المنهج المنهجي للشهيد صدر في موضوع النظرية القرآنية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: رهیافت روش‌شناسانه شهید صدر در موضوع نظریه قرآنی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل ومراجعة منهج الشهيد صدر في توضيح نظرية القرآن الكريم حول «التقاليد التاريخية». يرى الشهيد صدر، من خلال تقسيم التفسير إلى نوعين: التفسير الترتيبي والتفسير الموضوعي، أن التفسير الموضوعي يمكن من الوصول إلى نظريات القرآن المتعلقة بالقضايا المهمة في الحياة. ومن وجهة نظره، فإن القرآن الكريم يمتلك نظرية حول التاريخ والتقاليد السائدة عليه، وهذه النظرية قائمة على أصالة علمية وافتراضات مسلم بها. تتميز نظرية هذا المفسر والباحث القرآني بعناصر مثل النظرة النظامية والاستقراء، والتي من خلالها وبالاعتماد على قواعد تفسيرية مقبولة، قام بتفسير وتعزيز نظرية التقاليد التاريخية في القرآن.

المؤلف: محسن قاسم‌پور، مریم نظربیگی

المصدر: پژوهشنامه تفسیر و زبان قرآن، خريف وشتاء 1392، العدد 3، ص 27 إلى 44.

1- المقدمة

«التفسير الموضوعي» هو أحد المناهج المعاصرة في التفسير، والذي رغم وجوده القديم في إطار تفسير آيات الأحكام الذي يعود إلى القرون الإسلامية الأولى، إلا أنه يُعتبر منهجاً جديداً من حيث النهج التفسيري الخاص وشموله على موضوعات قرآنية أخرى. ومن المؤكد أن تعريف كل مفسر موضوعي لهذا التفسير، بالإضافة إلى مبادئه وقواعده الخاصة وهدفه، سيكون مختلفاً.

على الرغم من إمكانية استخلاص نقاط مشتركة بين مناهج التفسير الموضوعي لدى المفسرين، إلا أنه يبدو أن بحثاً جاداً حول منهجية تفسيرهم بهدف تقديم نموذج شامل للمبادئ والقواعد الخاصة بـ«التفسير الموضوعي» لم يُنجز بعد. بالإضافة إلى ذلك، فإن أهم قضية مهملة في منهجية التفاسير الموضوعية هي العلاقة بين الهدف الذي يطرحه المفسر وتطبيق القواعد والمبادئ التفسيرية. وبما أن الشهيد صدر يُعد من رواد التفسير الموضوعي، فإن الاهتمام بمنهجيته التفسيرية، خصوصاً في مواجهة ماهية الهدف الذي رسمه هذا المفسر من التفسير الموضوعي فيما يتعلق بادعاء اكتشاف «نظرية قرآنية» بمعناها العلمي، أمر ذو أهمية بالغة.

الطرق، المدارس، المناهج، المبادئ والقواعد التفسيرية الخاصة هي عناوين تم تناولها في مجال التفسير وعلوم القرآن، وقد كُتبت حولها العديد من الكتب. إن الاهتمام بالمبادئ والقواعد التفسيرية الخاصة واكتشاف واستخراج أساليب التفسير لدى المفسرين يُعد من القضايا المهمة في علم التفسير، وكان الوصول إلى طرق تفسير صحيحة مستندة إلى القرآن الكريم والأحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام دائماً محور اهتمام المفسرين. بالإضافة إلى ذلك، فقد أصبح التصنيف السائد للتفاسير منذ زمن بعيد إلى نوعين: ترتيبي وموضوعي، حيث يمكن ملاحظة عدد كبير من المناهج التفسيرية المعاصرة في تفسير القرآن بطريقة موضوعية.

الشهيد السيد محمد باقر صدر هو أيضاً من المفسرين والمفكرين المعاصرين الذين لهم آثار تفسيرية بارزة وخاصة بطريقة موضوعية. إن المكانة العلمية الفريدة لهذا الشهيد، وأفكاره ونظرياته المبتكرة في مجال المعارف الدينية، وتطبيقه لطرق علمية خاصة في مؤلفاته المتبقية، تجعل من الضروري إيلاء اهتمام مضاعف لمنهجه التفسيري.[1]

على الرغم من أن شخصية الشهيد صدر العلمية برزت أكثر في مجال الفقه وأصوله، وكانت آراؤه العلمية في هذا المجال مرجعاً، إلا أن تفسيره الموضوعي ونظرته إلى التفسير وطريقة تعامله مع المسائل القرآنية تُعد من المجالات التي يمكن دراستها من وجهة نظر نظرية مبتكرة وأصيلة وتستحق التأمل. يمكن إيجاز نظريات الشهيد صدر التفسيرية في درسين أوليين له في كتاب «مقدمات في التفسير الموضوعي» و«المدرسة القرآنية»، بالإضافة إلى اثني عشر درساً لاحقاً له حول التقاليد التاريخية في كتاب «مقدمات في التفسير الموضوعي» كآخر دروسه في موضوع منهج التفسير الموضوعي في النجف.

في هذه الدراسة، تم تحليل منهج الشهيد صدر التفسيري بناءً على مقدماته في التفسير وكذلك دروسه المتعلقة بالتقاليد التاريخية، والتي نُشرت ضمن مجموعة «المدرسة القرآنية».

2- توضيح المفاهيم

في تناول منهج الشهيد صدر التفسيري، تبرز مصطلحات مثل «المنهج»، «البحث التفسيري» و«النظرية القرآنية»، التي من الضروري توضيح مفهومها في البداية.

1-2- المنهج

المقصود بـ«المنهج» هو استخدام أداة أو مصدر خاص في تفسير القرآن يوضح معاني ومقاصد الآية ويؤدي إلى نتائج محددة (رضایی اصفهانی، 1390ش: 2/2)، وبعبارة مؤلف آخر، المنهج هو ذات المصادر والوثائق التفسيرية. (شاکر، 1382ش: 26)

2-2- البحث التفسيري

هذا المصطلح مركب من كلمتين: «البحث» و«التفسير»، حيث يُقدم تعريف كل منهما أولاً، ثم يُشرح الجانب المركب منهما:

البحث العلمي أو الدراسة؛ هو الجهد الاستكشافي المنظم الذي يُجرى بأساليب خاصة بهدف اكتشاف مجهول لتوسيع نطاق المعرفة البشرية، ويجب أن تكون المعرفة المكتسبة لها أمثلة ومرادفات خارجية. يمكن أن يُجرى هذا الجهد البحثي في جميع مجالات المعرفة البشرية، سواء في العلوم المادية أو الإنسانية أو العلوم الإلهية وما وراء الطبيعة، وليس كما يعتقد البعض أن البحث العلمي يقتصر فقط على المجالات المادية والعلوم الطبيعية.

(حافظ نیا، 1382ش: 12)

التفسير؛ هو الكشف والإيضاح عن غموض كلمات وجمل القرآن وشرح مقاصدها وأهدافها، وبعبارة أخرى، المقصود من التفسير هو توضيح المراد من استعمال آيات القرآن وإظهار المراد الحقيقي لها بناءً على قواعد الأدب العربي والمبادئ العقلائية للمحادثة.

(راغب اصفهانی، 1332ش: 1/636)

البحث التفسيري؛ يستخدم مؤلفو كتب منهجية التفسير والعلماء في هذا المجال غالباً مصطلح «التفسير» بالمعنى الشائع السابق. وفي تفسير الشهيد صدر للتفسير الموضوعي ونظرته لهذا النوع من التفسير، يمكن اعتبار التفسير بمثابة بحث يسعى لإيجاد إجابات للأسئلة والقضايا التي تواجه المجتمع (صدر، 1428هـ: 29)، حيث كانت الأسئلة التي تواجه المجتمع البشري دائماً من عوامل التقدم العلمي.

يعتبر الشهيد صدر التفسير الموضوعي عملية ديناميكية. فمن وجهة نظره، يمكن للتفسير الموضوعي أن يتطور يوميًا مع التطورات العلمية والتحولات في الحياة الديناميكية والقابلة للتغيير، وأن يكون مستجيبًا للموضوعات الجديدة في حياة الإنسان. (المرجع السابق، 32 و 30) بالإضافة إلى ذلك، وبما أن طريقة تفسيره ستُفصل لاحقًا، فقد استخدم الشهيد صدر أدوات وأساليب البحث العلمي الشائعة في التفسير، مما يوضح سبب استخدام مصطلح «البحث التفسيري» فيما يتعلق بمنهجه التفسيري.

3-2- النظرية القرآنية

في تعريف مفهوم النظرية القرآنية، من المهم الانتباه إلى المفهوم العلمي لـ«النظرية». فالنظرية؛ المفهوم النظري في البحوث العلمية يحتل مكانة خاصة. يقول سامويلسون في تعريف النظرية: «النظرية هي مجموعة من البديهيات والقوانين والافتراضات التي تفسر شيئًا عن الواقع المرئي» (نقلًا عن حافظ نیا، 1382ش:35). وبشكل عام يمكن القول إن النظرية العلمية تتميز بالخصائص التالية:

أ) «توضح طبيعة الظاهرة أو العلاقات السببية بين الظواهر والمتغيرات.

ب) تتكون من تركيب مفاهيم وقضايا وقوانين خاصة بها، التي تنشأ بشكل منظم حول واقع معين وتشكل مجموعة واحدة.

ج) تمتلك القدرة على التنبؤ والاستشراف؛ لأنها تبيّن طبيعة الشيء أو العلاقة بين المتغيرات.

د) تمتلك مفاهيم وقضايا نظرية لها أمثلة خارجية أو قابلة للاختبار، بحيث يمكن من خلالها تقييم النظرية. يجب أن تكون النظريات قادرة على اجتياز اختبارات صارمة وصعبة، وإذا تم اكتشاف حالة أو مثال ينقض مفاهيم النظرية، فإن النظرية تفقد قيمتها. (حافظ نیا، 1382ش: 35 و 36).

أما بالنسبة للنظرية القرآنية، فيُقال: إن أنصار التفسير الموضوعي ووصفوه غالبًا ما يرون أن هدف هذا النوع من التفسير هو الوصول إلى رأي القرآن حول موضوع معين (مکارم شیرازی، د.ت.: 1/21)، بالإضافة إلى وجود اختلافات في أنواع التفسيرات الموضوعية والتعريفات المستمدة منها. (کریمی، 1389ش: 3/ 105-130)، لكن المفسرين الموضوعيين يسعون للوصول إلى رأي القرآن الكريم حول موضوع ما، وقد عبروا عن ذلك بتعابير مثل «الرأي» (مکارم شیرازی، د.ت.: 1/21)، «القانون» (رضایی اصفهانی، 1387ش: 2/ 384)، «موضوع وغاية السورة» (رحمانی، 1382ش: 14و17). ويبدو أن هناك نوعًا من التهاون في استخدام التعبير بين المفسرين والباحثين، وما يخطر في الذهن في هذا الصدد هو المفهوم الشعبي لـ«النظرية» الذي يعني الرأي والوجهة. يمكن استنباط مصطلح «النظرية القرآنية» بمعناه العلمي وامتلاكه لخصائص النظرية العلمية من وجهة نظر الشهيد صدر فيما يتعلق بهدف التفسير الموضوعي.

يرى الشهيد صدر أن نتيجة التفسير الموضوعي هي الوصول إلى نظرية قرآنية، ويقول في هذا الصدد: «يتجاوز التفسير الموضوعي استخدام مدلولات الآيات التفصيلية، ويسعى إلى إدراك العلاقة بين هذه المدلولات، وبذلك يصل إلى نظرية قرآنية… وهذا ما نسميه اليوم نظرية، وبهذا نصل إلى نظرية قرآنية عن النبوة، أو المدرسة الاقتصادية، أو السنن التاريخية، وكذلك عن السماء والأرض». (صدر، 1428هـ: 34) وهناك أدلة أخرى على هذا القول بأن الشهيد صدر يرى القرآن في مسائل الحياة كونه يحتوي على نظريات تتمتع بخصائص النظريات العلمية، وهي:

أ) مواجهة «النظرية القرآنية» مع «النظريات العلمية للعلماء»: يقول الشهيد صدر في ضرورة الاهتمام بالتفسير الموضوعي: «مع ظهور نظريات ووجهات نظر مختلفة تنشأ من التفاعل بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ومع كل هذه الثروات الفكرية التي نمتلكها في الإسلام وهذه الثقافة الغنية والمتنوعة التي يقدمها القرآن في جميع مجالات المعرفة الإنسانية، عندما يحدث لقاء بين مسلم وغربي، يجد المسلم نفسه أمام العديد من النظريات التي أُعرب عنها في مجالات الحياة المختلفة، ولذلك من واجبه أن يعرف رأي الإسلام، ولكي يعرف رأي الإسلام في مواجهة هذه الآراء، لا بد له من استخدام النصوص الإسلامية والغوص في أعماقها ليكتشف موقف الإسلام في هذا الشأن نفيًا وإثباتًا». (المرجع نفسه: 41 و 42).

ب) النبي وامتناعه عن تقديم النظريات: يصف الشهيد صدر طريقة النبي في الامتناع عن تقديم النظريات وبيان ضرورة الاهتمام بذلك في العصر الحالي قائلاً: «نرى أن النبي امتنع عن تقديم نظريات قاطعة ومحددة، وبعبارة عامة، صمت عن إعطاء هذه النظريات، وقدم القرآن كما هو للمسلمين، فهل هناك ضرورة لأن نعاني ونجتهد لاستخراج هذه النظريات؟» (المرجع نفسه: 39 و 40).

ج) القرآن مبتكر ومبدع للنظرية: في وجهة نظر الشهيد صدر، القرآن هو أول كتاب كشف عن بعض النظريات، والعديد من الاكتشافات القرآنية كانت أساسًا لوعي الإنسان ويقظته، يقول الشهيد صدر عن اكتشاف القرآن للسنن التاريخية: «هذا الاكتشاف العظيم في القرآن، كان أساسًا لوعي الإنسان وفهمه لدور العمل التاريخي في حياة الإنسان، حتى إن محاولات لتحقيق ذلك بدأت بعد ثمانية قرون من نزول القرآن على يد المسلمين أنفسهم». (المرجع نفسه: 67) وبعد ذكر هذه الأسباب، من الضروري الانتباه إلى أن القرآن الكريم في نظر الشهيد صدر يمتلك نظرية حول التاريخ والسنن الحاكمة عليه. إن الأصل العلمي واعتماد نظرية القرآن على مبادئ علمية مسلم بها هو من الفرضيات التفسيرية للشهيد صدر. (المرجع نفسه: 69، 71، 96)

يُبيّن الشهيد صدر، أثناء شرح نظرية السنن التاريخية في القرآن، في مواضع عديدة خصائص النظرية العلمية عليها، ومن المناسب أن نطابق جميع مكونات النظرية العلمية مع نظرية «سنن التاريخ في القرآن»:

أ) توضح طبيعة الظاهرة أو العلاقات السببية بين الظواهر والمتغيرات. الظواهر التي تقع ضمن نطاق سنن التاريخ، بالإضافة إلى السبب الفاعل، لها سبب غائي، وتحكم العلاقات السببية بين بعضها البعض (السبب الفاعل) وفي ارتباط العمل بالهدف (السبب الغائي). (المرجع نفسه: 80)

ب) ينتج من تركيب المفاهيم والقضايا والقوانين الخاصة التي تتشكل بشكل منظّم حول حقيقة ما وتشكل مجموعة واحدة. وقد وردت السنن التاريخية في القرآن بثلاث صور: 1. قضية شرطية على شكل علاقة شرط وجزاء: إنّ الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم (رعد/ 11)؛ 2. قضية فعلية قطعية وتحقيقها؛ 3. سنن تُعتبر نوعًا من الجذب والميول الطبيعية لحركة التاريخ البشري، وليست قانونًا قطعيًا لا يمكن مخالفته. (صدر، 1428هـ: 89-98)

ج) تمتلك القدرة على التنبؤ والرؤية المستقبلية؛ لأنها تبيّن طبيعة الشيء أو العلاقة بين المتغيرات. كلمات الله لا تتغير، أي أن علامات الوعود الإلهية عبر التاريخ غير قابلة للتغيير: «ولا مبدّل لكلمات الله» (انعام/ 34) (المرجع نفسه: 61). السنن التاريخية غير قابلة للاستثناء، وتكرار السنن دلالة على عموميتها وشمولها. في الاستشهاد بآيات مثل: «وما أرسلنا في قرية من نذير إلا مترفوها أنهم بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين». (سبأ/ 34 و 35) (المرجع نفسه: 64)

د) المفاهيم والقضايا النظرية لها مصاديق خارجية أو قابلة للاختبار، مما يتيح تقييم النظرية. من الأمثلة على ذلك: محاولة المشركين إخراج النبي من مكة وفشلهم بناءً على الآيتين 76 و77 من الإسراء؛ (المرجع نفسه: 59) هلاك الأقوام السابقة في آية مثل: «وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلهم موعداً» (کهف/ 59). (صدر، 1428هـ: 146) يمكن اعتبارها من مصاديق نظرية السنن التاريخية.

3- المبادئ التفسيرية للشهيد الصدر

في مناهج وطرائق التفسير لدى المفسرين، توجد مبادئ تفسيرية خاصة تُعرف بالمبادئ الصدورية والدلالية. (رک: هادوی تهرانی، 1377ش: ص31) وفي تناول منهج التفسير عند الشهيد الصدر، فإن الانتباه إلى مبادئه التفسيرية أمر ذو أهمية. وقد بيّن هو نفسه هذه المبادئ في مواضيع مثل «إمكانية فهم القرآن» (صدر، 1417هـ: 129) و«حجية ظواهر القرآن» (صدر، د.ت.: 1/88- 89) و«قدسية القرآن وكونه إلهيًا» (حکیم، 1417هـ: 26)، بالإضافة إلى ذلك، حاول بعض المحققين استخراج مبادئ التفسير عند الشهيد الصدر وجمعها في مجموعة منظمة. (نکـ الأزرقی، 1432هـ؛ حکیم، 1417هـ) ونظرًا لأن هذا البحث تناول منهجه التفسيري من حيث الكشف والاستنباط النظري للقرآن، فقد استُخلصت المبادئ المستلهمة لهذا المنهج من مقدمات الشهيد حول التفسير الموضوعي، مما يمكن من إقامة علاقة جديرة بالاهتمام بين هذه المبادئ والتفسير الذي قدمه الشهيد الصدر مثل نظرية السنن التاريخية من وجهة نظر القرآن.

4- المبادئ المعرفية

1-4- شمولية القرآن وعلاقته بالعلوم

«الشمولية» تعني احتواء القرآن على إرشادات تلعب دورًا أساسيًا في السعادة الأبدية والهداية الروحية للإنسان، وبما أن اكتساب الحياة الروحية والسعادة مرتبط بقضايا تُطرح في هذا العالم، والعقل عاجز عن الوصول إليها، فإن الدين يلتزم ببيانها ورسم العلاقة بين الآخرة والدنيا، ويُظهر حاجات الإنسان في سبيل اكتساب الحياة الروحية وتأمينها. (ایازی، 1378ش: 19)

الحديث عن شمولية القرآن ينبع من آيات تُعرّف القرآن بأنه «تبيانًا لكل شيء» (نحل/ 89) و«تفصيلًا لكل شيء» (یوسف/ 111)، وبسبب الجانب التفسيري لهذه الآيات وضرورة تحديد نطاق الدين وتوقعات البشر منه، نشأت شبهات وتساؤلات مهمة في هذا الصدد. (ایازی، 1378ش: 20 و 21 و 57)؛ تساؤلات مثل: هل يقدم القرآن معلومات تشمل المسائل الدينية وغير الدينية؟ وهل تناول القرآن مسائل الفيزياء والكيمياء والفلك والعلوم الأخرى وبيّن مبادئ نظام الخلق؟ أم أن نطاق تعاليم القرآن يقتصر على المسائل الهادية والتربوية والتبشير والإنذار والأحكام المتعلقة بها؟ هذه التساؤلات أدت إلى ظهور ثلاث توجهات في الإجابة عن مسألة شمولية القرآن:

  1. اتساع الدين ليشمل جميع العلوم والمناهج (المرجع نفسه: 59)؛ 2. الشمولية في ذكر الكليات وبيان القيم (المرجع نفسه، 68)؛ 3. تعديل بين النظريتين السابقتين (المرجع نفسه: 80 و 81)

الشهيد الصدر في هذا الخصوص يؤيد الرؤية الاعتدالية. (هادوی‌نیا، 1385ش) وبعد أن تحدث مطولًا عن علاقة القرآن بالعلوم، اعتبر القرآن كتاب هداية وسمح بالاستفادة من العلوم في التفسير إلى الحد الذي يحتاجه الهداية. (صدر، 1428هـ: 49) وفي هذا السياق، تثار شبهة مفادها أن القرآن ليس كتاب اكتشافات علمية، بل هو كتاب هداية الإنسان وتربيته وتغييره، ولا ينبغي توقع مناقشات علمية منه، وقد يكون لنظرية الشهيد الصدر في تفسير جواز اكتشاف السنن التاريخية في القرآن كبحث علمي علاقة بهذه الشبهة.

وقد تناول المرحوم الصدر هذه الشبهة ورد عليها قائلاً: «مع أن هذه الشبهة في محلها صحيحة ومبررة، أي أن القرآن ليس كتابًا علميًا ولا يريد أن يقضي على قوى النمو والابتكار والاستكشاف لدى الإنسان، بل هو كتاب هداية، إلا أن هناك فرقًا جوهريًا بين مجالات العلم التاريخي وغيرها من العلوم العالمية. وبالنظر إلى هذا التمييز الأساسي، يقدم القرآن في مجال التاريخ والقوانين والسنن الحاكمة عليه أساليب وخطوطًا تتصل ارتباطًا وثيقًا برسالة القرآن ككتاب هداية، على عكس المجالات والميادين الأخرى للعلوم والمعارف الإنسانية.

وجوهر الكلام أن القرآن كتاب هداية وإحداث تغيير مرغوب في الإنسان. وهذا التغيير المرغوب في القرآن هو: «يخرجهم من الظلمات إلى النور» يخرجهم من الظلمات إلي النور (بقرة/ 257) (صدر، 1428هـ: 49).

في الأساس التفسيري للشهيد الصدر، كما ذُكر سابقًا، تكمن رسالة القرآن في إحداث التغيير والتحول في الإنسان. يرى الشهيد الصدر أن هذا التحول له بعدان، من حيث ارتباطه بالشريعة والوحي فهو عملي رباني وفوق تاريخي، ومن حيث ارتباطه بسياق تاريخي وجهد بشري تُفرض عليه ضوابط وقوانين تاريخية (المرجع نفسه). وقد قدم القرآن مبادئ عامة في هذا الشأن، ولا يليق أن نتوقع من القرآن أن يقدم كل التفاصيل الدقيقة كما في كتاب دراسي. (المرجع نفسه: 53) النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا الأساس التفسيري للشهيد الصدر هي أن العلوم والنظريات التي يجب استخراجها من القرآن هي تلك التي تكون مؤثرة في عملية التغيير المرغوب فيه. يقول في هذا الصدد: «القرآن لا يمكنه حتى أن يتعرض للأمور التي لم تكن مؤثرة في عمل التغيير المرغوب فيه للنبي الأكرم (ص)، حتى وإن شملنا عليها سنن التاريخ، لأن القرآن يهتم فقط بالأعمال الأساسية والمهمة.» (المرجع نفسه)

فيما يتعلق بعلاقة القرآن بالعلوم، يمكن اعتبار التفسير العلمي في ثلاثة مستويات: 1. توظيف العلوم لإثبات إعجاز القرآن الكريم، 2. مطابقة آيات القرآن مع العلوم، 3. استخراج العلوم من ظواهر القرآن (رضایی اصفهانی، 1390هـ: 2/186 و 187)، وهذه الأساليب هي الغالبة في التفاسير العلمية المعاصرة وغالبًا ما تقتصر على مجال العلوم الطبيعية، بينما في رؤية الشهيد الصدر تُعتبر العلوم فقط بيئة لاستخراج النظرية القرآنية (صدر، 1428هـ: 30)، ومحور تفسير الشهيد الصدر هو مجال العلوم الإنسانية. (هادوی‌نیا، 1385ش) في هذا الأسلوب، لا يسعى الشهيد الصدر لإثبات إعجاز القرآن أو مطابقة الآيات مع العلوم، بل يوظف العلوم لكي يتمكن من إدراك النظريات القرآنية التي تفتح الطريق لحل قضايا حياة الإنسان. يقول في هذا الصدد: «القرآن هو علوم الماضي والمستقبل. القرآن دواء الآلام ومصدر نظام أمورنا يمكن أن نجده في القرآن. ومن هذا المنطلق يمكننا معرفة الرأي الإلهي والموقف السماوي مقابل التجارب الأرضية في كل موضوع.» (صدر، 1428هـ: 31) وأيضًا في علاقة نظريات القرآن بالتجارب البشرية يقول: «مواد التفسير الموضوعي هي تجارب البشر. تُطرح هذه المواد أمام القرآن، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكننا من الوصول إلى النظريات الأساسية للإسلام والقرآن في مواجهة موضوعات الحياة المختلفة.» (المرجع نفسه: 30)

2-4- أساس أزلية القرآن

فيما يخص هوية القرآن العصرية أو ما وراء العصرية، هناك ثلاثة افتراضات ممكنة: 1. القرآن هو حقيقة سماوية وإلهية بحتة لا علاقة لها ولا نسب مع الظروف الاجتماعية لعصر نزوله. 2. القرآن كظاهرة مثل غيرها من الظواهر الإنسانية هو مولود بشري ومنبثق من دواخل المتكلم، ويتبع المتغيرات الخارجية ودرجة الفكر والفهم والثقافة في عصر النزول. 3. القرآن، رغم مراقبته للحقائق الموضوعية لحياة مخاطبي عصر النزول، له هوية فوقية وهو نتيجة مشيئة إلهية لا تتغير بتغير المتغيرات والظروف الخارجية. (سعیدی روشن، 1389ش: 311 و 312)

من بين هذه الافتراضات الثلاثة، يؤيد الشهيد الصدر الرأي الثالث، بمعنى أنه يعتبر القرآن فوق عصري ولا يحد تعاليمه زمان أو مكان معين. يقول في هذا الصدد: «قوانين القرآن تتجاوز البيئة التي نزل فيها القرآن وتتسع لتشمل الفرد الذي أُرسل له بالرسالة.» (صدر، 1428هـ: 49)

كما يرى الشهيد الصدر أن مخاطبي القرآن هم نوع البشر. وفي مقام تفسير بعد الهداية والتحول في القرآن يقول: «عمل التغيير والتحول الذي يناقشه القرآن وناقشه النبي (ص) له جانبان. من حيث ارتباطه بالشريعة والوحي ومصدر الوحي، فهو عملي رباني وفوق التاريخ… وعندما يتحدث القرآن من زاوية نظر الناس، أي الجانب الثاني من عمل التغيير، فإنه يتحدث عن الناس، ويتحدث عن البشر، لا عن رسالة سماوية، باعتبار أنهم بشر مثل غيرهم من الناس، والقوانين الحاكمة على الآخرين تحكمهم أيضًا.» (المرجع نفسه: 50)

بناءً على هذا الأساس التفسيري، فإن القرآن اليوم أيضًا يجيب على أسئلة وقضايا الإنسان. كما في بيان ضرورة اكتشاف النظريات القرآنية من وجهة نظر الشهيد الصدر، فهو يرى أنه رغم أن النبي تجنب تقديم آراء منفصلة في مجالات مختلفة في عصره، وأن أصحابه تلقوا هذه النظريات بشكل ارتكازي ومختصر، إلا أنه مع ظهور نظريات وآراء مختلفة في التفاعل بين العالم الإسلامي والغرب، أصبح من الواجب على المسلمين استخراج هذه النظريات. (المرجع نفسه: 104)

3-4- إمكانية وجواز فهم القرآن لغير المعصوم

تُعد إمكانية فهم القرآن لغير المعصومين عليهم السلام من المواضيع المهمة في الأسس التفسيرية. بعضهم مثل الإخباريين أكدوا عدم حجية ظواهر القرآن وأنكروا مرجعية القرآن بدون الرجوع إلى السنة. (استرآبادی، 1424هـ: 104)، وبعضهم الآخر ذهب إلى الإفراط في نظرية حصر فهم القرآن على النبي والصحابة، بينما يؤمنون بإمكانية فهم القرآن عمومًا، ومنهم التيار التفسيري المعتزلي. (معتزلی، 1960: 16/ 369)

المرحوم الصدر، بالإضافة إلى ما قاله في مواضع مختلفة في مؤلفاته العلمية عن الظواهر وإمكانية فهم القرآن (صدر، 1417هـ: 129؛ حکیم، 1417هـ: 220)، لم يؤمن فقط بمكانة الروايات الرفيعة في فهم مضامين القرآن، بل أثبت في بعض الحالات بحجة الروايات حجية الظواهر وإمكانية فهم القرآن. (نکـ حکیم، 1417هـ: 241)

مما ذُكر يتضح إجمالًا توجه الشهيد الصدر تجاه الروايات ومكانتها في التفسير. لكن ما يستحق الانتباه هو أنه رغم اعتباره دور الرواية في التفسير دورًا مهمًا، وحتى اعتباره الانتباه إليها من عوامل تقدم التفسير الترتيبي (صدر، 1428هـ: 24)، إلا أن هذا المفسر يرى أن التوقف عند الروايات التفسيرية في المنهج الموضوعي وفي استنباط النظريات القرآنية لا يمكن أن يكون مفيدًا لتحقيق الهدف.

يقول في هذا الصدد: «أحد العوامل التي أدت إلى تقدم التفسير التحليلي وجعلته ممارسة معتادة على مدى قرون طويلة، هو الميل إلى الروايات والأحاديث في تفسير القرآن، لأن التفسير في الحقيقة كان في بداية نشأته جزءًا من الحديث أو صورة منه… ومن ثم لم يكن بإمكانه أبدًا أن يتجاوز الحدود التي حددتها الروايات التي نقلها الصحابة والتابعون عن النبي (ص) والأئمة المعصومين عليهم السلام، ولم يكن يسمح لنفسه أبدًا بأن يتعمق بشكل مستقل في مفاهيم القرآن، أو يقارن بينها، أو يستخلص نظريات من المعاني اللفظية للآيات». (المرجع نفسه: 24)

يشير الشهيد الصدر إلى هذه النقطة بأن التفسير بطريقة استخدام الروايات هو تفسير لفظي فقط، حيث يتم تفسير بعض المفردات ومطابقة بعض المفاهيم القرآنية مع أسباب النزول، وينتقد هذه الطريقة قائلاً: «هذا العمل لم يكن قادرًا على أن يكون له دور بناء نشيط وحيوي، ولم يكن يثمر شيئًا جديدًا خارج المفاهيم والمعاني اللغوية واللفظية، وبالتالي لم يكن قادرًا على تعريفنا بالأفكار الأساسية للقرآن التي تتفرق بين آياته». (المرجع نفسه: 25)

4-4- الأسس المنهجية

قبل الدخول في التفسير، يذكر الشهيد الصدر في نقاشه عن السنن التاريخية في القرآن مقدمات حول التفسير الترتيبي الذي يسميه التفسير التحليلي، والتفسير الموضوعي، والعلاقة بينهما، والتي يمكن اعتبارها كأسس منهجية في رؤية هذا العالم القرآني، ومن الضروري ذكرها بإيجاز قبل شرح منهجه التفسيري.

5- التفسير الترتيبي ومكوناته من وجهة نظر الشهيد الصدر

يسمي الشهيد الصدر هذا التفسير بالتفسير التحليلي، ويقول في معناه: «هذا التفسير هو كشف المعاني اللفظية للآية المعنية، وهدفه فهم مدلول الآية اللفظي التي يواجهها المفسر، ويسعى بكل الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الهدف. في التفسير التحليلي، لا يُؤخذ بعين الاعتبار الترابط والارتباط بين الآيات، رغم أن هناك بعض الحالات التي يتم فيها الربط». (صدر، 1428هـ: 22 و 23)

ويذكر خصائص التفسير الترتيبي على النحو التالي: 1. تنظيم برنامج المفسر في إطار القرآن نفسه. 2. التفسير باستخدام أدوات موثوقة، وهي: الظهور اللفظي للآية، الروايات، حكم العقل، السياق، واستخدام آيات أخرى. 3. أولوية الألفاظ: في التفسير الترتيبي يكون التركيز أولاً على الألفاظ. (المرجع نفسه: 20)

6- التفسير الموضوعي والنظرية القرآنية من منظور الشهيد الصدر

يحتل التفسير الموضوعي مكانة خاصة من وجهة نظر الشهيد الصدر. ويسمي الشهيد الصدر هذا النوع من التفسير بالتوحيدي (المرجع نفسه: 23)، ويصفه قائلاً: «الطريقة الثانية في تفسير القرآن هي الطريقة الموضوعية أو التوحيدية. في هذه الطريقة لا يتم تقطيع آيات القرآن، ولا يتم الفحص آية آية وبشكل متسلسل ومرتب. بل يحاول المفسر الموضوعي تركيز بحوثه على موضوع من مواضيع الحياة، العقيدة، الاجتماع، والعالمية التي تناولها القرآن، ويستخدم القرآن في هذا الموضوع. على سبيل المثال، الإيمان بالتوحيد أو السنن التاريخية…». (المرجع نفسه)

ومن وجهة نظر الشهيد الصدر، التفسير الموضوعي هو أساس للوصول إلى الآراء القرآنية: «التفسير التوحيدي أو الموضوعي في هذه الدراسات يريد كشف رأي القرآن ليُوضح رسالة الإسلام في هذه المواضيع من حيث الحياة والوضع العالمي». (المرجع نفسه: 34)

وبناءً على هذه المعطيات، فإن أساس استنباط الآراء القرآنية من وجهة نظر الشهيد الصدر هو التفسير الموضوعي وليس الترتيبي. ويعتبر الشهيد الصدر التوقف عند طريقة التفسير الترتيبي سببًا للركود وعائقًا أمام تقدم التفسير، في حين يرى أن الطريقة الموضوعية هي عامل في التقدم والابتكار في تفسير القرآن الكريم، وفعالة في توسيع مجال الاجتهاد في سبيل فهم أفضل لهذا الكتاب السماوي. (المرجع نفسه: 29) في هذه الرؤية، التفسير الموضوعي هو نوع من الحوار والنقاش النشط مع القرآن وأخذ ردود منه منظمة ومنضبطة، وليس رد فعل سلبي وغير فعال، أي التأثر فقط بالقرآن. (المرجع نفسه: 30)

1-6- علاقة التفسير الترتيبي والموضوعي من وجهة نظر الشهيد الصدر

في التحليلات التي أجريت حول منهج التفسير عند الشهيد الصدر، يرى الباحثون غالبًا بناءً على رأي الشهيد الصدر أنه كان يعتبر التفسير الترتيبي أساس التفسير الموضوعي (ایازی، 1383ش: 36-48؛ عزیزی، 1379ش: 59-66)، رغم أن هذا الأمر صحيح في موضعه، وقد أشار إليه الشهيد الصدر في مقدمات التفسير، إلا أنه مع تدقيق أعمق في كتاباته في ذات المقدمة يبدو أن رأيه في العلاقة بين التفسير الترتيبي والموضوعي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة محاور:

أ) التفسير الترتيبي هو قاعدة التفسير الموضوعي.

ب) لا يمكن وضع حد واضح بين هذين النوعين. هذه العلاقة غير مذكورة في التقارير. يقول الشهيد الصدر في هذا الصدد: «يجب أن يتضح أن الفرق بين هاتين الطريقتين في تفسير القرآن، مثل أي عمل عملي آخر أو أي حدث تاريخي، لا يمتلك حدودًا واضحة، وربما يرتبط الاثنان أحيانًا معًا، لأن التفسير الموضوعي في البداية يجب أن يستخلص معاني كلمات وألفاظ القرآن من التفسير التحليلي للآيات المعنية ليستخدمها في السياق الموضوعي للنقاش. كما يحدث في تفسير جزء جزء من الآيات أن يصادف المفسر حقيقة من حقائق القرآن في منتصف العمل، وفي هذه الحالة يجب شرح هذه المسألة المتعلقة بالحياة بدقة وتوضيحها، وهنا يتجه التفسير إلى التفسير الموضوعي». (صدر، 1428هـ: 23و 24)

ج) استقلال الطريقتين عن بعضهما البعض: يرى الشهيد الصدر إجمالاً أن هاتين الطريقتين مستقلتان عن بعضهما من حيث خصائص كل منهما وأهداف كل واحدة وحمولتها الفكرية الخاصة. (المرجع نفسه: 24) وهذا الجانب أيضاً غير مذكور في التقارير.

7- المنهج التفسيري للشهيد الصدر

بعد شرح موجز للأسس المعرفية ومنهجية التفسير عند الشهيد الصدر، يُبحث في هذا القسم بشكل خاص منهج البحث التفسيري لديه. فيما يتعلق بمكانة المنهج التفسيري للشهيد الصدر بين العلماء، يجب القول إن معظم الباحثين اعتبروا منهجه موضوعياً وقدموا الشهيد الصدر كمبتكر نوع خاص ومميز من التفسير الموضوعي. (ایازی، 1378ش: 36-48؛ عزیزی، 1379ش: 59-66) وقد وصف بعضهم تفسيره بأنه تفسير علمي خارجي المنظور (هادوی‌نیا، 1385)، وموضوعي علمي (سابق)، كما أن استناداً إلى تصور الشهيد الصدر للتفسير الموضوعي، حيث يقول: إن التفسير الموضوعي يميل إلى تحليل القرآن حول القضايا الاجتماعية وبشكل عام قضايا الحياة، (صدر، د.ت.: 54) يمكن اعتبار تفسيره من أنواع التفاسير الاجتماعية.

نقطة أخرى جديرة بالاهتمام هي أنه في بعض السلاسل الكتابية التي كُتبت حول مناهج التفسير، لم يُدرج تفسير الشهيد الصدر في أي من التصنيفات، ولم تُدرس كتبه كمصاديق للتفسير الموضوعي. [2] بغض النظر عن تصنيف تفسير الشهيد الصدر ضمن أي نوع من أنواع التفاسير، سواء موضوعي، علمي، اجتماعي أو اجتهادي، وهو أمر مهم في موضعه، يمكن دراسة المنهج التفسيري للشهيد الصدر في سنت التاريخ في القرآن من زاويتين:

1-7- المبادئ والقواعد التفسيرية

في منهج تفسير كل مفسر، يُعتبر الالتزام بالمبادئ والقواعد التفسيرية الصحيحة أمراً متفقاً عليه بين جميع المفسرين، ويُلزم كل مفسر بالالتزام بها. في أسطر تفسير الشهيد الصدر، تظهر هذه القواعد في بعض المواضع التي سنوردها فيما يلي:

أ- الانتباه إلى مفاهيم الكلمات: المعرفة بمعاني ومفاهيم كلمات ومفردات القرآن الكريم من الشروط الضرورية لكل مفسر. (سیوطی، 1407هـ: ج1/355، زرکشی، 1310هـ: 1/369) يجب على المفسر أن يكون على دراية بمفاهيم مفردات القرآن الكريم وأن يفسر الآيات مع الانتباه الدقيق لخصائص مفاهيم المفردات. (بابایی، 1379ش: 81) في تفسيره لـ «سُنن التاريخ في القرآن» وبيانه أن مسار جميع الموجودات نحو المثالية المطلقة، استشهد بالآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ» (انشقاق/ 6)، وفي التفسير اللغوي لكلمة كدح قال: «الكدح يعني حركة وجهد مستمر مصحوب بالألم والوجع والاحتراق» (صدر، 1428هـ: 141)، وهذا هو المعنى نفسه الذي ورد في مصادر علم معاني القرآن الكريم لهذه الكلمة. (راغب اصفهانی، 1332هـ: 1/704)

ب- الانتباه إلى سياق الآيات: السياق هو نوع من الخصائص للكلمات أو العبارات أو الكلام الذي ينشأ بسبب ارتباطها مع كلمات وجمل أخرى. (بابایی، 1379ش: 120) في منهجه التفسيري، استفاد الشهيد الصدر في بعض المواضع من سياق الآيات، فهو يرى في بيان الفرق بين العمل الفردي والاجتماعي في القرآن أن هناك سجلين يوم القيامة، أحدهما للفرد والآخر للأمة، وهما متوازيان، (صدر، 1428هـ: 83) وفي مقابل الله تعالى هناك أيضاً استدعاءان، استدعاء للفرد وآخر للأمة (المرجع نفسه: 85)، وفيما يتعلق باستدعاء الجماعة والأمة أمام الله تعالى استشهد بالآية: «تَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً تَدْعُو إِلَى كِتَابِهَا» وفسرها قائلاً: «من سياق الآيات يُستدل أن هذا الاستدعاء الثاني بسبب عودة علاقات الأمة السابقة إلى حدود وموازين الحق ومتطلبات القانون». (المرجع نفسه)

ج- الانتباه إلى دلالات الكلام: من القواعد المهمة في تفسير القرآن الكريم الانتباه إلى دلالات الآيات. الدلالة في اللغة تعني الشيء الذي من خلاله نصل إلى معرفة شيء آخر، (راغب اصفهانی، 1332هـ: 1/316) وفي الاصطلاح، الدلالة تعني حالة عندما يدرك الإنسان ذلك الشيء ينتقل ذهنه إلى وجود شيء آخر. (مظفر، 1388ش: 36) دلالة الألفاظ التي سماها البعض بالالتزامات العقلية. (بابایی، 1379ش: 314) وهي من الأمور المشتركة بين علم المنطق والتفسير، ولها أقسام مثل الدلالة المطابقة، التضمينية، والالتزامية (مظفر، 1388ش: 39 و 40)، وتفصيلها يحتاج إلى مجال آخر. ولكن في تفسير القرآن يجب الانتباه إلى دلالة الآيات وبعد الوصول إلى المراد الاستعمالي والدلالة التصورية للألفاظ، يجب الانتباه إلى القواعد العامة والخاصة، والمطلق والمقيد، والمحكم والمجاز… حتى يُستخرج المراد النهائي لله ويُبنى التفسير عليه. (رضایی اصفهانی، 1390ش: 1/316)

يرى الشهيد الصدر أن القرآن الكريم في بيان سنن التاريخ له مناهج متعددة، ودلالة الآيات على سنن التاريخ نوعان: 1. آيات دلالتها على المقصود واضحة. 2. آيات دلالتها على المقصود أقل وضوحاً لكنها متوافقة تماماً مع روح تعاليم القرآن في هذا الفكر ويمكن أن تكون مؤيدة ومساعدة لهذا الفكر. ومن أمثلة الآيات التي عبّرت عن هذا الفكر بشكل عام وعرّفت التاريخ بأنه يمتلك سنناً وضوابط، هاتان الآيتان: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (یونس/ 49)، «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (اعراف/ 34) (صدر، 1428هـ: 55). وفي هذا الموضوع يمكن القول إن هذا الاستنتاج للشهيد الصدر هو نوع من تطبيق الدلالة الالتزامية، بمعنى استخدام القواعد العامة من آيات القرآن بعد إلغاء خصوصية زمان ومكان وشخصيات النزول من موارد الدلالة الالتزامية غير الظاهرة. (رضایی اصفهانی، 1390ش: 1/313).

من نماذج أخرى لاستفادة الشهيد الصدر من دلالات الآيات أن الشهيد الصدر في بيانه أن سير كل شيء ومن ضمنه حركة الإنسان ونشاطاته نحو المثال المطلق، يرى مصاديق مثل «سبيل الله»، و«الصراط» و«صراط الله» في آيات القرآن دالة على وجود طريق يجب السير فيه. وفي هذا الصدد يقول: «الإنسانية تسعى للوصول إلى الله، ومن خلال هذا السعي يتم الصعود على سلم الكمال والوصول إلى تحقيق الذات وتقدمها إلى مقام الإنسانية الأسمى. ومن البديهي أن هذه الحركة الجادة والمستمرة تحتاج بالضرورة إلى طريق يبدأ من الإنسان السائر نحو الكمال ويستمر حتى الوصول إلى الهدف وقطع الطريق. وهذا هو الطريق الذي ذُكر في آيات القرآن بـ “سبيل الله”، و”الصراط”، و”صراط الله” في مواضع متعددة.» (صدر، 1428هـ: 142).

2-7- الاستفادة من المبادئ والأسس العلمية القطعية في توضيح النظرية القرآنية

إذا كانت القضايا والعبارات العلمية قطعية، فيمكن أن تكون قرينة على صحة تفسير معين للآية أو على الأقل تفضيله على التفسيرات الأخرى. (بابایی، 1379ش: 316؛ رضایی اصفهانی، 1390ش: 2/232) استند الشهيد الصدر إلى بعض المبادئ العلمية القطعية مثل «قانون العلية»، و«العمومية والكُلية»، و«البراهين العقلية الظاهرة في قالب القضايا الشرطية»:

1-2-7- القضايا التاريخية القرآنية والتبعية لقاعدة العلية

يرى الشهيد الصدر أن الظواهر التي تقع ضمن نطاق السنن التاريخية تتمتع بميزة خاصة مقارنة بغيرها من الظواهر في العالم، وهي ميزة غير موجودة في الظواهر الأخرى. وهو يعتقد أن ظواهر العالم والطبيعة كلها تخضع لقانون العلية، وتحمل علاقة سببية حيث يكون المسبب بدوره مسببًا لسبب آخر، حتى يؤدي توافر الشروط إلى ظهور المسبب. وبحسب رأي الشهيد الصدر، فإن هذه العلاقة موجودة في جميع مظاهر العالم وعالم الطبيعة. (صدر، 1428هـ: 80)

وبينما يشرح الشهيد الصدر مبدأ العلية في ظواهر العالم ويورد أمثلة في هذا المجال، فإنه يمنح ظواهر المجال التاريخي ميزة خاصة مقارنة بغيرها من الظواهر، وهي أن هذه الظواهر بالإضافة إلى وجود سبب فاعل لها، لها سبب غائي، أي أن الرابط بينها هو رابط هادف، حيث تنظم الظواهر حركتها ونشاطها من أجل بلوغ الغاية. (المرجع نفسه)

وفي استخدامه للمبادئ العلمية القطعية في توضيح دور السبب الغائي في الظواهر التاريخية يقول الشهيد الصدر: «في مصطلحات الفلاسفة، هناك نقاش كثير حول التمييز بين السبب الفاعل والسبب الغائي والسبب المادي الذي ورد في فلسفة أرسطو. ونحن هنا نستخدم هذا المصطلح لتوضيح هذه الفكرة ونقول: المجتمع يشكل السبب المادي للفعل، أي يشكل بيئة الفعل. ولهذا الخصوص الاجتماعي، نعتبر الفعل فعلاً تاريخيًا، ونرى أنه من الضروري أن يكون الفعل التاريخي قد تم من أجل الأمة والمجتمع، رغم أن الفاعل المباشر قد يكون فردًا أو عدة أفراد، ولكن من حيث الموجة التي يخلقها يصبح الفعل اجتماعيًا. لذلك، الفعل التاريخي الذي تحكمه السنن التاريخية هو فعل له ارتباط بالهدف، وفي الوقت نفسه يمتد إلى بيئة أوسع من حدود الفرد. يخلق موجة تشكل المجتمع سببه المادي، وبهذا يصبح الفعل اجتماعيًا.» (المرجع نفسه: 82)

2-2-7- السنن التاريخية في القرآن وكونها عامة وشاملة

أهم خصائص القوانين العلمية هي عموميتها وشمولها. (المرجع نفسه: 69)

وفي نظر الشهيد الصدر، يؤكد القرآن الكريم على شمولية وعالمية السنن التاريخية، وهذه العمومية تمنح السنن التاريخية صفة علمية. وفي هذا الصدد يقول الشهيد الصدر: «الحقيقة الأولى في السنن التاريخية هي عموميتها، أي أن السنن التاريخية ليست علاقات عشوائية أو عمياء، بل هي وضع ثابت وغير قابل للتغيير… إن عمومية وشمول هذه القوانين تمنح السنن التاريخية صفة علمية، لأن أهم ميزة للقوانين العلمية هي شمولها وكليتها وعدم قابليتها للنقض.» (المرجع نفسه: 69)

يواصل الشهيد صدر بيانه بأن القرآن يؤكد على خاصية العمومية والشمولية للسُنن التاريخية: «القرآن بسبب إصراره على الشمولية والعمومية للسُنن التاريخية، يمنحها صفة علمية ويثير في نفوس المسلمين إحساساً لمتابعة الأحداث التاريخية وقبولها ببصيرة ووعي… “لَن تَجِدُوا لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا” (احزاب/ 62) “سُنَّتَنَا لَا تَتَغَيَّرُ” (اسراء/ 77) “وَمَا يُغَيِّرُ كَلِمَاتِ اللَّهِ” (انعام/ 34) هذه النصوص الصريحة في القرآن تُدركنا بصفة الاستمرارية والشمولية للقوانين الإلهية، وتمنحها أصالة علمية. وتهاجم بشدة من يظن أو يطمع في استثناء السُنن التاريخية.» (صدر، 1428هـ: 69-70)

3-2-7- البراهين العقلية الظاهرة في قالب الجمل الشرطية

في مقام بيان صور مختلفة للسُنن التاريخية في القرآن، يشير الشهيد صدر إلى نوع من بيان القرآن لهذه السُنن في قالب وشكل الجملة الشرطية، وأن القرآن يؤسس العلاقة بين ظاهرتين أو مجموعتين من الظواهر في ميدان التاريخ على شكل علاقة شرط وجزاء. مثل آيات مثل «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (رعد/11)؛ «وَإِنْ أَصْلَحُوا أَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا» (جن/16). (المرجع نفسه: 89-92) وفي أهمية بيان كل قانون على شكل جملة شرطية يقول: «كل قانون يُنظَّم ويُعرض على شكل جملة شرطية له قيمة بناء في حياة الإنسان، ومن هنا يتضح الحكمة العظيمة في إظهاره على شكل جملة شرطية، ولماذا جعل الله عالمًا نظام العالم وفق قوانين كلية وأنظمة مستقرة وعامة وسُنن ثابتة. لأن الله يريد بأن يلفت الانتباه إلى النظام الثابت المترابط، ويُظهر موضع الإنسان في هذا النظام، ويُعرّفه بالأدوات التي تؤثر في بناء بيئته الحياتية ليُلبّي حاجاته بنفسه.» (المرجع نفسه: 90-91)

3-7- الاستقراء

الاستقراء في اللغة يعني التتبع وراء شيء، البحث، التنقل من قرية إلى أخرى، الاقتداء والتتبع. (دهخدا، 1377ش: 2/2174) أرسطو في تعريف الاستقراء يقول: «الوصول إلى كلية ما من خلال تعداد وفحص الأفراد أو الجزئيات يُسمى استقراءً». (ارسطو، د.ت.: 51)

أحد عوامل تقدم الحضارة الإسلامية في القرنين الرابع والخامس الهجري والحضارة الغربية في القرون الأخيرة، يعود إلى تطبيق طريقة الاستقراء (التجربة) في اكتشاف قوانين الطبيعة. ومن جهة أخرى، فإن استخدام الطرق التجريبية قد انحسر وتراجع منذ قرون في المجتمعات الشرقية وخاصة في إيران الإسلامية. (ذکیانی، 1389ش: 10)

الشهيد صدر لم يذهب إلى الاستقراء كعالم تجريبي أو معارض للدين، بل كفقيه جامع الشروط، ومبتكر في الأصول ومفسر اجتماعي، وقد تناول الاستقراء، وبالإضافة إلى تقديم طرح جديد لحل مسألة الاستقراء في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، جعل الإيمان بالاستقراء والحسّ سائراً في جميع آثاره، بما في ذلك أقواله التفسيرية، وفي نظامه المعرفي يُعتبر الاستقراء منهج بحث يُستخدم في جميع مؤلفاته.

يعرّف الشهيد صدر الاستقراء هكذا: «الاستدلال الذي يكون سير استنتاجه من الخاص إلى العام» (صدر، 1402هـ: 25). ويعتقد الشهيد صدر أن تعريفه للاستقراء يشمل الاستنتاج المبني على الملاحظة وكذلك الاستنتاج العلمي المبني على التجربة والاختبار. والمقصود بالملاحظة هو مجرد النظر إلى الأمور الواقعية في العالم دون تدخل فيها، والمقصود بالتجربة هو دراسة وفحص الأمور والظواهر مع التدخل فيها. (المرجع نفسه) من أهم متطلبات منهج الاستقراء هو الاستفادة من البيانات الحسية، وبالذات اعتبار الأدوات الحسية موثوقة. يمكن دراسة مسألة الاستقراء في منهج التفسير عند الشهيد صدر من زاويتين:

1-3-7- الاستقراء، المنهج المؤكد في القرآن

الحالات التي يعرّف فيها الشهيد صدر الاستقراء كأحد المناهج المؤكدة في القرآن، وأن القرآن أشار إلى ضرورة الاستقراء في الأحداث التاريخية: «آيات من القرآن تؤكد على أن تقوموا بالاستقراء في الأحداث التاريخية، بالتدقيق والتأمل والتدبر، حتى تتضح لكم من خلال الاستقراء نواميس الطبيعة والسُنن العالمية، حقائق في علم التاريخ والسُنن التاريخية: (افلم یسیروا في الارض فینظروا کیف کان عاقبة الذین من قبلهم دمّر الله علیهم و للکافرین امثالها؛ محمد/ 10)»[3] (صدر، 1428هـ: 66) وفي موضع آخر، في بيان أن القرآن تحدث عن القوانين التاريخية بطرق وأشكال مختلفة، وبعد تعداد الطرق يقول في تأكيد القرآن على منهج الاستقراء: «في بعض الآيات الأخرى، [القرآن] يشجع ويحث على الاستفادة من الأحداث الماضية، ويُحفّز الجهود لإجراء عمل استقراء تاريخي، وكما تعلمون فإن استقراء الأحداث هو عمل علمي بحد ذاته، حيث يريدون إيجاد القانون والبحث في التفاصيل.» (صدر، د.ت.: 54)

2-3-7- الشهيد صدر واستخدام منهج الاستقراء في التفسير

كما ذُكر، استفاد الشهيد صدر من هذا المنهج في تفسيره. ومن أمثلة هذا التطبيق استقراؤه في ميدان التاريخ حول القصص القرآني. وهو يرى أن القصص القرآني كمصدر مهم في توضيح السُنن التاريخية، يكشف جوانب متعددة ظاهرة وخفية لهذه السُنن. قال في هذا المجال: «ميدان التاريخ مثل أي ميدان آخر مليء بمجموعة من الظواهر والمظاهر. كما أن الميادين الكونية والفيزيائية والنباتية تتكون من هذه الظواهر، كذلك ميدان التاريخ، بالمعنى الذي سنوضحه لاحقاً، مليء بمجموعة من هذه الظواهر والرموز…» (صدر، د.ت.: 46- 47)

من نماذج الاستقراء لدى الشهيد الصدر في التاريخ، استقراؤه من الحوادث والوقائع التاريخية وتحديد حدود نطاق سنن التاريخ بمساعدتها. فهو يؤكد أنه لا يمكن إدخال جميع الحوادث والوقائع التاريخية التي يربطها المؤرخون ببعضها ضمن النطاق التاريخي، ويقول: «الصحيح أن جزءًا معينًا من هذه الحوادث والوقائع يقع ضمن دائرة سنن التاريخ. فهناك العديد من الحوادث التي تقع خارج سنن التاريخ. وبدلاً من ذلك، تحكمها القوانين الفيزيائية والكيميائية والفسيولوجية أو قوانين أخرى في مجالات مختلفة من العالم.» (صدر، د.ت.: 77) يعتبر الشهيد الصدر أمورًا مثل وفاة أبا طالب وخديجة (عليهما السلام) وكذلك طول عمر عثمان بن عفان من الحوادث التاريخية التي قد يكون لها أثر كبير على الأحداث التاريخية، لكنها بسبب خضوعها للقوانين الطبيعية والفسيولوجية لا تدخل ضمن سنن التاريخ. (صدر، د.ت.: 77-78) ومن خلال استقرائه في الوقائع التاريخية، يستنتج الشهيد الصدر أن: «في كل مشهد لا تحكم السنن التاريخية. فالأحداث التي ذكرها الطبري في تاريخه ليست جميعها خاضعة للسنن التاريخية، بل هناك ميدان معين تحكم فيه السنن التاريخية فقط.» (صدر، د.ت.: 78)

وبالمثل، استقراؤه للأمم التي اختارت بدلاً من المثل الأعلى الحقيقي، المثل الأدنى، والتي قدمها كمثال في الآية (إنّ هي إلّا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) (نجم/23): «المجتمعات والأمم التي تعبُد المثل المادي والدوني تعيش في حالة متكررة… ومن هنا عندما نخطو خطوة في تحليل وفحص وملاحظة أوضاع هذه الأمم التي تختار مثل هذه الأمثال لنفسها، نرى أن هذه الأمم تفقد ارتباطها بهذه الأمثال بسرعة ولا تستطيع التمسك بها…» (صدر، 1428هـ: 128)

4-7- التفكير النظامي والنظرة الشمولية

كلمة “System” في اللغة تعني الجهاز، النظام، القاعدة، جهاز الحكم، وغيرها. (حق‌شناس، 1387ش: 1699) النظام اصطلاحًا هو مجموعة من الأجزاء والعلاقات بينها التي ترتبط أو تتصل ببعضها بخصائص معينة، وتشكل هذه الأجزاء مع بيئتها كلًا واحدًا (رضاییان، 1375ش: 27) مثل مصنع أو جسم الإنسان. تتحرك هذه الأجزاء لتحقيق هدف معين وتكمل بعضها البعض في سبيل تحقيق هذا الهدف. وبالطبع في اللغة الفارسية يُستخدم عادةً مصطلح نظام كمرادف للنظام (سيستم). (زورق، 1386ش: 41)

علم الاجتماع مع تخصصاته المرتبطة به هو أساسًا دراسة الجماعات أو الأنظمة الاجتماعية. من الجماعات الصغيرة مثل الأسرة أو مجموعة موظفي المنظمات الرسمية وغير الرسمية إلى أكبر الوحدات مثل الأمم وكتل القوة والعلاقات الدولية. (برتالنفی، 1366ش: 230) ينظر علم الاجتماع بنظرة نظامية إلى جميع عناصر ومكونات المجتمع (مثل الجماعات، الطبقات الاجتماعية، المؤسسات والمنظمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية) كعناصر لأنظمة اجتماعية مفتوحة تتفاعل مع بيئتها في سلسلة من العلاقات المتبادلة. وفي النهاية يسعى لاكتشاف القوانين الحاكمة عليها من خلال تحليل شامل وكلي لمجموعة العناصر المذكورة وتأثيراتها المتبادلة باستخدام مجموع طرق البحث. (گلابی، 1369ش: 18)

من خصائص المنهج التفسيري للشهيد الصدر، أو بالأحرى مدرسته الفكرية، تقديم المصادر والمعارف الدينية بشكل نظامي ومنظم. ورغم أن هذه النظرة تظهر بشكل بارز في كتابه «اقتصادنا» وفي مجال دراسة القضايا الاقتصادية، إلا أنها منهج عام بحثي في أعماله السياسية والاجتماعية والثقافية ومنها التفسير، وهو ما نشير إليه في تفسير السنن التاريخية:

يشرح الشهيد الصدر باستخدام التفكير النظامي بوضوح العلاقة بين المبادئ الخمسة للشريعة وهي التوحيد، والمعاد، والنبوة، والعدل، والإمامة، وتنظيم طريق الإنسان نحو المثل الأعلى المطلق. (صدر، 1428هـ: 153-156) في هذا التصور، هذه المبادئ مترابطة باعتبارها عناصر ضمن مجموعة تسعى لهدف واحد. وبعد شرح العلاقة بينها وبين الغاية النهائية، أي المثل الأعلى المطلق، يقول الشهيد الصدر: «لذا فإن مبادئ الدين في الحقيقة، وبعبارة تحليلية، في ضوء ما ذُكر، هي جميع عناصر تشكل هذا المثل الأعلى وفي إعطاء المصلحة الاجتماعية كطابع تاريخي لها… لها نصيب.» (صدر، د.ت.، ص155)

8- المناقشة والاستنتاج

يحمل هذا البحث النتائج التالية:

– القرآن يمتلك «نظرية» بمعناها العلمي فيما يخص قضايا الحياة المهمة للإنسان.

– النظريات القرآنية تتميز بخصائص علمية، ولا ينفي كونها إلهية أصالتها العلمية.

– في التفسير الموضوعي، إلى جانب المبادئ والقواعد التفسيرية الخاصة، يجب الاستفادة حسب الموضوع من طرق بحثية وعلمية أخرى؛ لأن التفسير في رؤية الشهيد الصدر هو بحث مستمر مع تساؤلات متجددة للمجتمع البشري.

– «الاستقراء» و«التفكير النظامي» من أبرز خصائص المنهج التفسيري للشهيد الصدر، ويمكن اعتباره منهجين مهمين يستحقان التأمل في التفسير الموضوعي.

– الانتباه إلى «الدلالات الالتزامية للآيات» في فهم النظريات الأساسية للقرآن له مكانة خاصة.

المصادر والمراجع

– ارسطو (دون تاريخ). متافیزیک. ترجمة شرف الدین خراسانی. تهران: حکمت.

– الازرقی، احمد زبون (1432ق). منهج الفهم القرآن عند الشهید الصدر. قم: منشورات المحبین.

– استرآبادی، محمد امین (1424ق). الفوائد المدنیة قم: مؤسسه نشر اسلامی.

– ایازی، محمد علی (1383ش). تفسیر موضوعی از نگاه شهید صدر. پیام جاویدان. سال اول العدد دوم.

– ­­­­­­­­­­­­­­­­­_________ (1378ش). جامعیت قرآن (پژوهش استنادی و تحلیلی از مسأله جامعیت و قلمرو آن). تهران: کتاب مبین.

– بابایی، علی اکبر وآخرون (1379ش). روش‌شناسی تفسیر قرآن. قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.

– برتالنفی، لودویگ فون (1366ش). مبانی تکامل  کاربردهای نظریه عمومی سیستم‌ها. ترجمة کیومرث پریانی. تهران: تندر.

– پوپر، کارل ریموند (دون تاريخ). منطق اکتشاف علمی؛ ترجمة سید حسین کمالی. تهران: منشورات علمی و فرهنگی.

– حافظ نیا، محمد رضا (1382ش). مقدمه‌ای بر تحقيق در علوم انسانی. تهران: نشر سمت.

– حق‌شناس، علی محمد و همکاران (1387ش). فرهنگ معاصر انگلیسی فارسی. تهران: فرهنگ معاصر.

– حکیم، محمد باقر (1417ق). علوم القرآن. قم: مجمع الفکر الاسلامی. الطبعة الثالثة.

– دهخدا، علی اکبر (1377ش). لغت نامه دهخدا. تهران: منشورات دانشگاه تهران. الطبعة الثانية.

– ذکیانی، غلامرضا و محبوبه جان‌نثاری (1389ش). مبانی منطقی استقراء و جایگاه آن در آرای کلامی شهید صدر. تهران: نشر علم.

– راغب اصفهانی، محمد (1332ش). المفردات في غریب القرآن. تهران: المکتبة المرتضویة.

– رضایی اصفهانی، محمد علی (1390ش). منطق تفسیر قرآن. قم: مرکز بین المللی ترجمة و نشر المصطفی. الطبعة الرابعة.

– رضاییان، علی (1375ش). تجزیه و تحلیل و طراحی سیستم. تهران، نشر سمت.

– زرکشی، بدرالدین (1310ق). البرهان في علوم القرآن. بیروت: دارالمعرفة.

– زورق، محمد حسن (1386ش). ارتباطات و آگاهی (مفاهیم. مبانی و روش‌ها). تهران: منشورات دانشکده صدا و سیما.

– سعیدی روشن، محمد باقر (1389ش). زبان قرآن. قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه و سمت.

– سیوطی، جلال الدین (1407ق). الاتقان في علوم القرآن. بیروت: دارالکتب العلمیة.

– شاکر، محمد کاظم (1382ش). مبانی و روش‌های تفسیری. قم: مرکز جهانی علوم اسلامی.

– صدر، محمد باقر (1428ق). المدرسة القرآنیة. قم: مرکز الابحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر. الطبعة الرابعة.

– ___________ (دون تاريخ). سنت‌های تاریخ در قرآن. ترجمة جمال موسوی اصفهانی. قم: منشورات اسلامی.

– ­­­­­­­­­­­­­­­­­­­___________(1417ق). نشأة الشیعة والتشیع. تحقيق دکتر عبدالجبار شرارة. قم: مرکز الغدیر للدراسات الاسلامیة. الطبعة الثانية.

– ____________(دون تاريخ). دروس في علم الاصول. قم: موسسة نشر اسلامی.

-____________(1402ق). الأسس المنطقیة للإستقراء بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.

– ____________ طبرسی، فضل بن حسن (1395ق). مجمع البیان في تفسیر القرآن. تهران: المکتبة الاسلامیة. الطبعة الخامسة.

– عزیزی، غلامعلی (1379ش). «تفسیر موضوعی القرآن الكريم از دیدگاه شهید صدر». معرفت. العدد 35. مرداد و شهریور.

– کریمی، مصطفی (1389ش). «ماهیت تفسیر موضوعی». قرآن شناخت. سال سوم. العدد دوم. پاییز و زمستان.

– گلابی، سیاوش (1369ش). سازمان، مدیریت و توسعه منابع انسانی (جامعه‌شناسی توسعه ایران). تهران: فردوس.

مظفر، محمد رضا (1388ق). المنطق قم: موسسة مطبوعاتی اسماعیلیان، الطبعة الثالثة.

– معتزلی، قاضی عبدالجبار (1960م). المغنی. تحقيق باشراف طه حسین وابراهیم مدکور. مصر: وزارت الثقافة والارشاد القئمی.

– مکارم شیرازی، ناصر (دون تاريخ). پیام قرآن. قم: منشورات نسل جوان.

-‌ هادوی تهرانی، مهدی (1377ش). مبانی کلامی اجتهاد در برداشت از قرآن. قم: موسسه فرهنگی خانه‌ی خرد. الطبعة الأولى.

– هادوی‌نیا، علی‌اصغر (1385ش). «شهید صدر و روش تفسیر موضوعی – علمی القرآن الكريم با رویکرد اقتصاد اسلامی». مؤتمر بین‌المللی بررسی اندیشه‌های اقتصادی آیت الله صدر. قم: دانشگاه مفید.

[1]. وُلد الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 1353 هـ ق، الموافق لسنة 1313 هـ ش، في مدينة الكاظمية. كان والده السيد حيدر الصدر من كبار علماء الشيعة في العراق، وأمه ابنة عبد الحسين آل ياسين من الرجال البارزين في المجال العلمي والديني في العراق. بلغ الشهيد الصدر مرتبة الاجتهاد في سن السابعة عشرة، وبدأ التدريس في الدروس العليا للدارسين في الحوزة العلمية في سن الخامسة والعشرين، وحصل على أرفع مقاعد التدريس. ألف أكثر من 24 كتابًا في مجالات مختلفة من العلوم الدينية والاجتماعية، ومن بينها: 1- اقتصادنا 2- الأسس المنطقية للاستقراء 3- الإسلام يقود الحياة 4- البنك الربوي في الإسلام 5- بحوث حول الولاية 6- فلسفتنا 7- العالم الجديد الأصول 8- فدك في التاريخ 9- بحوث حول المهدي (ع) 10- الفتاوى الواضحة و…

[2]. في كتب مثل التفسير والمفسرون المعرفة، مدارس التفسير البابائية، مبادئ وطرق التفسير لعميد زنجباني، منطق تفسير القرآن لرضائي أصفهاني.

[3]. وكذلك الآيات 109 من يوسف و45 و46 من الحج.