الشهيد آية الله الصدر ومكانة الاجتهاد القيمة

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: شهید آیت الله صدر و جایگاه ارزشى اجتهاد ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: محمد دشتى

لفهم المكانة السامية للشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر في فقه الشيعة وقيمة الاجتهاد واستنباط الأحكام الإلهية من وجهة نظر ذلك الفقيه الكبير في عالم التشيع، لا بد من ذكر عدة مقدمات ضرورية:

أ) الجماعات والنظريات

فيما يتعلق بالقرآن والعترة و(القرآن والحديث) توجد عدة نظريات:

النظرية الأولى: لجأت مجموعة لأغراض سياسية وللهروب من المسؤوليات إلى شعار «حَسْبُنا كِتابُ اللّه» وقالوا: نحن لا نحتاج إلى العترة والتفسير والحديث، فالقرآن وحده كافٍ،[1] مع أنهم عمليًا لم يستطيعوا الثبات على هذا الشعار.

النظرية الثانية: يفكر بعضهم عكس المجموعة الأولى ويقولون: يجب أن نستخدم فقط الروايات والأخبار وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يحق لنا أبدًا تفسير القرآن أو تقييمه بالعقل والفكر والاستدلال، ولا استخراج الأحكام الإلهية والمسائل منه.

زعيم هذه المجموعة شخص يُدعى أمين أسترآبادي، الذين أصبحوا فيما بعد معروفين باسم «الأخباريين». ظهرت هذه المجموعة في الشيعة في عهد الصفويين؛ لكنها لم تصمد أمام خصائص خط الاجتهاد وولاية الفقيه والاستدلال الواضح والمنطق القوي للفقهاء، وتلاشت تدريجيًا مع مرور الزمن.[2]

النظرية الثالثة: هذه النظرية تعود لأنصار الاجتهاد والتقليد. يقولون: القرآن والعترة ضروريان وهذان جناحا الطيران في معرفة المسائل الإسلامية لا يمكن تجاهلهما؛ يجب الاستفادة من الأخبار والروايات وكذلك العقل والاستدلال والمعرفة الإنسانية محترمة وذات قيمة؛ لأن القرآن بدون الحديث والتفسير وتقييم عترة النبي (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يكون معروفًا ومفحوصًا بشكل كامل، كما أن الاستدلال بالروايات يحتاج إلى القرآن والمعايير الواضحة للوحي.

إلى جانب القرآن والحديث، نحن بحاجة إلى الاستدلالات العقلية للفقهاء والمتخصصين في العلوم الإسلامية لفهم وتفسير القرآن والحديث، لكي يكونوا دائمًا حماة أصالة المدرسة ويردوا على الاحتياجات الجديدة والحديثة للمجتمعات الإسلامية.

ب) أسباب الحاجة

يسألون: إذا كان القرآن الكريم كتابًا سماويًا وكاملاً، فلماذا يحتاج المجتمع الإسلامي إلى الحديث وروايات أهل البيت (عليهم السلام) والعقل والإجماع والاجتهاد والبحث؟

يجب توضيح هذه المسألة ودراستها، لكي تُحبط مؤامرات الجماعات السياسية ولا يُخفى على أحد خصائص خط الاجتهاد والتقليد؛ لأننا نعلم:

1ـ القرآن كتاب كامل ولا يوجد فيه أي نقص، ويبيّن جميع أنواع الاحتياجات المادية والمعنوية للبشر، كما يقول الله تعالى:

وَ نَزَّلْنا عَلَيك الْكِتابَ تِبْيانَاً لِكُلِّ شَيء؛[3]

أنزلنا عليك كتابًا يبيّن كل شيء.

2ـ لا يُغفل شيء في القرآن:

وَ لا رَطْب وَ لا يابِس إلاّ في كِتاب مُبين؛[4]

لا يوجد شيء رطب ولا يابس إلا وقد ورد حكمه في القرآن.

3ـ لا يوجد فيه أي غموض أو اختلاف:

وَ لَو كانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدوُا فيهِ اخْتِلافَاً كَثِيراً؛[5]

لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافات كثيرة.

الآن يجب أن ندرس هل يمكننا بدون التخصص اللازم أن نعرف القرآن ونطلع على معانيه وأسراره العلمية وغيرها؟ هل يمكننا بدون تخصص وبحث أن نستخرج الأحكام الإلهية والمسائل الضرورية للفرد والمجتمع من القرآن؟ أو كما هو واضح لجميع الباحثين في الإسلام، يجب أن يكون هناك تخصص في جميع المجالات العلمية ونحتاج إلى اجتهاد الفقهاء اليقظين؟

نسأل:

من يجب أن يفسر كليات القرآن ويطابقها مع احتياجات الفرد والمجتمع؟ من يجب أن يحلل الآيات المتشابهة في القرآن (التي تبدو كأنها تطرح حكمًا واحدًا بينما تحتوي على أحكام مختلفة)؟ بعض الآيات والأحكام منسوخة (أي أن حكمها أُلغِي بحكم أحدث)، من يجب أن يميز بين الآيات الناسخة (الحكم الجديد الذي ألغى الحكم السابق) والمنسوخة؟ بالإضافة إلى ذلك، كثير من تفاصيل المسائل الفردية والاجتماعية لا تظهر ظاهريًا في آيات القرآن الكريم. فكيف نستخرج الأحكام التفصيلية؟

القرآن الكريم نفسه أجاب على كل أسئلتنا ويقول:

هُوَ الَّذي أنْزَلَ عَلَيك الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ محكماتٌ هُنَّ اُمُّ اَلْكِتابِ وَ اُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَاَمَّا الَّذينَ في قلوبهم زَيعٌ فَيتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَاْويلِه وَ ما يعْلَمُ تَاْويلَهُ إلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ في الْعِلْمِ؛[6]

هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخرى متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم.

في هذه الآية يحذر الله ويؤكد على العلم والتخصص في تفسير القرآن. هنا نقول: من أجل الكمال والنمو، نحن بحاجة إلى القرآن وأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتحليلات والتفسيرات اللازمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) التي هي مجموعة الأحاديث والروايات.

قال الإمام الصادق (عليه السلام):

كِتاب اللّهِ فيهِ أنْباءُ ما قَبْلَكُمْ وَ خَبَرُ ما بَعْدَكُمْ وَ فَصْل ما بَينَكُمْ وَ نَحْنُ نَعْلَمُهُ؛[7]

في القرآن توجد جميع أخبار السابقين من قبلكم وأخبار القادمين من بعدكم، وما يلزم حياتكم وحكمكم بينكم هو القرآن، ونحن وحدنا نعلم معانيه الصحيحة.

انتبهوا إلى جملة «نَحْنُ نَعْلَمُهُ» التي توضح جملة «الرّاسِخُونَ في الْعِلْمِ» في الآية السابقة.

هنا نشير إلى بعض جوانب أسباب حاجتنا إلى الحديث والروايات:

1ـ ضرورة بيان تفاصيل الأحكام

لقد ذكر القرآن المسائل والأحكام العامة، ولكن في بيان التفاصيل نحتاج إلى تفسير وتوضيح وتطبيق من عترة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والفقهاء المتخصصين واليقظين دائمًا؛ فمثلاً في القرآن وردت الصلاة والصيام وقطع يد السارق والزواج… ولكن كثيرًا من التفاصيل والظروف الخاصة بها لا تظهر ظاهريًا.

في الحقيقة، لا يمكن أن يكون القرآن غير ذلك؛ لأنه لو ذكر القرآن جميع تفاصيل الأحكام والمسائل الإسلامية بوضوح وبالتفصيل، لكان قد تحول إلى موسوعة ضخمة من عدة مجلدات، ولم يكن هذا العمل ضروريًا بوجود مفسرين مثل رسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعترته الكريمة. فجميع الأحكام والمسائل في القرآن الكريم جاءت بطريقة لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم، قال الإمام الصادق (عليه السلام):

ما مِنْ أمْر يخْتَلِفُ فيهِ اِثْنانِ إلاّ وَ لَهُ أصْلٌ في كِتابِ اللّهِ عَزَّوَجَلَّ وَ لكِنْ لاتَبْلُغُهُ عُقُولُ الرِّجالِ؛[8]

لا يوجد أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله عز وجل، ولكن عقول الناس لا تدركه.

2ـ كيفية تنفيذ القانون

في كيفية تنفيذ القوانين في المجتمع البشري، نحتاج إلى عترة النبي (صلى الله عليه وآله) والفقهاء العارفين. الحدود والديات والضرائب وغيرها واضحة في القرآن، ولكن كيف يجب تنفيذ الحدود؟ هل للتوبة أثر؟ وأين وبيد من يجب تنفيذ الحدود؟ هل العفو والتسامح يمكن أن يلغي الحدود؟ في مئات الأسئلة من هذا النوع، ماذا يجب أن نفعل؟ هل يمكننا استخراج هذه المسائل من القرآن بدون تفسير وتحليل وإشراف رسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعترة النبي المعصوم (عليهم السلام) وفقهاء الشيعة؟

الإجابة على هذه الأسئلة واضحة، ففي كيفية تنفيذ القانون، وفي حياة الأمة الإسلامية نحتاج إلى الاجتهاد وإشراف الفقهاء الكرام.

3ـ تحديد شروط ومتطلبات القوانين الإلهية

في ظواهر آيات القرآن، لم تُذكر شروط ومتطلبات القوانين الإلهية وكيفية تنفيذها بشكل كامل وواضح ومحدد، وهذه المهمة الهامة وُكّلت إلى عترة النبي (صلى الله عليه وآله) والفقهاء، ليتم حل هذه المسائل الأساسية بمعايير استخراج الحكم (في علم أصول الفقه وفقه أهل البيت (عليهم السلام))، وليتم تفسيرها وتوضيحها في كل عصر وزمان بما يتناسب مع الظروف السائدة على الفرد والمجتمع.

4ـ الاحتياجات الجديدة وكليات القرآن

الجميع يتفق على أن القرآن يحتاج إلى تفسير وتحليل؛ لأن احتياجات الفرد والمجتمع دائمة التجدد، ويجب أن تتوافق كليات أحكام القرآن مع الاحتياجات الجديدة للمجتمع. فمن يمكنه تحمل هذه المهمة الإلهية الهامة؟

فرقنا عن الفرق والطوائف الأخرى هنا، فنحن نقول: في التفسير والتطبيق، العلم والمعرفة والإيمان والاجتهاد ضرورية؛ أما هم فيقولون: يمكن لأي شخص أن يتدخل.

فكيف يمكنهم بدون تخصص ومعرفة كافية أن يرفعوا شعار «حَسْبُنا كِتابُ اللّه» في المجتمع؟ وهم الذين يتحدثون في كل أمر عن التخصص والكفاءة، أليس علم الإسلام والقانون يحتاج إلى مجتهد متخصص؟

5 ـ الضمان التنفيذي

لنمو الفرد والمجتمع واستمرار طريق الكمال، لا يكفي وجود القانون فقط، فإذا لم يكن للقانون ضمان تنفيذي، فلن يكون له أثر في الحركة التكاملية.

القرآن أيضًا يحتوي على سلسلة من الأحكام الإلهية التي نحتاج في تفسيرها وتحليلها إلى قادة الشيعة الحقيقيين والفقهاء العارفين، وكذلك في تنفيذ هذه القوانين إلى قيادة وحكومة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وفقهاء الشيعة، لكي يتم توفير الضمان التنفيذي للأحكام الإلهية في نظام سياسي وحكومي، وليتحقق حفظ المذهب والقانون في خط الاجتهاد.

وبناءً على هذه الحقائق الاجتماعية قال النبي الكريم (صلى الله عليه وآله):

إنّي تارِكٌ فيكُمُ الثِّقْلَينِ كِتابَ اللّهِ عِتْرَتي؛

إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي.

ثم في استمرار هذا الحديث في بيان أسباب حاجتنا إلى القرآن والعترة قال:

لَنْ يفْتَرِقا حَتّى يرِدا عَلَي الْحَوْض؛[9]

هذان الاثنان (القرآن والعترة) لن يفترقا حتى يردا على الحوض.

نرى عمليًا في دراسة تاريخية أنه كلما تم طرح القرآن والعترة في المجتمع، تحقق نمو وتكامل وعظمة المسلمين بشكل حقيقي، وكلما انفصلا، حل الانحراف والاختلاف والاضطراب والالتقاط في الأمة الإسلامية.

في سنوات طويلة من الإمامة، كان كل جهد القادة المعصومين (عليهم السلام) (از سال 11 ـ  329هـ) تفسير ودراسة المسائل الإسلامية من القرآن الكريم، وكانت النتيجة آلاف الأحاديث والروايات التي شكلت كتبًا وكتيبات مدونة. واستمر هذا العمل منذ عام 260 هـ (بداية غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)). في هذا الوقت برزت رسالة الفقه وفقهاء الشيعة.

العلماء العارفون من الشيعة منذ زمن رسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) بذلوا جهدًا في جمع الأحاديث والروايات، وخلال الغيبة، مع بقاء باب الاجتهاد مفتوحًا، كان لهم دور أساسي في استخراج المسائل الإسلامية.

النتيجة:

1ـ القرآن كتاب سماوي كامل يجيب على كل احتياجات الفرد والمجتمع إيجابيًا.

2ـ القرآن قابل للفحص والمعرفة ونحن نمتلك أدوات معرفته، وإن كانت محدودة.

3ـ القرآن لا يحتاج إلى شيء، بل نحن بحاجة إلى الأحاديث الكثيرة لفهم القرآن.

4ـ بناءً على الاستدلالات السابقة، لا يمكننا أن نفهم القرآن وندرسه تمامًا دون مساعدة أحاديث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمة الشيعة (عليهم السلام).

5ـ في أحداث الزمان وتنفيذ الأحكام الإلهية وفيما يتعلق بالحاجات الجديدة للمجتمع، نحن بحاجة إلى الأئمة المعصومين (عليهم السلام) والفقهاء الشيعة وفتح باب الاجتهاد والتحقيق.

6ـ إذا توجهنا إلى القرآن بدون تخصص ومعرفة وإرشاد العترة وأهل البيت (عليهم السلام)، فلن يكون لذلك فائدة وسنضل الطريق.

والآن إذا انتبهنا إلى أسئلة بداية النقاش، سيتضح أن هذه الشعارات مجرد طابع سياسي فقط لكي ينسى الناس قيادة الفقهاء وضرورة التخصص، ويقوموا بتحريف الإسلام والقرآن وتدميرهما بذوقهم وفكرهم الناقص.

ج) ضرورة الكتاب والمتخصص

في جميع التخصصات العلمية في العالم، توجد كتب قابلة للاستخدام. هل يمكن القول: إن وجود هذه الكتب فقط كافٍ وأن الرجوع إلى العلماء والعارفين في كل هذه التخصصات العلمية والضرورية للمجتمع هو أمر غير مجدٍ؟ هل يمكننا أن نتجاهل ضرورة البحث والدراسة والتعليم والتربية بشعار «حَسْبُنا كِتابُ اللّه»؟ إذا نسي الباحثون في التخصصات العلمية البحث والدراسة ولم يعرفوا الجيل الجديد بهذه العلوم والفنون، ألن تُنسى هذه العلوم شيئًا فشيئًا؟

أولئك الذين يعتبرون القرآن كافيًا، إذا كان لديهم التخصص والمعرفة اللازمة في فهم القرآن، فلا يمكنهم بدون إرشاد القادة المعصومين (عليهم السلام) وتوجيهات النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن يعرفوا القرآن بشكل صحيح. هذه التوجيهات الدينية هي سر إقامة الحوزات العلمية وجذب الطلاب الدينيين (الطلاب) وتدريس الفقه والأصول، لاستمرار الاجتهاد وفهم القرآن الكريم.

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) معتبراً أسباب حاجة الأمة الإسلامية إلى الفقه والفقاهة:

وَ إنَّ مِنَ الْحَقِّ أنْ تَفَقَّهُوا؛[10]

إنه من الحق أن تتعلموا الفقه ومنهج الاجتهاد في الأحكام الإلهية.

وفي كلام ثمين آخر أوضح قائلاً:

هذَا الْقرآنُ إنَّما هُوَ خَطٌّ مَسْتُورٌ بَينَ الدَّفَّتينِ لاينْطِقُ بِلِسان وَ لابُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمان وَ إنَّما ينْطِقُ عَنْهُ الرِّجالُ؛[11]

هذا القرآن هو خطوط مخفية بين الغلافين، لا يتكلم بلسان، بل يحتاج إلى مترجم ومفسر، ولا يتكلم عنه إلا الرجال.

لأن القرآن، بحسب اعتقاد مفكري الشيعة وأهل السنة، هو أحد مصادر استخراج الأحكام الإلهية. كلا الفريقين يؤمنان بضرورة العودة إلى القرآن وإعطاء الأولوية لما يجب وما لا يجب فيه؛ مع الفرق أن قادة أهل السنة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقولون حتى الآن: إننا نفسر القرآن بالعقل والتفكير والقياس والاستحسان والأذواق الشخصية، أما مفكرو الشيعة فيقولون: إننا نفسر القرآن بأحاديث وروايات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأئمة المعصومين (عليهم السلام) وطرق التفسير الخاصة بعترة النبي (صلى الله عليه وآله)، ونرفض القياس والتفسير بالرأي والاستحسان.

يجب على المفكرين الواعيين أن يحكموا من هم الذين بقوا على سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

الشهيد آية الله صدر والابتكار في الاجتهاد

الآن، مع مراعاة المقدمات المذكورة، يمكننا تقييم مكانة الاجتهاد والقانونية المنهجية لآية الله الشهيد صدر بوضوح.

كان الشهيد صدر من سلسلة فقهاء الشيعة المشهورين الذين، مع مراعاة عنصر الزمان والمكان، كانوا قادرين على تقديم إجابات لاحتياجات الإنسان المعاصر من القرآن والعترة. كان ابتكار وإبداع آية الله الشهيد صدر منظماً وفي إطار القرآن والعترة. في هذا الاجتهاد المستمر والديناميكي والمتناسب مع الحاجات الحديثة للناس، لم يقع في التفكير الانتقائي ولم يتعرض للانحراف عن الحقائق. كان دائمًا يحارب البدع، وبالاجتهاد والاستنباط الصحيح، كشف عن البدع. كان يفكر في أصالة الوحي، ويستفيد في تفسير الوحي الإلهي من إرشادات العترة (عليهم السلام). كما فسّر كليات القرآن بأساليب الاجتهاد الصحيحة، واستخرج حاجات الإنسان الحديثة من القرآن والحديث.

عظمة ورفعة الشهيد آية الله صدر كانت في معرفته بالزمان والزمانة، ووعيه بحاجات الإنسان المعاصر، وقدرته على استخراج الأحكام الإلهية في جميع ميادين حياة الإنسان.

مع أنه مجتهد مبتكر وفقيه واعٍ بالزمان، لم يبتعد أبدًا عن أصول ومبادئ الأحكام الإلهية. بينما المفكرون الإسلاميون الآخرون (في الفرق الإسلامية الأخرى) إما تمسكوا ببعض المعتقدات المسبقة والثابتة والقديمة وغفلوا عن الحاجات الحديثة، وابتعدوا عن الزمان والزمانة وناموا في عزلة، أو انجروا إلى البدع في الابتكارات والتفكير الانتقائي، وطرحوا الاستحسان وأعطوا الرأي الشخصي أولوية في الدين، أو لجأوا إلى الاستصلاح وغيروا الأحكام الإلهية بمصالح زائفة، أو سلكوا طريق الانحراف بالقياس. أما الشهيد آية الله صدر فقد تقدم بثبات وقوة في مرتبة الاجتهاد الرفيعة، وكان دائمًا حافظًا لأصالة الدين والأحكام الإلهية، وقضى على كل انحراف.

الإمام علي (عليه السلام) في نقده ورده على الذين أُغووا باسم التجديد إلى الابتداع في الدين، قال:

تَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمُ الْقَضِيةُ في حُكْم مِنَ الاَْحْكَامِ فَيحْكُمُ فِيها بِرَأْيهِ; ثُمَّ تَرِدُ تِلْكَ الْقَضِيةُ بِعَينِها عَلَى غَيرِهِ فَيحْكُمُ فِيهابِخِلافِ قَوْلِهِ; ثُمَّ يجْتَمعُ الْقُضَاةُ بِذلِكَ عِنْدَ الاْمَامِ الَّذِي اسْتَقْضَاهُمْ، فَيصَوِّبُ آرَاءَهُمْ جَميعاً. وَإِلهُهُمْ وَاحِدٌ! وَنَبِيهُمْ وَاحِدٌ وَ كِتابُهُمْ وَاحِدٌ. أَفَأَمَرَهُمُ اللّهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ بِالاِْخْتِلاَفِ فَأَطَاعُوهُ؟ أَمْ نَهاهُمْ عَنْهُ فَعَصَوْهُ؟

يُقَدَّمُ نزاعٌ حول حكم اجتماعي إلى عالمٍيصدر حكماً برأيه الخاص؛ ثم يُقدم نفس النزاع إلى آخرفيحكم عكس رأي الأول تماماً؛ ثم يجتمع جميع القضاة عند الإمام الذي عيّنهم للقضاء، فيصحح آراءهم جميعاً. في حين أن إلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد. هل أمرهم الله سبحانه وتعالى بالاختلاف فطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟

الإمام علي (عليه السلام) بعد أن بيّن أسباب وجذور الخلافات الفكرية لدى مدعي الاجتهاد والفتوى في زمانه (كيف كانوا يظنون الحلال حراماً والحرام حلالاً، ويغيرون القيم بسهولة)، تناول مبادئ الوحدة في الاجتهاد. فبناءً على المبادئ والأسس القيمة للاجتهاد يمكن الحماية من الابتداع والانحرافات العقائدية. وقد وجه حضرته في متابعة الخطبة التوجيه التالي:

أَمْ أَنْزَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى إِتْمَامِهِ؟ أَمْ كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يقُولُوا وَ عَلَيهِ أَنْ يرْضَى؟ أَمْ أَنْزَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ (صلى الله عليه وآله)عَنْ تَبْلِيغهِ وَ أَدَائِهِ؟

وَ اللّهُ سُبْحَانَهُ يقُولُ: «مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيء» «وَفِيه تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيء.»

وَ ذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ أَنَّهُ لاَ اخْتِلاَفَ فِيه فَقَالَ سُبْحَانَهُ: «وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً» وَ إِنَّ الْقُرْآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَ لاَ تَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَ لاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلاَّ بِهِ؛

هل أنزل الله سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ هل كانوا شركاء له فيقولون ما يشاءون ويجب عليه أن يرضى؟ هل أنزل الله سبحانه ديناً كاملاً وقصّر الرسول (صلى الله عليه وآله)في تبليغه وأدائه؟ والله سبحانه يقول: «ما فرطنا في الكتاب من شيء» و«فيه بيان لكل شيء». وذكر أن بعض القرآن يصدق بعضاً وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: «ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً». وإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تنفد عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تُكشف الظلمات إلا به؛

الشهيد آية الله صدر هو المثال الأعلى للفقيه الجامع الشروط الذي قدّمه أمير المؤمنين (عليه السلام):

 – مجتهد يجاهد ويجتهد في إطار القرآن والعترة.

- فقيه يقف في الخط الأمامي للدفاع عن الدين ضد جميع أنواع الابتداع.

- فيلسوف يواجه الفلسفات المستوردة بوعي كافٍ من الفلسفة الإسلامية، ويمنع انحرافات فكرية لدى جيل الشباب المعاصر بكتابه فلسفتنا.

- اقتصادي يعرف مبادئ الاقتصاد الإسلامي ويعرّف العالم بأحكام الاقتصاد الإسلامي بكتابه اقتصادنا.

- عارف يسعى في طلب الحق متجاوزاً كل المراتب السامية، وينال في النهاية كأس الشهادة.

 

 

[1]. راجع إلى: أحمد ميرخانه، سير الحديث، ص 354 – 355. يكتب المؤلف مع تقديم أدلة من كتب أهل السنة المعتبرة: عمر الخليفة الثاني منع حفظ وجمع الأحاديث وعاقب الأشخاص الذين حفظوا الحديث. إهانة عمر للنبي (ص) وقصة القلم والدفتر، التي منعت إحضارهما وكتابة وصية النبي (ص)، وشعاره: «حسبنا كتاب الله» وقوله: «إن النبي (ص) غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا» واردة في هذه المصادر: صحيح البخاري، ج 1، ص 22؛ ج 4، ص 85 و121؛ محمد حسنين هيكل، حياة حضرة محمد (ص)، ج 2، ص 690؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 182؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 242؛ ابن شاذان، الإيضاح (طبعة بيروت)، ص 186؛ أحمد بن حنبل، مسند أحمد، ج 1، ص 22 و90؛ ج 3، ص 343؛ ابن عساكر شافعي، تاريخ ابن عساكر، ج 6، ص 451؛ حلبي شافعي، السيرة الحلبيّة، ج 3، ص 381؛ مسلم بن حجاج، صحيح مسلم، ج 2، ص 11؛ ج 5، ص 75؛ ج 11، ص 89.

[2]. مرتضى مطهري، التعرف على العلوم الإسلامية، ج 3.

[3]. النحل (16)، الآية 89.

[4]. الأنعام (6)، الآية 59.

[5]. النساء (4)، الآية 82.

[6]. آل عمران (3)، الآية 7.

[7]. أصول الكافي، ج 1، ص 78 ـ 79.

[8]. أصول الكافي، ج 1، ص 78 ـ 79.

[9]. الحياة، ج 2، ص 140.

[10]. أصول الكافي، ج 1، ص 57، حديث 6.

[11]. نهج البلاغة، الخطبة 125. أسانيد وأدلة الخطبة 125 كما يلي: الطبري، تاريخ الطبري، ج 6، ص 37؛ ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص 100؛ الشيخ المفيد، الإرشاد، ص 157 / ج 1، ص 266؛ الطبري، الاحتجاج، ج 1، ص 186 و275؛ شرح قطب رواندي، ج 2، ص 38؛ نسخة خطية من نهج البلاغة تعود إلى سنة 421 هـ، ص 102؛ نسخة خطية من نهج البلاغة تعود إلى سنة 499 هـ، بخط ابن مؤدب.