في هذا المجال، وهو نشر وتوسيع الروح الإسلامية بعد الفتوحات وترسيخ القيم القرآنية في الأراضي المفتوحة، وتثبيت الفهم الداخلي والديني في الناس، وهذا الأمر يتجاوز معنى الشهادتين. ولا نعلم هل يمكن أن نعزو مهارة في هذا المجال للخليفتين الأولين أم لا.
العلاقة بين الإسلام والتاريخ
هكذا يوضح السيد صدر العلاقة بين الإسلام والتاريخ. وبما أن الإسلام هو الدين الأخير والمكمل لكل الأديان والرسالات التي سبقت، فإنه يطرح رؤية التطور الدائم والمستمر لحركة التاريخ. إن تتابع الأديان والرسالات في نظر صدر يدل على أن التاريخ في حركة دائمة ومستقرة وله معنى ومغزى، وليس حركة عشوائية ومضطربة. «للتاريخ عشرة أعمدة: أحدها الإنسان، والآخر القوى المادية التي تحيط بالتاريخ. كما تؤثر القوى المادية والظروف البيئية في الإنسان، يؤثر الإنسان أيضاً في القوى والظروف المحيطة به.
لا يوجد أي مبرر لاعتبار أن هذه الحركة والديناميكية تبدأ من المادة والبيئة وتنتهي بالإنسان، إلا إذا وُجد مبرر مماثل لعكس هذا المسار. لذلك، كان الإنسان والمادة عبر التاريخ يتفاعلان مع بعضهما البعض عبر الزمن. في هذا الإطار، يستطيع الإنسان أن يكون له دور أكبر في مسار التاريخ، خصوصًا عندما نبحث في عامل الاتصال بين هذا الفرد والسماء. في هذه الحالة، يدخل هذا الاتصال كقوة موجهة لحركة التاريخ. وهذا هو الأمر الذي تحقق في تاريخ الأنبياء وخاصة في تاريخ النبي الخاتم؛ إذ إن محمدًا (ص) بحكم ارتباطه الديني ورساليته مع السماء، استولى على زمام حركة التاريخ وأوجد نطاقًا ثقافيًا عظيمًا لم تكن الظروف البيئية في تلك الحقبة قادرة على تحقيقه أو إحداثه بأي حال من الأحوال (صدر، البحث حول المهدي (عج) ١٤١٧: ١٢٣).
العلاقة بين الدولة والتاريخ
نظرًا لأن الدولة في فلسفة ورؤية سيد صدر وسيلة شرعية وضرورية للتغيير، فهي ترتبط مباشرة بالخلافة الإلهية للإنسان وكذلك بالتاريخ. فالدولة ليست فقط عاملًا أساسيًا في مشروع الثقافة الإسلامية، بل هي عامل جوهري في الإسلام ذاته.
لم يقتصر سيد صدر في مجال العلاقة بين الدولة وحركة التاريخ على الأفكار المجردة والنقية، بل ربط نظريته حول الدولة والتاريخ بالواقع الذي كانت الأمة تعيشه. كان يعتقد أن الدولة الإسلامية قوة قوية للتحرر من التخلف. إن مكافحة التخلف في رؤية صدر لها معنى خاص، إذ لا تعني فقط التحولات الاقتصادية والاجتماعية، بل هي صراع ثقافي شامل هدفه وضع الأمة على مسار يمكنها من قيادة العالم. وبهذه الطريقة، ربط سيد صدر نظريته حول الدولة والتاريخ بظاهرة كان شاهدًا على ظهورها وتقدمها؛ أي الثورة الإسلامية ودولتها في إيران. بدأ من مشروع الدستور للجمهورية الإسلامية. هذا البناء يكتمل ضمن الخلفية الفكرية التي تربط طلبات واحتياجات هذه المرحلة بالمبادئ العامة للشريعة بهدف حركة البشرية عبر التاريخ “النموذج الأعلى”(صدر، اهل البیت تنوع ادوار ووحدة هدف ١٩٧٩: ١٧٥).
التقاليد التاريخية في القرآن
دخل الشهيد صدر هذا الموضوع بطرح عدة أسئلة: هل للتاريخ البشري في مفهوم القرآن الكريم تقاليد؟ هل له قوانين تراقب وتحكم مساره وحركته وتغيره وتطوره؟ ما هي القوانين والتقاليد التي تحكم التاريخ البشري؟ كيف بدأ تاريخ البشرية، وكيف نما وتطور وتغير؟ ما هي العوامل الأساسية في نظرية التاريخ؟ ما هو دور الإنسان في فعل التاريخ؟
البيئة التاريخية، مثل البيئات الفلكية والنباتية، تحتوي على العديد من الخصائص، وهذه الخصائص لها تقاليد وقوانين خاصة بها.
“النقاش والبحث في التقاليد التاريخية مرتبط ارتباطًا وثيقًا وصلبًا بكتاب الله تعالى ككتاب هداية ومخرج للناس من الظلمة إلى النور، لأن الجانب العملي لهذه العملية، أي الجانب البشري، تابع ويتبع التقاليد والقوانين التاريخية. لذلك، لا بد من الاستلهام من القرآن في هذا المجال، والقرآن الكريم بطبيعة الحال يجب أن يحتوي على تصورات وإمكانيات وكنوز لتشكيل الإطار العام للرؤية القرآنية والإسلامية حول التقاليد التاريخية (صدر، مقدمات فی التفسیر الموضوعی للقرآن ١٩٧٥: ٣٠).
ومن بين الآيات الكريمة التي تلهم هذا الفكر العام، أي وجود تقاليد وقوانين خاصة للتاريخ، هذه الآيات: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (اعراف: ٣٤)؛ لكل أمة أجل محدد، وعندما يأتي أجلهم لا يتأخرون ساعة ولا يتقدمون». «قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (یونس: ٤٩)؛ قل: “لا أملك لنفسي ضررًا ولا نفعًا إلا ما شاء الله. لكل أمة أجل، وإذا جاء أجلهم فلا يتأخرون ساعة ولا يتقدمون”. في هاتين الآيتين الكريمتين نرى أن أجل الأمم، من هذه الزاوية التي تشمل مجموعة من الناس، محدد لهم وليس للأفراد بمفردهم.
لذلك، هنا بالإضافة إلى الأجل المحدد والقطعي لكل إنسان بمفرده، هناك أجل وموعد آخر للمجتمع الإنساني لهؤلاء الأفراد وللأمة؛ الأمة بمعنى التجمع الذي تشكل على أساس مجموعة من القوى والقدرات. هذا المجتمع الإنساني الذي يطلق عليه القرآن الكريم اسم الأمة، له أجل وموت وحياة وحركة. كما أن الفرد في حركة ونشاط وينتقل من الحياة إلى الموت، فإن الأمة أيضًا حية وتغمرها الحياة والموت. كما أن موت الأفراد تابع لزمان وقانون وأصول خاصة، فإن للأمم أيضًا آجال محددة ومنظمة. للتاريخ تقاليد وقوانين تتجاوز القوانين الفردية والشخصية التي تسود في الأفراد وهويتهم الفردية. هذه القوانين عامة، حاكمة ومسيطرة على التاريخ. ثم شرع سيد صدر في بيان العديد من هذه الآيات التي جعلها محور نقاشه وبحثه.
يؤكد القرآن الكريم بشدة على أن البيئة والميدان التاريخي لهما تقاليد وقوانين خاصة بهما، كما أن بقية ميادين الوجود في العالم لها قوانين وتقاليد مميزة خاصة بها. في هذا السياق، يقاوم القرآن بكل الوسائل المتاحة لديه لفهم وإقناع، بشدة وجهتي النظر القائلتين بعشوائية التاريخ أو بالغيبيّة في الأحداث والاستسلام لها، في تفسير وشرح الوقائع. الإنسان العادي يفسر الأحداث التاريخية على شكل كومة متراكمة من الوقائع والأحداث، أحياناً بناءً على الصدفة والظرف، وأحياناً بناءً على القضاء والقدر والاستسلام لتقدير الله. يقف القرآن الكريم في وجه هذا الرأي القائل بعشوائية الأحداث أو وجهة النظر التي تدعو للاستسلام للقضاء والقدر، ويوجه العقل البشري نحو هذه الحقيقة بأن ميدان التاريخ له تقاليد وقوانين خاصة به. لكي تكون إنساناً فاعلاً ومؤثراً، لا بد لك من اكتشاف هذه التقاليد والقوانين والتعرف عليها لتتمكن من السيطرة عليها، وإلا فإنها ستسيطر عليك وأنت مغلق العينين (صدر، مقدمات فی التفسیر الموضوعی للقرآن ١٩٧٥: ٤٣).
يرى السيد صدر أن التقاليد التاريخية في القرآن لها خصائص خاصة:
أولاً: هذه التقاليد والقوانين لها إطار علمي ومنهجي. ثانياً: لها جانب إلهي. ثالثاً: لها جانب إنساني.
التقاليد التاريخية منظمة بقوانين، أي أنها ليست ارتباطاً أعمى أو ذات جانب موضوعي وغير علمي تبقى ثابتة راكدة غير متغيرة أمام الحالات العادية والطبيعية التي تجري فيها الطبيعة والوجود وتخضع للقوانين العامة.
يبدو أن التأكيد على الجانب العلمي والمنهجي في هذه التقاليد هو تأكيد على الجانب العلمي للقوانين التاريخية، لأن أهم خاصية تميز التنظيم العلمي عن الفرضيات هي الالتزام بالقانون، والاستمرارية، وعدم الجمود والركود.
كما أن لهذه التقاليد جانباً ربانياً وإلهياً، لأنها تعكس حكمة الله وتدبيره الحسن على البيئة التاريخية وترتبط بالله. عندما يرغب الإنسان في الاستفادة من القوانين الوضعية لوجود العالم، فإن هذا الجانب الرباني يسعى لربط الإنسان بالله وإفهامه أن الاستعانة بالنظام الكامل في البيئات المتنوعة والمختلفة لوجود العالم، واستخدام القوانين والتقاليد المختلفة التي تحكم هذه الميادين، لا يعني الانفصال والعزلة عن الله.
وأيضاً لهذه التقاليد جانب إنساني، لأنها لا تفصل الإنسان عن دوره الإيجابي، ولا تبطل إرادة الإنسان واختياره في هذا المجال، بل تؤكد أكثر على مسؤولية الإنسان في ميدان التاريخ. لذلك، فإن الداخل الإنساني هو الذي يشكل البيئة الخارجية له من خلال علاقته بداخل نفسه، وعندما يتغير ما يتعلق بالنفس والعالم الداخلي للإنسان، تتغير أوضاعهم وظروفهم والعلاقات التي تربطهم ببعضهم البعض.
أنواع التقاليد التاريخية
النوع الأول: يتمثل في قضايَا شرطية. في هذا النوع، تظهر التقاليد التاريخية على شكل مسألة شرطية تقيم علاقة في الميدان التاريخي بين حدثين أو أكثر، وتتناول العلاقة الموضوعية بين الشرط و«جواب الشرط»، وتؤكد على أن جواب الشرط يحدث عند تحقق الشرط. نجد هذا الأسلوب في كثير من القوانين والتقاليد الطبيعية والعالمية في ميادين أخرى كثيرة. من بين ذلك هذه الآية الكريمة التي مضمونها التقاليد التاريخية بلغة القضايا الشرطية: «لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (رعد: ١١)؛ للإنسان ملائكة موكلون به يتعاقبون من أمامه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [أي من الحوادث غير الحتمية]، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له، وليس لهم من دونه من ولي.»
النوع الثاني: هو أن تأخذ السنن التاريخية شكل حدث فعلي، حاضر ومتحقق الوجود. لهذا النوع نجد أمثلة ودلائل على قوانين الطبيعة والكون. على سبيل المثال، عندما يصدر الفلكي حكماً بموجب قوانين دوران الأفلاك بأن الشمس ستدخل في كسوف في يوم معين، لا يكون للإنسان أي دور في وقوع ذلك أو عدمه.
السنن التاريخية وحرية الإنسان
هنا يُطرح سؤال على النحو التالي: هل الإيمان بوجود السنن الإلهية في حركة التاريخ يقيد حرية الإنسان ويضعف إرادته ويجعلها عاجزة؟ لا يبحث السيد صدر مسألة حرية الإنسان بشكل منفصل، بل يربطها بالتاريخ والواقع، أي بالقضاء والقدر الإلهي وبخلافة الإنسان الإلهية في الأرض. إن تجلّي خلافة الإنسان الإلهية عبر التاريخ يستند بالتأكيد إلى أن الإنسان مسؤول في هذا المجال، وهو الذي يجعل للتاريخ طبيعة تشمل كل البنى التحتية للتغيير. إذن، حقيقة هذه الحرية التي تعطي معنى للوجود الإنساني تأتي من عالم الغيب، أي من خلافة الإنسان الإلهية في الأرض. معنى خلافة الإنسان الإلهية هو أن الإنسان ليس مجرد جسد ومادة، بل له من جهة جانب روحي ومعنوي يربطه بعالم الغيب. ومن جهة أخرى، لا يطرح السيد صدر مسألة حرية الإنسان بشكل مصطنع أو شكلي كما تفعل مذاهب كثيرة أخرى التي تحتار بين تأييد أو رفض حرية الإنسان، بل يعرض مسألة الحرية في أفق إظهار خلافة الإنسان على الإنسان. إذن، الحرية في نظر السيد صدر ليست مصطنعة أو ثابتة، بل هي حرية مستمرة في تغيير الطبيعة لصالح الإنسان وفي تحول وتغيير المجتمع وعلاقته بالقيم الإلهية. وبهذا الشكل، يربط السيد صدر معنى التاريخ بخلافة الإنسان وبالحرية. فلا معنى للإنسان ولا للتاريخ إلا بارتباطهما بالله. لذلك، الإيمان بالله هو الذي يمنح الإنسان الحرية ويعطي الوجود والتاريخ معنى.
وبهذا الشكل، لا يكون التاريخ من وجهة نظر السيد صدر عرضة للصدفة أو الحدوث العشوائي أو الخضوع لأسباب خارجة عن الإرادة الإنسانية. التاريخ تابع لنظام وموجه لهدف معين، لكن عقلانية التاريخ التي تستمد معناها منه ليست مكتفية بذاتها أو معتمدة على نفسها، بل تستمد حقيقتها من الله.
يشرح السيد صدر ميولاً في الإجابة على هذا السؤال ويصل إلى مصدر هذا الوهم ويقول: «هذا التصور نابع من حصر نظرتنا على النوع الثاني من أنواع السنن التاريخية، أي حصر نظرتنا على السنة التاريخية التي تُطرح على أنها نظرية الفعلية، الحضور، والتحقق الوجودي لهذه السنن. إذا حصرنا نظرتنا على هذا الشكل من السنن التاريخية وإذا اعتقدنا أن هذه النظرية تشمل كل الميادين التاريخية ولا نقر مكاناً لنظريات أخرى؛ ففي هذه الحالة يدخل هذا الوهم. لكن بالنظر إلى النوع الأول من أنواع السنة التاريخية التي تُطرح فيها السنن التاريخية كقضية شرطية، يمكننا إبطال هذا الوهم وفي كثير من الأحيان تكون شروط هذه القضايا الشرطية معبرة عن إرادة الإنسان واختياره» (صدر، مقدمات فی التفسیر الموضوعی للقرآن ١٩٧٥: ٧١).
يعتقد السيد صدر أن القرآن يزيل هذا الوهم. يفحص السيد هذا الموضوع من خلال تأكيد القرآن على أن المحور والأساس في تسلسل الأعداد والقضايا هو إرادة الإنسان نفسها، فالسنن التاريخية ليست فوق الإرادة البشرية، بل تحت إرادتها واختيارها، لأن الله لا يغير أحوال أمة حتى يغيروا ما بأنفسهم: «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا» (جن: ١٦). إذن، هناك توجهات إيجابية للإنسان تعبر عن حريته واختياره وقوة إرادته، وهذه التوجهات تُتابع ضمن ارتباط السنن التاريخية بالعقوبات «جواب شرط الجملة الشرطية» المناسبة لها والمسببات «جواب نفي الشرطية» المناسبة لها. لذلك، للإرادة والاختيار الإنساني مكانة أساسية ورئيسية في تصور القرآن للسنن التاريخية.
تفسير فلسفي حول الانحطاط والتخلف لدى المسلمين
طالما ابتعد المسلمون في حياتهم السياسية والاقتصادية وقيمهم «القيمية» عن الأمة وغيروا اتجاه حركة التاريخ ومعناها وعكسوه، فإنهم يخطون نحو الضعف والانحطاط. ظهرت مسألة الانحطاط «لأول مرة في ظهورها الأول قبل النهضة الثقافية الإسلامية، عندما تحولت الخلافة إلى ملكية. هنا طُرحت مسألة الانحطاط التي كان محورها الصراعات القبلية «العنصرية». وكان هذا في تناقض تام مع شمولية الأمة وانفتاحها على جميع الأمم والثقافات. فالأمة من وجهة النظر الإسلامية لا تنهي فقط هويات القوميات والأمم، بل تربط هذه الهويات والأصالة بالأهداف النهائية التي يتجه التاريخ نحوها، ولهذا تختلف الأمة عن التوسع الإسلامي أو الفتوحات أو الاستعمار الذي يتميز باستغلال الأمم وتدمير ثقافاتهم؛ لأن الأمة الإسلامية قائمة على «المعرفة» وهذا يعني قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (حجرات: ١٣)؛ أيها الناس! لقد خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتتعارفوا (وهذه ليست مقياساً للتفاضل). إن أكرمكم عند الله أتقاكم.»
فإن معرفة الأمة قيمة روحية وأخلاقية وسياسية وثقافية تمنح الأمة صفة عالمية وشاملة، حيث تؤثر عليها العوامل التاريخية من جهة، وتتأثر بها من جهة أخرى. لذلك، الأمة والإسلام مرتبطان ومترابطان، وهذا هو الإطار الشرعي والسياسي والثقافي لحركة الأمم الإسلامية عبر التاريخ. ولهذا السبب، يرى السيد صدر أن العنصرية وتبعاتها ناتجة عن فصل الدين عن السياسة وتدمير وحدة العالم الإسلامي، وهي ليست فقط خطراً على وحدة العالم الإسلامي، بل تشكل خطراً عظيماً على الإسلام ذاته. ومن هنا، يؤمن السيد صدر بأنه رغم أن الأمة في هذا الزمان واجب شرعي ومسألة عامة وشاملة وتاريخية، فإن إعادة بنائها، مع الأخذ في الاعتبار العقبات الخارجية التي أدركت أن وحدة العالم الإسلامي تعني طرح النموذج الثقافي الإسلامي في مواجهة النماذج الغربية، تتطلب جهادًا شاملاً ودائمًا.
فإن الجهاد وحده هو القادر على إعادة الأمة الإسلامية إلى ساحة التاريخ، لأن الجهاد، بالنظر إلى القوة الواسعة والكبيرة التي يمتلكها، يعزز حركة التاريخ نحو النماذج العليا والأفضل، وهذه قوة تمنح المسلمين القدرة على تجاوز المخاطر والتهديدات القائمة. لذلك، وجود الأمة والوعي بالنماذج العليا والأفضل مرتبطان معًا ومتصلان. وعلى هذا الأساس، يؤمن السيد صدر بالصلة بين وحدة الأمة، شهادة الأمة، سيادة الأمة، ووحدة البشرية. فاختفاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة يعني زوال السيادة والرسالة وانقراض النموذج الثقافي الإسلامي.
لذلك، الأمة هي الجزء الأساسي والجوهر من العقيدة الإسلامية، وهي أيضًا مشروع ثقافي يسير في مسار معنى التاريخ، وبما أن الأمة تسير في مسار معنى التاريخ، فهي الإطار السياسي والثقافي الذي تتحقق فيه وحدة البشرية وتوجد. لقد كتب العديد من المفكرين المسلمين عن الأمة، لكن معظم هذه الكتابات ذات طابع دفاعي ومدح، بينما طرح الشهيد صدر نظرية حول الأمة وبيّنها من جوانب عقائدية وسياسية واقتصادية وثقافية متعددة.
قائمة المراجع
١. القرآن الكريم.
٢. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد ابوالفضل إبراهیم، دار إحیاء الکتب العربیة، ١٩٦٢.
٣. صدر، محمدباقر، أهل البیت تنوع أدوار ووحدة هدف، بیروت، دار التعارف ١٩٧٩.
٤. صدر، محمدباقر، البحث حول المهدی (عج)، تحقيق: عبدالجبار شرارة، مرکز الغدیر للدراسات الإسلامیة، ١٤١٧ق.
٥. صدر، محمدباقر، فدک فی التاریخ، تحقيق: عبدالجبار شرارة، مرکز الغدیر للدراسات الإسلامیة، اول، ١٤١٥,
٦. صدر، محمدباقر، مقدمات فی التفسیر الموضوعی للقرآن، بیروت، دارالتوجیه الإسلامی، ١٩٧٥.
٧. صدر، محمدباقر، لمحة تمهیدیة عن دستور الجمهوریة الاسلامیة، بیروت، دارالتعارف، ١٩٧٩.
٨. مفید، أبی عبدالله محمد بن محمد بن النعمان عکبری بغدادی، الإرشاد، تحقيق: مؤسسة آل البیت(ع) لتحقیق التراث، بیروت، دار المفید للطباعة والنشر، دوم، ١٤١٤ق.
٩. نخبة من الباحثین، دراسات فی حیاته وفکره، دار الاسلام، لندن، ١٤١٦ق.

