التاريخ في نظر الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تاریخ در نگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

تاريخ في نظر الشهيد الصدر من تأليف السيد عباس رضوي، وقد نُشر في مجلة الحوزة / العدد 79 ـ 80.

إن معرفة العديد من العلوم الإنسانية تعتمد على معرفة أبعادها التاريخية، ولا يستطيع الباحثون دون التعرف على الخلفية والبنية الماضية لتلك العلوم أن يحكموا عليها.

وكما أن معرفة أداء المجتمعات البشرية تحتاج إلى البحث في الماضي، فإن الاطلاع على مسار تحولات الأفكار يحتاج أيضاً إلى التعرف على تاريخها.

في مجال العلوم الإسلامية، مثل الكلام والتفسير والفقه، لا يمكن الوصول إلى عمقها وإبداء الرأي فيها دون وعي شامل ببداياتها وظروف نشأتها وتحول مسائلها. ومن هنا، يجب على الحوزويين، بصفتهم منارات الفكر، أن يكونوا على دراية بتاريخ العالم والإنسان والإسلام والعلوم الإسلامية، وأن ينقبوا فيها بنظرة ثاقبة شاملة.

علاوة على أن حماية الحدود العقائدية والجغرافية للإسلام من هجمات الآخرين تتطلب معرفة واسعة بأداء وتجارب الآخرين، وهذا لا يتحقق إلا من خلال دراسة الأحداث الاجتماعية والسياسية والتحولات في المجتمعات البشرية. إن نجاح كبار العلماء مثل الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والعلامة الحلي، والعلامة المجلسي، وغيرهم في مجال التنوير والدعوة يعود إلى تقديرهم للمباحث التاريخية في الحوزات القديمة ومعرفتهم الواسعة بتاريخ العالم والإنسان.

للأسف، فقد فقد التاريخ مكانته في الحوزات منذ زمن بعيد، وأصبح نظر الحوزويين والعلماء الحوزويين إلى التاريخ نظرة ترفيهية أو تنافسية أو لطلب الفضيلة، لا نظرة جدية وهادفة، ومن هذه الزاوية التي يرى فيها التاريخ بوابة الدخول إلى عالم العلوم والمعارف الإسلامية والإنسانية.

على عكس المسار الحالي للحوزات والحوزويين، كان الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الذي يُكرم هذا الكتاب باسمه وذكراه، ينظر إلى التاريخ بنظرة ذات معنى وجدية وتأمل.

كان الشهيد الصدر، بوصفه حارساً للفكر الإسلامي، على علم بقيمة التاريخ ويشعر بضرورته، وباتباعه نهج كبار العلماء مثل: محمد جواد مغنية، وسيد محسن أمين، وكاشف الغطاء، والعلامة الأميني، وغيرهم، سعى لإحياء التاريخ في الحوزات.

كان ذلك الفقيه الرفيع ينظر إلى التاريخ كركن أساسي في دائرة العلوم الحوزوية، وكرّس جزءاً من عمره المبارك لدراسة المسائل التاريخية.

كان الشهيد يرى التاريخ من العلوم التي تحتاج، مثل الفقه والأصول، إلى التدريس والمناقشة، ويجب على الباحث فيها أن يختار المنهج العلمي لفهم أسرار التاريخ، وأن يبتعد عن التعصب الأعمى والأدلة الضعيفة.

كان اهتمام الشهيد الصدر بالمباحث التاريخية كبيراً إلى حد أنه شارك في مسابقة كتابة أفضل عمل تاريخي عن أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء(ع)[1].

كان الشهيد الصدر يساعد الباحثين في الوصول إلى المصادر الإسلامية والشيعية، ويسعى من خلال تقديم الأدلة التاريخية إلى إثراء أعمالهم. ومن ذلك أنه تعهد بمساعدة الباحث المصري عبد الفتاح عبد المقصود في تأليف كتاب عن فاطمة الزهراء(ع) وجمع مصادره ونشره.[1]

كان الشهيد الصدر، رغم كثرة أعماله العلمية والاجتماعية، يروي للناس تاريخ الإمامة في أيام وفاة المعصومين(ع)[2]. وكان يعطي دروساً خاصة في التاريخ للطلاب الموهوبين المهتمين بالقضايا التاريخية، يشرح لهم التاريخ التحليلي للإسلام المبكر.[3]

كان يشجع الطلاب على البحث أكثر في المباحث التاريخية وتعريف الناس بالإرث الإسلامي:

(كان [طلاب الشهيد الصدر] يدرسون أيضاً تاريخ الفكر الإسلامي والدعوة إلى الإسلام، وكان لذلك نتائج جيدة جداً، والطلاب الذين تربوا في تلك الصفوف أصبحوا الآن أكثر فائدة للمجتمع وفي قلب الأعمال الثورية في العراق.)[4]

وقد قدم طلاب الشهيد في مجال التاريخ أعمالاً قيمة للمجتمع.

كما أن أخته الكريمة، الشهيدة بنت الهدى، قد قامت بأعمال في المجالات التاريخية والاجتماعية بتشجيع من أخيها.[5]

بحوث الشهيد في الموضوعات التاريخية

يشمل مجال التاريخ في نظر الشهيد جميع مسائل العلوم الإسلامية: العقائد، والأخلاق، والفقه، ولا يمكن قبول البحث في أي منها دون دراسة جوانبها التاريخية. فإذا كان التاريخ في العقائد مصدر معرفة، فهو في الفقه موضوع البحث.

في هذا القسم، نستعرض وجهات نظر الشهيد في بعض أقسام العلوم الإسلامية.

التاريخ في مجال العقائد:

للتاريخ قسمان: قسم نظري وقسم تاريخي. في القسم الأول تُناقش مسائل فلسفة التاريخ ونقد التاريخ والمدارس التاريخية، أما القسم الثاني فيختص بالظواهر والأحداث الجزئية.

التاريخ النظري، الذي يُسمى فلسفة التاريخ، هو فهم كل مدرسة لتاريخ التحولات الاجتماعية، ويجيب على سؤال إلى أين يتجه التاريخ وما هو دور الإنسان في مواجهة تلك التحولات. ومن هذه الزاوية يرتبط النقاش حول التاريخ ارتباطاً عميقاً بالعقائد والقضايا الاعتقادية.

في الماضي، لم يكن التاريخ من هذا المنظور مطروحاً كثيراً بين الفلاسفة والمتكلمين، لكن منذ بداية القرن الماضي أصبح موضوع التاريخ مسألة يومية بين المثقفين في الغرب، وقد شغل تحليل فلسفة التاريخ في إطار تفكير فلسفي الكثير من العقول، وكانت من أكثر هذه الرؤى شعبية آراء هيغل وماركس. وهي أفكار أعطت التاريخ في النهاية هوية مستقلة واعتبرت الإنسان مجبراً ومقهوراً بجبر التاريخ.[6]

هذه النظريات، التي كان لها ردود فعل متنوعة في موطنها الأصلي، لم تكن بلا تأثير في العالم الإسلامي، حيث حاول عشاق الماركسية تبريرها بين الجيل الجديد، ولم يدخروا جهداً في تقديمها كحركة علمية وحيوية.

في إيران، كان حزب توده، وفي العراق كان الحزب الشيوعي ذلك البلد، من دعاة الفكر الجدلي. وقد حاول بعض الإسلاميين، بوعي أو بدون وعي، مواجهة هذه الموجة العظيمة بتحريف بعض النصوص الدينية لإظهار التوافق بين الفكر الإسلامي والماركسية، وربما يمكن اعتبار الدكتور علي الوردي، من المفكرين الشيعة في العراق، أول من روّج للأفكار المزيجة في العراق.[7]

الشهيد صدر كان من أوائل العلماء الذين واجهوا هذا الانحراف الجذري. فهو الذي كان يعرف اللغة المشتركة بين الفلسفة الغربية والإسلام، وكان على اطلاع كامل بتاريخ العلم وعلاقات المعارف[8]، فكتب رسائل علمية دقيقة لتوضيح وجهة نظر الإسلام بشأن تاريخ الإنسان وتاريخ الرسائل العلمية.

ولهذا السبب كان آية الله محسن الحكيم يولي أهمية كبيرة لمواجهة الماركسية، وكان يعتبر الشهيد السيد محمد باقر صدر هو المفكر والرجل المناسب لهذا الميدان العاصف: (أرى كثيرين يميلون إلى الأفكار الإلحادية للماركسية ويضللون الناس، وحجتهم أن الإسلام يدعو الناس إلى مساواة الفقراء والأغنياء، والمذهب الاشتراكي يدعو الناس إلى نفس الشيء، وهذا الأمر أوقع كثيراً من الناس، خاصة الشيعة، في الخطأ، وكذلك القول بأن الإمام علي(ع) كان مؤيداً للمحرومين والماركسية تدعو إلى نفس الشيء. نحن بحاجة إلى كتاب يطرح أفكار الإسلام والماركسية ويقارن بين وجهات نظرهما. إذا أمكن، أخبر السيد محمد باقر أن يكتب كتاباً في هذا الشأن.)[9]

كان هذا الشعور بالفراغ هو الذي دفع ذلك العالم الجليل إلى إيلاء توضيح المسائل العقائدية أولوية في أعماله، وكرّس أول دروس التفسير لديه لتوضيح وجهة النظر التاريخية للإسلام ومكانة التاريخ في مجال الفكر الديني. فقد قيّم في هذه المناقشات وجهة نظر الإسلام بشأن هوية التاريخ ودور الإنسان في مواجهة التحولات التاريخية[10]، وذكر في مقالته مزايا النظرة الإسلامية إلى التاريخ مقارنةً بالتفكير المسيحي والماركسي[11].

ويجب اعتبار عمل المرحوم صدر في مجال التاريخ نقطة انطلاق لأعمال واسعة قام بها بعده تلاميذه ومفكرون إسلاميون آخرون حول فلسفة التاريخ.

تاريخ أئمة الشيعة

من أعمال الشهيد الأخرى في التاريخ دراسة حياة أئمة الشيعة. كان ذلك الرجل العظيم يتألم من غربة الحوزة عن التراثات الماضية وتاريخ الإسلام والأئمة، وكان يرى ضرورة إحياء سير السابقين الصالحين في تقدير تاريخ الإسلام وحياة الأئمة(ع)، وتنشئة الحوزويين إلى جانب تعليم الكلام والفقه على حب تاريخ الأئمة(ع)، ومن خلال ذلك تدريجياً، وبالتحليل الصحيح لحياة الأئمة، تعريفهم للمجتمعات البشرية، والاستفادة من سيرتهم السياسية والاجتماعية في حركتهم الدعوية والسياسية. ولهذا كان يخصص وقتاً لتعليم التاريخ:

(وأما التاريخ فتشهد محاضرات الشهيد التي ألقاها على ثلاثة من طلابه بالعمق والدقة التي كان عليها في دراسة سيرة الأئمة وأدوارهم الرسالية التي اضطلعوا بها وكذلك بحثه حول الولاية.)[12]

دليل على اهتمامه بالتاريخ هو النقاشات العميقة والدقيقة التي قدمها حول تحليل سيرة الأئمة وأدوار الإمامة، وكذلك مناقشات الولاية لثلاثة من تلاميذه.

وقد طُبعت عن الشهيد صدر في هذا المجال كتب مثل: حول حياة الأئمة، حياة الإمام علي، حياة الإمام الحسين، الإمام المهدي وفدك.

منهج الشهيد صدر في دراسة حياة الأئمة

أشار الشهيد صدر في بحثه عن سيرة الأئمة إلى طرق السيرة السابقة في حياة الأئمة. في نظره، يمكن تناول حياة الأئمة بطريقتين: الأولى تحليلية، حيث نبحث بشكل فردي وجزئي في حياة كل إمام على حدة، والثانية بشكل كلي، حيث ندرس حياة الأئمة كمجموعة واحدة كوحدة متكاملة.

وقد نقد الشهيد صدر الطريقة الأولى التي كانت منهج معظم السيرة السابقين، فقال: (في هذا الأسلوب نرى في الحالات والصفات الظاهرة للأئمة سلوكاً متناقضاً، حيث لكل واحد منهم برنامج مضاد للآخر. الإمام الحسن(ع) يصالح عدوه، والإمام الحسين(ع) يحارب عدوه ويُقتل.

الإمام السجاد(ع) يقضي حياته في الدعاء والعبادة، وحياة الإمام الباقر(ع) هي بكل معنى الكلمة حياة نشر للعلم والحديث والفقه، ولا يُرى أي رابط بينهما.

علاوة على ذلك، من نتائج دراسة حياة الأئمة بشكل منفصل هو الاعتقاد السائد بين الشيعة أن الأئمة طوال حياتهم كانوا مظلومين، طُردوا من منصب الحكم، وكانوا يعانون من أشكال الحرمان والظلم.

وهذه الفئة من الناس تعتقد أن دور الأئمة في الحياة كان في الغالب دوراً سلبياً، وأنهم في المجالات الاجتماعية كان لهم اتجاه سلبي، وكانت أحوالهم كحال من اغتصبوا حكمهم ولا أمل في استعادته.

لا شك أن هذا النظر السلبي يشكل خطراً عظيماً على العقيدة والعمل الاجتماعي، وسيؤدي إلى نتيجة مفادها أن الأئمة المعصومين لم يكن لهم أي واجب اجتماعي.)

وبعد نقد هذا الرأي، كتب الشهيد صدر: (حياة جميع الأئمة كانت حركة واحدة، كلٌّ منها جزء من كل متدفق في التاريخ، وفي حركتهم المشتركة لا يوجد أي تناقض أو اختلاف، والاختلاف الذي يُرى في حياة كل إمام يتعلق باختلاف الزمان والظروف الاجتماعية المختلفة والصعوبات التي واجهها كل إمام؛ ففي كل زمان، كان كل إمام يواجه صعوبات تختلف عن صعوبات الإمام الآخر، وكل أعمالهم كانت مخططاً منظماً ومترابطاً يكمل بعضها بعضاً، وهدف هذا الترابط هو التنبيه للأجيال المختلفة، وهذه الرسالة المشتركة لا غموض فيها لنبحث عن أسبابها وعللها، بل إن الإيمان بالإمامة نفسها يقتضي هذا المخطط وهذه الحركة؛ لأن الإمامة هي ذات واحدة تحققت بالتساوي في جميعهم، والمسؤولية والظروف واحدة. لذلك يجب أن يعكس هذا الجوهر الواحد في حياة كل واحد منهم حركة مترابطة تكمل بعضها بعضاً في مسارهم التاريخي، رغم أن الاختلافات الظاهرة في مواقفهم تعود إلى اختلاف الأزمنة.)[13]

يذكر الشهيد الصدر في بحثه عن الأهداف المشتركة للأئمة(ع) قائلاً: رغم أنهم تم إقصاؤهم من الحكم على يد الأقوياء، إلا أنهم لم يعتزلوا ولم يتخلوا عن رسالتهم.

من وجهة نظره، أهم أهداف الأئمة هي كما يلي:

1. حفظ الكيان الإسلامي من الانحراف:

كان الأئمة(ع) يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن حفظ الإسلام حتى تتضح أحكامه بشكل صحيح ويظل الإسلام في مأمن من أي انحراف. كلما حدث انحراف في أحكام الإسلام في المجتمع الإسلامي أو واجه المجتمع مشكلة تهدد هيبة الإسلام وكان الحكام في ذلك الوقت مترددين في مواجهتها، كان الأئمة يتصدى للخطر بمقترحاتهم.

كان جهد الأئمة منصباً على أن يبقى المجتمع الإسلامي قائماً على نواميس الإسلام. وعلى هذا الأساس، كان علي(ع) يردع الخلفاء عن الانحراف ويقف في وجهه، واستشهد الإمام الحسين(ع) في سبيل حفظ مبادئ الإسلام، وساعد الإمام السجاد(ع) في وقت عجزت فيه حكومة عبد الملك مروان عن حل مشكلة أمام الدولة الرومانية، وناصر الإمام الباقر(ع) هشام بن عبد الملك في مسألة تتعلق بهيبة الإسلام. كان الأئمة(ع) يقاتلون الحكومات الظالمة التي تشوه وجه الإسلام وتظهره بصورة سيئة، وكانوا في هذا السبيل يذهبون حتى حدود الشهادة.

2. القيادة الروحية للمجتمع:

من الأعمال الأخرى للأئمة هي قيادة مجتمع أتباع أهل البيت. لم يحصل الأئمة على هذا المنصب لمجرد النسب إلى النبي، إذ كان هناك الكثير من المنسوبين إليه، بل كانت جهود الأئمة المخلصة تجاه الأمة هي التي أدت إلى هذا التوجه. كان الناس يلجأون إليهم وكان الأئمة يعينونهم في شؤونهم؛ ورغم أن الكثير من الأقوياء حاولوا منع الأئمة من القيادة وخلق الفجوة بينهم وبين الناس، إلا أن الأمة كانت تقبل بقيادتهم، ولو لم يكن لهم دور فعال في قيادة الناس لما كان الحكام في ذلك الوقت يضيقون عليهم بهذا الشكل.[14]

تاريخ نشأة التشيع

على مر التاريخ، واجه التشيع مجموعتان حاولتا تقويض أسسه: الأولى هي الأمويون الذين رأوا في ظهور جماعة أتباع أهل البيت تهديداً لأهدافهم، ولم يدخروا جهداً في تحريف شخصياتهم والقضاء عليهم.

أما المجموعة الثانية فكانت من غير المطلعين على التشيع وتاريخه. هؤلاء حاولوا، بسبب جهلهم بسير نشأة التشيع، تصويره كطائفة لم تكن جزءاً من الإسلام أصلاً، بل نشأت لاحقاً في المجتمع الإسلامي، وقدموا الشيعة كشعب نشأ عبر سلسلة من الأحداث التاريخية والتغيرات الاجتماعية، وتحول تدريجياً إلى حزب سياسي اكتسب طابعاً عقائدياً. في الدفاع عن كيان التشيع، ظهر في القرن الأخير العديد من العلماء الكبار مثل: العلامة الأميني، الصدر، كاشف الغطاء، السيد محسن الأمين، آقا بزرگ الطهراني وغيرهم، الذين تركوا آثاراً خالدة وردوا على الأفكار المنحرفة والعداوات بشكل لائق. استمر الشهيد الصدر في هذا المسار المقدس والعاصف، وأخذ القلم للدفاع عن كيان التشيع، فعمل على توعية الناس في مواجهة الكتّاب الجاهلين في مصر والحجاز والعراق الذين كانوا يشككون في أساس التشيع تحت ستار التمسك بالسنة والوحدة، فابتعد عن كل تعصب سلبي وكتب تاريخ التشيع في كتاب بعنوان: (التشيع والإسلام)، وذكره في مقدمة (تاريخ الإمامة وأسلافهم) الذي كتبه الدكتور عبد الله فياض.[15]

تابع من بداية الإسلام قضية التشيع خطوة بخطوة، وقدمها كنتاج طبيعي للإسلام، ورسم بسيرته وأدلته مسار تشكل الشيعة منذ البداية وعبر مراحل الإسلام.

كان لهذا الكتاب أثر فعال في تعريف الشيعة في المجتمعات العربية، وجذب نقاشه الموضوعي والباحث اهتمام (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية)، التي عبرت في رسالة إلى مترجم الكتاب عن تقديرها لجهود المؤلف والمترجم.[16]

في مجال التعرف على ادعاءات الشيعة، حلل الشهيد الصدر قضية فدك، التي تعد من أولى القضايا الكلامية والفكرية للمسلمين، من زاوية تاريخية وسياسية، وقدمها إلى عالم المعرفة. وكان الدافع لكتابة كتاب فدك هو التجاهل البسيط لهذه القضية من قبل المؤرخين المعاصرين.

أستاذ عباس محمود عقاد [17] في (فاطمة والفاطميون) اختصر المقالة كلها في بضعة أسطر واعتبرها من المواضيع التي لا تؤدي إلى نتيجة ولا تصل إلى مكان.

يكتب الشهيد الصدر في هذا الصدد:

(كنت أكتب كتاب (فدك) وأنا أمامي كتاب (فاطمة والفاطميون) لأستاذ عقاد. في البداية، توجهت إلى هذا العمل بحماس شديد لأرى ماذا كتب عن هذه القضية التاريخية الحساسة. كنت أظن أن زمن التعصب والتقيد بأساليب السابقين وتجنب البحث العميق في القضايا التاريخية والدينية قد ولى، وأن الموضوع قد عُرض بوضوح في موضع البحث والدراسة، لكن للأسف رأيت عقاد قد تجاوز هذه القضية المهمة ببساطة واختصرها في بضعة أسطر، واكتفى بالقول: لا فاطمة طالبت بحق باطل، ولا أبو بكر كان لديه مبرر لرفض المطالبة.)[18]

نعم، في زمن البحث وفي أجواء حرية التفكير، تظهر الحقائق بهذا الشكل الباهت، ويظل سوق الاتهامات ضد الشيعة نشطاً، ويُقدم الشيعة كمنهج حديث للشباب. وفي هذا السياق، شرع الشهيد في كتابة العمل التاريخي (فدك) ووضح أحد ادعاءات الشيعة من زاوية فقهية وتاريخية.

دور التاريخ في تفسير القرآن

في فهم القرآن، يلعب التاريخ دوراً أساسياً، ولا يمكن للمفسر أن يصل إلى جوهر القرآن ويستفيد منه دون معرفة بالتاريخ. يرى الشهيد الصدر أن الاستفادة من التاريخ في تفسير القرآن ضرورية في محورين:

1. معرفة سبب النزول: حسب رأيه، تنقسم آيات القرآن إلى قسمين:

أ. آيات نزلت للهدى والتربية دون أن يكون لها دافع مسبق أو سبب محدد في النزول، مثل الآيات المتعلقة بالقيامة والجنة والنار.

ب. آياتٌ نزلت نتيجة حدثٍ معين أو ردًّا على سؤالٍ ما، مثل الآيات التي نزلت بشأن مسجد ضرار وفي ردّ أهل الكتاب الذين سألوا عن الروح:

(معرفة أسباب النزول لها مكانة عظيمة في فهم الآيات؛ لأن النص القرآني المرتبط بسبب معين نزل وفق سياق ومنهج ذلك السبب المحدد، فإذا لم ننتبه إلى مقدمات وأسباب ذلك السبب، تبقى أسرار تعبير القرآن مجهولة لنا. كمثال، ظهور الآية الكريمة: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) يدل على أنه لا إثم في السعي بين الصفا والمروة، ولا تصريح بوجوب السعي، ولكن فهم الوجوب من الآية لا يتحقق إلا بالتأمل في شأن النزول؛ لأن السعي كان من شعائر الجاهلية، وكان بعض أصحاب النبي (ص) يكرهون القيام به، فأنزلت الآية، والآية في الواقع تهدف إلى نفي هذا الاعتقاد من الأذهان وإعلان أن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله وليس من شعائر الجاهلية. هذه الجهل بسبب النزول جعل بعضهم يعتبر السعي مستحبًا لا واجبًا.)[19]

  1. الإلمام بأحوال العالم والإنسان وامتلاك تجارب الماضي والحاضر للمجتمعات البشرية. يذهب المفسر وهو على وعي بالتوقعات ويمتلك تجارب بشرية إلى القرآن، ويبحث عن آلامه في كتاب الله.

الشهيد صدر في مقدمة (سنن التاريخ في القرآن) قسم منهج التفسير إلى نوعين: المنهج التحليلي آية آية، والمنهج الموضوعي. عن المنهج التحليلي يكتب:

(رغم أن هذا المنهج تمهيد للتفسير الموضوعي وفهم كل مطالب القرآن، إلا أنه يعاب عليه أن المفسر يتناول الآيات التي لها سياق موحد دون أي خطة أو تصور مسبق، ويفسر معاني الآيات في ضوء معاني الألفاظ بمساعدة القرائن المتصلة والمنفصلة. فهم المفسر في هذا الحد محدود، وليس له حق السؤال عن شيء من القرآن، وفي الواقع الباحث في هذا الطريق دور المتأثر فقط، أما المفسر الموضوعي فيتصرف خلاف هذا المنهج: فهو قبل أن يريد أن يتناول أحد موضوعات الحياة أو الأيديولوجيا أو الاجتماعية أو العالمية، يجب أن يكرس تركيزًا ذهنيًا كافيًا على ذلك الموضوع، ويتعلم من تجارب وأفكار الآخرين إلى الحد الذي يمكن أن تفتح له هذه الأفكار الطريق، ويكون على علم بالمشكلات والحلول التي طرحتها الفكرة الإنسانية، ويكون لديه معلومات عن الأسئلة التي تطرحها الطريقة التاريخية المقارنة، وأخيرًا يكون على دراية بالفراغات الموجودة، ويبدأ حواره مع القرآن بعد هذه الدراسة المسبقة. المفسر يسأل والقرآن يجيب.

المفسر في ضوء التجارب التي اكتسبها من البحوث والاستكشافات البشرية يحاول أن يحصل على رأي القرآن في ذلك الموضوع، وبمقارنة نص القرآن مع ما تعلمه من الأفكار والرؤى التي جمعها يفهم رأي القرآن.)[20]

الشهيد صدر لهذا السبب يختار منهج التفسير الموضوعي؛ لأن في هذا المنهج لا يقتصر انعكاس المتلقي على التأثر بالقرآن فقط، ومعنى قول أمير المؤمنين في طريقة الاستفادة من القرآن هو: (ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه إلا أن منه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء داءكم ونظم ما بينكم.)[21]

ذلك كتاب الله، القرآن. اطلبوا منه أن يتكلم ولن يتكلم أبدًا. لكنني أخبركم عنه. اعلموا أن في القرآن علم المستقبل وحديث الماضي، وهو دواء لآلامكم ونظام لأموركم. تعبير (الاستنطاق) أي جعل السؤال يتكلم بقصد الحصول على إجابة من القرآن، لا يمكن بدون معرفة الآلام والخروج من الحيرة، وهذا يتطلب دراسة تاريخ العالم والإنسان وفهم الفراغات البشرية. بعبارة أخرى، واجب المفسر في كل زمان أن يحمل معه كل التراث البشري. الشهيد صدر في ضوء معرفته بالتجارب البشرية، وإلمامه الواسع بتاريخ العالم والإنسان، وتاريخ الأفكار، ومسار التحولات الاقتصادية، وأزمات الأمم الشرقية والغربية، وأسباب وحوافز الحروب العالمية المدمرة… توجه إلى القرآن بنظرة متفتحة وحصل على جواهر ثمينة منه.

دور التاريخ في استنباط الأحكام

الشهيد صدر كان يرى ارتباطًا وثيقًا بين التاريخ والاستنباط من المصادر الشرعية، وكان يعتبر معرفة الجوانب التاريخية للقضايا المتعلقة بالاجتهاد من الضرورات الأساسية للاستنباط، وكان يعتقد أن الفقيه لا يمكنه الجلوس على كرسي الفقه دون المعرفة اللازمة بتاريخ القضايا.

  1. معرفة أصول مسائل الأصول والفقه

تاريخ مسائل الأصول والفقه، وكيفية سير تطور الأصول والفقه، وهل كانت كل مسائل الأصول والفقه لها بداية واحدة، أم أن بعض المسائل الأصولية والفقهية دخلت إلى الأصول والفقه بسبب الضرورة، وما سبب نشأتها… كلها مناقشات يضعها الشهيد صدر تحت النقد والدراسة. في بحثه عن بداية نشوء علم الأصول، توصل إلى أن علم الأصول نشأ في حضن الفقه، كما نشأ علم الفقه في حضن علم الحديث، وهذا مبني على مراحل مرت بها علوم الشريعة:

(بدأ علم الشريعة أو فهم الأحكام الشرعية في صدر الإسلام، ونما حين بدأ عدد كبير من الرواة يجمعون الأحاديث الواردة حول الأحكام. لم يكن استخراج الحكم الشرعي من النصوص في البداية صعبًا؛ لأنه لم يكن يتجاوز الطريقة البسيطة التي كان الناس يستخدمونها في الحوار، لكن تدريجيًا أصبح استخراج الحكم الشرعي من النصوص يتطلب تعمقًا أكبر، فبذلت الجهود لتوفير الدقة اللازمة لاستخراج الحكم الشرعي من المصادر. وهكذا نشأت بذور التفكير الفقهي، وارتقى علم الشريعة من مرحلة نقل الحديث إلى مستوى الاستنباط والاستدلال الدقيق. ومن خلال التفكير الفقهي بدأت تظهر فروع مشتركة في عمل الاستنباط، وجمع وتنظيم العناصر المشتركة المؤثرة في الاستنباط أدى إلى نشوء علم الأصول.)[22]

ذكر الشهيد الصدر في شرحه للقضية أن بذرة الفكر الأصولي لدى أصحاب الفقيه من الأئمة(ع) نشأت منذ زمن الإمام الخامس والسادس، والدليل التاريخي على ذلك هو الروايات التي ترتبط بعدد كبير من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط. الأسئلة التي وُجهت في هذا المجال إلى الأئمة تدل على بذرة التفكير الأصولي لديهم وميولهم إلى تأسيس قواعد عامة ومعايير أصولية.

يستنتج الشهيد الصدر من دراسة مسيرة تطور ونضج علم الأصول أن الحاجة إلى المسائل الأصولية حاجة تاريخية، وأن الأصول ليست ظاهرة حديثة الظهور. الأمر الوحيد هو أن طرح وتوسيع الأصول في الحوزة الشيعية بدأ متأخراً مقارنة بأهل السنة، وذلك لأن أهل السنة يعتبرون نهاية فترة النص هي وفاة النبي(ص)، بينما الشيعة يرونها في فترة الغيبة أي في القرن الرابع.

منذ عصر الغيبة بدأ زمن نضج الأصول بين الشيعة وحقق تقدماً كبيراً. ابن أبي عقيل والإسكاكي في القرن الرابع شرعا بهذا العمل. وكتب الشيخ المفيد في هذا المجال كتاباً وأرسى الخط الفكري لأساتذته. وكتب السيد المرتضى رسالة في هذا الشأن. ودوّن الشيخ الطوسي عدة الأصول. شهد علم الأصول في عهد الشيخ الطوسي مراحل من النمو والتكامل.

بعد الشيخ الطوسي، استمر نحو ثلاثة قرون من الركود في مسائل الفقه والأصول ولم يظهر أثر مفيد وجديد حتى زمن ابن إدريس. يكتب الشهيد الصدر بعد دراسة أسباب الركود وثبات علم الأصول: (في القرن السادس أعاد ابن إدريس الروح إلى الفقه والأصول، وازداد البحث في الأسباب الفقهية سرعة. وفي ذات العصر بدأ ابن زهرة دراسة منفصلة حول علم الأصول. وفي القرن السابع كتب المحقق الحلّي المعارج ونهج الوصول إلى معرفة الأصول، وكتب العلامة الحلّي تهذيب الأصول إلى علم الأصول ومبادي الوصول إلى علم الأصول…

استمر هذا النضج حتى نهاية القرن العاشر، وممثله في نهاية هذا القرن كان صاحب معالم الذي كتب معالم الأصول بأسلوب بسيط ومنظم وأصبح من الكتب الدراسية في الحوزة. وكتب الشيخ بهائي زبدة الأصول. وبعد صاحب معالم أصاب علم الأصول ضربة. توجه المحقق الأسترآبادي إلى محاربة علم الأصول لأسباب معينة حتى أنهى وحيد بهبهاني بحركة علمية منظمة سيطرة الإخباريين.)[23]

2. بالإضافة إلى المسار العام في تاريخ الأصول والفقه، تناول الشهيد الصدر في مواضع متعددة من مباحثه دراسة تاريخية لمباحث ومصطلحات الأصول والفقه، منها:

* الاجتهاد: يظهر المرحوم الصدر بدليل كثير من الكتب الروائية والنصوص الفقهية في القرون 4، 5، و6 أن كلمة الاجتهاد حتى القرن السابع كانت مرادفة للرأي والقياس. وكان المحقق الحلّي أول من استعمل الاجتهاد بالمعنى اللغوي والجهد في استنباط الأحكام الشرعية، وكان معنى الاجتهاد في هذه الفترة مختلفاً عن الفترات السابقة.[24]

* الإخباريّة: اهتم الشهيد الصدر بأسباب نشوء الإخباريّة ومعارضة الإخباريين لعلم الأصول، وركز على الخلفيات التاريخية لهذه الفكرة والدوافع التي دفعت علماء الإخباريين لمواجهة الأصول والتي إلى حد كبير أدت إلى انتصارهم، وذكرها على النحو التالي:

(كانت حركة الإخباريّة في أوائل القرن الحادي عشر ذات دافع نفسي دفع العلماء الإخباريين، وعلى رأسهم ميرزا محمد أمين الأسترآبادي، إلى مواجهة علم الأصول والأصوليين. ومن هذه الدوافع:

* عدم استقرار فكرة العناصر المشتركة للاستنباط في فكر الإخباريين، مما جعلهم يظنون أن ربط الاستنباط بقواعد أصولية سيقلل من أهمية النصوص الشرعية.

* تقدم أهل السنة على الشيعة في مجال البحوث الأصولية، ومن ثم أخذ علم الأصول في نظر معارضيه طابعاً سنياً، ورأوه من منتجات المذهب السني.

* اتفاق أحد رواد علم الأصول مثل ابن جنيد مع معظم المذاهب الفقهية السنية في العمل بالرأي والقياس.

* تسلل بعض المصطلحات من مباحث أهل السنة إلى أصول الشيعة مثل مصطلح الاجتهاد. أخذ فقهاء الشيعة هذا المصطلح من الفقه السني وحولوه، لكن الإخباريين لم يدركوا هذا التحول الجوهري في المصطلح وظنوا أن علم الأصول عند أنصاره هو المعنى الذي يدافع عنه أهل السنة.

* استخدام العقل في علم الأصول والاستفادة من حداثة طرح هذا العلم بين الشيعة…)[25]

علاوة على ذلك، كان المحدث الأسترآبادي ذا رؤية حسية، وكان يرى أن العقل حجّة فقط في الأمور التي لها أصل حسي أو قريبة من المحسوسات، ولا يعتبر استنباط الأحكام بالطريقة الأصولية التي تبعد عن الأصل الحسي حجّة. ربما كان هذا الفكر بين الإخباريين نتيجة تأثير موجة الفلسفة الحسية في أوروبا التي أنكروا فيها حجية العقل في العلوم، والإخباريون في الدين:

(كانت آراء الحسّية في ذات العصر تتفشى في أوروبا، وكان الأسترآبادي معاصراً لفرانسيس بيكون، لكن في أوروبا استُغل هذا المبدأ في الإلحاد ونفي الميتافيزيقا، أما في المشرق فقد استُخدم في الفقه والشريعة ونفى الأصول والاجتهاد.)[26]

* تاريخ نقاش السيرة: يستنتج الشهيد الصدر في بحثه عن بداية ظهور المسائل الأصولية أن: (نقاش السيرة أيضاً ظاهرة جديدة بين الفقهاء، ودليل ذلك هو الحاجة إلى السيرة في الأزمنة المتأخرة. نقاش السيرة قليل في كلام الشيخ الأنصاري، وأقل منه قبل الشيخ. وبعد الشيخ الأنصاري بدأ الفقهاء يتجهون إلى السيرة.

قبل شيخ الأنصاري، كان الفقهاء يستنبطون الأحكام الشرعية من طرق مثل: الإجماع، الشهرة، الجبر، وضعف السند، اعتمادًا على أقوال الصحابة، وكان هذا يكفيهم عن الرجوع إلى السيرة. قبل شيخ الأنصاري، كان يُعتبر كلام الصحابة من القطعيات، وهذا الوضع النفسي كان يمنعهم من مخالفة أقوال الصحابة، ولهذا السبب كانوا أحيانًا يستدلون بأنه إذا جاز مخالفة أقوال الصحابة، وكان في مثل ذلك خلاف في نتيجة المعاملة، فسيترتب على ذلك فقه جديد، وترابط الأحكام مع بعضها البعض يؤدي إلى انهيار الضروريات والثوابت القديمة في الأحكام.

يبدو أن هذا الوضع النفسي موجود أيضًا عند علماء أهل السنة؛ لأنهم بلا شك يعتبرون يقينيات عصر الصحابة ضرورية للدين، ويعدون مخالفتها مخالفة للضمير، وقد أُغلقت أبواب الاجتهاد عند العامة أيضًا بدوافع نفسية مماثلة.

في عصر شيخ الأنصاري، كان يُتمسك بالإجماع المنقول، الشهرة، وغيرها في السند أو في دلالة النصوص، لكن بعده بدأ الفقهاء تدريجيًا في إزالة المبادئ السابقة، وكان الشيخ في طليعة هذا التيار.

في البداية، كان بعضهم يعتبر هذه المبادئ المذكورة باطلة في الأصول، لكنهم كانوا يستدلون بها في فروع الأحكام، وكانت هذه مشكلة؛ إذ كيف يُعتبر الإجماع المنقول باطلاً في الأصول ويُستدل به في الفقه؟ والسبب في ذلك هو الحالة النفسية نفسها. هذا الوضع النفسي والخوف من مخالفة المبادئ السابقة كانا يلبسانهم لباس الدليل، حتى زال هذا الوضع بين الفقهاء فجأة، فتخلوا في الأصول والفروع عن بعض الأدلة السابقة مثل الإجماع المنقول أو الشهرة، إلى درجة أن فتاوى أستاذنا آية الله الخوئي في الفقه تعبر عن إنكار الجبر، وضعف الخبر العملي، وإعراض الصحابة.

وبسبب هذا التطور في إثبات ونفي بعض المبادئ في العصور المتأخرة، لجأ الفقهاء إلى السيرة لاستنباط الأحكام الشرعية.)[27]

* تاريخ البراءة العقلية وقاعدة قبح العقاب بلا بيان: من أدلة البراءة العقلية في الأصول قاعدة العقاب بلا بيان وحسن العقاب بالبيان. هذه المسألة متجذرة في كتب الأصول إلى درجة أن جميع الأصوليين والفقهاء يعتبرونها من ضروريات الشريعة. الشهيد الصدر هو من أوائل من شكك في هذه القاعدة وأبطَلها من الناحية التاريخية. يكتب في تأصيل المسألة: (أساس القاعدة أخذها الفقهاء من قاعدة (مولوية المولى) على النحو التالي: أحكام المولى واجبة علينا، والقطع بالحكم له حجية ذاتية، فإذا قطعنا بحكم من المولى وجب العمل به، وإذا خالفناه يستحق العقاب، أما إذا لم نقطع بالحكم فلا يلزم العمل به لأنه لا بيان، والعقاب عليه قبيح.)

يرد الشهيد الصدر على هذا الاستدلال من جوانب مختلفة: (أولًا، في حجية ووجوب كل ما قطعنا بشرعيته مجال للنقاش! من أين يتضح أن كل ما فيه رضا المولى وجب العمل به؟

ثانيًا، المسألة لا أصل تاريخي لها يجعلنا نعتبرها من ضروريات الإسلام والفقه. هذا بسبب التلقينات المستمرة من الأساتذة وتدريسها المتكرر في كتب الأصول، فاعتُبرت مسألة قبح العقاب بلا بيان ضرورية، ويبدو مخالفتها غريبة.

طرح هذه المسألة لا يعود إلى أكثر من قرن، ولا تُعد من المسائل العقلية والفقهية الواضحة والجلية. نحن لا نجد أثرًا للبراءة العقلية قبل شيخ المفيد في الروايات وكتب الفقه. فقط شيخ الصدوق كتب: (في موارد الشك في الحكم الأصل الإباحة)، والمقصود بذلك هو الإباحة الشرعية التي توافق الروايات، لا القاعدة العقلية. شيخ المفيد وشيخ الطوسي لم يقبلا هذه القاعدة، بل من كلامهما يُستفاد العكس.

ناقشوا هذه المسألة هل الحكم الأولي في الأشياء هو الإباحة أم الاحتياط؟ في تفوق الاحتياط قيل إنه عند القيام بعمل في مورد لا حكم صريح فيه، لا نطمئن إلى أن الطريق صحيح وخالٍ من الفساد. هذا الاستدلال لا يتوافق مع القاعدة العقلية قبح العقاب بلا بيان. شيخ الطوسي صرح بوجوب الاحتياط.

ابن زهرة قبل مئة عام من الشيخ في الغنية حكم بالبراءة العقلية، لكن ليس من باب قبح العقاب بلا بيان، بل من باب التكليف الذي لا يُطاق وعدم إمكانية قصد امتثال حكم المولى بدون علم بالتكليف، وهذا يختلف عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان. بعد هذه الفترة، لم يستدل المحقق على البراءة من هذا الباب. بعد فترة، أدرج المحقق البراءة ضمن الاستصحاب واعتبرها من الأدلة الظنية، لأن الاستصحاب عندهم دليل ظني، فلا يمكن أن تكون البراءة دليلًا قطعيًا للحكم، وحتى في عصر صاحب المعالم وشيخ بهائي كانت البراءة تُعد من الأدلة الظنية. قاعدة قبح العقاب بلا بيان طرحها وحيد بهبهاني، ثم اعترف بها صاحب المعالم وشريف العلماء. شيخ الأنصاري طرحها أيضًا، مع كثير من النقاشات والشبهات حول إطلاقها ومدى شمولها في الشبهات المفهومية والموضوعية.

لذا، هذه القاعدة ليست من المسائل الفطرية والضرورية، وأصلها التاريخي يعود إلى عصر وحيد بهبهاني، ولا دليل على قول آقا ضياء بأن القاعدة من القطعيات في الأصول والفقه، والتاريخ لا يؤيد ذلك.)[28]

2. تأثير العلامات التاريخية في فهم النصوص الدينية

لفهم النصوص الدينية، هناك أمران ضروريان: جهة الصدور والدلالة.

في جهة الصدور: تعني موثوقية الراوي وصدوره عن المعصوم، وفي جهة الدلالة: تعني قصد المتكلم.

في جهة الصدور: يرى الشهيد الصدر أن الرجوع إلى التاريخ وفحص العلامات التاريخية لزمان الصدور من شروط الوصول إلى جهة الصدور والدلالة، لأن صدور كثير من الروايات ليس قطعيًا، فبصرف النظر عن احتمال خطأ الراوي، هناك احتمال كذبه أيضًا. لذا يجب أن يُبحث بعمق في صدق وكذب الرواة:

(لقد أشار علماء النقد الدقيق في الماضي مثل شيخ الطوسي والنجاشي والعلماء الذين جاءوا بعدهم بوضوح إلى كذب العديد من الرواة، وتظهر في أقوالهم عن الرواة مصطلحات مثل: وضاع، منحرف، مشكوك فيه، حديثه معروف ومنكر، لا يؤمن في الحديث، يتحرج عن النقل عنه… ولا ينبغي أن يُظن عن الرواة أنهم جميعًا كانوا أناسًا متدينين ومتزنين، كما يعتقد العامة عن أصحاب النبي (ص)، بل إن أصحاب الأئمة كانوا متنوعين مثل أصحاب النبي. كما يوجد بين الصحابة أمثال سلمان وأبو ذر، ويوجد أيضًا أشخاص منحرفون، كذلك بين أصحاب الأئمة (ع) كان هناك أشخاص منحرفون يبحثون عن الشهرة، وتشير الدلائل التاريخية في أقوال الأئمة (ع) إلى هذا الأمر. ووجود العداوات بين أصحاب الأئمة (ع) دليل آخر على ذلك، إذ كان فريق يلعن الفريق الآخر، ومن جانب الأئمة وردت اللعنات على بعضهم. وفي ذم بعض الصحابة الذين كانوا مشهورين كالشمس في التقوى والورع والعدل، وردت روايات من بعض أصدقائهم. كما يوجد بين أصحاب الأئمة (ع) أناس صادقون وأوفياء مثل زرارة ومحمد بن مسلم، يوجد أيضًا أشخاص منحرفون، والجرح والتعديل في علم الرجال هو لهذا الغرض.)[29]

كان الشهيد الصدر، بفضل اطلاعه الواسع على تاريخ الرجال، واعيًا لدقائق وحقائق حياة الرواة. ومن خلال توفير العديد من الدلائل حول أسلوب الحياة، والأفكار، والروابط… كان يصل إلى نقاط جديدة ويكشف عن الخيوط غير المتناسقة مع فكر الأئمة، والتي كانت تُنسب إلى الأئمة من قبل الرواة الغلاة أو الناصبين أو أعداءهم.

وفي سياق مناقشة حجية ظواهر القرآن في نقد وفحص الأحاديث، يكتب عن سعد بن طريف وجابر بن يزيد بأن ظواهر القرآن ليست بحجة:

(سعد بن طريف من رواة الحديث: إن الفحشاء رجل، والمنكر رجل، وإن الصلاة تتكلم)[30]، وجابر بن يزيد[31] نقل حديثًا عن الإمام الباقر (ع) قال فيه الإمام: “نقل إليّ سبعون ألف حديث، وقال: لا تروِ لأحد، بل اغمس السّر في البئر وروِه.”

إذا اجتمعت هذه الأمور مع شهادة العلماء عن هؤلاء الأشخاص، يُظن بقوة أن هذا الشخص أراد أن تُغلق أبواب المعرفة، وتُجمع العلوم لنفسه، ويجعل الإسلام أمرًا عجيبًا لا يصل إليه أحد، وحسب (حساب الاحتمالات) يتضح كذب هذا الحديث، وكانت مثل هذه الأحاديث موجودة في ذوق جماعة من غير السلف الصالح.)

ثم يلفت الشهيد الانتباه إلى نقطة مفيدة ومثيرة:

(ومن هنا ننبه إلى أمر عام، وهو أنه في بعض المواضع تنفعنا في مقام تقدير رواية الراوي وتقويمها مراجعة حال الراوي وتاريخه ومجموع ما نقله من الروايات. فقد ترى مثلاً عددًا كبيرًا من الأحاديث متفقة على مضمون ما، بحيث كان المفروض حصول العلم به باعتباره تواترًا، لكن يكشف بالفحص ظاهرة مشتركة عن حال رواتها تناسب الإيحاء المشترك بمضمون تلك الأحاديث مما يسقطها عن درجة التواتر المفيد للعلم. فاطلاع على خصوصيات الراوي وحاله ومزاجه وما ينقل من سائر الروايات قد يدخل في عملية الاستنباط كعنصر عن تقويم الرواية.)[32]

من هنا ننتبه إلى نقطة عامة:

في بعض الحالات، عند تقييم حديث ما، يكون الرجوع إلى حياة الراوي، وعصره، ومجموع رواياته مفيدًا.

فأحيانًا ترى أن العديد من الأحاديث في مضمون واحد واردة، بحيث تظن أن الحديث متواتر، لكن بالبحث في حياة وظروف الرواة تكتشف أن الاستعداد النفسي والارتباط المشترك بمعنى الحديث دفع الرواة إلى نقله، مما يسقط الحديث من درجة التواتر المفيد للعلم.

لذا فإن معرفة خصائص الراوي، وظروفه النفسية والجسدية، ونظرته العامة إلى مجموع رواياته، تكون أحيانًا عنصرًا مهمًا في تقييم الحديث.

الدلالة: في دلالة الحديث، يشير الشهيد الصدر إلى أنه بالإضافة إلى تحليل آيات القرآن ونصوص الأحاديث، يجب أيضًا مراعاة الدلائل التاريخية خارج النصوص، والدلائل غير المكتوبة؛ لأن الظروف التي نزل فيها النص أو صدر لا تحصره، لكنها تحدد مصداقه بوضوح، وتفتح الطريق لفهم القائل الأصلي. ولهذا فإن فهم الزمان والمكان يؤثر في فهم النصوص:

(كان في استنباط المسائل الفقهية من أحاديث النبي والأئمة… يسعى إلى دراسة الظروف السائدة في ذلك الزمان بدقة، ويأخذ في الاعتبار الأوضاع القائمة. ومن خلال هذا الفحص يصل في النهاية إلى نتيجة فقهية أو أصولية.)[33]

([فيما يتعلق] بقاعدة لا ضرر ولا ضرار، فقد تمكن من خلال دراسة الجو السائد في زمن صدورها والظروف الحاكمة في ذلك اليوم، من استنباط هذه القاعدة بشكل يجعل لها مصاديق واسعة.)[34]

وعلى هذا الأساس، كان يعود إلى زمن صدور الأحاديث ويأخذ في الاعتبار الظروف التاريخية لذلك اليوم، ويقيّم الدلائل غير الواردة في النص والتي تُسمى الدلائل الحالّية.

في الأصل، كان يعتبر الاجتهاد الحقيقي محاولة للحصول على هذه الدلائل والرموز غير المكتوبة، ومن ذلك:

1. دراسة حالات الرواة الشخصية: يكتب الشهيد الصدر في هذا الصدد:

(في فهم النص الاجتماعي… القاعدة التي وضعها أستاذنا المحقق مغنية لهذا الموضوع تفتح عقدة كبيرة في الفقه، وهي أن العديد من الأحكام بيّنت من خلال الإجابات التي أُعطيت لأسئلة الرواة، وليس بشكل مباشر ومبتدئ وبأسلوب التشريع، وكانت أسئلة الرواة في معظم الأحيان تتعلق بحالات وموضوعات خاصة كانوا بحاجة إلى معرفتها، وكانت الإجابة أيضًا وفقًا لسؤالهم وفي حدود ذلك، ولتوضيح الحكم في الحالة والموضوع الذي سُئل عنه.)[35]

فلا ينبغي في فهم النص الاقتصار على الفهم اللغوي والتفسير الموضوعي له فقط، بل إن الأئمة (ع) عند الإجابة على الأسئلة كانوا يراعون حال الرواة، وبالنظر إلى كيفية حال الراوي سواء كان عن جهل أو علم أو نسيان أو عذر، وكانوا يجيبون مع مراعاة الظروف الخاصة. مثلاً: الإمام في جواب شخص جامع زوجته في أيام المني في مكة يقول له: ليضحّي، وفي جواب آخر لشخص وقع في نفس المشكلة يقول له: لا شيء عليه. يقع الراوي في شك ويسأل: قال لي أصحابي أن أضحّي مثل فلان؟ فقال الإمام: عمله كان عن عمد، وعملك كان عن جهل.[36]

٢. دراسة الظروف السياسية للمجتمع: دراسة الظروف السياسية لزمان صدور النص من علامات التاريخية المهمة. كثير من الأئمة (ع) كانوا في حالة تقية. وهذه التقية كانت تُفرض عليهم أحياناً من قبل الحكام الأمويين والعباسيين، وأحياناً من قبل عامة الناس. كان الأئمة أحياناً في ظروف يضطرون فيها إلى التقية تجاه بعض الأمور من المجتمع الإسلامي وأحياناً من عامة الشيعة أيضاً. كان الأئمة يراعون ظروف الزمان والمكان، ولا يعبّرون عما يثير مشاعر الجماهير. وكانوا يأمرون الأصحاب بالتقية. ومن هنا يُرى في الإجابات على الأسئلة أحياناً أن الإمام بدلاً من فتواه الصريحة يقول: (فتوى أهل العراق أو أهل المدينة كانت كذلك). وكان قصد الإمام هو عدم وقوع الشيعة في تعارض مع المذاهب السائدة بين الناس. وكان الأئمة يشرحون للأصحاب بوضوح أن بعض الأقوال كانت من باب التقية، كما في رواية أبا بصير ورواية أبا عمر والكناني ورواية أبا عبيدة[37].

ومن الجهة المعاكسة، يُرى أن رواية ما قد استبعدها الفقهاء باعتبارها تقية، لكن دراسة الظروف السياسية أوضحت أن صدور هذه الرواية من باب التقية غير ممكن، ويجب حل المسألة من طريق آخر.

مثلاً، ورد في بعض الروايات: الخمر طاهر.

يرى بعض الفقهاء أن صدور مثل هذه الروايات هو من باب التقية، والحكم الحقيقي هو النجاسة.

عند دراسة المسألة، يستنتج الشهيد الصدر:

(لا يمكن أن يكون الحكم قد صدر من باب التقية؛ لأن ظروف زمان صدوره لا تقبل ذلك؛ إذ إن الشافعي في إحدى فتواه كان يرى طهارة الخمر، والشافعي وُلد بعد الإمام الصادق (ع)، فلا معنى لأن يتقي الإمام منه.

وليث بن سعد[38]، مع أنه يؤمن بطهارة الخمر وكان معاصراً للإمام الصادق، لكنه كان يقيم في مصر، والإمام الذي كان يعيش في الحجاز أو العراق، فلا معنى لأن يتقي الإمام من فقيه مصري، ولا كان الإمام باقر (ع) يتقي من ليث؛ لأن الإمام باقر استشهد سنة ١١٤ هـ، ووليد ليث سنة ٩٣ هـ، وكان عمر ليث عند استشهاد الإمام باقر عشرين سنة، وهذا بعيد عن العادة أن يتقي الإمام من فقيه صغير السن! بالإضافة إلى داود[39] الذي وُلد سنة ٢٠٢ هـ ويرى طهارة الخمر، لكنه وُلد بعد استشهاد الإمام الصادق، فلا يمكن أن يتقي الإمام منه.

وربيعة[40] أيضاً أفتى بطهارة الخمر، لكنه كان فقيهاً منعزلاً، ولا توجد علامات في حياته السياسية والاجتماعية تدل على أن الإمام الصادق كان يفكر فيه، وإذا قبلنا أن رواية من الإمام باقر في طهارة الخمر واردة، فإن ربيعة كان صغير السن جداً في زمن الإمام باقر، فصدور الرواية من باب التقية من باب العادة غير محتمل.

لذا يطرح الشهيد الصدر هذا السؤال: هل يمكن أن يكون الإمام قد تقى من الحكام العباسيين الذين كانوا مشهورين بشرب الخمر؟

وفي الجواب يكتب:

 

(هذا القول بعيد جداً، لأن فقهاء أهل السنة أيضاً لم يكونوا صامتين تجاه فساد ونقصان الحكام، فكيف بالأئمة؟ بالإضافة إلى أن دراسة تاريخ الحكام المعاصرين للأئمة (ع) تظهر أنهم كانوا يراعون المظاهر، ولم يشربوا الخمر إلا عدد قليل منهم مثل الوليد وآخرين، ولم يُرَ في أي زمن أن الحكام قاموا بأعمال علنية.

وأيضاً الأئمة كانوا يتخذون موقفاً حازماً ضد من اعتبر الخمر طاهراً، ولم يُرَ منهم أي تهاون في هذا الشأن.)[41]

هذه أدلة تدل على أن التاريخ وفهم الظروف السياسية والاجتماعية لزمان صدور الروايات لهما دور مهم في فهم اتجاه صدورها.

٣. البحث عن علامات متصلة مفقودة: يكتب الشهيد الصدر في هذا الشأن:

(قد تكون هناك علامات تاريخية كانت موجودة حول الروايات، لكنها فقدت بسبب وضوحها في نظر الراوي أو غفلته عنها. للوصول إلى الحقيقة كاملة، يجب على الفقيه أن يبحث عن علامات خارجية، منها في مسألة ولاية الأب في التصرف في مال الصغير، حيث استند بعض الفقهاء إلى رواية (أنت ومالك لأبيك) التي قال فيها النبي لشاب شاكٍ من أبيه، وفتوا بأن للأب الحق في التصرف في مال ابنه، مع أن البحث في شأن صدور الرواية يظهر أنها وردت في ظرف خاص وليست عامة. وهذه العلامة موجودة في الحديث المستند إليه. وقد بيّن الإمام الصادق ذلك في رواية:

(قال حسين بن علا للإمام الصادق: إلى أي حد يمكن للأب أن يتصرف في مال ابنه؟

فأجاب: بقدر قوت يومه، وذلك بدون إسراف وعند الضرورة. فسأل: فما معنى حديث النبي الذي قال لرجل رفع أباه للمحاكمة: أنت ومالك لأبيك؟

فقال الإمام: إن الأب شكا إلى النبي وقال: يا رسول الله، أبي ظلمني في ميراث أمي.

فأخبره الأب: أني أنفقت المال على نفسي وعلى ابني ولم يبق شيء منه. فقال النبي في ذلك الوقت: أنت ومالك لأبيك.)[42]

هذه القصة تدل بوضوح على كيف أن عدم الانتباه إلى شأن صدور الرواية يغير الموضوع والحكم.

٤. الانتباه إلى مصطلحات زمن صدور النص: من النقاط التاريخية الأخرى في فهم النصوص الانتباه إلى المصطلحات الخاصة بزمن صدور النص. يصرح الشهيد الصدر قائلاً: أحياناً يتغير مفهوم كلمة في نص ما تاريخياً مع مرور الزمن، وفي هذا الشأن قد يلاحظ المحقق فقط المعنى السطحي واللغوي الشائع حالياً ويتغافل عن معناها التاريخي. فقد تكون تلك الكلمة قد اكتسبت معنى آخر نتيجة لظهور ظروف جديدة. وفي هذه الحالة، لتحديد المعنى الأصلي للنص يجب التأكد من عدم اختلاطه بالمفهوم الجديد وأنه استُخدم في المعنى الذي كان مفهوماً قبل ذلك.

أحياناً تؤدي السيرة التاريخية والاجتماعية لكلمة إلى تضليل الفكر في الفهم الصحيح للنص، وتتداخل مع الأفكار والمعتقدات الأخرى في خضم التحولات الاجتماعية.

يورد الشهيد في المسائل الاقتصادية كلمة (اشتراكية) التي أخذت معانٍ مختلفة في أزمنة متعددة، وكذلك كلمة (رعية) التي لها تاريخ خاص في (تاريخ ملوك الطوائف). لذلك، في النصوص التي تحتوي على كلمة (اشتراكية) أو (رعية) لا ينبغي أن نأخذ المصطلح الشائع في العصر الحالي بعين الاعتبار، بل يجب أن نأخذ معنى ومصطلح ذلك الزمان بعين الاعتبار.[43]

في نقاش حجية ظواهر القرآن ينتقد الإخباريين، ويرى أن الإخباريين الذين استدلوا على عدم حجية ظواهر القرآن بالأخبار التي تمنع العمل بالرأي، ويمنعون كل رأي ونظر، هم بسبب جهلهم بتاريخ كلمة الرأي:

(كلمة (رأي) رغم أن معناها اللغوي هو النظر، إلا أن من يدرس مجموع روايات الباب يفهم أن هذه الكلمة أُلقيت من قبل الأئمة على الناس الذين كانوا يعيشون في بيئة علمية خاصة، وكانت تلك البيئة تحتوي على مصطلحات وتعبيرات خاصة بها. من المسائل المطروحة في ذلك الزمان كانت كلمة (رأي) وكان الناس يختلفون فيها. في عصر الأئمة(ع) كان هناك بين علماء أهل السنة مدرسة تسمى (مكتب الرأي) في دائرة الاستنباط والتفسير واستخراج الأحكام من النصوص الشرعية، وكانت كلمة (رأي) مصطلحاً للمذاهب التي نشأت وكانت منتشرة في كل مكان. كان أتباع الأئمة(ع) على دراية بآراء أهل السنة، وكان بعضهم يفتي وفق آراء أهل السنة، ويبدو أن بعضهم كان أكثر دراية بوجهات نظر السنة من فقهاء أهل السنة أنفسهم… كان أتباع الأئمة يعيشون في هذا الجو ويتعاملون مع هذه المصطلحات. إذن كلمة (رأي) وما ورد عن تحريمها من قبل الأئمة يشير إلى المعنى الذي كان سائداً في ذلك الزمان.)[44]

٥. فهم سياق زمن صدور النص: قد لا يحدث تغير في ظهور اللفظ، بل قد يحدث تغير في مجمل الكلام وسياق الجملة. قد يُفهم من تركيب جملة في ذلك الزمان شيئاً، وفي زماننا شيئاً آخر. لذلك من الضروري أن يبحث الفقيه وعالم الإسلام عن المعنى الحكمِي للجملة في ذلك الزمان: (فإن تأثير العوامل المختلفة ليس مقصوراً على الظهور اللفظي بل يقع في الظهور السياقي أيضاً، فيؤثر في اختلاف الأفكار والحاجات والبيئات مع مرور الزمن، وقد يتفق اختلاف الظهور السياقي في زمان واحد لطبقتين باعتبار اختلاف المطالب التي تُنسب بها هذه الطبقة أو تلك مثلاً.)[45]

تأثير العوامل المختلفة لا يقتصر على الألفاظ والظهور اللفظي، بل قد يؤثر أيضاً في الظهور السياقي للجملة، واختلاف الأفكار والاحتياجات والمجتمعات المتنوعة مع مرور الزمن قد يغير سياق الجملة من معناها الأصلي إلى معنى آخر. وأحياناً قد يؤدي تعود الذهن إلى أن يفهم مجموعتان من الناس في زمن واحد جملة معينة بشكل مختلف. يروي الشهيد الصدر في شرح كيفية اختلاف الظروف الزمنية في فهم الكلمات وسياق الجمل قصة عن نفسه:

(ذات مرة رجعت إلى حديث في باب الحج مضمونُه:

يسأل الراوي الإمام: هل يجوز لمن عليه دين أن يذهب إلى الحج؟ فأجاب الإمام: نعم.

في البداية فهمت من الحديث أن الحج مقدم على الدين إذا تعارض الحج الحالي مع الدين الحالي.

لكن بعد ذلك ظننت أن هذا الفهم قد يكون ناشئاً من تعود ذهني على مسائل باب التزاحم. رجعت إلى الرواية مرة أخرى، فوجدت ظاهرها يدل على أن الدين ليس من استثناءات الحج. فإذا كان عنده مال، وإذا ترك الدين منه خرج من دائرة الاستطاعة، فهذا لا يعني رفع الحج عنه. ثم رجعت إلى أقوال الفقهاء، ففهموا المعنى الثاني أيضاً.)[46]

٦. معرفة فتاوى فقهاء معاصري الأئمة(ع): يرى الشهيد الصدر أن فهم الروايات والاستنباط الصحيح يستلزم التعرف على فتاوى أهل السنة المعاصرين للأئمة، لأن فقههم كان الفقه السائد في المجتمع وفي بيئة صدر الإسلام، وكانت وجهات نظرهم الفقهية تُطرح بين تلاميذ الأئمة(ع)، وعادةً ما تنشأ أسئلة أصحاب الأئمة من هذا السياق.

 

علاوة على ذلك، فإن الأئمة(ع) أنفسهم إذا صدرت فتوى مخالفة ولم تكن هناك تقية، كانوا يردون عليها بشدة، وقد تخفى علينا نقاط وزوايا من روايات أهل البيت إذا لم نأخذ بعين الاعتبار فقه وأحاديث أهل السنة، وقد لا تُحل مشكلة الروايات المتناقضة بشكل جيد. لذلك معرفة أحاديث وفقه أهل السنة علامة لا غنى عنها لفهم الروايات. يورد الشهيد الصدر في هذا الصدد رواية عصير عنب؛ وهي رواية عن الإمام الصادق حول ماء العنب المطبوخ (الطلاء). يكتب الشهيد الصدر: (فهم هذه الرواية يعتمد على معرفة خلفيتها التاريخية، وهي: في زمن ذهب عمر بن الخطاب إلى الشام، وشكى الناس هناك من سوء الهضم، وقالوا: كنا معتادين على الخمر، وحرمته عليهم مشكلة لهم.

قال له رجل نصراني: نحن معتادون على شرب نوع من الخمر نقوم بشربه لتقويتنا أثناء الصيام، وأحضر قليلاً منه، وكان ماء عنب مطبوخاً يشبه الرُبّ.

وضع عمر إصبعه عليه وقال: كأنه زيت يُدهن به الجمل. ثم توجه إلى عبادة بن صامت من أصحاب النبي وقال: ما رأيك في هذا الأمر؟

قال عبادة: لا أرى أن النار تحل الحرام.

فأبعده عمر وقال: لقد جننت. ثم أصدر عمر فتوى بحل ذلك. وبعد أن أجازه، سكر عدد من المسلمين من شربه ووقع عليهم الحد، فحذرهم عمر من الإفراط إلى حد السُكر.

وبدأت قصة تحريم وتحليل ماء العنب المطبوخ من هذا التاريخ، واستمر الخلاف حول جوازه أو عدمه حتى عصر الصحابة والفقهاء. اتبع فريق من فقهاء العامة رأي عمر، وآخرون رأي عبادة. وكان الجميع متفقين على أن الطهي على النار ليس سبباً في تحريم ذلك، لكن الخلاف كان في مسألة هل زوال الغليان بعد الطهي يؤدي إلى زوال التحريم أم لا، واختلف فقهاء العامة في مقدار الغليان؟ هل يكفي تبخر نصف ماء العنب أو ثلثاه أو مجرد الطهي؟ ويعتقد أنصار عبادة أن زوال ثلثي ماء العنب يؤدي إلى زوال السُكر، والنزاع في هذه المسألة هو هل الطهي على النار يحلل السائل مطلقاً حتى وإن كان السائل محرماً قبل الطهي أم لا؟ وليس أن الطهي على النار يحرمه. هذه المسائل أخذها السائل بعين الاعتبار، ورد الإمام أيضاً على هذا السؤال.)

وفي الختام يكتب الشهيد الصدر:

(هذا الإجماع التاريخي، إن لم يسبب ظهور الروايات في العودة إلى المسألة المختلف فيها، فإنه على الأقل يجعل الرواية مجملة؛ لأننا نرجح أن الإجماع المعاصر للرواة (الذهب) له ظهور في هذه القصة المتداولة، ويحتمل أن يكون دلالة مستمرة سبباً في إجمال الرواية.)[47]

7. التعرف على السياق التاريخي لفتاوى الفقهاء: كما يجب عند دراسة الروايات فحص بيئة صدورها، كذلك من الضروري لفهم فتاوى الفقهاء السابقين أن يُنظر في ذلك؛ لأن الفقهاء عاشوا في ظروف سياسية مختلفة، وكان للتيارات السياسية في المجتمع تأثير على أفكارهم وطريقة مواقفهم. أسلوب حياة التيارات السياسية والاقتصادية في زمن الأساتذة، والرأي العام المعاصر، والتيارات الفكرية المتنازعة، توضح لنا أفكار الفقهاء بشكل أوضح.

كان الشهيد الصدر يولِي اهتماماً كبيراً لهذه النقطة في دراسة تاريخ فتاوى الفقهاء، ولم يغفل عن السياق التاريخي للفتاوى عند الرجوع إلى فتاوى السابقين:

(كان الشهيد الصدر في استقراء أقوال العلماء السابقين يسعى دوماً إلى دراسة الظروف الحاكمة في ذلك الزمان بدقة… مثلاً في موضوع الربا، ضمن مقارنة النصوص الفقهية واكتشاف الواقع والحقيقة وعمق الظروف السائدة في زمن كتابتها، حاول استنباط الفتوى النهائية.)[48]

وعلى هذا الأساس، يعبّر الشهيد في تقييم منهج الفقهاء السابقين عن قوله:

(العلماء والفقهاء السابقون كانوا دائماً يأخذون من واقع حياة الناس ويعرضونها على حكم الشريعة، وكان لواقع الحياة الاقتصادية للناس مثل: الجعالة والمضاربة والمزارعة… أثر عليهم، فكانوا مع مراعاة هذه الوقائع يلجأون إلى الكتاب والسنة ويستنبطون أحكامها. المعاملات مثل: الإيجار والمزارعة… تدل على سوق قبل ألف سنة أو ثمانمائة سنة، ولذلك لفهم الفتاوى بشكل صحيح في مسائل الاقتصاد يجب دراسة الظروف الاقتصادية في تلك الأزمنة.)[49]

وفي نقاش النجاسة للكفار، بعد نقل فتويين مختلفتين للشيخ المفيد حول الكراهة والنجاسة، يكتب الشهيد الصدر في موضوع الاستغراب:

(قد نرد الاستغراب بأن الشيخ المفيد كان في البداية يعتقد بطهارة الكفار، ثم اعتقد بنجاستهم؛ لأننا لا نعرف بدقة تاريخ صدور الفتوى.)

وبعد مزيد من الدراسة يكتب الشهيد:

(الفتوى بطهارة الكفار تعود إلى بداية عمله وتأثره بأستاذه ابن جنيد وابن عقيّل، الذين كان مشهوراً عنهم اعتقادهم بطهارة أهل الكتاب.)[50]

التاريخ من المصادر الموثوقة لدراسة السيرة

هو من مصادر معرفة حكم السيرة. طريقة الحكماء المعاصرين للمعصومين، إذا أُقرّت منهم، فهي دليل شرعي على صحة ذلك الحكم.

للسيرة قسمان: السيرة المتشرعة والسيرة العقلائية.

السيرة المتشرعة: هي أن يكون المؤمنون المعاصرون للمعصوم قد عاونوا العمل أو القول، ويُتيقن أنهم اعتبروا ذلك العمل من المعصوم، مثل مسح الرأس، حيث كان الشيعة في كل الأزمنة يمسحون الرأس في الوضوء. فإذا اعتبروه من المعصوم فهو حجة لنا.

السيرة العقلائية: هي العمل الذي يقوم به الناس عادةً، مثل الاستحواذ على الملكية. وفي هذه الحالة، فإن سكوت القانون وعدم منعه عن العرف المتداول يُعتبر تقريراً ودليلاً على موافقة الشرع على مشروعية الاستحواذ.[51]

لإثبات السيرة العقلائية والمتشرعة، استدل الفقهاء بعدة طرق. من أشهرها الاستصحاب الرجعي، الذي يرجع طريقة العرف أو المؤمنين المعاصرين إلى الماضي، ويتتبعها حتى زمن المعصوم. ومن هذا الاستصحاب نستنتج أن منهج الناس المعاصرين للمعصوم كان على هذا النحو؛ لأنه من غير المحتمل أن يكون هذا السيرة السائدة بين الناس قد نشأت فجأة وبدون صلة بالماضي، ولو كان للأئمة سيرة مخالفة لذلك لكان ينبغي أن تُروى.

الشهيد الصدر في نقد هذا الطريق يكتب:

(لأنّه كما توجد أوجه اشتراك بين جيلنا والأجيال السابقة، توجد أيضًا اختلافات في الحياة الاجتماعية والاحتياجات المعيشية بين الحاضر والماضي. وليس ببعيد أن تتداول عبر الزمن عادات مختلفة بين الناس وتختفي؛ لأن العادة إذا زالت فجأة تكون غريبة، ولكن إذا انقرضت تدريجيًا وحلت محلها عادة أخرى فلا غرابة في ذلك. مثلاً، إذا كانت العادة في زمن الإمام هي القراءة العالية في صلاة الجمعة، ثم ورد عن الإمام أنه لا يجب القراءة العالية، وذهب رأي علماء ذلك الزمان إلى أن تلك العادة لا تدل على الوجوب بل على الاستحباب، وأفتى عالم بعدم الوجوب، وتبع الناس ذلك، ثم ازداد أتباع هذا الرأي تدريجيًا، وبعد مدة استند عالم آخر إلى جمع بين الأخبار التي تدل على عدم الاستحباب، وازداد المحققون الذين يتبعون هذا الرأي، حتى جاء زمن آخر استند فيه أحد الفقهاء إلى جمع بين الأخبار التي تدل على وجوب القراءة البطيئة، وازداد المحققون في هذا الرأي، وتبع الناس هذا الفتوى، حتى استقر في النهاية أن العادة المتشرعة كلها على وجوب القراءة البطيئة في الصلاة، فهذه العادة لا تدل على ارتباطها بزمن المعصوم.

نرى الواقع الخارجي للمسألة في مسألة وجوب سحب ماء البئر النجس. فقد استقرت عادة السابقين على سحب الماء النجس من البئر، واستقرت عادة اللاحقين على طهارة ماء البئر. بالإضافة إلى ذلك، قد لا تكون هذه العادة مستقرة في زمن الإمام، بل يكون الحكم محل خلاف، ثم بعد فترة من حضور الإمامة، يصدر رأي من أحد العلماء، ويصبح هذا الفتوى شائعًا بين المؤمنين.

قد لا يكون رأي المتشرعة نابعًا من الشريعة، بل من الغفلة أو التوافق مع ذوق العقلاء، ويكتسب تدريجيًا لباس الشرع، كما هو الحال في معاملات الأطفال.)[52]

يرى الشهيد الصدر أن أكثر المصادر موثوقية لإثبات عادة أيام المعصومين هي المصادر التاريخية. وهو يرى أن دراسة العادات والأساليب الاجتماعية والسياسية للعقلاء في زمن المعصومين سترشدنا إلى هذا الطريق.

وكما يستفاد من دراسة الحياة الاقتصادية لشعب زمن المعصوم أنهم كانوا يتعاملون بالمال الأجنبي، كذلك التاريخ يدل على أن الناس كانوا يستخدمون معادن مثل: العقيق والملح، وكانوا يعتبرونها ملكًا لهم. لإثبات هذه العادة يجب أن نطمئن إلى وجود مثل هذا الشيء في زمن المعصوم، أو أن يكون هناك خبر يحقق جميع شروط الحجة على هذه العادة، مثل كثرة النقل والاستفادة من الروايات، ومصاحبة الروايات لشواهد الصدق، وعدم وجود دليل معارض. مثلاً، إذا نقل تاريخ أن الناس كانوا يستخرجون النفط في زمن النبي ويملكونه، فلا يمكننا قبول ذلك؛ لأن هناك تاريخًا أدق يثبت أن وصول الناس إلى النفط كان في زمن بعد زمن النبي.[53]

في مسألة نجاسة الكافر، بينما ادعى بعض العلماء أن نجاسة الكفار من ضروريات المذهب وشعار الشيعة[54] ولا يجوز التشكيك فيها، فإن الشهيد الصدر لا يقبل هذه الضرورة، ويثبت بالأدلة التاريخية أن مثل هذا الأمر إن وجد فهو متعلق بزمن الغيبة وليس زمن المعصومين.

يستفيد من الروايات أن الرواة في زمن الأئمة (ع) كانوا يسألون كثيرًا عن نجاسة الكفار ومخالطتهم، وحتى حُميري من فقهاء الإمامية في زمن الغيبة الصغرى سأل الإمام:

(عند أحدنا يعيش جماعة من المجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة، ويخيطون لنا الملابس، هل يجوز أن نصلي في تلك الملابس قبل غسلها؟)

كان هذا السؤال لمعرفة التكليف، وليس مجرد نقاش علمي، ويدل على أنه لم تكن هناك عادة راسخة وضرورة ثابتة على نجاسة الكفار وغير المسلمين:

(في صدر الإسلام، وخاصة بعد صلح الحديبية، كان النبي يتعامل سياسيًا وتجاريًا مع الكفار، وكان اليهود والنصارى شركاء في حياة وأموال المسلمين، وكان أمر بهذه الأهمية مرتبطًا بمعيشة المسلمين لا يمكن أن يخفى أو يثبت برواية واحدة، فالعادة القوية والشاملة تحتاج إلى أثر قوي مثلها.)[55]

هذه النقاط التاريخية تؤكد أن هذه العادة الحالية التي تحكي عن نجاسة الكافر تتعلق بزمن الغيبة وليس زمن الحضور.

مسألة أخرى يطرحها الشهيد الصدر هي إثبات عُكْر الماء بواسطة إخبار من يملك الماء.

(إذا كان الدليل على العادة هو العقلاء، فهذه العادة موجودة بالارتكاز، وفي المجتمع توجد مثل هذه العادة، لكن وجودها التطبيقي والخارجي في زمن المعصوم (ع) مشكوك فيه؛ لأن هناك دليلاً على أن المياه العكرة كانت متاحة على نطاق واسع في ذلك الزمن، ولم تكن هذه المياه شائعة، فعدم رفض الشارع يعتمد على وجود موضوع العادة في زمن المعصوم، وعدم وجود الموضوع لا يعني موافقة الشارع على العادة.

ثم يكتب:

(لو كان وجود الموضوع في زمن المعصوم من أركان العادة وموافقة الشارع، لكان الاستدلال بالعادة صعبًا في كثير من الأمور التي ظهرت لاحقًا، مثل إثبات ملكية الغاز والكهرباء… بالاحتياز.)[56]

( 266 )

يؤكد الشهيد الصدر في مناسبات مختلفة أن الباحث في العادة يجب أن يأخذ في الاعتبار الاحتياجات والظروف في الأزمنة المختلفة، وألا ينأى بالدليل عن ظروفه:

(أحيانًا تبدو السلوكيات والعلاقات الاقتصادية الموجودة في زمن حياة المحقق صحيحة وأصيلة إلى درجة أن المحقق ينسى العوامل التي أدت إلى نشأتها، ويظن أن العلاقات المذكورة صحيحة وجذرية وتعود تاريخيًا إلى عصر التشريع، في حين أنها في الواقع نتاج عوامل وظروف بعد عصر التشريع.

على سبيل المثال نذكر الطريقة الشائعة لتوليد الرأسمالية في الصناعات الاستخراجية. يقوم الرأسمالي بتوظيف العمال لاستخراج الموارد والاستحواذ على المنتج. عقد العمل الذي يُبرم لهذا الغرض بين الرأسمالي والعامل يبدو من حيث الآثار، أي تملك الأجر من قبل العامل وتملك المنتج من قبل الرأسمالي، أمرًا طبيعيًا وتقليديًا تاريخيًا؛ ولهذا يظن البعض أن هذا النوع من العقود كان شائعًا في عصر التشريع ويُعتبر مقبولًا بسبب تقريره في الإسلام.)[57]

يعتبر الشهيد الصدر أن الخطأ الآخر في فهم السيرة هو فصل تقرير الحكم الزمني للمعصوم عن الظروف والاحتياجات الخاصة به:

 

(يحدث أحيانًا أن الباحث لا يأخذ في الاعتبار خصائص العوامل المؤثرة في تأسيس سلوك معين، ويصدر حكمًا عامًا بأن ذلك السلوك دائمًا صحيح، في حين أنه من أجل صحة الاستدلال يجب إدخال جميع الظروف الموضوعية المؤثرة في تأسيس السلوك في الحساب والحكم. ومن هذا المنطلق، إذا تغيرت بعض الظروف، فإن الاستناد إلى سبب التقرير يصبح غير مبرر؛ فمثلًا إذا قيل إن شرب الفقاع جائز لأن فلانًا من الناس مرض في زمن النبي وشرب منه ولم يمنعه النبي، فإن الاستدلال السابق وحده لا يكون سببًا لجواز شرب الفقاع لكل شخص؛ لأن بعض الأمراض قد يكون شربه جائزًا استثناءً. فإذا أخذنا سلوك المعاصرين في عصر التشريع دون مراعاة ظروفه وعممناه على جميع السلوكيات المشابهة، رغم وجود خصائص تغير الحكم، نكون قد وقعنا في الخطأ. لذلك يجب عند إصدار الحكم أن نأخذ بعين الاعتبار جميع الحالات الاستثنائية والأوضاع الاجتماعية السائدة في عصر التشريع.)[58]

دور التاريخ في الفهم الاجتماعي

يرى الشهيد الصدر أن دور العلماء الدينيين هو نفس دور الأنبياء، ومن هذا المنطلق يجب أن تكون العلوم التي تُدرس في الحوزات العلمية في إطار هداية الناس وإرشادهم. المتدينون يتعلمون العلم ليس من أجل العلم فقط، بل من أجل العمل، وفعالية ما يتعلمونه في ميدان العمل والمجتمع تتطلب اكتساب الوعي والمعرفة الاجتماعية. ولهذا يجب على الفقيه في مرحلة الاستنباط والاجتهاد، بالإضافة إلى الإلمام بالنصوص الدينية، أن يكون على دراية بتاريخ العالم والإنسان، وأن يتابع سير الأحداث والظواهر، وأن يأخذ في الاعتبار تجارب البشر في مختلف العصور والمجتمعات، وأن يجلس للاستنباط وهو مطلع على كل الجوانب.

ويؤكد أن الفرق بين العلوم الرياضية والعلوم الاجتماعية هو أن الباحث لكتابة كتاب رياضي لا يحتاج إلى معرفة بالتاريخ والمجتمع، فحتى دون معرفة بالمجتمع والتاريخ يستطيع حل معادلة رياضية. وحل كثير من مشكلات علم الأصول من هذا النوع أيضًا، لكن العلوم الاجتماعية التي تُعد من الأدوات الأساسية لعلماء الدين تحتاج إلى الوعي بتاريخ المجتمعات والشعوب. يجب على العالم الديني أن يخرج من داخل البيت إلى الخارج، ويتعرف على الناس، ويعرف ماضي المجتمعات، ويكتسب الخبرة.

كل هذا يجعله قادرًا على فهم المذهب بشكل أفضل، ويكون أكثر نجاحًا في تحسين الحياة والثورة الاجتماعية:

(وأما العمل الاجتماعي فهو بحاجة إلى حدس اجتماعي. والحدس الاجتماعي يتكون من خلال التفاعل مع الناس، ومن خلال الاطلاع على الظروف السائدة، ومن خلال الاطلاع على الملابسات، ومن خلال الاطلاع على التجارب التي قام بها الآخرون، ومن خلال المقارنة بين أحوالنا وأحوال الآخرين.)[59]

الأعمال الاجتماعية تحتاج إلى نظرية ورؤية اجتماعية، وهذه النظرية تتولد من الحياة مع الناس، والوعي بالظروف السائدة، ومن المناسبات وتجارب الآخرين، ومن المقارنة بين الظروف الحالية وأسلوب حياة الآخرين.

وقد استدل فقيه على الملكية الخاصة:

(الاحتياج هو مبرر ملكية الأرض، وضرورتها تقتضي ذلك؛ لأن الإنسان ليس كالحيوانات التي لا تحتاج إلى مسكن خاص، بل الإنسان كائن اجتماعي ولا بد له من مسكن خاص. وإذا لم تُوضع أنظمة لتلبية حاجة الإنسان، سيحدث اضطراب، وخلاف ذلك هو تكليف لا يُطاق.)

وقد كتب الشهيد الصدر نقدًا على الفتوى السابقة:

(كلنا بالطبع نعترف بوجود الملكية الخاصة في الإسلام وبشكل خاص فيما يتعلق بالأرض، لكننا نختلف مع الرأي الذي يرى أن رأي الإسلام مستند ومرتبط بسياق تاريخي لفكرة الملكية، كما أن الفقيه المذكور لا يمتلك الأبعاد الفكرية والمعلومات الكافية عن الماضي والحاضر والمستقبل ليُدرك التاريخ السابق للملكية، ونتيجة لذلك يرى في ما وراء كل (علاقة اجتماعية في حياة الإنسان شبح الملكية الخاصة، ويخلط بين العلاقة الخاصة والملكية الخاصة، ولا يستطيع التمييز بين الواقع والشبح. ويستنتج أنه بما أن الإنسان يحتاج إلى السكن، فلا بد أن يمتلك مسكناً خاصاً ليطمئن فيه. لو استطاع هذا الشخص التمييز بين (السكن الخاص) في مكان ما و(الملكية الخاصة) له لما وقع في هذا الخلط التاريخي بين الموضوعين.)[60]

التاريخ السياسي للحوزة

كانت الحوزات العلمية مثل النجف وكربلاء… من أوائل القلاع التي واجهت الاستبداد والاستعمار، ففي الحرب العالمية الأولى دخل آلاف من الطلاب والعلماء الكبار في النجف وكربلاء في معارك ضد الاستعمار البريطاني، واستشهد المئات منهم دفاعاً عن استقلال بلاد الرافدين. للأسف، مع سيطرة الأطراف المتنافسة على الساحة السياسية في العراق، تم إقصاء العلماء عن المشهد السياسي، واتحدت جميع الأطراف السياسية: القوميون، الملحدون، وغيرهم ضد رجال الدين. وضع حزب الشيوعيين وحزب البعث قتل ونفي العلماء على جدول أعمالهما، وعززوا عملياتهم الوحشية بدعم ثقافي وسياسي هائل. حاول البعثيون بحركة منسقة في الجيش والمدارس ووسائل الإعلام أن يظهروا أنفسهم كمنقذين للعراق، وأن يقدموا صورة عن رجال الدين كأشخاص تابعين وبعيدين عن الحضارة. سعوا إلى محو ذكريات نماذج المقاومة والتضحية من الأذهان، وتصوير التاريخ السياسي للرافدين بطريقة مرغوبة لديهم. في هذا المسار، بدلاً من تقديم شخصيات مناضلة مثل: ميرزا الشيرازي، ميرزا الثاني، الخالصي، خوانساري، النائيني، الحبوبي… تم تقديم أشخاص مثل ميشيل شبلي، طفلاح… كنماذج للأجيال الجديدة، وتم تشويه شخصيات كبار العلماء مثل آية الله الحكيم.

كل هذه الحركات المدمرة ضد رجال الدين الأصيلين وحوزة النجف كانت تتم تحت شعار التجديد والإصلاح، وكان المدّعون الكذبة للتقدم والنهضة يصنعون لأنفسهم صوراً عربية وشعبية. هذه الظروف القاتلة التي تمت بتواطؤ المال والقوة والخداع، وكانت تسيطر على جميع وسائل الإعلام الدعائية، كانت بحاجة إلى حركة كبرى، وإيقاظ جيل غافل وغير واعٍ بتاريخه، وكان ذلك يتطلب استذكار التراث الماضي. جيل أصبح صمّاً تحت قصف الدعاية العربية المتطرفة، وحُرم من كل الروابط التي تربطه بماضيه، وأصبح الشباب بدلاً من الاعتماد على الإسلام ورجال الدين، يجعلون الإلحاد والقومية العربية قبلة لهم، ويتجمعون جماعات نحوها.

كان الشهيد الصدر يعتبر المشاركة في هذا الميدان جهاداً عظيماً، ورأى أن إيقاظ الحوزويين وكسر جو الصمت والتفرقة، وإحياء الأمل بين الطلاب الشباب هو الطريق المهم لإيقاظ الأمة.

كان الشهيد الصدر مطلعاً تمام الاطلاع على التاريخ السياسي للحوزة والأمة العربية، ولتعريف الشباب بحياة العلماء، كان يرسم بسلاح القلم حياة المجاهدين مثل كاشف الغطاء، سيد شرف الدين، والعلماء المناضلين الذين شاركوا في ساحات القتال.

في توضيح مراحل الحوزة، وخاصة المرحلة الأخيرة وهي مرحلة القيادة، يورد الشهيد الصدر تقريراً عن التغيرات التي طرأت على الحوزات بعد دخول الاستعمار إلى البلدان الإسلامية:

(منذ دخول الاستعمار إلى البلدان الإسلامية حدث نوع من التغير في تنظيم الحوزة؛ لأن الحوزة كانت تتحمل إلى جانب مهمة الدعوة، مسؤولية الدفاع عن القيم الإسلامية، وهو الدفاع عن مصالح المسلمين في مواجهة هجوم الاستعمار. خلال خمسين إلى ستين سنة من نفوذ الاستعمار في إيران والعراق ولبنان ومدن شيعية أخرى، كانت الحوزة تتحمل بشدة مسؤولية مواجهة الاستعمار. بالطبع، كانت هذه القيادة تختلف في شدتها وضعفها حسب الزمان والمكان والظروف، لكن المقاومة التي قدمتها الحوزة كانت قائمة، وتحمل الحوزويون في هذه المرحلة آلاماً ومعاناة لا تحصى.)[61]

كان الشهيد الصدر يرسم معاناة وآلام العلماء السابقين في الحوزة، ويحث الحوزويين على تحمل المعاناة كما فعل أسلافهم، والحفاظ على ميراث الآباء.

كان الشهيد الصدر يشجع الحوزويين على سرد تاريخ الجهاد للحوزة ضد الاستعمار، وعرض النماذج الإنسانية والتربوية للحوزة على المجتمع، لكي لا ينحرف الجيل الجديد، وليكون له نور يهتدي به في طريقه.

في رسالة إلى أحد الحوزويين الذي أظهر في سلسلة مقالات تاريخ جهاد علماء الحوزة، كتب الشهيد:

(نقاشكم القيم حول التاريخ الجهادي للعراق ودور العلماء فيه أسعدني. بلا شك، من الضروري اليوم أن نوضح هذه الفصول التاريخية من حياتنا، التي تعبر فعلياً عن مواقف قوية اتخذها الإسلام ضد الاستعمار والمستعمرين، وتجسدت في تصرفات علماء الإسلام وقادته الفكريين.)[62]

[1] (الحوار السياسي) العدد 117/30 المركز الإسلامي للنقاشات الإسلامية.

[2] (مباحث الأصول) سيد كاظم حائري القسم الثاني الجزء الأول 65/.

[3] (الحوار السياسي) العدد 28 ـ 56/29.

[4] (يادنامه شهيد صدر) موسوي 41/.

[5] (الحوار السياسي) العدد 117/30.

[6] (فلسفة التاريخ) دكتور سروش 10/ حكمت.

[7] (نقد على الماركسية) شهيد مطهري منشور في: (مجموعة الآثار) ج439/4. صدرا.

[8] مجلة (الثقافة الإسلامية) العدد 133/4 المراسم الثقافية للجمهورية الإسلامية في دمشق.

[9] (العراق بين الماضي والحاضر والمستقبل) 550/ مؤسسة الفكر الإسلامي بيروت.

[10] (السنن التاريخية في القرآن) منشور في (المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمد باقر صدر) ج13 دار التعارف للمطبوعات.

[11] (رسالتنا) محمد باقر صدر افتتاحيات مجلة الأضواء 103/ مكتبة النجاح طهران.

[12] (الحوار السياسي) العدد 29 و 56/28.

[13] (أهل البيت تنوع الأدوار ووحدة الهدف) سيد محمد باقر صدر منشور في: (المجموعة الكاملة…) ج142/11 ـ 143.

[14] (المرجع نفسه) 145/.

[15] (بحث حول الولاية) منشور في: (المجموعة الكاملة…) ج111.

[16] (التشيع مولود طبيعي للإسلام) محمد باقر صدر ترجمة علي حجتي كرماني 7/ مؤسسة المعلومات. دكتور علي شريعتي له نقد اجتماعي على هذا الكتاب العلمي للشهيد صدر انظر: (مجموعة الآثار) العدد 181/1 ـ 201.

[17] عن عباس عقاد المصري انظر: (الإعلام زركلي ج266/3.

[18] (فدك في التاريخ) منشور في: (المجموعة الكاملة) ج41/11.

[19] (علوم القرآن) سيد محمد باقر حكيم 39/ المجمع العلمي الإسلامي. قسم كبير من هذا الكتاب من تأليف محمد باقر صدر الذي كتب بناءً على طلب كلية أصول الدين في بغداد للتدريس لكنه لم يكتمل، فأكمله تلميذه الشهيد محمد باقر حكيم.

[20] (السنن التاريخية في القرآن) محمد باقر صدر ترجمة دكتور سيد جمال موسوي 17/. روزبه.

[21] (نهج البلاغة) الخطبة 158.

[22] (المعالم الجديدة) منشور في: (المجموعة الكاملة…) ج54/3.

[23] (المرجع نفسه) 81/ بشكل مختصر.

[24] (المرجع نفسه) 32/.

[25] (المرجع نفسه) 84/.

[26] (المرجع نفسه) 50/.

[27] (مباحث الأصول) سيد كاظم حائري. الجزء الأول من القسم الثاني 97/ بشكل مختصر.

[28] (المرجع نفسه) القسم الثاني الجزء الثالث 64/ ـ 70 بشكل مختصر.

[29] (المرجع نفسه) القسم الثاني الجزء الثاني 523/.

[30] تحت آية (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) سورة (العنكبوت) آية 45. هذه الرواية واردة عن سعد بن طريف. انظر: (تفسير نور الثقلين) الحويزي ج161/4؛ نسخة علمية قم؛ تفسير (البرهان) البحراني ج253/4 الإسماعيليون. سعد بن طريف في كلام الشهيد صدر هو نفسه سعد خفاف. هذا الغضائري قال عنه: ضعيف، ونقل الكشي من الحمدوية أنه من الناووسية ولا يقبل الأئمة بعد الإمام الصادق. انظر: (جامع الرواة) الأردبيلي ج354/1 رقم 2854 دار الأضواء بيروت.

[31] (جامع الرواة) ج144/1.

[32] (مباحث الأصول) القسم الثاني الجزء الثاني 230/.

[33] (جريدة الجمهورية الإسلامية) 66/1/19 مقابلة مع آية الله سيد محمد باقر حكيم.

[34] (يادنامه شهيد صدر) موسوي 39/.

[35] (مع التحول في الاجتهاد) محمد باقر صدر ترجمة أكبر ثبوت 35/. روزبه. مع تحرير.

[36] (تعارض الأدلة الشرعية) تقرير درس الشهيد صدر مقرر: سيد محمود هاشمي 39/ دار الكتاب اللبناني بيروت.

[37] (المرجع نفسه) 38/.

[38] ليث بن سعد أبو الحارث مولود 92هـ.ق. ومتوفى 175 مصر. ليث رفض القضاء من منصور. انظر (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة) أسد حيدر ج158/1. نسخة دار الحجة قم.

[39] (سنن أبو داود) 157/ 202 ـ 270.

[40] (المرجع نفسه) 511/.

[41] (بحوث في شرح العروة الوثقى) شهيد صدر ج355/2 منشور في (المجموعة الكاملة…) ج7 بشكل مختصر.

[42] (تعارض الأدلة الشرعية) 31/. بشكل مختصر.

[43] (اقتصادنا) محمد باقر صدر ترجمة محمد كاظم بجنوردي وإسپهبدي ج43/2.

[44] (مباحث الأصول) الجزء الثاني القسم الثاني 233/. بشكل مختصر.

[45] (المرجع نفسه) 187/.

[46] (المرجع نفسه).

[47] (بحوث في شرح العروة الوثقى) ج383/3 منشور في (المجموعة الكاملة…) ج7.

[48] جريدة (الجمهورية الإسلامية) 66/1/19 مقابلة مع سيد محمد باقر حكيم.

[49] (السنن التاريخية في القرآن) 38/.

[50] (بحوث في شرح العروة الوثقى) ج245/3.

[51] (دروس في علم الأصول) شهيد صدر ج459/1 منشور في (المجموعة الكاملة) ج1.

[52] (مباحث الأصول) القسم الثاني الجزء الثاني 160/.

[53] (المرجع نفسه) 106/.

[54] (جواهر الكلام) شيخ محمد حسن النجفي ج42/6 دار إحياء التراث العربي.

[55] (بحوث في شرح العروة الوثقى) ج247/3.

[56] (المرجع نفسه) ج134/2.

[57] (اقتصادنا) ج46/2.

[58] (المرجع نفسه) 47/.

[59] (المحنة) محمد باقر صدر 6/ منشور في (المجموعة الكاملة…) ج13.

[60] (اقتصادنا) ج64/2.

[61] (المحنة) 24/.

[62] الأسبوعية (بعثت) السنة 12 العدد 3 مسلسل 579 بتاريخ الاثنين 70/1/26.