ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: فقه نظام در سنجه رد و امکان ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص
«الفقه النظامي» يعني الكشف عن النظريات الكبرى للإسلام في الموضوعات الاجتماعية، والتي يثار حول إمكانية وجودها أو نفيها بعض الاعتراضات؛ رغم أن هذه الاعتراضات في الغالب تنبع من نوعية المنهج المتبع في الفقه والشريعة الإسلامية. تهدف هذه المقالة إلى تعزيز الأسس النظرية للفقه الإسلامي، من خلال دراسة وتصنيف الاعتراضات المطروحة في هذا الخصوص بطريقة مراجعة تحليلية، وتسعى للرد على الاعتراضات الموجهة إلى أصل وجود «الفقه النظامي» لإزالة الفهم الخاطئ قدر الإمكان. معظم الاعتراضات على رفض الفقه النظامي تتعلق بعدم وجوده في أصل الشريعة أو بعدم إمكانية الوصول إليه. تتناول هذه المقالة (الفقه النظامي في ميزان الرفض والإمكان) ضمن حصر الأدلة، الرد على الاعتراضات وإثبات إمكانية الفقه النظامي، وتُظهر نتائج الدراسات أن اختلاف وجهات النظر في تعريف هذا المجال الفقهي ينبع من حداثته ودخول تصورات مختلفة إلى هذا النقاش، إلا أن هذه المسألة تبدو ممكنة مع الأخذ بعين الاعتبار الترابط والتناسق بين الأحكام واعتبار المسائل الكبرى من قبل الشارع و… .
المؤلف: مصطفی غفوری
المصدر: حکومت اسلامی، شتاء ١٤٠٠، العدد ١٠٢، الصفحات ٦٣-٩٣
المقدمة
هناك اختلاف في الرأي بين المفكرين حول ماهية وإمكانية الفقه النظامي، وهذه المسألة تتطلب تحليل الاعتراضات المعارضة والردود المؤيدة، حتى تتضح الاعتراضات المحتملة ويتم التفكير في حلول لها، ليتمكن هذا المسار العلمي من الوصول إلى نتيجة مقبولة.
لقد أدت تحولات المجتمعات في العالم الحديث إلى إثارة شكوك حول السير فقط وفق الفقه الموجود؛ إلى حد أن الفقه الإسلامي، كعلم لكشف الاعتبارات القانونية ونظام إدارة الحياة، إذا لم يكن لديه فكرة أو نظام للإنسان على المستوى الاجتماعي الكلي، فلا بد أن يقع في تنظيم غير إسلامي حتى عند تطبيق الفقه التقليدي. لذلك، لا يمكن للفقه أن يدعي قيادة حياة الإنسان نحو الكمال؛ لأن الفقه يجب أن يكون له موقف وبرنامج لتوفير فضاء يتناسب مع التعاليم الإسلامية على الصعد الاجتماعية. هذا التحدي دفع المفكرين الإسلاميين إلى الاستفادة من قدرات الفقه بطرق مختلفة للرد على هذه الظروف المتغيرة؛ فبعضهم دخل هذا المجال من خلال طرح الفقه الحكومي، وبعضهم قدم الفقه الاجتماعي، ومؤخرًا ظهر طرح الفقه النظامي، الذي يواجه بدوره تفسيرات مختلفة:
١. الفقه المنهجي؛ بمعنى الفقه المصنف مثل التقسيم الفني لأبواب الفقه عند العلامة الحلي (صادقی رشاد، ١٣٩٧/٩/١٣) أو الهيكل المتماسك والمترابط (بمعنى ارتباط الأحكام في الأهداف أو الموضوعات المختلفة) (میرباقری؛ عبداللهی و نوروزی، ١٣٩٥، ش٣٦، ص٧٣-٦٣).
٢. الفقه النظامي الحكومي وأنظمة الحكم؛ مثل الفقه النظامي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في إيران الإسلامية، والذي يُتصور فقط في إطار الحكم الإسلامي (مشکانی سبزواری، ١٣٩٥، ش٢، ص٧٩).
٣. الفقه الكاشف عن النظريات الكبرى في ميادين الحياة الاجتماعية المختلفة، والتي تتضمن أنظمة كبرى؛ مثل النظام الاقتصادي والاجتماعي… وأنظمة فرعية؛ مثل نظام المصارف ونظام الضمان الاجتماعي…، وهذا هو المقصود بالفقه النظامي في هذا البحث؛ رغم أن الفقه الحكومي والاجتماعي قد يشترك معه في بعض الجوانب، إلا أننا بحاجة إلى تمييزها للمعالجة المتخصصة والرد على الاعتراضات في هذا المجال، والذي يرى الشهيد الصدر أنه علاج للمشكلات الأساسية للمجتمع في المدرسة الاجتماعية الإسلامية (شهید صدر، ١٤٠٢هـ، ص٦١).
السابق
تناولت مقالة «فقه النظرية، عند الشهيد الصدر» شرح الفقه النظري وكشف موقف الفقه من وجهة نظر الشهيد الصدر في ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، والتي تجسد رؤية الإسلام كنظرية كبرى كقاعدة تشمل أحكامًا مختلفة، مستمدة من بنيتها لتنظيم الحياة (غفوری الحسنی، ١٣٧٩، ش٢٠، ص٢٠١-١٢٢).
أكدت مقالة «الفقه، الزمن، وبناء النظام» على ضرورة دخول الفقه في بناء الأنظمة، ورفضت فقط شبهات نظامية الفقه بأنها غير موثقة وغير مدعمة بالأدلة (نبوی، ١٣٧٥، ش٦٧، ص٢١-٣).
في مقابلة مقالة «الفقه الحكومي، موضوعه، بناء النظام واستراتيجيات ترسيخه»، تناول المؤلف علاقة موضوع الفقه الحكومي ببناء النظام، وبيّن قدرات بناء النظام إلى جانب شرح استراتيجيات تحقيق وترسيخ خطاب الفقه الحكومي (علیدوست، ١٣٩٥، ش١، ص٤٦-٢٧).
ترى مقالة «الاجتهاد الحكومي، بناء النظام الديني، وبناء الحضارة الإسلامية» أن النظرة الحكومية إلى المصادر تكشف عن الأنظمة الاجتماعية المطلوبة للحضارة الإسلامية (مشکانی سبزواری، ١٣٩٥، ش٢، ص٧٩).
تعتبر مقالة «الحجية في الاجتهاد البنائي، مع التركيز على آراء آية الله السيد محمد باقر الصدر» أن بناء النظام يعني تأسيس بناء المجتمع على الشريعة الإسلامية، وتسعى إلى رسم آلية تحليل فعل المكلف غير الفردي وحجية أفعاله في ميادين الحكم الكبرى (سعدی، ١٣٩٥، ش٣٦، ص٦٠-٤٣).
مقالة «الفقه البنائي» كما ورد في عنوانها، تناقش قدرات الفقه السياسي لبناء النظام بمعنى تأسيس النظام الحكومي، ولا تدخل بجدية في نقاش الفقه النظامي المصطلح (ارسطا، ١٣٩٠، ش٥٣-٥٢، ص١٨٠-١٧٨).
مقالة «إعادة بحث إمكانية وحجية بناء النظام في الفقه مع التركيز على نظرية الشهيد الصدر» ترى أن إمكانية بناء النظام على أساس الفقه، إلى جانب العناصر الثابتة، عنصر المرونة (منطقة الفراغ) هو الضامن للاستجابة لمقتضيات التاريخ والمجتمع التي قد توجد في أي وقت، وبهذا يكون للفقه نظام كامل (علی اکبری بابوکانی؛ طباطبایی و آهنگری، ١٣٩٥، ش١٠٧، ص١٠٦-٧٨).
مقالة «متطلبات منهجية بناء النظام مع الاعتماد على فكر الشهيد الصدر» تجيب عن سؤال ماهية المنهجية لهذه النظريات وما متطلباتها؟ وترى أن النظرية الدينية في الأنظمة الاجتماعية تستلزم تغطية ثلاثة معايير: «الانسجام»، «الفعالية»، و«الاعتذار الشرعي»، وتؤكد على ضرورة دمج الطرق العقلية والنقلية والتجريبية لتغطية هذه المعايير (کدخدایی، ١٣٩٦، ش٩٢، ص١٩٦-١٦٩).
مقالة «الفقه الحكومي من منظور الشهيد الصدر»، تعتبر فقه الأنظمة كلًا مترابطًا يحول الموضوعات إلى شبكة متكاملة، وتستعرض من خلال تقرير نظرية الشهيد الصدر في باب فقه الأنظمة، خصائصه واختلافه عن الفقه الموجود (میرباقری؛ عبداللهی و نوروزی، ١٣٩٥، ش٣٦، ص٧٣-٦٣).
تصريحات آية الله محمدجواد فاضل لنكراني في ثلاث جلسات: ١. المؤتمر الثاني لوجهات النظر القانونية لآية الله الموسوي الأردبيلي، ٨ آذر ١٣٩٧. ٢. درس الخارج، ١٣ آذر ١٣٩٧ و ٣. في جلسة الأسئلة والأجوبة ١ دي ١٣٩٧ مع نقد «فقه الأنظمة»، أدت إلى انتقادات تجاهه (فاضل لنکرانی، ١٣٩٧/٩/٨، ١٣٩٧/٩/١٣ و ١٣٩٧/١٠/١).
مقالة «فقه الأنظمة» ردًا على ملاحظات آية الله فاضل لنكراني، تركز على مقالة «الفقه الحكومي من منظور الشهيد الصدر» وتتناول في ثلاثة أقسام توضيح مبادئ فقه النظام (عبداللهی، ١٣٩٩، ش٢، ص٨٩-٥٧).
نظرًا لأن البحوث السابقة غالبًا ما كانت تسعى إلى توضيح بناء الفقه في سياق الحكم الإسلامي وأحيانًا في كشف حجية الأنظمة الناشئة عنه، إلا أنه يبدو أن هناك ملاحظات لا تزال قائمة حول طبيعة فقه النظام، وهذا البحث يحاول من خلال دراسة متخصصة وتمييز فقه النظام عن المنهج الحكومي، الرد على الملاحظات المتعلقة بطبيعة وإمكانية إدراج فقه النظام.
الأهمية والضرورة
نظرًا للمشكلات العديدة في استخدام الأنظمة الاجتماعية غير الإسلامية وكذلك عدم انسجامها مع نطاق من التعاليم الإسلامية، يشعر المجتمع بحاجة ماسة إلى نظام اجتماعي متناسب. وبسبب عدم دراسة الملاحظات الموجهة إلى موضوع فقه النظام والردود عليها، أصبح الوصول إلى خلاصة أمرًا صعبًا. ومن حيث أن آثار الاهتمام بالأنظمة الفقهية تحدث فرقًا جوهريًا بين طريقتي الفقه: الفقه التقليدي ونظرة قبول الأنظمة، فإن الأمر يتطلب دراسة وإمكانية تقييم.
الافتراضات المسبقة لمناقشة فقه النظام
١. الشرط المسبق لدخول مجال فقه النظام هو الإجابة على تحديد نطاق الدين في الحياة الإنسانية، وإلى أي حد وفي أي مجالات يمكن توقع ذلك، وإلى أي مدى تدخل الدين الإسلامي في مجالات العلوم والحياة الإنسانية.
٢. فقه النظام له على الأقل خمسة مناهج بين العلماء، ويمكن تتبع جذور وجهات النظر المختلفة في قبول أو رفض فقه النظام على النحو التالي:
الرأي الأول: نظر الأشاعرة في رفض نظامية الشريعة بمعنى أن الله لم يرسل الرسل بهدف معين، إما لأن الغاية العقلانية غير موجودة أساسًا أو لأنها غير متاحة لنا (ابن حزم، ١٤١٧هـ، ص١٠٦)، وبالطبع هذا المنهج يرفض فقه النظام أيضًا؛ رغم أن بعضهم يرى أن هذا الرأي منهج كلامي لا علاقة له بالفقه، لكن كما يظهر من عرضهم، فقد نقلوا هذا المنهج الكلامي إلى مجال الفقه.
الغزالي يعتبر مبادئ مثل إقامة العدل ونفي الظلم أمورًا مصطنعة واعتبارية لا أهمية لها لا في ثبوت الشريعة أو اللوح المحفوظ ولا في إثبات واستخلاص الأحكام الشرعية (غزالی، د.ت.، ص١٠٦).
وبعض غير الأشاعرة أيضًا يؤمنون بما يلي:
الأحكام الشرعية هي فقط تابع لأمر ونهي شرعي، ولا ضرورة لأن تكون جميع الأوامر والنواهي تابعًا للمصالح والمفاسد، بل قد توجد في الشرع أوامر ونواهي لا تتبع أي مصلحة أو مفسدة ظاهرة أو حتى حقيقية، بل هي فقط تابع لاعتبار وأمر ونهي الشارع المقدس. على أي حال، نحن لا ننكر وجود الحسن والقبح في الأشياء، لكننا لا نقبل وجود الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة في الأحكام (عابدی، ١٣٧٦، ش١٢، ص١٧٣).
الرأي الثاني: رغم أنه لا يعتبر هدفية الشريعة مستحيلة، لكنه يرى أنه لا دليل على ذلك. وبعضهم ينكر أساسًا علاقة المصادر الدينية ببناء النظام كليةً، ويعتقدون أن موضوع الحياة الاجتماعية والأنظمة الاجتماعية غريب عن المصادر الدينية، وأن الدين مسؤول عن علاقة الفرد بالله فقط؛ وذلك على المستوى الفردي دون تدخل في الشؤون الاجتماعية؛ ومن وجهة نظرهم، حتى لو تدخل الدين في الشؤون الاجتماعية، فإن ذلك تدخل عرضي وليس من مقولات الدين الحقيقية (سروش، ١٣٧٨، ص١٣٧). لذلك، الدين والمعيشة، وبالنتيجة المصادر الدينية والأنظمة الاجتماعية، مجالان مختلفان تمامًا، والمعيشة وتقديم الأنظمة الاجتماعية من مسؤولية عقل الإنسان (فراست خواه، ١٣٧٣، ص٢٢٠).
أي أن الفقه رغم أنه نظامي من حيث الثبوت، إلا أنه لا يمكن إثبات إمكانية اكتشاف هذا النظام. الفقه له نظام وأهداف، لكن هذه العلاقة غير قابلة للاكتشاف والاعتبار. هذا الرأي مرتبط بمنهج عدم الاهتمام بمقاصد الشريعة واعتبار معيار الأحكام تعبدياً؛ أي أن مصالح الأحكام بعيدة عن إدراك عقل الإنسان (خويي، ١٤١٨ق (ب)، ج٢٠، ص٤١٦ ونفسه، ١٤١٨ق (أ)، ص١١٠). لذلك، قلما سعى هؤلاء إلى اكتشاف مصالح ومناطات الأحكام، وبسبب القلق من الوقوع في فخ القياس الذي كان الأئمة المعصومون دائمًا يؤكدون على تجنبه (کلینی، ١٤٠٧هـ، ج١، ص٥٩-٥٤)، تجنبوا قدر الإمكان طرق الاستنباط العقلي.
الرأي الثالث: يؤمن بأن الفقه نظامي وقابل للاكتشاف، وأن هذا النظام يتحقق من خلال استنباط الأحكام بشكل تلقائي؛ أي أن الاستنباط المنهجي للأجزاء يؤدي إلى فقه متماسك ومترابط؛ أي أن اكتشاف فقه النظام هو الاستنباط المعتاد للأحكام، ولا حاجة لاستنباط جديد للنظام الجزئي أو الكلي (مبلّغي، .(1397/12/11
قبول ملازمة حكم العقل بحكم الشرع في المذهب الشيعي، يدل على أن العقل يمكنه فهم مناطات الأحكام (مظفر، ١٣٧٠، ج١، ص١٨٠-١٦٢). وصاحب الجواهر يصرح في هذا الخصوص: «إن الأحكام الشرعية عندنا معلومة لمصالح واقعية» (نجفی، ١٤٠٤هـ، ج٢، ص١٣٠؛ شهید اول، ١٤٠٠هـ، ج٢، ص١٣٨ و حلی، ١٤٠٣هـ، ص١٦٣). لكن منهجه لم يكن جمع الأحكام حول مناطات.
بالطبع، هناك من يرى وجود علاقة عامة بين الدين والأنظمة الاجتماعية؛ أي أنهم يقبلون أصل هذه العلاقة، لكنهم لا يعترفون بدور الدين في تشكيل الحياة الاجتماعية: «الإسلام لا يهتم بالأشكال والصور الحياتية، ولا يولي أي عناية لأي شكل من أشكال الحياة ليثبته، بل يركز دائمًا على روح الحياة» (مطهری، ١٣٨٠، ص٥٢).
الرأي الرابع: بعضهم استخلص من ضرورة تماسك الأحكام الفقهية المستنبطة معنى الارتباط الداخلي بين الأحكام، لكن الفقه هنا يُفهم كمعرفة قائمة على المبادئ المستخرجة من الإسلام، حيث توجد داخل الشريعة مجموعة من الرؤى الكبرى، والمبادئ، والقواعد التي تحكم مجموع أبواب الفقه، والتي يمكن على أساسها تنظيم المذهب الإسلامي. ورغم أن بعضهم ينسب هذا الفهم إلى الشهيد الصدر ومنهجه، حيث كان يعتقد أن الشريعة تحتوي على قواعد ومعايير كلية أكثر، تشكل الأحكام الجزئية في سياق تلك الأحكام الكلية، ومن هذه الأحكام الجزئية التي تُعتبر كالبنية الفوقية يمكن الوصول إلى المبادئ الكلية للمذهب الإسلامي في مختلف المجالات، إلا أن هذا التفسير لا يتوافق مع الواقع تمامًا، وعلى أي حال، يبدو أن هذا المعنى أيضًا ليس ذا فائدة كبيرة (شهید صدر، ١٤١٧هـ، ص٣٤٥-٣٣٥).
وربما في الأحكام الفردية، لا يكون التناسب والبنية التركيبية للأحكام محل اهتمام كبير، وتُنظر الأحكام بمعزل عن بعضها البعض، لكن في الأحكام المتعلقة بالمجتمع والحكم، تكون هذه المسألة ذات أهمية بالغة (رجبی، ١٣٩٩/١/٢٧).
الرأي الخامس: يرى أن المقصود من فقه النظام ليس مجرد الارتباط الداخلي لأجزاء الفقه؛ بمعنى أنه بما أن الفقه علم إدارة المجتمع، وبما أن المجتمع منظم وله أنظمة مختلفة، فلا يمكن توجيه مجتمع منظم بفقه غير منظم، لذا يجب أن يكون العلم الشرعي لإدارة هذا المجتمع منظمًا (مبلغی، ١٣٩٧/١٢/١١). وبعبارة أخرى، الاجتهاد التنظيمي هو استنباط الأحكام الشرعية من المصادر مع مراعاة عناصر إدارة المجتمع وتنظيم وتنسيق الأمور والعلاقات بين الأفراد وبعضهم البعض وبين الفرد والمجتمع.
وفيما يخص الفرق بين هذا الاجتهاد وغيره، يمكن القول إنه رغم أن جميع أحكام الشريعة الإسلامية قائمة على تنظيم العلاقات، وبعبارة أدق، فإن تنظيم العلاقات متضمن في ذات الأحكام الشرعية، إلا أن عنصر التنظيم في الاجتهادات الأخرى لا يدخل في مبادئ وأسس الحكم. أما في الاجتهاد التنظيمي، فإن عنصر الإدارة وتنظيم العلاقات يُعتبر عنصرًا مكونًا للحكم الشرعي. وبخصوص الفرق بين هذين المنهجين، يمكن القول إن الأحكام الفقهية أحيانًا تتعلق بإدارة فرد دون النظر إلى بيئته الحياتية، وأحيانًا أخرى يُنظر إلى الإنسان في تحديد الحكم الشرعي كجزء صغير أو كبير من كيفية إدارة المجتمع. أحيانًا تُطرح الأحكام الشرعية كجزء من مجموعة تدير الفرد والمجتمع في ظل حكم الإسلام، وأحيانًا تُطرح فقط كحكم لفرد واحد. هذان النوعان من النظرات مختلفان؛ وهذا الاختلاف في النظرة يؤدي إلى استنباط أحكام مختلفة، حتى في أدق المسائل مثل مسألة الطهارة والنجاسة (خامنهای، ١٣٧٦/٢/١٣).
وعلى هذا الأساس، يكمن الفرق في أن هدف الاجتهاد التنظيمي هو تنظيم علاقات البشر في إطار الشريعة، بهدف الوصول إلى السعادة الدنيوية والأخروية، ويسعى للإجابة على السؤال: كيف ندير المجتمع الإسلامي بناءً على الاجتهاد؟ بناءً عليه، يجب أن يسعى الاجتهاد التنظيمي إلى استنباط فقه إدارة النظام، لا فقه إدارة الفرد (خامنهای، ١٣٧٠/٦/٣١)؛ رغم أن مخرجات هذا النوع من الاجتهاد هي أيضًا إصدار أحكام شرعية كما في أنواع الاجتهاد الأخرى (کعبی و فتاحی زفرقندی، ١٣٩٥، ش١٥، ص١١١).
الرأي السادس: يرى أن معنى فقه النظام هو النظام اللازم الاستنباط؛ أي أنه إلى جانب الاستنباط الفقهي التقليدي، يجب السعي لاستنباط نظام فقهي أيضًا، وبما أن استنباط النظام الفقهي عمل صعب ومتعدد الطبقات من الناحية الجوهرية، فإن استنباطه يؤدي إلى نشوء نظرية، وبدون نظرية لا يمكن تقديم نظام فقهي؛ لأن الاستنباط النظامي ليس استنباطًا عاديًا. لذا، لتقديم فقه النظام، يجب أولًا وجود نظرية، لأنه يرغب في إقامة علاقة بين الأجزاء. ومن الطبيعي أنه إذا استنبط فقيهان أنواعًا مختلفة من النظام، فإن اختلافهما يكمن في نظرياتهما، لا في فتاواهما، وبالتالي، فقه النظام حتى في الاستنباط التقليدي يعطي طريقة نظر مختلفة؛ أي إذا تسلحنا بالنظرية الفقهية، ندرس المسائل المستجدة بطريقة أخرى ونكشف حدود الأحكام بدقة أكبر.
إذا نظرنا إلى المقترحات الفقهية بشكل كلي، يمكن استخلاص أفكار ورؤى جديدة. وتتمثل ميزة النظام في مجال النظرية في أنه من خلال إقامة علاقة محتوى بين الأجزاء والعناصر، يسعى إلى نظرة شمولية للعناصر. إن بناء النظام يعني تجميع المقترحات المرتبطة بموضوع معين واكتشاف القواعد الحاكمة عليها؛ حتى تتشكل كنظام واحد. على سبيل المثال، بجمع المقترحات الاقتصادية معًا والتدقيق في العلاقات بينها، يمكن التوصل إلى قواعد عامة وشاملة؛ كما هو الجهد الذي بذله الشهيد الصدر في “اقتصادنا” (اعرافی، ١٣٩٥، ش٣٦، ص١٢٩).
الفقه النظامي بهذا المعنى هو تقديم النظريات الكبرى في ميادين الحياة الاجتماعية المختلفة، والتي تنقسم بدورها إلى أنظمة كبرى؛ مثل النظام الاقتصادي، والاجتماعي، وغيرها، وأنظمة صغرى؛ مثل نظام المصارف ونظام الضمان الاجتماعي وغيرها. ورغم احتمال وجود تشابهات بين الفقه الحكومي والاجتماعي والفقه النظامي، إلا أنه من الضروري التمييز بينهما من أجل المعالجة المتخصصة والرد على الاعتراضات في هذا المجال، وهو ما يراه الشهيد الصدر في أن علاج المشاكل الأساسية للمجتمع يكمن في المذهب الاجتماعي الإسلامي (شهید صدر، ١٤٠٢هـ، ش١٢، ص٦١).
الاعتراضات على عدم الإمكان ورفض الفقه النظامي
تناول بعض الأساتذة عرض اعتراضات حول إمكانية وجود «الفقه النظامي»، وردّ عليها بعض الأساتذة الآخرين. وبسبب أهمية الموضوع، كان من الضروري تصنيف أهم الاعتراضات والرد عليها بطريقة منطقية، وعلى هذا الأساس سعينا للرد على الاعتراضات المتعلقة بإمكان ووجود الفقه النظامي؛ مع الإشارة إلى بعض الردود المقبولة، ولكن بسبب الإطالة والقيود، لا يمكن نقد أو تأييد الردود بشكل كامل:
الاعتراض الأول: عدم وجود أساس متين للفقه النظامي
قيل: «الفقه النظامي لا يملك سابقة أو دليلًا في الفقه، كما أن الفقه النظامي لم يثبت علميًا ولا يمكن الوصول إليه أساسًا، لذا فإن هذا التوجه لا يخدم الفقه بل سيكون نقطة توقف له» (فاضل لنكراني، .(1397/10/1)
الدلائل التي استند إليها في هذا الادعاء هي: ١. عدم وجود سابقة أو دليل للفقه النظامي، و٢. عدم ثبوته وإثباته علميًا.
الرد
نظرًا لأن أغلب المسالك الفقهية تركز على دراسة مسائل جزئية واكتشاف الأحكام الفرعية، فلا نجد في المصادر الفقهية نظامًا كاملاً، فالمجتهدون عادةً عند كل مسألة جديدة يرجعون إلى المصادر لبحث إمكانية الاستفادة منها أو عدمها، لذا فإن عدم وجود سابقة نابع من عدم تعرض المجتمع للنظام وعدم الاعتقاد به؛ لكن إنكار وجود النظام بالفعل في الفقه لا يعني إنكار وجوده بالقوة. كما أن مسألة ولاية الفقيه طرحها النراقي في كتاب عوائد الأيام، وبيّنها الشيخ الأنصاري بشكل أكثر فنية، وبالمثل ربما يمكن تتبع مسألة الفقه النظامي من تنبيه الأمة للنايني حتى طرحها الشهيد الصدر بشكل أكثر تخصصًا.
لذا، يجب القول: هل لا توجد في الفقه قدرة على اكتشاف النظام؟ هل لا يمكن بالاستفادة من قدرات الفقه الوصول إلى النظام؟ هل لا يستطيع الفقيه باستخدام قدرات الفقه الوصول إلى الأنظمة الصغرى والكبرى؟ من الواضح أن دعاة الفقه النظامي وضرورة اكتشافه لا يصرون على وجود أنظمة مكتشفة بالفعل في النصوص الفقهية، بل يصرون على ضرورة وجود مثل هذه الأنظمة في الفقه المنضبط مع اكتشاف قدراته (علیدوست، ١٣٨٤، ش٤١، ص١٣٥-١٣٢).
بعبارة أخرى، فرض عدم وجود سابقة للفقه النظامي لا يعني عدم ضرورته، وإذا ما اكتشفت الضرورة وتم إعداد المصادر واكتشاف القدرات لتقديم فقه الأنظمة الاجتماعية، يمكن حينها أن نشهد دخوله في المناقشات الفقهية؛ كما أن العديد من المسائل المستحدثة كانت تفتقر إلى سابقة فقهية، ومع اكتشاف الضرورة تم تناولها فقهيًا.
يقول الإمام الخامنئي (دام ظله) في ضرورة تطوير منهج الفقه: «الفقه من حيث المستوى يجب أن يتوسع أكثر، ومن حيث منهج الفقه يحتاج إلى ابتكار وتقدم. يجب أن يعمل عليه أفكار جديدة حتى يمكن إعطاؤه فعالية أكبر» (خامنهای، ١٣٧٠/٦/٣١). كما يقول:
«ما الداعي لأن لا يستطيع الفضلاء والمحققون أن يضيفوا إلى هذا المنهج ويكملوه؟ قد يغير الكثير من المسائل والنتائج والطرق. عندما تتغير الطرق، تتغير الإجابات على المسائل، ويصبح الفقه مختلفًا. هذا من الأمور التي يجب أن تحدث. لا ينبغي للمحقق اليوم أن يكتفي بالمجال الذي عمل فيه مثلاً الشيخ الأنصاري، بل يجب أن يتجه نحو عمق أكبر في ذلك المجال. يجب على المحقق أن يجد آفاقًا جديدة. الآفاق والامتدادات الجديدة في الفقه ضرورية» (خامنهای، ١٣٧٤/٩/١٣).
ويقول الإمام الخميني (قده) في هذا الخصوص:
«لا يمكن للروحانيين أن يفهموا أن الاجتهاد المتعارف عليه غير كافٍ لإدارة المجتمع ما لم يكونوا حاضرين بفعالية في جميع المسائل والمشكلات. يجب أن تكون الحوزات والروحانيون دائمًا على نبض الفكر واحتياجات مستقبل المجتمع، ويجب أن يكونوا دائمًا على بعد خطوات من الأحداث مستعدين للرد المناسب. قد تتغير طرق إدارة شؤون الناس في السنوات القادمة، وقد تحتاج المجتمعات البشرية إلى مسائل جديدة من الإسلام لحل مشاكلها. يجب على العلماء الأفاضل في الإسلام أن يفكروا في هذا الموضوع منذ الآن» (امام خمینی، ١٣٨٩، ج٢١، ص٢٧٣).
الدلائل التي تدعم هذا الرد هي: ١. ضرورة وحداثة هذه المسألة لا تمنع دراستها فقهيًا. ٢. بطبيعة الحال، بسبب عدم تعرض الفقهاء لها، لم تثبت علميًا كفقه نظام بالفعل. ٣. هذه المسألة مثلها مثل المسائل المستحدثة تحتاج إلى معالجة فقهية.
لذا، مع عدم الإصرار على وجود نظام مكتشف، نؤكد على ضرورة اكتشاف هذا النظام من قدرات المصادر الفقهية.
الاعتراض الثاني: تعدد التعريفات للفقه النظامي يدل على عدم أساسه
قيل إن هناك نحو ١٠ تعريفات للفقه النظامي، وهذا التشتت في المعنى يدل على عدم أساسه. التعريف الأول: النظام هو مقاصد الشريعة؛ الثاني: الأحكام الشرعية في مجموعها الاعتباري تشكل نظامًا؛ الثالث: القواعد الفقهية والأصولية الموجودة هي نظام؛ الرابع: مجموعة الآيات، والأحاديث، والإجماعات، والمصادر العقلية… تشكل نظامًا منطقيًا؛ الخامس: البنى والعمليات التي تشكل أفعال المكلفين هي نظام؛ والسادس: الفقه النظامي يعترف بالهيئة المجموعية مقابل الفقه القائم على المسألة (فاضل لنكراني، .(1397/10/1
شواهدهم على هذا الادعاء: ١. تعدد التعريفات و٢. عدم الاتفاق على مفهوم فقه النظام.
الرد
هنا يجب القول إن المقصود من النظام أحيانًا هو المدرسة الاجتماعية وأحيانًا هو النظام الاجتماعي، فإذا كان المقصود بالنظام هو المدرسة؛ أي مجموعة من الفرضيات المتماسكة والمرتبطة التي تحقق أهدافًا معينة؛ مثلًا في النظام الاقتصادي الاشتراكي، الليبرالي أو النظام الاقتصادي الإسلامي؛ أي المدرسة الاقتصادية والأحكام الاقتصادية التي تتوزع في الفقه، بعضها في البيوع، وبعضها في المتاجر وفي أبواب فقهية أخرى، فإننا نجمع هذه الأحكام الفردية والاجتماعية للإسلام بشكل منظم ومتماسك، ونحدد أين هي الفرضيات العليا والفرضيات الأساسية وما هو هدف هذه الأحكام. الشهيد الصدر، عندما يتحدث عن النظام، يقصد هذا المعنى. لاحقًا، هذا النظام الذهني(غفوری الحسنی، ١٣٧٩، ش٢٠، ص٢٠١-١٢٢) في الواقع هو نظام مدرسي، ذهني ومعرفي، وإذا أراد أن يُطبق، يحتاج إلى نظام موضوعي{{F3}}، عيني وخارجي. يجب أن تتحول هذه المدرسة إلى نظام اجتماعي وبُنى عينية؛ أي القوانين، والهياكل، والمنظمات الخاصة به. وإذا كان المقصود بالنظام الاجتماعي هو النظام أو المعنى المطروح في المجتمع اليوم، وهل يمكن استخراج نظام موضوعي من تعاليم الإسلام؛ أي نظام عيني وبُنى عينية؟ (علیدوست، ١٣٧٩، ش١٦-١٥، ص١٣٠-١٢٩). الشهيد الصدر أيضًا يرى أن اختلاف الرأي هو من مقتضيات الاجتهاد (شهید صدر، ١٤١٧هـ، ص٤٤٦). على أي حال، الاختلاف في تعريف فقه النظام ينبع من وجهات النظر والمقاربات المختلفة لهذا النقاش؛ كما هو الحال في تعريف الفقه والعلوم الأخرى بين أهل الاختصاص، حيث لا يُعد هذا الاختلاف عيبًا ولا، كما ذُكر سابقًا، دليلًا على عدم الأساس، بل هو دليل على جدية النقاش وكونه مجالًا للتلاقح الفكري وتبادل الآراء، وهو ما يُعتبر نقطة قوة.
شواهد الرد على هذا الادعاء: ١. تعدد التعريفات واختلاف الرأي من مقتضيات الاجتهاد. ٢. عدم الاتفاق على مفهوم فقه النظام ينبع من المقاربات المختلفة. ٣. بعض اختلاف التعريفات يشير إلى النظام المحتمل والفعل.
لذا، فالاختلاف في التعريفات ينبع من جدية النقاش ودخول وجهات نظر مختلفة إليه.
الإشكال الثالث: شمولية الإسلام تقتضي عدم وجود نظام
قيل إن الإسلام دين خاتم، والخاتمية تقتضي الشمولية، وقد فسّروا الشمولية بمعنى أن الإسلام لديه تعليمات لكل احتياجات الإنسان في الأمور الفردية والاجتماعية، والحكم والسياسة… لذلك، يجب أن تقتضي شمولية الإسلام عدم وجود نظام خاص؛ لأن من مقدمات أي نظام الانتباه إلى ظروف الزمان والمكان والخصائص الأخرى. ولكي يكون الإسلام قابلاً للتطبيق والتنفيذ في كل زمان، فإنه يترك لليد الفقيه مجالًا لتنظيم خاص في كل فترة زمنية من خلال هذه الأحكام والقواعد… وبهذه الطريقة يمكن التغلب على الأنظمة الأخرى في كل زمان (فاضل لنکرانی، ١٣٩٧/٩/٨).
شواهدهم على هذا الادعاء: ١. شمولية الإسلام تقتضي عدم وجود نظام. ٢. عدم وجود نظام يؤدي إلى الاستجابة للمسائل الجديدة.
الرد
وجود مبادئ ثابتة في منطقة الفراغ، مثل مبادئ الفقه التي تُطبق على المستحدثات، لا يتعارض مع وجود إطار للنظام الإسلامي. القرآن الكريم في آيات الجهاد مع الكفار، أحيانًا يعطي فرصة للتوبة أو الصلح، وأحيانًا لا يترك أي فرصة للتأجيل، وهذه التدابير في ظروف مختلفة لا تخل بالمبادئ الثابتة للجهاد. يجب القول بصراحة إن الشريعة بدون نظام لن تكون شاملة لتدبير الشؤون الاجتماعية، سواء على مستوى النظام الكلي أو النظام الجزئي؛ مثلًا هل يوجد نظام مصرفي في الإسلام أم لا؟
في الإشكال الناقد لهذا الموضوع، يجب القول هل الأحكام الفردية والاجتماعية في الإسلام ليست مرتبطة بالزمان والمكان؟! هنا يقول الإمام الخميني رحمه الله:
عنصر الزمان والمكان له دور في الاجتهاد، وهذا يعني أن الأحكام تتغير. مثلًا، تحريم الشطرنج والقمار يتغير ويصبح حلالًا باعتباره رياضة فكرية. الأحكام ثابتة طالما أن موضوعاتها ثابتة وهذا أمر لا شك فيه، ولكن إذا تغيرت الموضوعات، فإن أحكامها تتغير أيضًا (امام خمینی، ١٣٨٩، ج٢، ص٣٢-٣٠).
الهياكل الاجتماعية في الإسلام أيضًا عندما يتغير الزمان والمكان والموضوعات، تتغير الأحكام، وبطبيعة الحال تتغير الهياكل. مثلًا اليوم لدينا هيكل مالي وتجاري، وبعد سنوات يتغير هذا الهيكل. مثل أحكام بيع الدم التي كانت محرمة، الآن لأنها تغير موضوعها أصبحت حلالًا (خسروپناه، ١٣٩٧/٩/١٨).
بناء النظام بناءً على الزمان والمكان من مسؤولية الفقيه. قد يُظن أن بناء النظام، رغم ضرورته، لا علاقة له بالفقاهة؛ لأنه يقع في مرحلة متأخرة من الاستنباط وفي مجال تنفيذ الأحكام (مقام الامتثال)، وبالتالي فإن بناء النظام من مسؤولية المديرين التنفيذيين وليس الفقهاء، أو أن وجود ولي الفقيه على رأس الحكم، مع مراعاة ظروف الزمان والمكان والمصلحة في التزاحم بين الأحكام وإصدار الأحكام الولائية، يلبي الاحتياجات الفقهية للحكم (فاضل لنکرانی، ١٣٩٧/١٠/١).
لكن يجب التمييز بين مرحلتين من بناء النظام: ١. بناء النظام في الاستنباط النظري و٢. تطبيق بناء النظام عمليًا؛ يجب على الفقيه أن يسعى لاكتشاف الأنظمة الفقهية واستنباط النظام الديني المرغوب في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، وهو ما عبر عنه الشهيد الصدر بالمدرسة (شهید صدر، ١٤١٧هـ، ص٣٥٩). لكن هذه المدرسة المرغوبة قد لا تكون قابلة للتحقق بالكامل بسبب ظروف الزمان والمكان (میرباقری، عبداللهی و نوروزی، ١٣٩٥، ش٣٦، ص٦٣). في هذه الحالة، يُقيد بناء النظام في الواقع بظروف الزمان والمكان، والقدرات الاجتماعية والحكومية، والسياسات القيادية، لكن وظيفته هي السير والتطور من الوضع الحالي للمجتمع نحو النظام الإسلامي المرغوب. لذلك، كلا المرحلتين من بناء النظام تحتاج إلى الفقه والاستنباط من المصادر الدينية وتمديد الفقه الديني.
لذلك، المدرسة الاجتماعية ليست مقيدة بزمن أو مكان معين؛ فمثلاً المدرسة الاقتصادية الإسلامية لا تؤمن بأصالة الفرد أو أصالة المجتمع أو أصالة الحرية فقط، بل تؤمن بأصالة الفرد والمجتمع، وأصالة الحرية من أجل العدالة ليست مقيدة بزمن أو مكان معين. بناءً على ذلك، فإن الإشكال القائل بأن شمولية الإسلام تلبي الاحتياجات الاجتماعية المتغيرة ويجب إنكار وجود نظام، يستلزم أن تكون شمولية الإسلام ملازمة لافتراض وجود نظام اجتماعي مستجيب كضرورة فعلية يجب على الفقه أن يجيب عليها، وبالتالي فإن الإشكال نفسه يحمل تناقضًا واضحًا.
أدلة الرد على هذا الادعاء: ١. شمولية الإسلام تقتضي وجود نظام مستجيب للظروف الاجتماعية المتغيرة، لا عدم وجود نظام. ٢. عدم وجود نظام مستجيب يؤدي إلى توقف في معالجة القضايا الجديدة. ٣. الإسلام يمتلك أصولًا ثابتة ومتغيرة.
لذا، فإن الشمولية تستلزم توفير نظام مستجيب للظروف المتغيرة مع الالتزام بالأصول الثابتة والمتغيرة.
الإشكال الرابع: عدم وجود دليل على ارتباط استلزام النظام في التشريع بين الأحكام
قيل إنه إذا كان المقصود من النظام في التشريع كما في التكوين هو وجوب وجود ارتباط بين الأحكام، فلا دليل على ذلك؛ فضلاً عن أن الوصول إلى معيار ذلك في كثير من الحالات غير ممكن. من وجهة نظر الفقه النظامي، يجب أن نستخرج من جميع موضوعات المسائل موضوعًا جديدًا، ويفترض وجود ارتباط بين جميع المسائل من الطهارة إلى الديات. الفقه اعتبار، ولذلك ليس هناك ضرورة لوجود ارتباط بين الأحكام.
بالطبع، المقصود بالاعتبار ليس عدم وجود معيار؛ فالأحكام تتبع المفاسد والمصالح ولها معايير، لكن الإشكال هو هل يجب أن يكون هناك ارتباط بين وجوب الصيام والصلاة؟ على سبيل المثال، لماذا لا تقضي المرأة الحائض صلاتها، لكنها تقضي صيامها؟ في الشريعة، عندما يكون موضوع الغرر في البيع، يكون ذلك مفسدًا للبيعة، لكن عندما يكون في الصلح فلا مشكلة فيه. ما العلاقة بين قاعدة «لا تعد» وقاعدة «تلف المبيع قبل قبضه من كيس البائع»؟ هذان موضوعان واعتباران مختلفان، فلماذا يجب أن يكون في الاعتبارات نفس الارتباط المنطقي الموجود في التكوينات؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن الاعتبارات أساسًا لن تتحقق.
من المبادئ الراسخة للإمام الخميني رحمه الله عدم الخلط بين التشريع والتكوين. فما علاقة النظام في التكوين بالتشريع؟ التشريع قائم على أوزان الأمور العقلائية؛ كما أن العقلاء لهم أحكامهم. وهذا لا علاقة له بالنظام الذي أمر به أمير المؤمنين عليه السلام للحسنين ٨ بقوله: «أوصيكما بنظم أمركما»، ولا يمكننا أن نعزو اعتبارًا جامعًا لكل هذه الموضوعات من حيث المجموع. دعاة الفقه النظامي جلبوا فقهًا إلى الميدان قد يكون مستحيلاً (فاضل لنکرانی، ١٣٩٧/٩/٨).
أدلتهم على هذا الادعاء: ١. عدم وجود مؤيد لوجود ارتباط بين الموضوعات الفقهية بعضها ببعض. ٢. استحالة الوصول إلى معيار هذا الارتباط في كثير من الحالات. ٣. عدم الخلط بين النظام في التشريع والتكوين.
الرد
ربما في الأحكام الفردية لا يكون الاهتمام بالتناسب والبنية الهيكلية للأحكام كبيرًا، وتُنظر الأحكام بمعزل عن بعضها، لكن في الأحكام المتعلقة بالمجتمع والحكم هذه المسألة ذات أهمية كبيرة (رجبی، ١٣٩٩/١/٢٧). على أي حال، نريد أن نستنبط من هذه المصادر والمعايير بقدر الإمكان؛ كما هو الحال في استنباط الأحكام الجزئية حيث يُعرف الاجتهاد بأنه بذل جهد، وفي الحالات التي لا يستطيع فيها المجتهد، يتحفظ ولا يفتي. لذلك، في الحالات التي يكون فيها من الممكن كشف النظام واستنباط المعايير، نعمل على ذلك، وفي الحالات التي لا يتوفر فيها هذا الإمكان، نتحفظ ولا ندخل في الأمر.
في هذا الصدد يجب القول أولاً: الشريعة مثل الخلق صادرة عن الشارع الحكيم، فالخلق أثر تكويني والشريعة أثر تشريعي، والتنظيم مؤشر مهم على الحكمة؛ لأن الحكمة بلا نظام لا معنى لها، واللا نظام نقص وعيب، إذًا هو ضد الحكمة.
ثانيًا: فعل التشريع نفسه دليل على وجود النظام، لذلك التشريع مثل التكوين منظم. الشريعة جاءت لتنظيم شؤون الإنسان، وما جاء لتنظيم الأمور وترتيب الشؤون المختلفة لا يمكن أن يكون بلا نظام.
يقول أمير المؤمنين في شأن القرآن الكريم: «ما يجب أن يجري بينكم، في القرآن له نظام وتنظيم» (نهج البلاغه، خطبه ١٥٨). من وجهة نظره، التقوى التي هي جوهر الدين، مصاحبة للنظام، فكيف يمكن أن يدعو الإمام المعصوم المجتمع إلى النظام، ثم تكون أقواله متناثرة بلا نظام!
تقول السيدة فاطمة الزهراء ٣ في خطبة فدكية: «اتباع أهل البيت جعل الله نظام الأمة» (مجلسی، ١٤١٠هـ، ج٦، ص١١١)؛ هل يمكن أن نتوقع النظام من اللا نظام؟ هل يمكن القول إن الشريعة بلا نظام، لكن اتباعها يؤدي إلى النظام؟ لقد تعلمنا أن نقول لأهل البيت: «السلام عليكم يا من أنتم زمام الدين ونظام المسلمين… أنتم نظام الدين وعز الموحدين» (المرجع نفسه، ج٩٨، ص٢٦٠ و ج٩٩، ص٩٩)؛ أنتم رأس الدين وسبب نظام الدين والأمة.
ثالثًا: من الناحية اللغوية، الشريعة أي المنهج والطريق والنظام الحياتي، إذا سار الإنسان فيه، سيكون من أهل النجاح والنجاة، ولا يمكن أن تكون بلا نظام، وإذا لم يكن هناك نظام، فلن يتحقق النجاة (صادقی رشاد، ١٣٩٧/٩/١٣).
رابعًا: ما أقرهُ محقق حلي في شرائع الإسلام؛ أي تقسيم الفقه الكلي إلى العبادات، العقود، الإيقاعات، والأحكام، مع وجود بعض الاعتراضات عليه، إلا أنه لا يستلزم فقدان النظام، كما أن نقد البُنى القائمة لا يعني إنكار النظامية، بل يعني الدفاع عن نظامية الفقه والسعي لاكتشاف وصياغة أكثر كفاءة وحداثة له. يجب على فقهاء كل عصر أن يسعوا لتحسين نظام الفقه حتى يُكشف النظام التشريعي الحقيقي ويُعرض؛ فالزمن المعقد يحتاج إلى نظام يتناسب مع مقتضيات الفقه والأحكام الإلهية، وإذا كان النظام الفقهي الموجود قد تم ترتيبه في الماضي لأهداف أخرى، فلا بد الآن من تقديم نظام يتناسب مع حاجات العصر الجديد. كل من المذاهب الاجتماعية الخمسة هي في الواقع مجموعة منظمة ومتماسكة من المبادئ، الأصول، الأحكام، والأهداف. المرحوم محقق في شرائع قد نظم الفقه من الطهارة إلى الديات، فأنشأ نظامًا مدونًا، لكنه اصطلاحيًا نظام معرفي؛ أي أنه أنشأ تخصصًا علميًا. أما الخطوة الثانية فهي عمل الشهيد الصدر الذي يريد من هذا التخصص الفقهي استخراج المذهب الاجتماعي، المذهب الاقتصادي، والنظام الاقتصادي الإسلامي؛ أي في مجال الاقتصاد، أن يُنظم مجموعة المبادئ، الأصول، الأحكام، والأهداف بطريقة منهجية بالرجوع إلى آراء الفقهاء في مجال الاقتصاد (همان).
خامسًا: المقصود من فقه النظام عند المؤمنين به ليس وجود ارتباط بين أجزاء الأحكام في كل باب فقهي مع باب آخر في كل التفاصيل، بل المقصود من ارتباط الأحكام هو عدم وجود تناقض وروح واحدة لنمو الإنسان وتكامله، فالأحكام تتكامل مع بعضها وتتبع هدفًا واحدًا؛ أي ليس الأمر أن بعض الأحكام تدفع الإنسان إلى الفردية والعزلة وبعضها الآخر يدعوه إلى الجوانب الاجتماعية. الروح السائدة على القوانين والأحكام الشرعية هي روح واحدة؛ فمثلاً الاعتكاف، الذي يبدو في ظاهره أكثر الأحكام الدينية عزلة، يحدث في زمان ومكان محددين، وفي الوقت نفسه، يوجه جميع المكلفين إلى أنه إذا أرادوا الاعتكاف، يجب أن يجتمعوا في مسجد واحد وفي وقت واحد وبجانب إخوانهم في الدين. لذلك نرى أن أكثر أيام السنة ازدحامًا في المساجد يكون في هذه الفترة (ملک زاده، ١٣٩٧/١٠/١٦).
ومن أركان فكر الشهيد الصدر أيضًا النظر المتناسق والمنسجم للأحكام في سبيل الوصول إلى مذهب الاقتصاد الإسلامي:
يؤكد الكتاب دائمًا على الترابط بين أحكام الإسلام، وهذا لا يعني: أنها أحكام ارتباطية وضمنية بالمعنى الأصولي، حتى إذا أُبطلت بعض تلك الأحكام سقطت سائر الأحكام الأخرى، وإنما المقصود من ذلك: أن الحكمة التي تستهدفها تلك الأحكام لا تتحقق كاملة دون تطبيق الإسلام بوصفه كلاً لا يتجزأ، وإن وجب في الواقع الامتثال لكل حكم بغض النظر عن امتثال حكم آخر أو عصيانه (شهید صدر، ١٤١٧هـ، ص٤٩).
سادسًا: من جهة أخرى، فإن الدين الإسلامي يمتلك بنية منسجمة ومنظمة لا مجال للاختلاف أو الانحراف فيها: «ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا» (النساء: ٨٢)؛ أفلا يتدبرون القرآن؟ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، وله أركان تقوم عليها الشرائع المختلفة: «فإن لدين الله أركانًا» (شیخ مفید، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٢٠٥)؛ لدين الله أركان؛ كما أن بيان الدين في كلام أهل البيت عليه السلام يمتلك نظامًا: «فما تناقضت أفعالك ولا اختلفت أقوالك ولا تقلبت أحوالك» (ابن مشهدی، ١٤١٩هـ، ص٢٦٨)؛ لم تتناقض أفعالك، ولم تختلف أقوالك، ولم تتقلب أحوالك. أقوالهم متوافقة مع القرآن: «فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن» (مجلسی، ١٤١٠هـ، ج٢، ص٢٤٩)، ولها تناغم وارتباط وثيق وعميق: «إن كلام آخرنا مثل كلام أولنا وكلام أولنا مصادق لكلام آخرنا… فإن مع كل قول منا حقيقة وعليه نور» (طوسی، ١٤٩٠هـ، ج١، ص٢٢٤)؛ إن كلام آخرنا مثل كلام أولنا، وكلام أولنا يؤيد كلام آخرنا… فمع كل قول منا حقيقة وعليه نور. لذلك، بالنظر إلى أجزاء وأركان الدين والشريعة وتناسباتها وعلاقاتها، يصبح أمر وجود منظومة وشمولية الشريعة أمرًا مسلمًا به ولا يمكن إنكاره، وهذا الانتظام والتماسك ليس محل خلاف أو جدل كبير، فالنظامية من حيث البنية ورسم منظومة من الأجزاء والأركان المتداخلة في التفقه مثل المبادئ، القيم، الأصول، الغايات والمقاصد، المصالح… وكذلك وجود نظام في القواعد الفقهية والأصولية. في شرح هذا الأمر يمكن القول كما نقل عن حضرات المعصومين عليهم السلام: «إنما علينا إلقاء الأصول وعليكم أن تتفرعوا» (مجلسی، ١٤١٠هـ، ج٢، ص٢٤٥)؛ ما علينا إلا إلقاء الأصول عليكم، وأنتم تستنبطون الفروع. وعندما يُذكر الأصول والفروع، فهذا يدل على بنية منظمة ومنسجمة، أصول هي جوهر الدين ومحور رئيسي، وفي المرتبة التالية توجد الفروع الثانوية التي تتفرع من المحاور الرئيسية، وفعليًا من تفريع المحاور والفروع الرئيسية يتشكل هيكل منظم من الفروع الثانوية والموضوعات وتناسباتها، وبذلك يمكن لعلم الفقه أن يقدم نتائجه في قالب نظامي بقدر ما يرسم ويفرع الأصول المنهجية لهذه المنظومة (عبداللهی، ١٣٩٩، ش٢، ص٦٣).
سابعًا: النظرة المنظومية إلى الأحكام الإسلامية وبناء النظام على مبادئ الفقه تؤدي إلى بروز وتجلي القيم الدينية في نظام قائم على الشريعة؛ فالنظام له مكانة فريدة في الحياة الاجتماعية التي لا يمكن العيش خارج نظمها، فالإنسان يحتاج إلى قوانين تنظم علاقاته الاجتماعية تمنع الظلم وتحفظ العدل، وتمكن الأفراد من الحصول على حقوقهم قدر الإمكان. وهذا الأمر البديهي يُشعر به أكثر في ظروف اليوم حيث توسعت وتعقدت العلاقات الإنسانية. يجب أن نعلم أنه إذا لم نُحكم النظام الإسلامي في التعليم والتربية، الاقتصاد والسياسة، فلن تتوقف الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للناس، لكنها بالتأكيد لن تكون إسلامية، أو ستكون بلا أساس، أو مزيجًا من نظم مختلفة كما نرى اليوم في الاقتصاد (ملک زاده، ١٣٩٧/١٠/١٦).
شواهد الرد على هذا الادعاء: ١. الفعل التشريعي نفسه مؤيد للنظام والترتيب. ٢. الارتباط يعني التماسك وعدم التناقض بين الأحكام. ٣. النظام في التشريع والتكوين، كلّه من فعل الحكيم. و٤. وظيفة التفريع هي مقتضى النظام.
لذا، الارتباط بين الأحكام يعني التماسك وعدم التناقض بينها، والفعل التشريعي نفسه مؤيد للنظام.
الإشكال الخامس: عدم ضمان الفقه للمصالح والمفاسد الدنيوية
بعضهم اعتبر تكليف المكلفين بالأحكام الظاهرية لاغياً، ويقولون لماذا يكلّفنا الشارع المقدس في ميادين الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بحكم ظاهري لا يوجد فيه أي ضمان للمصالح السياسية والاقتصادية (علم الهدى،.(1396/10/12)
شواهدهم على هذا الادعاء: ١. كثير من أحكام المكلفين ظاهرة، و٢. الأحكام الظاهرية لا تضمن المصالح.
الرد
هذا الإشكال عام على الفقه ككل، وليس فقط على فقه النظام، ونتيجته القول بصلاة وصوم غير واقعيين، وهذا ما لا يقرّه قائله، وهذا يؤدي إلى تعطيل الدين. يجب القول إن العلاقة بين الأحكام الظاهرية والواقعية علاقة طولية وليست تعارضية، فالأحكام الظاهرية كاشفة عن الأحكام الواقعية؛ ونظرية تزاحم الحفظ عند الشهيد صدر، التي تهدف إلى حفظ المقاصد الواقعية، توضح أن الأحكام الظاهرية في الواقع حافظ للمقاصد الواقعية، وليست أحكاماً صورية. ومع ذلك، حتى لو افترضنا أننا نحصل على نظام فقهي قائم على الأحكام الظاهرية، فإننا نسعى للتحرك في ظل الشريعة في زمن عدم الوصول إليها، وبالتالي، إما أن تُقبل الأحكام الظاهرية في الفقه ككل أو لا، وهذا ليس خاصاً بفقه النظام. ثانياً، ما البديل؟ هل نأخذ التعليمات قدر الإمكان من الشريعة أم من البشرية، حتى لو كان ارتباطها بالشريعة ضعيفاً، فهي أقرب إلى السعادة؛ لأننا نؤمن بأن القوانين يجب أن تتناسب مع الأخلاقيات والظروف الاجتماعية. ثالثاً، إذا كان وقوع الشيء دليلاً على الإمكان، فقد استُنبط فقه النظام في بعض المجالات مثل النظام المصرفي…
يجب أن نسأل: هل للفقه حكم في المسائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أم لا؟ إذا لم يكن له حكم، فالنتيجة هي العلمانية، ولا يقبل أي فقيه ذلك لأنه مخالف للقرآن والروايات. وإذا قلنا له حكم، فهل يؤدي هذا الحكم إلى تنظيم الشؤون الاجتماعية أم لا؟ إذا لم يكن هناك أي ضمان، فسيواجه عدة إشكالات، ففي هذا الافتراض، من جهة جعل الله الأحكام الواقعية تابعاً للمصالح والمفاسد، ومن جهة أخرى دعا عباده إلى التفقه في الدين ليجلبوا المنافع ويدفعوا المفاسد؛ بينما ما يحصل عليه العباد من الاجتهاد هو الحكم الظاهري الذي لا يتبع المصالح ولا يضمن تحصيلها أو تجنب المفاسد. ونتيجة لذلك، يصبح جعل الأحكام الواقعية لاغياً. ويصبح القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد بلا معنى.
هذا الرأي مخالف من جهة لنصوص كثيرة ترى أن سبب جعل الأحكام إلى جانب السعادة الأخروية هو السعادة الدنيوية، وأن مصالح جعلها هي العدالة الاجتماعية، وعدم تراكم الثروة، والأمن، والحياة، وما شابه ذلك (الحديد(٥٧): ٢٥؛ الحشر(٥٩): ٧؛ النساء(٤): ٥٩ و٨٣؛ النحل (١٦): ٩٧؛ البقرة (٢): ١٧٩ وغيرها). ومن جهة أخرى، يؤدي هذا الرأي إلى نفي العلاقة بين الدنيا والآخرة واعتبار الدنيا مزرعة للآخرة؛ لأن في هذا المنهج، يقوم المكلف في الدنيا بسلوك لا ينفعه فقط بل يضره، لكنه في الآخرة ينال الثواب أو ينجو من العقاب!
لذا، وبالنظر إلى بطلان الاحتمالات السابقة، فإن الأحكام المكتشفة في الفقه لا بد أن تكون في سبيل تنظيم حياة الإنسان في الدنيا والآخرة وفي المجالين المادي والمعنوي، وهذا مخالف للرأي السائد عند فقهاء الإمامية. وبالرجوع إلى كلام الفقهاء، يتضح أن الفقه الذي يضمن الآخرة هو الذي يعبر بسلام من ممر الدنيا. فالغرض الأخروي يتحقق عبر الغرض الدنيوي. وفي السيرة العملية لفقهاء الإمامية في الاجتهاد، كان تنظيم الشؤون الاجتماعية دائماً محل اهتمام. وقاعدة حفظ النظام وُلدت تحت هذا المنظور، فالكثير من العمومات أو الإطلاقات تُقيد بسبب اختلال النظام وما شابه، وذلك مراعاة للمصالح الدنيوية والأغراض الدنيوية في الحكم الشرعي.
الشيخ الأنصاري في مسألة ولاية الفقيه لا يجيز مضايقة فقيه لفقيه آخر في التصرف في الأموال والأرواح بسبب ما يستلزم ذلك من الفوضى واختلال نظام المصالح (شیخ انصاری، ١٤١٥هـ، ج٣، ص٥٧٢). الشهيد الأول يصرح بأن كل حكم شرعي إما لجلب منفعة للمكلف أو دفع ضرر، وكل منهما قد يكون دنيوياً أو أخروياً أو كلاهما (شهید اول، ١٤٠٠هـ، ج١، ص٣٤). السيد الخوئي في تقسيم الواجبات إلى تعبدية وتوصيلية، اعتبر حكمة جعل الواجبات التوصيلية، رغم عدم اشتراط نية القرب، هي حفظ النظام ومنع اختلال نظام الحياة المادية والمعنوية للإنسان (خویی، ١٤٢٢هـ، ج١، ص٥٠٩). بهذا البيان، اعتبر الأهداف الدنيوية الغرض الأهم من جعل هذه الأحكام (خویی، د.ت.، ج٧، ص٣١١). الإمام الخميني رحمه الله كان يولي اهتماماً خاصاً لمسألة الزمان والمكان في الاجتهاد، ومع تحفظه على الفقه الجواهري، كان يفكر في كفاءة النظام الدنيوي أيضاً. وميرزا الشيرازي على هذا الأساس أصدر فتوى تحريم التبغ، وميرزا النائيني كتب “تنبيه الأمة” على هذا الأساس، والإمام الخميني رحمه الله قام وأسس الحكومة.
رد الشهيد صدر وبيان تزاحم الحفظ من أوضح الطرق لحل هذا الإشكال. ويضيف:
وهكذا يتضح أن الأحكام الظاهرية هي خطابات تحدد الأهم من المقاييس والمبادئ الواقعية، حين يتطلب كل نوع منها الحفاظ عليه بطريقة تنافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر. وبهذا يتضح الجواب على الاعتراض الثاني، وهو أن الحكم الظاهري يؤدي إلى تفويت المصلحة وإلقاء المفسدة، فإن الحكم الظاهري وإن كان قد يسبب ذلك، لكنه إنما يسببه من أجل الحفاظ على غرض أهم (شهید صدر، ١٣٩٨، ج٢، ص٣١).
فالحكم الظاهري؛ رغم أنه أحيانًا يؤدي إلى تفويت مصالح دنيوية، إلا أنه في الوقت نفسه يحفظ أهم مصالح الدنيا. الإشكال الذي يطرحه المستشكل على حجية البينة يُحلّ أيضًا من هذا المنطلق، إذ إن البينة أصبحت حجة بسبب المصلحة النوعية الدنيوية التي تحملها، وقد تُحدث أحيانًا إضرارًا، ولكن في حالة التعارض، فإن حفظ أهم المعايير يجعل حجية البينة معيارًا أقوى. بعبارة أخرى، إذا كان الحكم الحقيقي هو النظامي والمنظم لشؤون الدنيا، فلا بد أن يكون للحكم الظاهري، الذي يسعى إلى حفظ أهم معايير هذه الأحكام الحقيقية، نفس هذه الخاصية. لا يمكن اعتبار كشف الفقيه، إذا كان مجرد غلاف للحكم الشرعي، لكنه يُعد نقضًا لغرض الشارع، حكمًا شرعيًا حتى ولو سمّي حكمًا ظاهريًا (رجبی، ١٣٩٩/١/٢٧).
بالطبع، كل هذا قائم على وجهة النظر الأصولية التي تؤمن بوجود حكم ظاهري إلى جانب الحكم الحقيقي، لكن هناك فريق من الأصوليين الذين ينكرون أساسًا وجود مجعول يسمى الحكم الظاهري، فلا يُوجَّه إليهم هذا الإشكال من البداية؛ لأن الشارع المقدس لديه مجعول واحد وهو الحكم الحقيقي، ونحن مكلفون بالوصول إلى الحكم الحقيقي (نفس الحكم الحقيقي الذي يتبع مصالح ومفاسد حقيقية، والمصالح الدنيوية ضمنه). نعم، ما نصل إليه قد يكون مطابقًا تمامًا للواقع، وقد لا يكون كذلك، وإذا لم يكن مطابقًا، فنحن معذورون، لكن هذه المعذورية لا تعني نفي مصالح الدنيا في ما نكشفه، بل إن ما نكشفه هو من طرق مجعولة للوصول إلى الحكم الحقيقي المكتشف. فإذا استخدمنا الطرق الصحيحة، فإن نسبة مطابقته للواقع تكون قصوى وغالبة (المرجع نفسه).
من وجهة نظر الإمام الخميني رحمه الله، فإن تحصيل العلم في الحوادث والوقائع اليومية يسبب اضطرابًا في نظام الحياة الاجتماعية. لذلك، يمرون بأمورهم دائمًا بالعمل بقول الثقة والظواهر الكلامية التي تُنقل إليهم. حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، رغم أنه بيّن أحكامًا، عمل على نفس المسار الذي كان راسخًا عند العقلاء، دون أن يؤسس علامة أو يجعل حكمًا ظاهريًا، بل فقط أقرّ هذا السلوك العقلي. عمل المتشرعة بالإمارات في فرض عدم العلم أيضًا لأن هذه الإمارات هي إحدى الطرق التي غالبًا ما تكون طريقًا إلى الواقع، دون أن يُجعل لها حجية أو يُتوسط أمر آخر (سبحانی، د.ت.، ج٢، ص٣٣٣-٣٣٢).
بالطبع، القول بأن ابتناء حجية الإمارات مرتبط فقط بالعذاب الأخروي، وأنها ليست طريقًا إلى الواقع ولا تثبت قول أو مراد المعصوم، هو قول شاذ ولا يعتقد به أي من كبار علم الأصول. ففي كلام علماء الأصول، تُعتبر حجية الإمارات أكثر من جهة كشفية عن الواقع وليس من جهة إنجازية أو معذورية (شیخ انصاری، ١٤١٩هـ، ج١، ص٤؛ نائینی، ١٤١٠هـ، ج٢، ص٦٤ و خویی، ١٤٢٢هـ، ج٤، ص٣٤٥).
وخاصة مع الأخذ في الاعتبار أن حجية الإمارات مسألة عقلائية (نائینی، ١٣٧٦، ج٣، ص١٠٨). العقلاء يستخدمون طرقًا لإثبات مرادهم ومراد الآخرين، والادعاء بأن العقلاء يحصلون دائمًا على “قطع” هو ادعاء مبالغ فيه وبدون دليل، والشارع المقدس أقرّ نفس حجية العقلاء.
أما الادعاء بأنه لا يمكن الاستفادة من ذلك لتأمين مصالح المجتمع وتكوين الحضارة الإسلامية بسبب عدم وجود ضمان للوصول إلى مصالح ومفاسد حقيقية، فهل نظريات أخرى في إدارة المجتمع تضمن ذلك بنسبة مئة بالمئة؟ مع هذا الاختلاف الشديد وظهور أخطاء كثيرة وأحيانًا كارثية التي نفذها العقلاء في المجتمع، إلا أنهم يعملون بها، وعند معرفة المشاكل، يصلحونها ويكملونها. بينما مع الأخذ في الاعتبار تمثيل الواقع بأقصى حد في الإمارات الفقهية، فإن الضمان في العمل بها أكبر بكثير مقارنة بالافتراضات والهياكل والطرق العقلائية الأخرى، وإذا ظهرت بعض المشاكل، فهناك إمكانية للتكامل وحل المشكلة. لذلك، مجرد احتمال عدم التطابق مع الواقع لا يمنع عقليًا من الأخذ بها.
إذا كان تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد مقتصرة فقط على الأحكام الحقيقية (وخاصة في زمن حضور الإمام وعلم الناس)، فينبغي أن يكون أهل البيت، وهم يعلمون أن الغيبة الطويلة ستحدث وأنه لا يمكن تحصيل العلم، قد جعلوا للناس في مثل هذه الظروف إمارات، ولم يكونوا يفكرون في مصالح ومفاسد، وكان همهم الوحيد هو عدم العقاب الأخروي. وهذا الأمر لا يتوافق مع المبادئ الفكرية للإمامية. لذلك، يجب القول إن الأحكام الظاهرية التي أقرها حضرات المعصومون كانت كلها أحكامًا جلبت أعظم المصالح للعباد وصدّت أعظم المضار عنهم.
يُعبّرون عن الأمر وكأن الفقهاء لم يولوا أي اهتمام لتأثيرات الأحكام في المجتمع، وحتى إذا كانت تسبب اضطرابًا في النظام وعدم كفاءة المجتمع، يصرون عليها. لكن الفقهاء الكبار في بعض الحالات، حتى إذا كان حكم ما قابلًا للتنفيذ على فرد ولا يسبب له مشكلة، لكن إذا نُفذ على المجتمع ككل، يسبب مشكلة للمجتمع، فإنهم يغيرون حكمهم (آشتیانی، ١٤٢٥هـ، ص٣٦).
شواهد الرد على هذا الادعاء: ١. الأحكام تهدف إلى تنظيم الشؤون الفردية والاجتماعية. ٢. التفقه يعني جلب المصالح ودفع المفاسد. ٣. عدم الضمان لا يستلزم بطلان الأحكام أو عدم ارتباط الدنيا بالآخرة. ٤. كشف الواقع الدائم يسبب اضطراب النظام الاجتماعي، مما يؤدي إلى العمل بظواهر العقلاء.
لذلك، حتى الأحكام الظاهرية تجلب المنافع وتدفع المفاسد الدنيوية والآخروية، وإلا فهي لغو.
الإشكال السادس: عدم إمكانية الالتزام بالنظام الكلي
في فقه النظام قيل:
هنا يثار إشكال، إذا كان يجب اعتماد نظام كلي من أنظمة فرعية اقتصادية وسياسية وغيرها، فيجب أن يكون هذا الاعتماد من قبل الشارع، ولا يمكن للفقيه أن يعتمد بنفسه النظام الكلي في البداية. لا يمكن جعل أمر اعتباري مجرد موضوعًا لمسألة شرعية (فاضل لنكراني، (1397/9/13)).
شواهدهم على هذا الادعاء: ١. يجب أن يعتمد الشارع النظام الكلي، لا الفقيه، و٢. الأمر الاعتباري لا يمكن أن يكون موضوع مسألة شرعية.
الجواب
على أي حال، نريد أن نستنبط من هذه المصادر والمقاييس بقدر الإمكان؛ كما هو الحال في استنباط الأحكام الجزئية، إذا لم نستطع الوصول إلى النظام الكلي أو النظام الجزئي بسبب القيود، فإننا نحتاط كما هو منهج الاجتهاد، لذلك، نحن نمارس الاستنباط ونكشف المقاييس طالما كان ذلك ممكنًا، وفي الحالات التي لا يتوفر فيها هذا الإمكان، نحتاط ولا ندخل في الأمر. ومع ذلك، في حالة عدم الوصول إلى النظام، نسعى للتحرك في ظل الشريعة، ونحاول قدر الإمكان أن نستمد توجيهات المجتمع من الشريعة، لا من البشرية، حتى وإن كان ارتباطها بالشريعة ضعيفًا، فهذا أقرب إلى السعادة؛ لأننا نؤمن بأن القوانين يجب أن تتناسب مع الأخلاقيات والظروف الاجتماعية.
في الرد على الجزء الأول، يجب القول: حتى لو افترضنا أن هذا الاستلزام يقتضي وجود نظام في الشريعة، فلا ينبغي الخوف من الالتزام به! لأن النظام الكلي مستخرج من جوهر الفقه وبمقاييس شرعية معتبرة، وكما يُعترف، فهو ليس مجرد تجريد بل له استشهادات معتبرة. على أي حال، ما المشكلة في أن يقول من يؤمن بالنظام: إن مجموعة الأحكام الشرعية المتفرقة في البيع والمضاربة والإيجار تُجمع تحت نظام جزئي يسمى “نظام العقود”. وهذا النظام يكون ضمن نظام وسيط مثل “النظام المالي الإسلامي”، وهذه بدورها تندرج تحت “النظام الاجتماعي الكلي”، حيث تُطرح في النظام الثاني مسائل الخمس والزكاة والإنفاق والأنفال، وفي النظام الثالث تدخل الهياكل الاجتماعية والطبقات الاقتصادية وتوزيع الثروة. وبالنسبة للأسرة يمكن تطبيق ذلك هكذا: الأحكام الشرعية ← نظام الأسرة ← نظام المعاشرة ← النظام الاجتماعي وهكذا.
وفي الرد على الجزء الثاني يمكن القول:
أولاً: إذا جاز التساهل وقبول ادعاء عدم الاعتبار في الموضوعات الجزئية، مع أن الأمور الاعتبارية موجودة حتى في الموضوعات الجزئية، فإن القضايا الكبرى غالبًا ما تكون اعتباراتية. يجب أن نسأل: هل لم تُعرف الشخصية الاعتبارية، الملكية المعنوية، أو حتى أصل الملكية، الزوجية، وغيرها من الأحكام الوضعية المشابهة التي هي اعتباراتية في الفقه؟ وفق أي قاعدة فقهية أو أصولية يمكن أن يُدعى ذلك؟!
ثانيًا: هذه المسألة متجذرة في أذهان الفقهاء إلى حد أن بعضهم اعتبر مجرد ادعاء العنوان الاعتباري في مسألة اجتماع الأمر والنهي كافياً، وبذلك يرى بعض الأصوليين إمكانية تعلق الأمر والنهي بعمل له عنوانان، أحدهما متعلق بالأمر والآخر متعلق بالنهي. والمثال المعروف هو الصلاة في أرض مغصوبة، حيث يتعلق الأمر والنهي بموضوع له عنوانان هما الصلاة والغصب؛ لأن العمل الذي يُقام كصلاة في مكان مغصوب هو مصداق للعنوانين الصلاة والغصب. لذلك، يُأمر العمل من جهة ويُنهى عنه من جهة أخرى. بعض الأصوليين يرون أن العنوانين، رغم اتحادهما ظاهريًا في الوجود الخارجي، إلا أنهما متعددان في العنوان، وتعدد العنوان من الناحية العقلية يستلزم تعدد المعنويات، بمعنى آخر، الصلاة في مكان مغصوب، رغم أنها من الناحية العرفية عمل واحد، إلا أنها في الواقع عملان؛ أحدهما الصلاة والآخر الغصب، وقد أقروا بإمكانية هذا النوع من الاجتماع (مظفر، ١٣٧٠، ج١، ص٢٨٣).
ثالثًا: إلى جانب الموضوعات البسيطة، هناك موضوعات ذات طبيعة معقدة ومركبة تتكون من مجموع عناصر ومكونات متعددة، وبعض هذه الموضوعات له هيكل نظامي. لذلك، فإن معرفة هذه النوعية من الموضوعات تتطلب منطقًا يمكنه ملاحظة مكانة العناصر في تركيبها مع بعضها البعض وفي علاقتها بالكل. موضوعات مثل البنك والتأمين وغيرها التي تشكل النظام الاقتصادي هي من هذا النوع، ويمكن تسميتها موضوعات كبرى (میرباقری، عبداللهی و نوروزی، ١٣٩٥، ش٣٦، ص٧٣). كما أكد الإمام على ضرورة النظرة الكلية في الاقتصاد ومراعاة النظام الاقتصادي (امام خمینی، ١٣٨٩، ج٥، ص٤٣٧).
رابعًا: في اعتبار الأمور الكبرى في الشريعة، يقول الإمام: «ديانة الإسلام تشمل وتدير كل حاجات الإنسان؛ من الأمور العبادية الفردية إلى القضايا الكبرى السياسية والاجتماعية التي أولى بها الشارع المقدس اهتمامه» (امام خمینی، ١٤١٠هـ، ج٢، ص٩٤). لذلك، من المستحيل أن يكون أهم حاجة اجتماعية للإنسان وهي الحكم والقيادة قد تُركت (المرجع نفسه، ص١٠١).
خامسًا: هل يمكن إنكار الخطابات الكبرى للشارع في أبواب فقهية مختلفة مثل العدالة الاجتماعية «كي لا يكون دولة بين الأغنياء» (الحشر (٥٩): ٧ والحديد (٥٧): ٢٥)، حفظ النظام السياسي «ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية» (حر عاملی، ١٤١٤هـ، ج١، ص٢٦)، أو عهدية أمير المؤمنين إلى والي مصر التي تناولت كثيرًا من الأمور الكبرى مثل حقوق الإنسان والحقوق الاقتصادية… (نهج البلاغه، نامه ٥٣)، أو حفظ عزّة وكرامة واستقلال المسلمين «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين» (المنافقون (٦٣): ٨) وغيرها. هذا من الناحية النظرية، ومن الناحية التطبيقية في الحدود والديات والقضاء، هل يمكن تصور تنفيذها بدون نظام وحكومة؟ كما أن أمير المؤمنين ٧ يعترض على حكم مختلف لقاضيين (نهج البلاغه، خطبه ١٨ و وکیع، ١٤٢٢هـ، ج٢، ص٣٩٩)، فهل يمكن أن نشهد وحدة في الاجتهاد القضائي بدون نظام قضائي متماسك؟ لذلك، لا بد من اعتبار وتنظيم نظام قضائي مناسب.
شواهد الرد على هذا الادعاء: ١. النظام الكلي المستنبط من الفقه قابل للالتزام. ٢. الأمور الاعتبارية في بعض الأحكام الوضعية هي موضوع شرعي. ٣. الخطابات الكبرى للشارع تبين اعتبارات كبرى مثل العدالة وحفظ النظام وغيرها.
في خلاصة هذا الرد يمكن القول إن الأنظمة الكبرى ليست بعيدة عن نظر الشارع، والشارع قد اعتبر القضايا الكبرى. كما أن الأمور الاعتبارية يمكن أن تكون موضوعًا شرعيًا.
النتيجة
بناءً على ذلك، أهم الاعتراضات على إمكانية وفقه النظام هي:
١. عدم أساس فقه النظام.
٢. اختلاف الرأي وعدم تقديم تعريف موحد للفقه النظامي.
٣. شمولية الإسلام تلبي مقتضيات حاجات البشر، لا النظام.
٤. لا دليل على وجود نظام في التشريع.
٥. الفقه لا يضمن مصالح أو مفاسد دنيوية.
٦. النظام الكلي المزعوم غير قابل للالتزام، والأساس أن الأمر الاعتباري لا يمكن أن يكون موضوع مسألة شرعية.
في المقابل، تم الرد على هذه الاعتراضات بتحليل موجز على النحو التالي:
١. نحن لا نصر على وجود نظام مكتشف، بل نؤكد على ضرورة اكتشاف هذا النظام من خلال قدرات المصادر الفقهية.
٢. الاختلاف في التعريفات ينبع من جدية النقاش ودخول وجهات نظر مختلفة فيه.
٣. شمولية الإسلام تقتضي توفير نظام يستجيب للظروف المتغيرة، مع الالتزام بالمبادئ الثابتة والمتغيرة.
٤. العلاقة بين الأحكام بمعنى التماسك وعدم التناقض بينها؛ فعل التشريع نفسه مؤيد للنظام.
٥. حتى الأحكام الظاهرية تجلب المنافع وتدفع المفاسد الدنيوية والأخروية، وإلا لكانت هذه الأحكام لغوًا.
٦. الأنظمة الكلية ليست بعيدة عن نظر الشارع، فالشارع قد أقر القضايا الكلية.
وكذلك، يمكن للأمور الاعتبارية أن تكون موضوعًا شرعيًا.
وعلى هذا الأساس، قدم الإمام الخميني رحمه الله الإسلام كنظام ونظام خاص، ورأى الشهيد الصدر الأحكام على شكل نظام. ومن ثم، فإن عدم وجود تاريخ سابق لمناقشة فقه النظام بين الفقهاء ليس دليلاً على رفضه، ولا محل نزاع في عدم قدرة الفقه أو ضرورته.
يمكن ملاحظة ثمرات الاعتقاد بفقه النظام في كل أرجاء الفقه، لا سيما في استنباط أحكام الموضوعات الاجتماعية والسياسية وغيرها. مع أن الفقيه، حتى في المسائل الجزئية، قد يخطئ في موضوع المعرفة دون تتبع الأصول. وثمرة أخرى للوصول إلى النظام هي تقليل الاستثناءات وخروج الحالات من القواعد الكلية.
ملاحظات
- Subjective.
- Objective.
٣. «أوصيكم وجميع أهلي وولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم».
٤. «جعل الله… وطاعتنا نظامًا للأمة، وإمامتنا أمانًا من الفرقة».
٥. في خطبة الخيف، قال النبي الأكرم ٩ في منى: «فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (محمد بن یعقوب کلینی، الکافی، ج١، ص٢٣٤)؛ قد يكون فقيه الأجيال اللاحقة أفقه وأعلم من فقيه الأجيال السابقة، ولا ينبغي استبعاد ذلك.
المصادر والمراجع
١. القرآن الكريم.
٢. نهج البلاغة.
٣. آشتياني، محمدحسن، كتاب القضاء، قم: انتشارات زهير، ١٤٢٥ق.
٤. ابن حزم، علي بن أحمد، الأحكام في أصول الأحكام، بيروت: دار الفكر، ١٤١٧ق.
٥. ابن مشهدي، محمد، المزار الكبير، قم: دفتر انتشارات إسلامي حوزة علمية قم، ١٤١٩ق.
٦. أرسطا، محمدجواد، «فقه نظام ساز: بحث في قدرات الفقه السياسي لبناء النظام»، سوره انديشه، ش٥٣-٥٢، ١٣٩٠.
٧. أعرافي، عليرضا، «تأثيرات الفقه على نظام التربية»، راهبرد فرهنگ، ش٣٦، ١٣٩٥.
٨. الإمام الخميني، سيد روح الله، الرسائل، ج٢، قم: نشر إسماعيليان، ١٤١٠ق.
٩. الإمام الخميني، سيد روح الله، صحيفة نور، ج٢، ٥و٢١، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الخامسة، ١٣٨٩.
١٠. حر عاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، ج١، قم: نشر آل البيت لإحياء التراث، ١٤١٤ق.
١١. خامنئي، سيد علي، بيانات في لقاء جمع من العلماء، ١٣٧٦/٢/١٣: Khamenei.ir.
١٢. خامنئي، سيد علي، بيانات في لقاء جمع من نخبة الحوزة، ١٣٧٤/٩/١٣: Khamenei.ir.
١٣. خامنئي، سيد علي، درس خارج فقه، ١٣٧٠/٦/٣١: Khamenei.ir.
١٤. خسروپناه، عبدالحسين، رد على اعتراض آية الله فاضل لنكراني، ١٣٩٧/٩/١٨: ijtihadnet.ir.
١٥. الخوئي، سيد أبو القاسم، محاضرات في أصول الفقه، تقارير محمد إسحاق فياض، ج١و٤، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، ١٤٢٢ق.
١٦. الخوئي، سيد أبو القاسم، مصباح الفقه، تقرير محمد علي توحيدي، ج٧، د.م: د.ت.
١٧. الخوئي، سيد أبو القاسم، فقه الشيعة (كتاب الطهارة)، قم: مؤسسة آفاق، ١٤١٨ق (أ).
١٨. الخوئي، سيد أبو القاسم، موسوعة الإمام الخوئي، ج٢٠، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، ١٤١٨ق (ب).
١٩. رجبي، مجيد، الفقه: علم قائم على الحجية وفي سبيل السعادة الدنيوية والأخروية، ١٣٩٩/١/٢٧: mehrnews.com
٢٠. سبحاني، جعفر، تهذيب الأصول (تقارير درس الإمام الخميني)، ج٢، قم: مؤسسة إسماعيليان، د.ت.
٢١. سروش، عبدالكريم، مدارا وإدارة، طهران: مؤسسة ثقافية صراط، ١٣٧٨.
٢٢. سعدي، حسين علي، «الحجية في الاجتهاد النظامي مع التأكيد على آراء آية الله سيد محمد باقر صدر»، راهبرد فرهنگ، ش٣٦، ١٣٩٥.
٢٣. الشهيد الأول، محمد، القواعد والفوائد، ج٢، قم: مكتبة مفيد، ١٤٠٠ق.
٢٤. الشهيد صدر، محمد باقر، اقتصادنا، قم: مكتب الدعوة الإسلامية، ١٤١٧ق.
٢٥. الشهيد صدر، محمد باقر، المعالم الجديدة للأصول، ج٢، قم: مركز الأبحاث العلمية المتخصصة الشهيد صدر، ١٣٩٨.
٢٦. الشهيد صدر، محمد باقر، فلسفتنا، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، الطبعة ١٢، ١٤٠٢ق.
٢٧. شيخ الأنصاري، مرتضى، دراسات في المكاسب المحرمة، ج٣، قم: نشر تفكر، ١٤١٥ق.
٢٨. شيخ الأنصاري، مرتضى، فَرائد الأصول، تحقيق تراث شيخ الأعظم، ج١، قم: مجمع الفكر الإسلامي، ١٤١٩ق.
٢٩. شيخ المفيد، محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج٢، قم: نشر مؤتمر شيخ المفيد، ١٤١٣ق.
٣٠. صادقي رشاد، علي أكبر، إدارة المجتمع بأحكام بلا نظام غير ممكن، ١٣٩٧/٩/١٣: rashad.ir.
٣١. الطوسي، محمد، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، ج١، مشهد المقدس: مؤسسة نشر جامعة مشهد، ١٤٩٠ق.
٣٢. عابدي، أحمد، «مصلحة في الفقه»، فصلية نقد ونظر، ش١٢، خريف ١٣٧٦.
٣٣. عبد اللهي، يحيى، «فقه الأنظمة (رد على اعتراض آية الله فاضل لنكراني)»، نظام ولائي، السنة الثانية، ش٢، ربيع وصيف ١٣٩٩.
٣٤. علم الهدى، سيد صادق، الفقه الحالي، لا هو حكومي ولا تمدني! ١٣٩٦/٧/١٢: ijtihadnet.ir.
٣٥. علي أكبري بابوكاني، إحسان، طباطبائي، محمد صادق، وآهنگري، إحسان، «إعادة بحث إمكانية وحجية بناء النظام في الفقه مع التأكيد على رؤية الشهيد صدر»، فقه وأصول، السنة الثامنة والأربعون، ش١٠٧، ١٣٩٥.
٣٦. عليدوست، ابوالقاسم، «الفقه الحكومي، موضوعه، بناء النظام واستراتيجيات ترسيخه»، مجلة خطاب الفقه الحكومي الفصلية، السنة الأولى، العدد ١، الربيع والصيف، ١٣٩٥.
٣٧. عليدوست، ابوالقاسم، «الفقه والعقل»، قبسات، العدد ١٥-١٦، ١٣٧٩.
٣٨. عليدوست، ابوالقاسم، «الفقه ومقاصد الشريعة»، مجلة فقه أهل البيت الفصلية، العدد ٤١، ١٣٨٤.
٣٩. الغزالي، أبو حامد محمد، الاقتصاد في الاعتقاد، مصر: المطبعة المحمودية للتجارة، د.ت.
٤٠. الغفوري الحسني، خالد، «فقه النظرية عند الشهيد الصدر»، مجلة فقه أهل البيت الفصلية، العدد ٢٠، ١٣٧٩.
٤١. فاضل لنكراني، محمدجواد، نقد «فقه الأنظمة» في ثلاث جلسات: ١. المؤتمر الثاني لوجهات النظر القانونية لآية الله الموسوي الأردبيلي، ٨/٩/١٣٩٧. ٢. درس الخارج، ١٣/٩/١٣٩٧. ٣. جلسة الأسئلة والأجوبة، ١/١٠/١٣٩٧: fazellankarani.com.
٤٢. فراست خواه، مقصود، بداية التجديد المعاصر (الديني وغير الديني)، طهران: شركة سهامي للنشر، ١٣٧٣.
٤٣. كدخدائي، محمدرضا، «متطلبات منهجية بناء النظام مع الاعتماد على فكر الشهيد الصدر»، مجلة فقه أهل البيت الفصلية، العدد ٩٢، ١٣٩٦.
٤٤. كعبي، عباس وفتاحي زفرقندي، علي، «السياسات العامة للنظام؛ حلول لتطوير نظام التشريع في النظام الجمهوري الإسلامي الإيراني»، مجلة علوم الحقوق العامة الفصلية، العدد ١٥، ١٣٩٥.
٤٥. كليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج١، طهران: دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧هـ.
٤٦. مبلغي، أحمد، مبادئ في تنقيح موضوع فقه النظام: النظريات الثلاثة لتجسيد الفقه في النظام، vasael.ir: ١١/١٢/١٣٩٧.
٤٧. مجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج٢، ٦، ٩٨ و ٩٩، بيروت: مؤسسة الطبع والنشر، ١٤١٠هـ.
٤٨. محقق حلي، نجم الدين، الاجتهاد والتقليد (معارج الأصول)، قم: آل البيت، ١٤٠٣هـ.
٤٩. مشكاني سبزواري، عباسعلي، «الاجتهاد الحكومي، بناء النظام الديني وصناعة الحضارة الإسلامية»، مجلة الفكر الحضاري الإسلامي، العدد ٢، ١٣٩٥.
٥٠. مطهري، مرتضى، خمسة عشر خطاباً، طهران: نشر صدرا، ١٣٨٠.
٥١. مظفر، محمدرضا، أصول الفقه، ج١، قم: منشورات مكتب التبليغات الإسلامية في الحوزة العلمية بقم، الطبعة ٤، ١٣٧٠.
٥٢. ملك زاده، محمدحسين، روح واحدة تحكم الأحكام الفقهية، ١٦/١٠/١٣٩٧: meftaah.com
٥٣. ميرباقري، سيدمحمدمهدي وعبداللهي، يحيى ونوروزي، حسن، «الفقه الحكومي من منظور الشهيد الصدر»؛ مع مراجعة لخصائص «فقه الأنظمة»، مجلة استراتيجية الثقافة، العدد ٣٦، ١٣٩٥.
٥٤. نائيني، محمدحسين، أجود التقارير (قاعدة اليد، الفراغ، التجاوز والصحة)، مقرر: أبو القاسم الخوئي، ج٢، قم: نشر مصطفوي، الطبعة ٢، ١٤١٠هـ.
٥٥. نائيني، محمدحسين، فرائد الأصول، تقارير كاظمي الخرساني، ج٣، قم: جمعية المدرسين، ١٣٧٦.
٥٦. نبوي، سيد عباس، «الفقه، الزمن وبناء النظام»، كيهان الفكر، العدد ٦٧، ١٣٧٥.
٥٧. نجفي، محمدحسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج٢، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٤هـ.
٥٨. وكيع، محمد، أخبار القضاء، ج٢، بيروت: عالم الكتب، ١٤٢٢هـ.

