ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: منابع و روشهای تفسیر موضوعی در سده چهاردهم ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: ابوطالب محمدی
المصدر: فصلنامه پژوهشهای قرآنی، خريف و شتاء ١٣٧۵، العدد ٧
عمل التفسير والبحث في أي نص قابل للتفسير يعتمد على مجموعة من (المعرفة المسبقة) و(الشروط) و(الضوابط) وكذلك (الأدوات المساعدة والمضيئة).
كل من هذه العناصر له مكانته ودوره الخاص، رغم أن التمييز بين (الشروط) و(الضوابط) و(الأدوات) قد لا يكون مألوفًا للبعض!
إذا بحثنا عن الفرق والتمييز بين هذه العناصر من خلال مثال، يمكننا القول إن تعلم لغة ما له شروط، من بينها التمتع بالموهبة والشغف والاجتهاد، وله ضوابط منها التعلم خطوة بخطوة والانتقال من البسيط إلى المعقد واستخدام القواعد النحوية تدريجيًا، وله أدوات تساعد المتعلم في ميدان التعلم مثل كتب المعاجم والنحو، والمصادر التعليمية، والمحادثة مع أهل اللغة، وغيرها…
وعمل تفسير القرآن له أيضًا شروط، منها الإلمام بثقافة ومعارف الدين العامة والموهبة والقدرة الإدراكية والتحليلية، وله ضوابط منها مثلاً (عدم التمسك بالعموم قبل البحث عن المخصص)، و(عدم الاستدلال بالمطلق قبل التأكد من عدم وجود المقيد والقيد)، وغيرها… وفي هذا السياق توجد أدوات للتفسير مثل المعاجم، والعرف، وسياق النزول، والأحاديث، والتاريخ، وغيرها…
ومن هنا، اعتبر بعض المفسرين أن الشرط المسبق للانخراط في التفسير الموضوعي للقرآن هو الإلمام بدورة التفسير الترتيبي.[1] وعند دراسة المصادر والأدوات المعرفية للتفسير، إلى جانب المعاجم وسياق النزول والتاريخ، ذكروا القرآن نفسه كأفضل وسيلة للتفسير.
والآن، في هذا البحث نوجه جهدنا إلى دراسة الأدوات المعتبرة في التفسير الموضوعي للقرآن، ونؤجل البحث في الشروط والضوابط إلى مناسبة أخرى.
1. استخدام القرآن في التفسير الموضوعي للقرآن
جزء من آيات ومفاهيم ومعارف القرآن هو وسيلة لفهم وتفسير وبيان جزء آخر من آياته ورسائله. كما يعتقد بعض المفسرين أن هذه الطريقة هي في الأصل ما سار عليه الأئمة (ع) وأظهروه لأتباعهم.[2] وذكر آخرون أن اللجوء إلى غير القرآن في تفسير القرآن يؤدي إلى الفساد والانحراف.[3]
إذا لم نقبل مطلقًا أن القرآن يجب أن يُفسر بالقرآن فقط، فمن المؤكد أن القرآن نفسه من أهم المصادر والأدوات لتفسير آياته؛ لأن سياق الآيات، والقيود المتعلقة بالإطلاق، والتخصيصات المتعلقة بالعموم، وغيرها، هي وسائل فعالة وفريدة لفهم المعاني القرآنية.
تفسير القرآن بالقرآن لا يقتصر على دراسة المتشابه في ضوء المحكم، أو العام بالمقارنة مع الخاص، أو المطلق إلى جانب المقيد، بل إن المؤلفين مثل مؤلف (أضواء البيان) عدوا أنواع تفسير القرآن بالقرآن أكثر من عشرين نوعًا.[4]
أوج حضور القرآن كوسيلة للتفسير يظهر في (تفسير القرآن بالقرآن) وفي التفسير البياني، وهما نوعان من أقسام التفسير الموضوعي المختلفة التي تستحق الدراسة.
عنوان تفسير القرآن بالقرآن يزين اليوم أعمالًا مكتوبة لعدة مفسرين كبار، وفي جميعها تُفسر آيات من القرآن جزءًا من آيات معروفة. ومن أبرز نماذج هذا النوع من التفسير يمكن الإشارة إلى تفسير شنقيطي المعروف بـ (أضواء البيان).
ومن ناحية أخرى، للإشارة إلى نموذج واضح من (التفسير البياني) يجب ذكر عمل عائشة عبد الرحمن (التفسير البياني للقرآن الكريم).
٢. الاستفادة من السنة في الدراسة الموضوعية لمعاني القرآن
اعتبر المفسرون السنة من أدوات البحث في التفسير، لأن الله تعالى يقول:
(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) النحل / 44
لقد أنزلنا إليك الذكر [القرآن] لتوضح للناس ما أنزل إليهم.
فالنبي هو المفسر، وبدون كلامه لا يمكن الوصول إلى كنوز معارف القرآن.
لكن في الواقع، وجد المفسرون أنفسهم أمام معوقات في الاستفادة من السنة، ولهذا فإن مقدار استخدامهم للسنة يختلف.
يكتب مؤلف (الفرقان في تفسير القرآن):
(يمكن للسنة أن تخدم التفسير فقط إذا لم تكن متعارضة أو مخالفة للقرآن.)[5]
ويعتقد عبدة ورشيد رضا:
(بما أن الأحاديث المتوفرة تعاني من ضعف السند ومشاكل في المحتوى، فهي ليست فقط مفتاح فهم المقصد الإلهي، بل إنها كحجاب تعيق الفهم الصحيح لمقاصد القرآن.)[6]
وقال بعض الباحثين في الدراسات القرآنية والإلهية:
(الأحاديث التي موضوعها تفسير بعض آيات القرآن أحيانًا تقدم تفاسير لا يمكن قبولها اليوم.)[7]
٣. الاستفادة من آراء المفسرين في التفسير الموضوعي
اعتبر منظرو التفسير الموضوعي الرجوع إلى التفاسير وآراء المفسرين مفيدًا بهدف
فهم معاني الألفاظ، والعلاقات بين كلمات الجملة، وربط الآيات[8]، والتعرف على جوانب مختلفة من الموضوع قيد الدراسة.[9]
اتخذ سعيد حوي، مؤلف (الأساس في التفسير)، تفسير ابن كثير وتفسير النسفي (عمربن محمد نسفی 462 ـ 538هـ) أساسًا لأبحاثه في التفسير الموضوعي.[10] وقد قبل فهم ورأي هذين المفسرين بلا منازع، وبآرائهما قام بالدراسات الموضوعية، في حين أن بعض المفسرين مثل علامه طباطبائي ينقل آراء الآخرين لكنه لا يعتمدها مطلقًا، بل بعد النقد والمراجعة يختار الرأي الأرجح ويثبت أُسسَه بالدليل.
تكتب بنت الشاطئ:
(الغرض من نقل آراء المفسرين هو إيجاد الرأي المتوافق مع النص بين الإسرائيليات والتأويلات الدينية.)[11]
وفي بعض الأبحاث والدراسات التفسيرية للآخرين، مثل محمد عبده والشهيد الصدر، لا تظهر وجهات نظر المفسرين.[12]
لذلك، لم تُعتمد الآراء التي أبدىها المفسرون في التفسير الترتيبي عند الجميع كأساس ومعيار، فبعض المفسرين الموضوعيين لم يتناولوا نقل الأقوال أو اكتفوا بذكرها بغرض النقد والمراجعة.
٤. دور اللفظ من منظور المفسرين الموضوعيين
اللفظ العربي هو أداة مشتركة ومقبولة لدى المفسرين، وله استخدام لا يمكن إنكاره وواسع في التفسير الترتيبي والموضوعي. كما يصر منظرو التفسير الموضوعي على الاستفادة من اللفظ.
نعم، تختلف إشكالية الاستفادة من اللفظ في بحوث القرآن بين الباحثين. فبعضهم مثل المؤلف: (التحقیق فی کلمات القرآن الکریم) معتقد است که فهم معارف قرآن در گرو آشنایی با مفاهیم کلمهها و واژه هاست وخود نیز جهت یافتن معنی حقیقی و اصلی هر واژه از کتابهای لغت مانند صحاح اللّغة جوهری، لسان العرب ابن منظور، مجمع البحرین طریحی و… استفاده میکند و آنگاه استعمال آن واژه را در قرآن به بررسی مینشیند،[13] سعوا إلى استخراج المعاني المقصودة من الكلمات في القرآن كله.[14] لكن أمين الخولي[15]، أحد رواد التفسير الموضوعي-الأدبي، يشعر بالقلق من الاعتماد على آراء أهل اللغة، لأنه يرى أن الكلمات العربية عبر التاريخ، في ظل الحركات الفكرية والسياسية والدينية، قد نُطقت على ألسنة أمم مختلفة من حيث اللون والعرق… ومن هذا المنطلق، تعرض دلالتها لتغيرات وتحولات. ولهذا السبب، لا بد للمفسر من الوصول إلى مدلول ومعنى استعمال هذه الكلمات في زمن نزول القرآن، ثم يعود إلى القرآن ليرى ما المعاني التي استُخدمت تلك الكلمات لإيصالها.
٥. الاستعانة بالتاريخ في التفسير الموضوعي
لاستخدام التاريخ في التفسير جذور طويلة. هناك آيات كثيرة تذكر الأحداث التاريخية بأسلوب خاص بالقرآن.
من منظور المفسرين الموضوعيين، أسباب النزول، مكان النزول، سير الأمم والأنبياء السابقين[16]، ترتيب النزول، والبيئة المادية والمعنوية للأرض العربية في زمن نزول القرآن، كلها من مصاديق التاريخ وتخدم التعرف على معارف القرآن.[17]
يكتب أمين الخولي:
(التعرف على البيئة الجغرافية للعرب في زمن النزول من الوسائل الضرورية لفهم مفاهيم القرآن، لأن الأمثال والتشبيهات القرآنية التي تتكون مادتها من الظواهر الجوية والطبيعية والحياتية، لا يمكن فهمها إلا إذا كنا على دراية بالحياة المادية للعرب في ذلك الوقت. وإذا لم نكن نعرف أماكن مثل حجر، الأحقاف، مدين، موطن ثمود وعاد، فلن نتمكن من فهم مراد القرآن في هذه العلاقات ولن نستوعب النصائح والهداية اللازمة.)[18]
التعرف على الثقافة العقائدية والاجتماعية للعرب في عصر النزول أيضاً أداة ميسرة، وكل ما له صلة بحياة العرب في ذلك العصر مفيد ومثمر لفهم مقاصد القرآن.[19]
بعض المفسرين الموضوعيين يصرون بشكل مبالغ فيه على استخدام التاريخ. مع ذلك، بعضهم يراعي ظروف مكة والمدينة في تفسيراته، وهناك من اعتبر دراسة نزول الوحي خطوة بخطوة أساساً لتأملاته القرآنية.[20]
بوجه عام، يمكن القول إن إدخال التاريخ بمعناه الواسع في مجال التفسير الموضوعي عمل معقد وحساس، لأن الفاصل الزمني الطويل بين مفسري القرن الرابع عشر الهجري وبداية الإسلام، والارتباكات والتشويشات التي تسللت إلى التاريخ والتأريخ، تجعل من الصعب الحصول على تاريخ صحيح. حتى في أسباب النزول التي هي مجال أضيق وأوضح من مجمل القضايا التاريخية، والتي يجب أن تكون أدق وأكثر موثوقية، توجد هذه الارتباكات، والتعرف على أسباب النزول الحقيقية عمل عظيم وصعب.
٦. وظيفة العقل في التفسير الموضوعي
ليس بالقليل ما دعا فيه القرآن الناس إلى التفكير والتدبر بتعابير مختلفة. من ذلك في الآيات المتعلقة بالحج، وحقوق الأسرة، وقضايا حقوق النساء… يقول تعالى:
(كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) البقرة/ ٢٤٢
هكذا يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون.
وبعد توجيهات مختلفة في المجالات التاريخية والعبادية ومعرفة العدو… يقول:
(قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) آل عمران/ ١١٨
حقاً بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون.
في هذه الآيات، يُعرف العقل كوسيلة للوصول إلى المعارف الحقيقية.[21]
ولهذا السبب، في معظم التفاسير، عدا التفاسير الروائية، تم الاستفادة من توجيهات العقل والأدلة العقلانية في فهم القرآن.
يكتب الشهيد الصدر:
(كانت طريقة الجزئية في تفسير القرآن سائدة لعدة قرون، وهذا ناتج عن الميل إلى التفسير الروائي والحديثي الذي كان يتعارض مع الجمع والمقارنة بين مفاهيم القرآن للوصول إلى رؤية قرآنية متكاملة.)[22]
هذا الكلام يعني أنه يجب كسر حدود النصية الصرفة، وباستخدام العقل تنظيم المعاني القرآنية. وعلى هذا الأساس، يشكل العقلانية في التفسير العقلي الجديد، الذي يقوم على وحدة الموضوع في السور ودراسة المعارف القرآنية موضوعياً، أحد أركان التفسير الموضوعي.
من وجهة نظر بعض مفسري القرن الرابع عشر، العقل ليس فقط أداة فعالة، بل قد يعلو على ظاهر القرآن، وإذا تعارض مع ظاهر الشرع، يجب تفسير الشرع بطريقة تتوافق مع العقل، لأن القرآن نفسه أمر بوجوب العمل بالعقل ولا يمكنه إلغاء توصيته.[23]
نمو العقلانية في التفسير أدى إلى مبالغة أثارت نقداً وجعلت بعض المفسرين يصفون هذا الاتجاه في التفسير بأنه زلة.[24]
٧. الاستفادة من المعرفة التجريبية في التفسير الموضوعي
يعتبر القرآن العلم وسيلة للتفكير والفهم الأسمى:
(وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) العنكبوت/ ٤٣
نضرب هذه الأمثال للناس ولا يعقلها إلا العلماء.
ومن جهة أخرى، يتحدث القرآن عن خشية العلماء أمام عظمة الله:
(إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر/ ٢٨
إنما يخشى الله من عباده العلماء.
هذا الكلام يدعو العلماء إلى دراسة الوجود لتوسيع نطاق علمهم وعقلهم، ثم استخدام نتائج العقل والاكتشافات العلمية لفهم مسبب الأسباب، حتى تزداد خشية الله فيهم مع ازدياد معرفتهم.[25]
لذلك، كل علم يُعد وسيلة للعقل في آيات الله يمكن أن يخدم في فهم القرآن ويُظهر معانيه وأسراره وحكمته بشكل أوضح.
بعد هذه المقدمة القصيرة، ننتقل إلى وجهات نظر المفسرين في التفسير الموضوعي لننظر في نوع حكمهم على العلوم التي تم التركيز عليها.
الحقيقة أن المفسرين اختلفوا في هذا المجال، وشخصيات بارزة مثل شلتوت، رشيد رضا، أمين الخولي، عباس محمود عقاد، زرقاني وسيد قطب قد عارضوا التفسير العلمي.[26]
بعضهم مثل محمد عبد الله دراز، مصطفى صادق رافعي ومحمد أحمد عمراوي، اتخذوا طريق الاعتدال والوسطية.[27] وفئة مثل محمد عبده، عبد الرحمن كواكبي، عبد العزيز إسماعيل، حنفي أحمد وعبد الرزاق نوفل، سلكوا طريق الإفراط.[28]
مفسرو التفسير الموضوعي من جهة يقولون: يكفينا أن القرآن لا يحتوي على كلام يتعارض مع العلم، وعلى دعاة التفسير العلمي أن يلتفتوا إلى هذه النقطة.[29] ومن جهة أخرى، فقد استفادوا عمليًا في التفسير من العلوم الحديثة، وهذا الأمر أثار دهشة البعض.[30]
ولكن ما يبرر هذا التناقض في القول والفعل عند المفسرين هو أن المناهضين لاستخدام العلم كانوا قلقين من تطبيق النظريات العلمية بشكل غير مدروس وغير معياري، ولم يعارضوا الحضور الذكي في محضر القرآن.
الأستاذ جوادي آملي، الذي يعارض التفسير العلمي، يقول:
(القرآن لا يحتاج إلى دلالة، ولا يحق لأحد أن يفرض شيئًا من المكتشفات البشرية على الوحي… لكن تحصيل العلوم يوسع سعة القلب ويجعل تحمّل معارف القرآن صحيحًا ومقبولًا… وتحمل علوم القرآن في ظل العلوم والمعارف البشرية جائز.)[31]
معايير التصنيف وأنواع التفسير
الأبحاث والنتائج الناجمة عنها في مجال التفسير الموضوعي في القرن الرابع عشر لم تتبع أسلوبًا موحدًا، وكل مفسر شرح وجهة نظر من وجهات القرآن بالطريقة التي يفضلها.
تقسيم وتصنيف التفاسير الموضوعية، مثل غيرها من المواضيع المعرفية، لم يصل بعد إلى أسس منهجية كافية، ولكن يمكن إجمالًا القول إن نوع النظرة إلى التفسير الموضوعي والتعريف الذي يضعه المفسر له، من العوامل المؤثرة في هيكله ومحتواه.
كما ذُكر، هناك وجهتا نظر في تعريف التفسير الموضوعي. بعضهم يوصي بدراسة التجربة البشرية ورأي القرآن معًا وبشكل مقارن. وبعضهم يصر فقط على موضوعات القرآن واستقراء وجمع كل الآيات المتعلقة بموضوع معين.
هاتان النظرتان أحدثتا اختلافات في نص العمل التفسيري سنشير إلى بعض منها.
أ. التفسير الموضوعي الاستقرائي والتفسير الموضوعي الانتقائي
الذين قبلوا النظرة الثانية، يجب عليهم في البحث أن يركزوا على التعرف على العلاقة والترابط بين كل الآيات التي قد تكون متعلقة ببعضها.
عفت الشرقاوي[32] ومكارم الشيرازي[33] اللذان اعتبرا في تعريف التفسير الموضوعي استقراء القرآن كله وجمع كل الآيات المتعلقة بموضوع واحد أمرًا ضروريًا، عملا على التعرف وجمع كل الآيات المتعلقة بموضوع معين، وبطريقة مشابهة تقريبًا، ذكروا الآيات وفسروا مفردات كل آية.[34] لكن دراز يكتب:
(لا أرى ضرورة لجمع كل الآيات المتعلقة بموضوع بشكل شامل، بل أركز على الآيات التي تعبر عن قواعد السلوك.)[35]
الشهيد الصدر، الذي يرى أن الوقائع والاحتياجات الخارجية هي التي تهيئ طرح السؤال من القرآن، استخدم أيضًا طريقة اختيار الآيات، وفي مناقشات (المدرسة القرآنية) يشرح المواضيع في ضوء عدد قليل من الآيات.
المقالات التفسيرية التي تناقش مشكلة معينة وفي النهاية تُعرض آية تعبر عن رأي القرآن، هي من الأمثلة الواضحة على التفسير الموضوعي الانتقائي.[36] ومؤسس هذا الأسلوب هو سيد جمال الدين.[37]
ب. التفسير الموضوعي النظامي والتفسير الموضوعي غير النظامي
بعض المفسرين أولوا اهتمامًا أكبر لاكتشاف وتحديد العناوين، أكثر من تنظيمها بشكل منطقي وعلمي؛ مثلاً (رسالة القرآن) يعرض أربعين عنوانًا مختلفًا ومتصلاً بباب المعرفة تحت عنوان عام (40 نقطة قرآنية حول أهمية العلم والمعرفة).[38]
لكن دراز يعتبر مسألة تنظيم المواد مهمة ويكتب:
(بدلاً من عرض المسائل وفق ترتيب سور القرآن أو حروف الأبجد، اخترت النظام المنطقي وفي عملي تُضمّن النصوص القرآنية حسب نوع الاهتمام الذي يُعد أساس التنظيم بينها في الفصول، ولتسهيل الوصول إلى المواد، تُدرج العناوين الفرعية ويُختار كل مجموعة من الآيات.)[39]
الاهتمام الخاص للمؤلف بتنظيم المواد بشكل منطقي واضح في (في دستور الأخلاق في القرآن) وقد أضفى هذا الأسلوب جاذبية خاصة على عمل التفسير الموضوعي.
وفي كتاب (المدرسة القرآنية) أيضًا، يشكل الربط المنطقي بين المواد أساس التقسيم إلى فصول، وقد حظي البناء العام لهذا العمل بتوازن علمي جيد.
ج. التفسير الموضوعي الخارجي والتفسير الموضوعي الداخلي
التقسيم الثالث يقوم على نوعين من التفسير الموضوعي، الطريقة المقارنة (الخارجية) مقابل الأسلوب النصي (الداخلية).
بعض المفسرين توجهوا مباشرة إلى القرآن وجمعوا الآيات موضوعيًا ثم درسوا وفسروا الكلمات وما إلى ذلك. بينما اعتبر آخرون أن امتلاك الخبرات البشرية عند اللجوء إلى التفسير الموضوعي للقرآن أمر ضروري للمفسر.
محمد البهي فسر أكثر من عشر سور من القرآن على أساس وحدة الموضوع في سور القرآن، ودرس مسألة (طريقة القرآن في إحداث التغيير في المجتمع) أيضًا بشكل موضوعي دون أن يذكر التجربة البشرية في هذا المجال، وهذا مثال واضح على التفسير الداخلي، ومن هذا النوع أيضًا الدراسات الموضوعية للأستاذ جوادي آملي التي لا تظهر فيها مظاهر المقارنة والمطابقة.
النوع الثاني، لا يقتصر على وجود أمثلة ونماذج كثيرة فحسب، بل ينقسم إلى نوعين رئيسيين:
أحد أنواع التفسير المقارن هو المقارنة بين القرآن وسائر الكتب السماوية مثل: (في المقارنة بين التوراة والإنجيل والقرآن والعلم) تأليف الدكتور موريس بوكاي، ترجمة المهندس دبير، حيث تم دراسة الآيات العلمية في هذه الكتب الثلاثة بشكل مقارن، وتم التأكيد مرارًا على عدم المساس بصحة وجهات النظر العلمية في القرآن.
كتاب (محمد في التوراة والإنجيل والقرآن) من تأليف إبراهيم خليل و(المسيح في القرآن والإنجيل) تأليف عبد الكريم خطيب.
النوع الآخر من التفسير المقارن هو مقارنة نظرية القرآن مع آراء الشخصيات والمدارس الحية في العالم. هذا النوع من التفسير يظهر في أعمال العلامة الطباطبائي، الشهيد الصدر، محمد عبد الله دراز، عباس محمود عقاد وسيد قطب.
تفسير (في ظلال القرآن) لسيد قطب، (دستور الأخلاق في القرآن) لمحمد عبد الله دراز، (الفلسفة القرآنية)، (الإنسان في القرآن) لعباس محمود عقاد، المناقشات الموضوعية في تفسير الميزان والمباحث القرآنية للشهيد الصدر، كلها استخدمت هذا الأسلوب بقوة وضعف.
العلامة الطباطبائي في تقييمه لرأي القرآن حول المرأة، يعرض أولًا شخصية المرأة في عرف وحكم الشعوب والمجتمعات المختلفة عبر العصور العربية وغير العربية أمام القارئ، ثم يعيد سرد منطق وإيمان القرآن، ويصور التفوق الذي لا يمكن إنكاره للقرآن في النظرة العادلة للمرأة والرجل وشخصيتهما الإنسانية.[40]
الشهيد الصدر تحت عنوان (الإطار العام للاقتصاد الإسلامي) أشار إلى المشكلة الأساسية في الحياة الاقتصادية للبشر، وكتب:
(الإنسان لديه نوعان من الرغبات: الرغبات الطبيعية والرغبات الاجتماعية التي تتطلب تعاون المجتمع لتلبيتها، ولكل منهما قوانينه، وتنفيذ هذه القوانين يحتاج إلى دافع للالتزام.
دافع متابعة الرغبات الطبيعية ليس بمشكلة. المهم هو إيجاد دافع للالتزام بالمصالح الاجتماعية، الذي غالبًا ما يتعارض مع دافع الحفاظ على المصالح الفردية والرغبات الطبيعية. مثلاً، ضمان دخل العامل في أيام العطلة لا يتوافق مع مصلحة صاحب العمل الشخصية. دافع الفرد عند مواجهة هذا التعارض يدفع الأفراد إلى تقديم مصالحهم الشخصية على مصالح الآخرين.
هذا التناقض موجود في حياة جميع الناس، ويجب أن ينشأ لديهم دافع لتأمين المصالح الجماعية.
الماركسية انتبهت لهذه المشكلة ورأت حلها في تشكيل مجتمع بلا طبقات، حيث تظهر الملكية الجماعية ويحل الدافع الاجتماعي محل الدافع الفردي. لكن المادية التاريخية لا أساس علمي لها. الدافع الفردي لا يختفي أبدًا، لذلك لا يمكن حل المشكلة في هذا المذهب.
التقدم العلمي أيضًا لا يمكنه حل هذا التناقض؛ لأن مهمة العلم هي اكتشاف الحقائق ولا يمكنه تحفيز الفرد على إحداث تغيير في الوضع القائم، وهذا فقط ما يمكن أن تحققه الدين. الدين من خلال طرح الحياة الأبدية التي يعقبها نعيم أبدي مقابل حرمان محدود من الملذات المادية، يغير نظرة الإنسان إلى مصالحه. في ظل هذا التحول، يعتبر الإنسان احترام مصالح الآخرين حماية لمصالحه الشخصية.
القرآن يصر على هذا المعنى ويسعى لتغيير نظرة الفرد إلى مصالحه. يقول القرآن في هذا الصدد:
(ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئًا يغِيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كُتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين* ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كُتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) التوبة / 120 و 121
لا يجوز لأهل المدينة والبدو المحيطين بهم أن يعصوا أمر رسول الله ويتخلوا عنه حفاظًا على أنفسهم! وذلك لأنهم لا يصيبهم عطش ولا تعب ولا جوع في سبيل الله، ولا يخطون خطوة تغضب الكفار، ولا يأخذون غنيمة من العدو إلا كُتب لهم بها عمل صالح، لأن الله لا يضيع أجر المحسنين.)
الشهيد الصدر استفاد أيضًا من آيات سور: المؤمن/ 40، فصلت/ 46، الزلزلة/ 6، آل عمران/ 169.[41]
بنفس الأسلوب والطريقة، تناول أساس وجذر المشاكل الاقتصادية من وجهات نظر مختلفة في المجتمعات الإنسانية، وشرح وجهة نظر الرأسمالية والماركسية في حل هذه المشكلة، وفي النهاية قدم رأي القرآن كالرأي الأسمى.[42]
2. التفسير الترتيبي – الموضوعي والتفسير الموضوعي الخالص
الأنواع الثلاثة من التقسيمات التي تم طرحها حتى الآن ترتبط بطريقة ما بنوع الاستنباط والفهم من
التفسير الموضوعي. في الحقيقة، كان لها محور واحد، ولهذا اعتبرنا التقسيمات الثلاثة تقسيمات للتفاسير الموضوعية بناءً على تعريف المفسرين للتفسير الموضوعي.
المحور الثاني لتقسيم دراسات القرآن هو استقلالية أو ضمنية البحث الموضوعي. بمعنى أنه أحيانًا في سياق التفسير الترتيبي، يقوم المفسر بالبحث الموضوعي، وأحيانًا أخرى يكرس جهده بشكل مستقل لدراسة الموضوع من منظور القرآن.
الدكتور محمد إبراهيم شريف أولى هذا التقسيم اهتمامًا واعتبر تفسير شلتوت مثالًا على التفسير (الترتيبي – الموضوعي)، ونقل رأي محقق قال إن اختلاط التفسير الترتيبي بالتفسير الموضوعي مهم لأنه بهذا الشكل لا يعاني من نقص التفسير الترتيبي ولا من نقص التفسير الموضوعي المستقل.[43] معالجة موضوعات قرآنية نسبية في سياق التفسير الترتيبي لها تاريخ طويل، وتظهر أمثلة عليها في تفسير ابن كثير، فخر الرازي، القرطبي، والآلوسي.[44] لكن في القرن الرابع عشر، أصبح التوجه إلى الدراسات الموضوعية في سياق التفسير الترتيبي واضحًا جدًا.
ربما لأن معظم المفسرين في هذا القرن قد أولوا اهتمامًا بإصلاح الحياة الفردية والاجتماعية، وسعوا لتحقيق هذا الهدف في ضوء القرآن واستنباطه وتقديم وجهات نظره، وبناءً على هذا التوجه اختاروا هذه الطريقة. ومن بين المفسرين في هذا القرن الذين أثناء التفسير الترتيبي كشفوا عن نظريات القرآن في مجالات مختلفة، كان علامه طباطبائي وسيد قطب أكثر اهتمامًا بهذه الطريقة، وخاصة العلامة الذي ناقش العديد من المواضيع الموضوعية تحت عناوين: قرآنية، فلسفية، اجتماعية، عقلية، قرآنية وتاريخية ورواية.
3. دور التوجهات المفسرية في نشوء أنواع التفسير
التوجهات والمقاربات هي من الأسس الأخرى لتصنيف التفسير الموضوعي. بمعنى أن اهتمام المفسر بزاوية من زوايا الحياة أو بمعرفة من المعارف الإنسانية دفعه إلى إدخال توجهه في التفسير وتحديد اتجاه حركته البحثية بناءً عليه، ولهذا السبب أصبحت كلمة (الاتجاه) التي تعني التوجه والانتباه[45] بادئة لأجزاء من التفاسير أو عنوان بحوث التفسير في العصر الحاضر، مثل: (الاتجاه العلمي)، (اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر) و(اتجاهات التفسير في العصر الحديث).
الاتجاهات التي ظهرت في القرن الرابع عشر في مجال التفسير الموضوعي هي:
* التفسير الموضوعي ـ الاجتماعي
الحركة الكبرى التي جذبت انتباه المفسرين في القرن الرابع عشر كانت التوجه الاجتماعي، الذي بفضله أُجريت بحوث شاملة في مجال وجهات النظر الاجتماعية في القرآن. ونتيجة هذه البحوث هي عدة كتب في مجالات الحكم، الوحدة، الحرية، التعليم والتربية، الإصلاحات الاقتصادية، حقوق المرأة من وجهة نظر القرآن.
النظرة الجديدة إلى القضايا الاجتماعية في القرآن التي تُعد من أبرز أمثلة التفسير الموضوعي[46] تشكلت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ومن عوامل توجه المفسرين إلى هذا النوع من المواضيع كان مواجهتهم للثقافة الاستعمارية الغربية؛ لأنهم في هذه البحوث كانوا يبحثون عن تفوق مخزونهم الثقافي واستقلالية العلوم في المجتمعات الإسلامية.[47]
يُعد سيد جمال الدين أسدآبادي من رواد هذه الحركة التفسيرية، ويليه محمد عبده، طنطاوي جوهري، إقبال، عبد الحميد باديس.[48]
التفسيرات القرآنية المعتمدة على القضايا الاجتماعية استمرت لسنوات طويلة بشكل متفرق ولم تصبح منهجية لفترة طويلة. ولهذا السبب، أعرب مالك بن نبي في عصره عن أسفه لعدم نمو منهج التفسير ذو التوجه الاجتماعي.
على كل حال، دراز هو من أوائل الذين قبل الدخول في التفسير، درسوا وجهة نظر القرآن في القضايا الاجتماعية والأخلاقية، وأسّسوا منهجًا وطريقة لذلك.[49]
* التفسير الموضوعي ـ العلمي
التفسير العلمي هو نوع آخر من أنواع التفسير الموضوعي الذي تشكل بناءً على الاهتمام بالعلم الحديث. والدافع الأساسي لمؤسسيه كان المواجهة مع الاستعمار وإثبات توافق القرآن مع ركب الحضارة[50] وإثبات الإعجاز العلمي لهذا الكتاب السماوي[51] والتعرف على الله.[52]
بالطبع، هذه الحركة التفسيرية، رغم دقتها وفتحها للآفاق، لم تخلو من المبالغة والتسرع، وقد سُجلت أحيانًا تفسيرات باسم الرؤية العلمية للقرآن كانت غير مقبولة لمن يعرف التفسير وأصوله! ولهذا السبب قال بعضهم في تعريف التفسير العلمي:
(التفسير العلمي هو تفسير يُراد منه استنباط مسائل العلوم والآراء الفلسفية، حيث تُفرض المصطلحات العلمية على تعبيرات القرآن).[53]
وجود المبالغة والتسرع في بعض التفاسير العلمية دفع البعض إلى معارضتها.[54]
مع أن إنكار وجود بعض الرؤى العلمية في القرآن صعب، والمعارضات التي تُرى غالبًا تتعلق بالأعمال المكتوبة التي فرضت فرضيات علمية على القرآن أو ربطت الآراء العلمية بالآيات القرآنية بشكل سطحي وغير مدعوم، وهذان الأمران غير مقبولين وفقًا لمقدمات التفسير العلمي.[55]
وهكذا، فإن شخصًا مثل (شلتوت) الذي يُعتبر من معارضي التفسير العلمي، توصل محمد إبراهيم شريف بعد دراسته لأعماله إلى أن شلتوت كان يرى جواز تفسير القرآن بالحقائق العلمية المثبتة.[56]
على كل حال، التفسير العلمي، مثل أي حركة علمية أخرى، وُلد دون تخطيط مسبق، ولهذا تعرض للمبالغات، لكنه تدريجيًا وُضعت له ضوابط لازمة وشرح المفسرون العلميّون مقصدهم من التفسير العلمي.
يكتب الدكتور عدنان شريف في تحديد مجال التفسير العلمي:
(إذا كان العلم هو القواعد المتفق عليها من قبل المتخصصين والمقبولة للعقل والتي أثبتتها المنطق والحواس والتجربة والزمان، فإن العلوم الطبيعية المادية مثل الفيزياء والكيمياء والطب والفلك وغيرها لا تبقى تحت هذا العنوان).[57]
كما يبحث الدكتور موريس بوكاي عن الرؤية العلمية للقرآن ضمن هذا الإطار، ويكتب:
(الشخص الذي يواجه نصًا مثل هذا (القرآن) لأول مرة، ما يجذب انتباهه هو كثرة مواضيعه على النحو التالي: الخلق، الفلك، شرح بعض الأمور المتعلقة بالأرض، طبقة الحيوان، طبقة النبات وتكاثر الإنسان. بينما توجد أخطاء علمية جسيمة في العهدين، لا يُرى أثر لهذه الأخطاء هنا).[58]
يوسف مروة، مع شرح أكثر، يتناول المسألة ويكتب:
(بالضبط، هناك 670 آية في القرآن كله موزعة بشكل متفرق وتناقش وجهات نظر علمية مختلفة، وهي:
الرياضيات بـ 61 آية، الفيزياء بـ 64 آية، علم الذرة بـ 5 آيات، الكيمياء والنسبية بـ 62 آية، الفلك بـ 100 آية، الأرصاد الجوية وعلوم المياه بـ 14 آية، علم الأحياء بـ 36 آية، الجغرافيا بـ 73 آية و…)[59] 61
الخطوة التالية التي تم اتخاذها نحو تنظيم التفسير العلمي هي تقديم التوصيات والاقتراحات التالية:
- في كل مسألة يجب جمع جميع الآيات المتعلقة بها ودراسة الآيات في ضوء بعضها البعض.[60]
- يمكن تفسير الآية بواسطة نظرية علمية فقط إذا وصلت تلك النظرية إلى مرحلة اليقين والتثبيت.[61] ولم يكن هناك خلاف بين المتخصصين بشأنها.[62]
من بين الكتب التي تناولت التفسير العلمي للقرآن أو بعض آياته يمكن الإشارة إلى الكتب التالية: القرآن وعلم النفس، تحقيق الدكتور محمد عثمان نجاتي، ترجمة عباس عرب، (من علم الطب القرآني) تأليف الدكتور عدنان شريف، (الإسلام في عصر العلم) من إعداد محمد أحمد غمراوي و….
* التفسير الأدبي ـ الموضوعي
الاقتراب من الأدب العربي هو توجه آخر يشكل أساس نشوء التفسير (الأدبي ـ الموضوعي) للقرآن. فقد اعتبر أمين الخولي، الذي يعد من مصممي التفسير الأدبي، القرآن كتابًا أدبيًا وسببًا لبقاء وخلود الأدب العربي. ومن وجهة نظره، إن دراسة الأدب القرآني تشكل حقيقة التفسير وتمكن من الوصول إلى المسائل القانونية والعقائدية والأخلاقية والاجتماعية في القرآن.
يرى أمين الخولي أن تفسيره يستند إلى أساسين:
(1. دراسة القضايا المحيطة: يجب على المفسر أولاً دراسة العلوم التي تُعرف اليوم باسم (علوم القرآن) [والتي تشمل أسباب النزول، معرفة الآيات المكية والمدنية، المحكم والمتشابه، وغيرها]، وكذلك السفر إلى عمق التاريخ بهدف الوصول إلى زمان ومكان نزول القرآن، ودراسة بيئة عصر النزول من الناحيتين المادية والمعنوية، وأيضًا من خلال التعرف على اللغة والأدب والعادات والأعراف السائدة في ذلك الوقت في المجتمع الغربي، ليصل إلى فهم كامل ويكتسب ذوق وذهنية الإنسان في عصر النزول.
- دراسة محتوى القرآن
في الخطوة الثانية، يجب دراسة القرآن نفسه ومتابعة دراسة المعاني في الكلمات والعبارات في ضوء لغة العرب في زمن نزول القرآن واستخدامات القرآن المختلفة، والاستفادة من علم النحو والبلاغة في فهم الجمل والتراكيب في كتاب الوحي، وجعل دراسة القرآن موضوعية محور اهتمامه.)[63]
لاقى المنهج المقترح من قبل أمين الخولي مؤيدين، من بينهم عائشة بنت الشاطئ، الكاتبة المصرية الشهيرة. فقد أهدت عملها التفسيري إلى أستاذها أمين الخولي، وأشارت في المقدمة إلى المنهج المقترح من قبله، مؤكدة أن تفسيرها قائم على المنهج الذي يقبله أستاذها.[64]
وقد فسرت بنت الشاطئ أربعة عشر سورة صغيرة من القرآن بطريقة أدبية ـ ترتيبية، وكانت تؤمن بشدة بموضوعية عملها التفسيري.[65] لكن (دغامين) لا يعتبر هذا التصنيف واقعيًا،[66] ربما لأن تفسير بنت الشاطئ لم يشهد تفكيكًا موضوعيًا.
في هذا النوع من التفسير، تُفسر الكلمات بناءً على استخداماتها المختلفة في القرآن كله. ولهذا السبب يرى أمين الخولي أن طرحه ومنهجه المقترح يظهران بشكل ناقص في مفردات راغب، لأن راغب الأصفهاني في هذا العمل القديم استند إلى اللغة واستخدامات الكلمات المماثلة لفهم معاني الكلمات القرآنية.[67] وبناءً على ذلك، يُطلق على هذا البحث الأدبي اسم التفسير الموضوعي، لأنه يدرس كلمة واحدة واستخداماتها في جميع أنحاء القرآن.
وبناءً على هذا التصور للتفسير الموضوعي، يجب أيضًا اعتبار (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) لحسن مصطفوي و(أضواء البيان) تفسير محمد أمين شنقيطي من التفاسير الموضوعية ـ الأدبية، لأنهما يحتويان على بحوث لغوية دقيقة وتتبع شامل للقرآن بهدف التعرف على الاستخدامات المماثلة لفهم معاني الكلمات.
وقد درس مفسرو التفسير الذين تناولوا ظاهرة التفسير الموضوعي الجهود التفسيرية التي تعتمد على دراسة معاني الكلمات القرآنية من خلال جمع جميع الآيات المتعلقة بها، واعتبروها دائمًا من أمثلة التفسير الموضوعي.[68]
الاختلالات في التفسير الموضوعي
التفسير وكتابة التفسير هما أصعب الأعمال الفكرية في مجال البحوث الإسلامية، لأن المفسر يتعامل مع كلام الخالق الذي قيل عنه: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) (اسراء /85)، ويشرح كتابًا يحتوي على محكمات ومتشابهات وله ظاهر وباطن. علاوة على ذلك، فإن المفسر معرض دائمًا لخطر أن يفرض نتائج أفكاره المختلفة على أنها المقصود الإلهي، ويقدمها للآخرين، وبذلك يرتكب ذنبًا حذر منه النبي (ص) وأهل البيت (ع) بشدة، واعتبروا ذنب هذا المفسر غير مغتفر وعقابه شديدًا.
الاهتمام بخطر الانزلاق في التفسير الموضوعي يثير الحاجة إلى تتبع أسباب هذه الانزلاقات بعناية خاصة من قبل حراس المعارف القرآنية، وتقديم طرق مناسبة لمنع تكرارها، حتى يتم كبح الاتجاهات الانحرافية في التفسير، وتُعرض وجهات النظر القرآنية كما هي أمام المتعطشين لصفاء القرآن.
المحاور الرئيسية التي أدت إلى الانزلاقات في التفسير الموضوعي هي:
- الأحكام المسبقة
الأحكام المسبقة والافتراضات لها معنى واسع. في معظم الانزلاقات الفكرية، تؤثر فكرة متغلغلة مسبقًا في ذهن المفسر على نتائج بحثه، وتوجهها وفقًا لذلك.
محمد بهي، إلى جانب تفسير بعض سور القرآن، لديه دراسة موضوعية تحت عنوان (المنهج القرآني في تطوير المجتمع).
في هذا الكتاب يشرح منهج القرآن في بناء المجتمع المثالي بدلاً من المجتمع المادي. وقد أسس تحقيقه على الاعتقاد بأن الآيات المدنية تهدف إلى تشكيل المجتمع الإسلامي، وذلك من خلال نقد المنهج الجاهلي أولاً لتوفير الأرضية لنزول (النهي) الذي يتطلب استعداداً روحياً أكبر. وهكذا، كان نزول آيات القرآن تدريجياً، وكانت الوحي الجديدة دائماً تعبر عن مرحلة جديدة وأكثر كمالاً من العمل بناءً على الإيمان والوحي.
محمد بهي يبدأ من هذا الافتراض في تفسيره وتصنيفه للآيات، ويرسم منهج القرآن في بناء المجتمع، وقد أورد في هذا السياق آيات لا ترتيب لها (كما صورها هو) لا تستند إلى دليل علمي أو سند تاريخي أو روائي أو سبب نزول، مثل ما ذكره في موضوع الربا وحكمه التدريجي[69] وكذلك ما حدده في تشريع الصلاة والزكاة وزمن نزول كل منهما، مع أن تحديد زمن نزول الآيات يعد من أصعب الأعمال في مجال تفسير القرآن.
العلمانية المفرطة
الإفراط في استخدام العلوم الحديثة في تفسير القرآن هو أحد أسباب الانزلاق وتجاهل مبادئ التفسير الموضوعي.
الدكتور خزائلي، في ضوء هذا الاكتشاف العلمي الذي يعود إلى أن أصل خلق الإنسان هو خلية ذرية موجودة في النطفة، وهذه الخلية تنقسم إلى خليتين بعد النمو، يكتب في تفسير الآية التالية:
(هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) الأعراف / 189
هو الإله الذي خلقكم جميعاً من نفس واحدة، وجعل منها زوجها أيضاً.
يبدو أن المقصود بـ (نفس واحدة) هو الخلية، أي الذرة الموجودة في النطفة والتي تنقسم إلى خليتين بعد النمو.)[70]
عبدالرزاق نوفل ذهب أبعد من ذلك وكتب في تفسير الآية المذكورة والآيات المشابهة(نساء / 1 وانعام /98):
(الإلكترون يشكل جوهر ووحدة المخلوقات، وتوازنها وهدوءها مع زوجها وهو البروتون، لأن الشحنة الموجبة للبروتون والشحنة السالبة للإلكترون تسبب توازن الذرة.)[71]
وهذا في حين أن دراسة الآية كاملة تظهر بوضوح أن هذه التفسيرات العلمية لا يمكن أن تكون مقصود الله، لأن الآية تستمر بالحديث عن العبادة والطلبات وردود فعل هذا الزوج، وهذه المعاني غير موجودة في الخلية أو الإلكترون.
(هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين. فلما آتياه صالحاً جعلا له شركاء فيما آتياه فتعالى الله عما يشركون) الأعراف/ 189 ـ 190. هو الإله الذي خلقكم جميعاً من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليأوي إليها. ثم عندما جامعها حملت حملاً خفيفاً واستمرت في حياتها، فلما ثقل الحمل دعوا الله ربهم: إن أعطيتنا ولداً صالحاً سنكون من الشاكرين. فلما أعطاهم الله ولداً صالحاً جعلوا له شركاء في النعمة التي أعطاهم إياها، والله تعالى عما يشركون.
مثال آخر على هذه العلمانية المفرطة يمكن ملاحظته في رأي أحد الكتاب حول مسألة خلق الإنسان من منظور القرآن.
يرى أن أصل الاعتقاد بأن آدم هو أب البشر وأنه خلق مباشرة من التراب يعود إلى التوراة، وأن تقليد المفسرين للتوراة نابع من جهلهم بالعلوم الحديثة، وهو نفسه متشبث بنظرية داروين ويصر على أن هذه النظرية قرآنية بشكل غريب.[72]
العقلانية والمصلحية
العقلانية لدى بعض مفسري أهل السنة تعد من الابتكارات في القرن الرابع عشر، وثورة وحركة ضد النصية والتقليد السائد في مجال الفقه والتفسير لديهم.
العقلانية في التفسير، مثل العلمانية، لم تحافظ على حد الاعتدال وأدت في بعض الأحيان إلى الإفراط.
يبدو أن رائد هذه العقلانية بين مفسري أهل السنة كان عبده، الذي اعتبره الرومي إماماً للعقلانيين الآخرين[73]، حيث ألزم نص القرآن باتباع العقل في نظريته وعملياً، ويعتقد أنه إذا تعارض العقل مع ظاهر النص، فإن العقل يعلو على النص الظاهر.[74]
تلميذه رشيد رضا يكتب أيضاً:
(المصلحة العامة إذا تعارضت مع النص والإجماع، فإنها تقدم عليهما.)[75]
وبناءً على ذلك، جمع عبده بين المفاسد التي يمكن للعقل إدراكها في تعدد الزوجات بشرط العدل، وبين نص القرآن (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث…)(نساء/ 3)[76]، وفي حكم الربا أيضاً أجاز أخذ الربا لمنع انتقال مال المسلمين إلى الكفار.[77]
أحمد الحنفي في دراسة موضوعية لآيات العلم في القرآن، فقط لأن رمي الحجارة من قبل الطيور لا يحقق السرعة التي تحطم جيش أبرهة، يقول إن المقصود بـ (طيراً أبابيل) هي حجارة كانت تتحرك في السماء كأنها طيور…[78]
سيد قطب في تقييمه وجذره للإفراط في العقلانية عند عبده يكتب:
(كان عبده يعيش في زمن وصل فيه العقل في أوروبا إلى مرتبة الإله. في هذه الظروف، كان المستشرقون يتهمون الإسلام بأنه من خلال طرح مسألة (القدر) و(القضاء) قد أوقف العقل والحكمة. فواجه عبده هذا الاتهام، وفي خضم معركته ضد الجمود العقلي في الشرق، وضع العقل البشري على قدم المساواة مع الوحي، غافلاً أن الوحي أسمى من العقل ووسيلة لقياس صحة أو خطأ الإدراكات العقلية وليس مساوياً لها!)[79]
تغلغل الأفكار الأجنبية في التفسير الموضوعي
في القرن الرابع عشر، نتيجة للهجوم الشديد للفكر الغربي بالتزامن مع الضعف الكبير في المعتقدات الدينية بين المسلمين، شهدنا تغلغل المعتقدات الأجنبية في ثقافة المجتمعات الإسلامية، ومن ضمنها آراء تفسيرية لبعض المفسرين الموضوعيين.
إن الاعتقاد الليبرالي والتفكير الاشتراكي والشيوعي من بين الأفكار الدخيلة الأجنبية في مجال الثقافة الذاتية.
أ. التوجه الليبرالي
يكتب المؤلف في كتابه (العودة إلى القرآن) في مناقشات تحت عنوان الحرية من منظور القرآن، ضمن رد وسؤال افتراضي:
(بعد وفاة الأنبياء، جلبت السلطات الدينية والمقدسون أنواع الضغوط والإكراه والحدود والتعزيرات على الناس، وجعلوا الحياة على المنكرين والمنحرفين سوداء ودامية، فما هذه الحرية والاختيار التي يمنحها الملك ويأخذها الشيخ عليشاه؟)
المراقب: لا يجب أن تُحمّل أفعال السلطات الدينية والمقدسين على الله والأنبياء. حسابهم منفصل. ألم تر بعد موسى(ع) أن بعض علماء اليهود كانوا يقتلون أنبياءهم، وعندما جاء عيسى، أصدرت السلطة الدينية الرسمية لليهود وأوصياء الهيكل والمحراب حكم الردة عليه و…
الذين يريدون، حسب تصورهم، من أجل العطف على الخلق أو تنفيذ أمر الله، أن يجعلوا الناس بالإكراه مؤمنين أو عاملين على هذا النحو ويمنعونهم من ارتكاب الذنب، هم مرضعات أحن من الأم. لا يعلمون أنه لو شاء الله، لأجبر الناس على الإسلام والطاعة بنفسه.)
هذا المؤلف لجأ إلى بعض آيات القرآن لإثبات هذا الاعتقاد الأحادي الجانب دون أن يراعي زمان وظروف وسبب نزول تلك الآيات.
ويُعبّر عن مقصده في استدلال آخر بوضوح:
(عندما لا يسمح الله، وفق الآيات والتنبيهات المتكررة في القرآن، لنبيه بفرض العقيدة والإيمان الإجباري، ويقول له إنك فقط (بشير) و(نذير) أو هادٍ ومذكر، وأن مهمة الأنبياء واضحة: (ما على الرسول إلا البلاغ المبين) (شوری/ 48)، فمن الأولى أن السلطات الدينية والدنيوية ليست مندوبي تنفيذ ولا تملك حق الإلزام الفكري والعملي للدين أو فرضه وتفتيش العقائد.)[80]
هذا المؤلف، عن وعي أو جهل، بسبب انشغاله بثقافة الليبرالية، فصل بين آيات ورسائل القرآن، وقبل بعضها وتجاهل البعض الآخر. ولم ينتبه إلى أن الآيات التي استشهد بها تعود إلى صدر الإسلام وأيام الضعف العسكري وقلة القوى البشرية للمسلمين، ولا يمكن تعميمها على كل الظروف والأماكن والأزمنة. علاوة على ذلك، من المدهش لماذا تجاهل هذا المؤلف آيات مثل: (وقاتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) (191/ بقره) وكذلك آيات مثل (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) (بقره/ 193) وأيضاً آيات الحدود والقصاص وغيرها!
هل هذا النوع من النظرة إلى القرآن وتفسيره لا يعد إيماناً ببعضه وكفراً ببعض آخر؟
وهل هذه الطريقة ليست فرضاً لمعتقداته الخاصة على القرآن؟
هل يعتقد هذا المؤلف ومن على شاكلته أن الديات والقصاص والحدود وغيرها من صنع السلطات الدينية وأن الدين أساساً لا يملك تطبيقات عملية ويمنح الفرد حرية التصرف حتى ينحدر في طريق الذنب إلى أي مدى يشاء؟
أليس من الواضح أن الليبرالية تقبل القوانين المصنوعة بالعقل والمنطق مع نفي سيادة الشريعة والقوانين والأحكام الإلهية والأنظمة الدينية، وتعتقد أنه يمكن بالتشاور بين عدد من الناس سن قوانين تضمن سعادة الحياة؟
تأثير هذه الأفكار من الليبرالية الغربية واضح جداً بحيث لا يمكن التستر عليه، وباختصار يمكن الإشارة إلى قول الشهيد الدكتور بهشتي:
(الحدود الإلهية ليست مفروضة علينا، لأن الإنسان في الإسلام يختار الدين بحرية ووعي. وعندما يختار الإنسان الدين، يحب كل ما جاء به الإسلام بكل وجوده… الإسلام يعارض الحرية التي تقود الإنسان إلى الهلاك، ويمنع الهلاك بتنفيذ الحدود بحزم.)[81]
ب. المنهج المادي
في القرن الرابع عشر، قدم الغرب للعالم هديين فكريين، التفكير الليبرالي والفكر المادي. كلا الفكرين كانا في اتجاه إنهاء هيمنة الدين على الحياة الفردية والاجتماعية، وكان من المفترض أن يدخلوا جميع المجالات الفكرية على هذا الأساس!
المؤلف في كتاب (قراءات في فلسفة التاريخ من منظور القرآن) من الذين غطى غبار المعتقدات الأجنبية على بحوثهم، ويحاول أن يبحث عن الشيوعية البدائية في محتوى آيات القرآن. يكتب تحت الآية:
- (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعري، وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) طه/ 118
أنت في الجنة لن تجوع أو تعرى، ولن تعطش ولن تؤذيك الشمس.
ويكتب:
(في الجنة الأولى كما تقدم ومن آيات القرآن، لم يكن هناك قيود ولا ملكية خاصة ولا سيطرة شخصية ولا استغلال الإنسان للإنسان. كان أبناء آدم في هذه الجنة في كمال الحرية يذهبون إلى حيث يشاءون ويأكلون مما يشاءون، وكان الإنسان قادراً… على أن يعيش مشاركة كالإخوة.)[82]
ثم باستخدام آيات: البقرة/ 36 وطه / 117 ـ 121، التي تطرح مسألة زلة آدم بسبب وسوسة الشيطان وهبوط آدم وحواء من الجنة، يكتب:
(الطبقة السابقة التي كانت تسودها الأخوة والمساواة، تغيرت مع اقتراب آدم من الشجرة المحرمة التي كان هدفها الحصول على ملك وثروة وقوة لا تبلى ولا تنقص، وبدلاً من الحرية والأخوة والمشاركة والوفرة والراحة، ظهرت الظلم والحرمان والجوع والعطش والعري، وفي النهاية العداوة والحرب والصراع بين أبناء آدم.
في الظروف الجديدة أصبح وسوسة الشيطان ممكنة، وانتهك الناس المبادئ والعلاقات الأولية بين الإنسان والطبيعة، ونتيجة لذلك نشأت طبقة الأغنياء والمحرومين. هذان الفريقان اللذان كانا سابقاً إخوة ويعيشان في سلام، أُجبروا على الحرب والعداوة.
واستمر التحرك التالي للمجتمع البشري تحت تأثير هذه التناقضات. وجود هذه الخصومات والتناقضات أتاح بعثة الأنبياء.)[83]
وبذلك تُختم التعابير والأسس الماركسية، ويبدو أن ما أوصى به ماركس قد تشكل، كما قيل:
(لمحاربة الدين يجب تفسير مصادر إيمان الجماهير بالمفاهيم المادية.)[84]
إن انتشار وتأثير الأفكار الشيوعية في أوساط المثقفين ودوائر مناهضة الاستغلال التي كانت تعتبر الرأسمالية المشكلة الأساسية للمجتمعات، والتي لم تكن ترى في منظورها سوى المذهب الماركسي كمدرسة منظمة، كان يجعل المتصارعين مع حكم الرأسمالية يميلون إلى تبرير المعتقدات الماركسية، ويدفعون المجتمع نحو تلك المعتقدات. وبالطبع، لا يعني هذا الفعل إنكار الإسلام أو الله أو البعث، بل هو في الغالب ذو طابع انتقائي وتأثر وتأويل مسبق بحثي.
هذه الأمثلة التي ذُكرت في مجال الزلات، هي تحذير لكل الباحثين في القرآن، لا سيما في ميدان الدراسات الموضوعية، ليضعوا ضوابط ومعايير راسخة كأساس لمنهجهم التفسيري، ويسعوا إلى دراسة وفهم رسالة الوحي الصافية كما ينبغي، بأكثر ما تكون نقاءً وتنقيةً من التحيزات والميول الفردية والاجتماعية.
[1]. جوادي آملي، عبدالله، المرأة في مرآة الجلال والجمال، المركز الثقافي رجاء / 49.
[2]. طباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1/ 12.
[3]. صادقي، محمد، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، منشورات الثقافة الإسلامية، 1/ 16.
[4]. شنقيطي، محمد أمين، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، عالم الكتب، 1/ 7 ـ 30.
[5]. صادقي، محمد، الفرقان في تفسير القرآن، 1/16.
[6]. رشيد رضا، تفسير المنار، بيروت، دار المعرفة، 1/10.
[7]. موريس بوكاي، مقارنة بين التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ترجمة المهندس دبير، دار نشر الثقافة/ 329.
[8]. دغامين، زياد خليل، منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، دار البشير / 43.
[9]. مصطفى مسلم، مباحث التفسير الموضوعي، دمشق، دار القلم / 37.
[10]. سعيد حوي، الأساس في التفسير، دمشق، دار السلام، 1/ 11.
[11]. عائشة عبد الرحمن، التفسير البياني للقرآن الكريم، 1/10.
[12]. راجع: المدرسة القرآنية، من صدر ومنهج القرآن في تطوير المجتمع، من محمد البهي.
[13]. السيد حسن مصطفوي لم يعرّف عمله كتفسير موضوعي، ولكن من حيث أنه نوع من البحث المشابه للتفسير البياني، والتفسير البياني يعد من أنواع التفسير الموضوعي، يمكن القول: (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) هو نوع من الدراسة الموضوعية في المفاهيم القرآنية.
[14]. مصطفوي، حسن، طهران، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، دار الترجمة والنشر، 1/2 و3.
[15]. أمين الخولي، التفسير ومعالم حياته ومنهجه اليوم/ 41 ـ 44 نقلًا عن: رومي، فهد بن عبد الرحمن، اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر / 893 ـ 895.
[16]. دغامين، زياد خليل، منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم/ 39 ـ 41.
[17]. نفسه والتفسير ومعالم حياته ومنهجه اليوم / 36 و 37 نقلًا عن: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، 3/ 887 و 890 و 891.
[18]. أمين الخولي، التفسير ومعالم حياته ومنهجه اليوم/ 39 ـ 41 نقلًا عن اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، 3/ 890 و 891.
[19]. نفسه.
[20]. للتعرف على دور التاريخ في التفسير من وجهة نظر هذين المفسرين، راجع (العودة إلى القرآن) من بازرگان ومنهج القرآني في تطوير المجتمع من محمد بهي.
[21]. طباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 2/ 250.
[22]. صدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية.
[23]. مغنية، محمد جواد، تفسير الكاشف، 1/ 16؛ محمد عبده، الإسلام والنصرانية/ 72 ـ 75 نقلًا عن: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير / 287.
[24]. سيد قطب، خصائص الأيديولوجيا الإسلامية، ترجمة محمد خامنه إي، مؤسسة كيهان/ 62.
[25]. صادقي، محمد، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنة، قم، منشورات الثقافة الإسلامية، 1365، 24/ 331.
[26]. أبو حجر، أحمد عمر، التفسير العلمي للقرآن في الميزان، بيروت، دار قتيبة/ 275 ـ 334.
[27]. نفسه/ 219 ـ 263.
[28]. نفسه/ 169 ـ 211.
[29]. نفسه/ 302 ـ 306.
[30]. محمد البهي، منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير / 273.
[31]. جوادي آملي، عبدالله، التفسير الموضوعي للقرآن المجيد، مركز النشر الثقافي رجاء، 1/ 74.
[32]. شرقاوي، عفت، قضايا إنسانية في أعمال المفسرين، بيروت، دار النهضة العربية/ 198 ـ 107.
[33]. مكارم شيرازي، ناصر، رسالة القرآن، قم، مدرسة أمير المؤمنين، 1/ 21.
[34]. كمثال راجع: رسالة القرآن 1/ 127 ـ 137 و شرقاوي، عفت، قضايا إنسانية في أعمال المفسرين / 111 ك 149.
[35]. دراز، محمد عبد الله، دستور الأخلاق في القرآن / 9 ـ 10.
[36]. مكارم شيرازي، ناصر، رسالة القرآن، 1/29.
[37]. محمد إبراهيم شريف، اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر، مصر، دار التراث / 467.
[38]. مكارم شيرازي، ناصر، رسالة القرآن، 1/ 54 ـ 98.
[39]. دراز، محمد عبد الله، دستور الأخلاق في القرآن، بيروت، مؤسسة الرسالة / 10.
[40]. طباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، 2/ 261 ـ 277.
[41]. صدر، محمد باقر، اقتصادنا، المجمع العلمي للشهيد الصدر/ 321 ـ 329.
[42]. نفسه/ 346 ـ 372.
[43]. محمد إبراهيم شريف، اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر، مصر، دار التراث/ 436 ـ 438.
[44]. بيومي، محمد رجب، التفسير القرآني، مصر، المؤسسة العربية الحديثة/ 92.
[45]. خليل الجر، قاموس لاروس، ترجمة حميد طبيبيان.
[46]. مجلة (قضايا إسلامية)، العدد 2، مقال (نحو تفسير اجتماعي للقرآن الكريم) من عبد الجبار رفاعي/ 12، 191 ـ 195.
[47]. شرقاوي، عفت، الفكر الديني في مواجهة العصر / 228 ـ 291.
[48]. نفسه/ 193
[49]. دراز، محمد عبد الله، دستور الأخلاق في القرآن/ 9.
[50]. شرقاوي، عفت، الفكر الديني في مواجهة العصر/ 446 و 452.
[51]. عدنان شريف، من علم الطب القرآني، بيروت، دار العلم للملايين / 15.
[52]. دراز، محمد عبد الله، مدخل إلى القرآن الكريم، الكويت، دار القلم، دار القرآن الكريم / 176؛ مطهري، مرتضى، التعرف على القرآن، 4/ 197.
[53]. ذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسرون، دار إحياء التراث العربي/ 379؛ المحتسب، عبد المجيد عبد السلام، اتجاهات التفسير في العصر الحديث، بيروت، دار الفكر / 247.
[54]. قضايا إنسانية في أعمال المفسرين/ 88. للتعرف أكثر على المواقف المختلفة تجاه التفسير العلمي راجع التفسير العلمي للقرآن في الميزان / 275 ـ 334.
[55]. محمد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن الكريم، قسم الهامش/ 176 و 177.
[56]. محمد إبراهيم شريف، اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر/ 434.
[57]. عدنان شريف، من علم الطب القرآني/ 9.
[58]. موريس بوكاي، مقارنة بين التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ترجمة المهندس دبير، دار نشر الثقافة الإسلامية/ 73.
[59]. يوسف مروة، العلوم الطبيعية في القرآن، بيروت، مطابع الوفاء/ 76.
[60]. غمراوي، محمد أحمد، الإسلام في عصر العلم/ 250 ـ 258، نقلًا عن اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر/ 676 و 677؛ حنفي أحمد، التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن، الطبعة الثانية. مصر، دار المعارف/ 6؛ مقارنة بين التوراة والإنجيل والقرآن والعلم/ 269؛ عبد الرزاق نوفل، بين الدين والعلم/ 144 ـ 146 نقلًا عن: التفسير العلمي للقرآن الكريم في الميزان/ 210.
[61]. عبد العزيز إسماعيل، الإسلام والطب الحديث، ترجمة: سيد غلام رضا سعيدي، منشورات برهان/ 14.
[62]. سيد الأهل، من إشارات العلوم في القرآن/ 59 و 60 نقلًا عن اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر/ 677؛ محمد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن الكريم، هامش، / 177؛ عدنان شريف، من علم الطب القرآني/ 26.
[63]. لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، إبراهيم خورشيد، دكتور عبد الحميد يونس، حسن عثمان، دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب اللبنانية، 7/ 68 ـ 100.
[64]. عائشة عبد الرحمن، التفسير البياني للقرآن الكريم، 1/ 10 و 13.
[65]. نفسه، 1/ 18.
[66]. دغامين، زياد خليل، منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم/ 39.
[67]. لجنة ترجمة …، دائرة المعارف الإسلامية، 7/ 96.
[68]. لجنة ترجمة …، أصول التفسير ومناهجه/ 66 و (مباحث في التفسير الموضوعي) / 23.
[69]. محمد البهي، المنهج القرآني في تطوير المجتمع، بيروت، دار الفكر/ 11.
[70]. خزائلي، محمد، أحكام القرآن، منظمة الطباعة والنشر جاويدان، 1/ 17.
[71]. عبد الرزاق نوفل، القرآن والعلم الحديث، بيروت، دار الكتب العربية/ 155 ـ 157.
[72]. سحابي، يد الله، خلق الإنسان، طهران شركة سهامي النشر/ 101 ـ 105.
[73]. رومي، فهد بن عبد الرحمن، منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير/ 287.
[74]. عبده، محمد، الإسلام والنصرانية/ 72 و 73 نقلًا عن: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير/ 287.
[75]. محمد رشيد رضا، المنار، 5/ 212.
[76]. نفسه، 4/ 349.
[77]. محمد رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام، 1/ 944، نقلًا عن: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير/ 402.
[78]. حنفي أحمد، التفسير العلمي للآيات الكونية، دار المعارف المصرية نقلًا عن: التفسير العلمي للقرآن في الميزان/ 202.
[79]. سيد قطب، خصائص الأيديولوجيا الإسلامية، ترجمة محمد خامنه إي، مؤسسة كيهان/ 62 ـ 64.
[80]. بازرگان، المهندس مهدي، العودة إلى القرآن، مطبعة رشدية، 4/ 90 و 192 و 257.
[81]. محاضرات الشهيد بهشتي، منشورات سيد جمال، مقال (الليبرالية) / 85 ـ 106.
[82]. بايادار، حبيب الله، قراءات في فلسفة التاريخ من وجهة نظر القرآن، / 79 ـ 81.
[83]. نفسه/ 81 و 82 و 147.
[84]. ماركس والماركسية/ 284 الملحق الرابع عشر نقلًا عن: الشهيد مطهري، أسباب الميل إلى المادية، دار النشر الإسلامية/ 22.

