التحقق من صحة تطبيق طريقة «نظرية المجال» كتفسير موضوعي للقرآن

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: اعتبارسنجی کاربست روش «نظریه زمینه‌ای» به‌مثابه تفسیر موضوعی قرآن ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص

«نظرية المجال» هي إحدى طرق البحث النوعي التي تُستخدم لتحليل النصوص واستخلاص النظريات من البيانات البحثية، بهدف تقديم نظرية حول الموضوعات الاجتماعية والإنسانية. ونظرًا لأن بعض الباحثين في العلوم الدينية قد طوروا تطبيق هذه الطريقة واستخدموها لتحليل موضوعي لنص القرآن واستخلاص النظريات منه، فقد تناولت هذه المقالة (التحقق من صحة تطبيق طريقة «نظرية المجال») التحقق من صحة هذه الطريقة مع التركيز على وجهة نظر الشهيد الصدر الذي يرى أن الطريقة الاجتهادية الموثوقة لاكتشاف النظريات العلمية في القرآن هي طريقة «التفسير الموضوعي». تُطرح مسائل هذا البحث في بعدين: بناء النظرية استنادًا إلى طريقة نظرية المجال، وبناء النظرية استنادًا إلى التفسير الموضوعي الاجتهادي. وفي التحقق من الصحة وحل مشكلة البحث، تم الاستفادة من أسس وقواعد المنهجية النوعية والمنهجية الاجتهادية. يمكن اعتبار النتيجة الرئيسية لهذا البحث من نوع المنهجية، إذ تُظهر أنه في كل بحث نظري، بما في ذلك البحوث في العلوم الإسلامية الدينية والبحوث النظرية القرآنية، يجب أن تتناسب طريقة البحث مع منهج علمي موثوق ومصدر معرفي معتبر. وبناءً على ذلك، فإن الاستفادة من طرق البحث الشائعة في العلوم الإنسانية، مثل طريقة نظرية المجال، لبناء النظريات القرآنية لا تمتلك مبررًا منهجيًا كافيًا.

المؤلف: علیرضا محمدی فرد، سیدحمیدرضا حسنی

المصدر: دوفصلنامه «مطالعات قرآن و حدیث»، السنة الخامسة عشر، العدد الأول، خريف وشتاء 1400، ص 72-73

مشكلة البحث

اكتشاف نظريات القرآن حول موضوعات واقع الحياة البشرية يتطلب الاعتماد على جهاز منهجي منظّم لدراسة النص. هذا الجهاز، من خلال تقديم طريقة مناسبة وموثوقة، يتيح تكوين شبكة دلالية لأدلة القرآن وكذلك إمكانية اكتشاف الواقع من خلال مصدر القرآن. وتتم هذه الدراسات في المنهجية الاجتهادية تحت عنوان «التفسير الموضوعي»؛ لأن المفسرين الموضوعيين يحاولون ربط المفاهيم والعبارات القرآنية ببعضها، واستنباط وجهة نظر القرآن حول موضوعات مختلفة. لكن في العقود الأخيرة، لجأ بعض الباحثين في العلوم الإنسانية الدينية والباحثين القرآنيين إلى استخدام الطرق الشائعة في العلوم الاجتماعية أو علم الدلالة لتكوين شبكة دلالية والوصول إلى نظريات القرآن. ومن بين هؤلاء، اعتبر بعضهم «نظرية المجال»[1] طريقة مناسبة لهذا الغرض. وقد تُرجمت هذه الطريقة بعدة مسميات مثل «نظرية المجال»، «النظرية الناشئة من البيانات»، «النظرية القائمة على البيانات» («النظرية الأساسية») وغيرها، وفي هذه المقالة نستخدم مصطلح «نظرية المجال» للإشارة إليها.
العديد من طرق تحليل النصوص في العلوم الإنسانية تُستخدم فقط لتصنيف وترتيب البيانات الأولي، لكن «نظرية المجال» تدعي استخراج نظرية من البيانات النصية. لذلك، الباحثون الذين يستخدمونها يهدفون إلى استخراج نظريات العلوم الإنسانية من القرآن. ومن جهة أخرى، كون هذه الطريقة نوعية، ولا تتطلب بحثًا قرآنيًا قائمًا على إطار نظري مسبق، جعل الباحثين يتجهون إليها. ففي البحوث النوعية، لا تُعرض نظرية من العلوم الإنسانية على القرآن، بل يُؤخذ إطار مفاهيمي من العلوم الإنسانية ويُعرض على القرآن، لتوفير إمكانية بدء البحث القرآني استنادًا إلى مفاهيم خاصة بالعلوم الإنسانية.

تطورت نظرية المجال في ستينيات القرن العشرين على يد بارني غليزر[2] وأنسلم شتراوس[3] بشكل ملحوظ (اشتراوس و کوربین، 1390، ص 31؛ Creswell, 2007, p63)، ونُشرت كطريقة منهجية في كتاب «اكتشاف نظرية المجال»[4]. بعد النشر الأولي، نشأ خلاف بين غليزر وشتراوس حول كيفية تطبيق هذه الطريقة، واستمر كل منهما في أبحاثه لتثبيت وجهة نظره. في هذا السياق، قدم شتراوس بالتعاون مع جولييت كوربين[5] تقنيات وإجراءات أكثر تنظيمًا وتوجيهًا لنظرية المجال.

المقصود بـ«التوجيه» هنا هو أن عملية وتقنيات البحث في هذا المنهج أكثر تنظيمًا ووضوحًا وصراحة. رغم أن البحوث النوعية تبدأ جميعها من إطار مفاهيمي وتقع تحت بارادايم التفسير، إلا أن هذه الطرق نفسها تُصنف من حيث النوعية. منهج غليزر في نظرية المجال تجريدي جدًا، حيث يحاول تجنب تنظيم البحث والباحث، مما يقلل من فرض المفاهيم والنظريات السابقة للعلوم الإنسانية على النظرية الجديدة. أما في منهج شتراوس وكوربين، فمراحل البحث وإطاره أكثر تنظيمًا وضبطًا، وهذا التنظيم والضبط يظهران في تصنيف الرموز. من الانتقادات التي وجهها غليزر لشتراوس والتي جعلته يميز طريقته عنه، أن شتراوس بتحكمه الكبير في البحث يدفع البحوث النوعية من كونها تفسيرية إلى الاتجاه الإيجابي. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت توجهات أخرى في هذه الطريقة، لكن توجه شتراوس/كوربين، بسبب تنظيمه الأكبر، حظي باهتمام وتطبيق أكبر من قبل الباحثين في العلوم الاجتماعية (Creswell, 2007, p63).

سابقات البحث

في البحوث القرآنية والدينية، لجأ العديد من الباحثين إلى توجه شتراوس/كوربين، ومن أمثلة ذلك:

– مقال «منهجية المفاهيم والفئات السوسيولوجية في القرآن الكريم» لمحمدباقر آخوندي وغلامرضا جمشيدي‌ها في مجلة معرفت بجامعة الإسلامية (1390).

– مقال «العقبات الاجتماعية للتفكير في نموذج التقدم الإسلامي بناءً على بناء نظرية قائمة على البيانات من القرآن» لعلي تقي إيزي وعلي رباني خراسگاني في مجلة علم الاجتماع التطبيقي (1393).

– مقال «الترتيب الرمزي في القرآن» لفاطمة أرونجلو وعلي محمد لولي في مجلة بحوث علوم القرآن والحديث (1395).

– مقال «الشرعية السياسية في الكافي» لنجب لكزايي ومحمد علي محمودي قهساره في مجلة الحكم الإسلامي (1396).

– مقالة «تحديد مكونات التهديد الثقافي الناعم من وجهة نظر القرآن الكريم والسيرة النبوية على أساس الفتنة والفساد في المبادئ الدينية والبرامج الطقسية» لمحمد حسن مسلمي وآخرون في مجلة حفظ الثقافة للثورة الإسلامية (1396).

– مقالة «بحث في نظرية مكافحة الفقر القرآنية والروايات بناءً على بحث ميداني» لإبراهيم ياقوتي في مجلة بحوث القرآن والحديث (1399).

– مقالة «نظرية الروحانية في القرآن بناءً على بحث ميداني» لمحمد مسعود سعيدي في مجلة كتاب قيم (1399).

– رسالة ماجستير «تقديم نموذج قرآني لأفضل اتباع (التبعية الأحسن) ودلالاته التربوية؛ بحث بمنهج نظرية البيانات الأساسية» لعلي سعيدي في مجلة جامعة شهيد چمران (1397).

– رسالة ماجستير «استكشاف عملية الفساد الاقتصادي في القرآن الكريم باستخدام نظرية البيانات الأساسية» لنجمة نامجو في جامعة ولي عصر رفسنجان (1397).

تشير الأبحاث إلى أن العصر المعاصر هو عصر التوجه نحو الاتجاهات التجديدية في التفسير. ومن عناصر التحول في هذا السياق، الاستفادة من الطرق العلمية في مجال تفسير القرآن (حاجی اسماعیلی، ۱۳۸۸، ص ۱۲0). وفي هذا الإطار، كما ذُكر، استُخدمت عدة أعمال طريقة «النظرية الميدانية» للبحث الموضوعي في القرآن. ولكن من خلال البحث الذي أُجري، لم يُعثر على كتاب أو مقالة أو رسالة ماجستير يكون السؤال الرئيسي فيها (التحقق من الصلاحية) لاستخدام هذه الطرق في الدراسات القرآنية وربطها بالتفسير الموضوعي. لذلك، فإن الأبحاث السابقة استخدمت هذه الطريقة فقط كطريقة لاستخلاص النظرية القرآنية. أما الجديد في هذا البحث فهو تقسيم استخدام هذه الطريقة في نظرية القرآن، كطريقة لدراسة موضوع القرآن. وبعبارة أخرى، الأبحاث السابقة لها هوية (تطبيقية)، وهذا البحث له هوية (منهجية).

أهمية البحث

بالنظر إلى توجه عدد كبير من الباحثين في العلوم الاجتماعية والباحثين القرآنيين والدينيين إلى منهج شتراوس/كوربين، في هذه المقالة، تم تقديم طريقة «النظرية الميدانية» في إطار هذا المنهج وتقييم علاقتها بالتفسير الموضوعي للقرآن من الناحية المنهجية. الهدف المشترك للطريقتين «النظرية الميدانية» والتفسير الموضوعي، من حيث «نظرية القرآن»، و«الموضوعية» و«التركيز على النص» يوفران أسساً مشتركة للدراسة المقارنة بينهما. وبالطبع، تم تقديم أنواع مختلفة من التفسير الموضوعي من قبل الباحثين في القرآن (طسماپور و نظریگی، ۱۳۹۶، ص ۲۶۴). ولكن بسبب المنهج المتماسك للشهيد صدر في توضيح نظرية القرآن وتقديم التفسير الموضوعي كطريقة اجتهادية لاكتشاف نظريات القرآن، يتم في هذه المقالة إجراء هذا التقييم والمقارنة مع التركيز على آرائه.

تكمن أهمية دراسة ونقد هذه الطريقة في أنه إذا ثبتت صلاحيتها وفعاليتها، سيكون لها تأثير كبير في بحوث العلوم الدينية والدراسات القرآنية، في سبيل تنظيم وتسهيل استخلاص النظريات العلمية القرآنية. ومن البديهي أنه في حال عدم صلاحيتها وفعاليتها، سيكون من الضروري إعادة النظر في استخدامها في البحوث القرآنية.

منهج البحث

يتبع هذا البحث استراتيجية «القياس» لحل مشكلته. والمراد بالقياس، تقديم أسس طريقة النظرية الميدانية والتفسير الموضوعي، بحيث يُبنى عليها نموذج لتفسير ونقد ومراجعة تطبيق طريقة النظرية الميدانية باعتبارها تفسيراً موضوعياً. لذلك، في مرحلة تقديم معايير التحقق من الصلاحية، تُستخدم المعايير المستخلصة من أسس البارادايم في المنهجية النوعية والمعايير المستخلصة من أسس المنهجية الاجتهادية. وفي تحليل المنهج، يُستخدم التحليل النوعي أو الاجتهادي حسب نوع النقاش؛ بحيث في المواضيع المتعلقة بالنظرية الميدانية يُقدم التحليل النوعي، وفي المواضيع المتعلقة بالتفسير الموضوعي يُقدم التحليل الاجتهادي.

مكانة طرق البحث في عملية إنتاج العلم البارادايمي

تشكل طرق البحث دائماً في التيارات العلمية حاملة للنظرية[6] (بلیک، ۱۳۸۴، ص۴۵). ومن البديهي أنه بالنظر إلى هذه الخاصية، لا يمكن توقع أن توصلنا هذه الطرق مباشرة إلى الواقع الاجتماعي. لذلك، مع وجود اختلاف في مناهج العلوم الإنسانية حول ماهية الواقع الاجتماعي، والعناصر والمؤسسات الاجتماعية، إلا أنهم يتفقون جميعاً على أن هناك نظرية حول أصول الفعل تتجاوز هذه الرؤى. إن وضوح مكانة طرق البحث، ومنها طريقة «النظرية الميدانية»، في عملية الانتقال من الطبقات الأساسية لإنتاج العلم إلى الطبقات السطحية، يعتمد على توضيح المفاهيم التي كانت موجودة قبل تشكيل طرق البحث. وأهم هذه المفاهيم هي «البارادايم» و«المنهجية» التي يؤدي تشكيلها وصلاحية كل نظرية اجتماعية أو طريقة بحث إلى نهايتها.

1-1. مفهوم البارادايم العلمي

وفقاً لنموذج إنتاج العلم البارادايمي، فإن العملية العلمية لاكتساب المعرفة هي مجموعة منظمة ومنهجية يستخدمها الباحثون في أبحاثهم العلمية(حسنی، ۱۳۹۷، ص ۵۴). يحاول هذا النموذج تفسير إنتاج العلم في عملية الانتقال من الطبقات الأساسية إلى مرحلة الدخول في الواقع الاجتماعي. البارادايم العلمي، من وجهة نظر علمية، يشمل كل ما هو ضروري للنشاط العلمي؛ من الافتراضات الميتافيزيقية إلى الأدوات والتوصيات التجريبية والقواعد والنظريات وأمثلة خاصة على المسائل المحلولة. لذلك، لا يمكن للباحث أن يدخل مجال العلوم الاجتماعية دون الانتباه إليها (L’Abate, 2012, p4؛ ایمان، ۱۳۹۴، ص ۲۰-۲۳ و ۳۶).

الرجوع إلى التعريفات التي وُضعت لمفهوم البارادايم (مانند: نیومن، ۱۳۹۵، ج ۱، ص ۱۵۸؛ ایمان، ۱۳۹۴، ص ۴۳-۴۴)، يشير إلى معنى واحد لهذا المفهوم، وهو أن العناصر الأربعة «الأنطولوجيا» و«الإبستمولوجيا» و«المنهجية» و«منهج البحث» يجب أن تُصاغ وتُوضح في كل بارادايم علمي قبل بدء البحث، لكي يتمكن الباحث من تقديم نظرية علمية في إطار عملية علمية واضحة ومنظمة. في إنتاج العلم البارادايمي، هناك ارتباط منطقي بين الأنطولوجيا والإبستمولوجيا والمنهجية، ويجب أن يتمتع كل بحث علمي بتماسك وتوافق من حيث المواقف الثلاثة للبارادايم. وإلا، فإن البحث أو السؤال سيواجه اضطرابًا، والمعرفة المكتسبة ستكون مشوشة وغير علمية. كما أن «طرق» البحث ليست استثناءً من هذا الأمر، بل يجب أن تتوافق مع المنهجية المحددة مسبقًا (محمدپور، ۱۳۹۷، ص ۱۳-۱۴). يمكن تمثيل كل بحث بارادايمي كما يلي:

(جانکر و پنینک، 1394، ص25)

في أعمال الشهيد صدر أيضًا، تم الاهتمام بمفهوم إنتاج العلم البارادايمي. فعلى سبيل المثال، يشير إلى الأنظمة العلمية المختلفة السائدة في فروع العلوم الإنسانية، أي علم الاقتصاد، ويرى أن اختلاف هذه الأنظمة يكمن في المنهج العلمي (= المذهب العلمي) الخاص بها (صدر، ۱۴۲۱، ج ۵، ص ۱۴۳، ۱۴۸ و …). هذه المناهج تمثل الأساس للبحوث العلمية لتلك الأنظمة العلمية في واقع الحياة الاجتماعية للبشر. ومن وجهة نظره، يمتلك الإسلام أيضًا منهجًا علميًا مستقلاً ومميزًا (صدر، ۱۴۲۱، ج ۵، ص ۱۴۹-۱۵۴)، ويتشكل النظام الاجتماعي الإسلامي والاقتصاد الإسلامي بناءً على هذا المنهج الإسلامي (صدر، ۱۴۲۱، ج ۵، ص ۳۳-۳۴).

وعليه، فإن كل بحث نظري، حتى وإن كان في إطار التفسير الموضوعي والعلوم الإنسانية الدينية، لا بد له في مسيرته من الاستعانة بالافتراضات والقواعد العلمية من نوع فلسفي أو أصولي أو كلامي أو غيرها، والتي ثبتت في المجتمع الإسلامي أو قُبلت كأصول موضوعية. هذه الأصول هي في الواقع التي توجه العمل العلمي، وفي فضاء إنتاج العلوم الإنسانية الدينية تُعرض تحت عنوان مناهج العلم الديني.

١-٢. العلاقة بين المنهج والمنهجية في بحوث العلوم الاجتماعية

طرق البحث هي التقنيات والأساليب المستخدمة لجمع وتحليل البيانات؛ بينما المنهجية تعني منطق البحث وتتعلق بمناقشات كيفية إجراء البحث، والواجبات والمحظورات، والتحليل النقدي لطرق البحث (بلیکی، ۱۳۸۴، ص ۲۲). بعبارة أخرى، تُظهر المنهجية المسار الرئيسي والقوانين والتعليمات العامة نحو الهدف، لكنها لا تحدد كل خطوة على حدة، إذ إن ذلك من اختصاص الطرق والتقنيات (جانکر و پنینک، ۱۳۹۴، ص ۳۷).

في عملية إنتاج العلم البارادايمي، ترتبط طرق البحث بالبارادايمات العلمية عبر منهجية البحث. لذلك، كما أن المنهجية تنبع من الافتراضات البارادايمية، فإن الطرق أيضًا تنبع من التوصيات التي تقدمها المنهجية، وتأخذ مصداقيتها من منهجية البحث. وهكذا، يُسمح للباحث باستخدام طريقة معينة في بحثه فقط إذا كانت منهجية بحثه تسمح بذلك.

تنقسم طرق البحث في العلوم الاجتماعية إلى نوعين من المنهجيات: الكمية والنوعية. كل بارادايم من بارادايمات العلوم الإنسانية يستخدم، بناءً على مبادئه، إحدى الطرق النوعية أو الكمية، أو مزيجًا منهما في أبحاثه (ایمان، ۱۳۹۴، ص ۳۰۱-۳۰۲).

المنهجية النوعية، من طرح المشكلة إلى تقييم النتائج وتحليل البيانات، تقف في مواجهة المنهجية الكمية، وتعتمد على أسس البارادايم التفسيري. وكذلك، تعتمد المنهجية الكمية في جميع مراحلها على البارادايم الإثباتي (محمدپور، ۱۳۹۷، ص ۷۶ و ۴۸۱). ومن المنظور المنهجي، تقع جميع البارادايمات غير الإثباتية تحت المنهجية النوعية (محمدپور، ۱۳۹۷، ص ۶۹). بناءً على ذلك، فإن مقارنة المنهجية النوعية والكمية تؤدي إلى فهم المنطق الكامن وراء النظرية الأساسية ومقدمة الدخول إلى الأسس المعرفية لها.

١-٢-١. تعريف المنهجية النوعية

هدف المنهجية النوعية هو فهم وتفسير كيفية خلق العالم الاجتماعي بواسطة الأفراد؛ لذلك، فإن هذا النهج لا ينظر إلى العلم كأداة فقط، بل هو إنساني الطابع (نیومن، ۱۳۹۵، ج ۱، ص ۱۴۱، ۱۶۷ و ۱۸۴). تُجرى البحوث الاجتماعية النوعية في السياق الاجتماعي (نیومن، ۱۳۹۵، ص ۳2۳). لذلك، تكون البيانات النوعية على شكل نصوص، كلمات مكتوبة، عبارات أو رموز تصف أو تقدم الأشخاص والأنشطة والظواهر الاجتماعية (نیومن، ۱۳۹۵، ج ۱، ص ۴42). يقوم الباحث النوعي باستخلاص معنى هذه البيانات وتفسيرها أو جعلها مفهومة (نیومن، ۱۳۹۵، ج ۱، ص ۳26).

في هذه المنهجية، يُدرس تطور المشكلة على مدى الزمن (نیومن، ۱۳۹۵، ج ۱، ص ۳2۶). بمعنى أن الظواهر الاجتماعية موضوع هذا البحث تتميز بأنها عمليات مستمرة ومتغيرة ومتطورة. ينتج البحث النوعي نتائج لم تُستخلص من خلال العمليات الإحصائية أو الطرق العددية الأخرى (اشتراوس و کوربین، ۱۳۹۰، ص ۳2). تتبع الطرق النوعية منهج «الاستقراء» (نیومن، ۱۳۹۵، ج ۱، ص ۱۱۷ و ۳2۶؛ ایمان، ۱۳۹۱، ص ۷۱).

في النظرية الاستقرائية، يتم الانتقال من الملاحظات إلى الأفكار المجردة أكثر (نیومن، 1395، ج 1، ص 117)؛ لذلك يبدأ النظرية الاستقرائية بفرضيات قليلة ومفاهيم واسعة. في هذا النهج، تظهر النظرية تدريجيًا، مفهومًا بعد مفهوم وقضية بعد قضية، في مجال معين. تظهر المفاهيم والتعميمات التجريبية وتنمو مع مرور الوقت، وتتكشف العلاقات تدريجيًا. ثم يقوم الباحثون بتوسيع المعرفة المكتسبة من الدراسات المختلفة إلى نظرية أكثر تجريدًا (نیومن، 1395، ج 1، ص 148-149).

٢-١-٢. تعريف المنهجية الكمية

الهدف النهائي من «المنهجية الكمية» هو تقديم تفسير علمي، واكتشاف وتوثيق قوانين سلوكية عالمية للإنسان بهدف السيطرة عليها والتنبؤ بها. هذا النهج ينظر إلى العلم كأداة (نیومن، 1395، ج 1، ص 160 و 167). مهمة الأبحاث الكمية هي اختبار النظرية الأولية من خلال بناء نموذج تجريبي (جانکر و پنینک، 1394، ص 50؛ ایمان، 1394، ص 223-233). تستخدم الأبحاث الكمية طرقًا معيارية، خطية ومنسجمة (بلیکین، 1395، ص 253؛ نیومن، 1395، ج 1، ص 160)، وتستفيد في ملاحظة واكتشاف العلاقات السببية لسلوك الإنسان من المنطق الاستنتاجي (نیومن، 1395، ج 1، ص 160).

بعبارة أخرى، في المنهج الاستنباطي، يبدأ الباحثون في بناء النظريات من خلال المفاهيم المجردة أو القضايا النظرية التي تُظهر العلاقة المنطقية بين المفاهيم. ثم ينتقلون نحو الأدلة التجريبية والموضوعية (نیومن، 1395، ج 1، ص 116-117). وهم بناءً على النتائج، يرفضون النظرية أو يوسعونها أو يعدلونها (نیومن، 1395، ج 1، ص 148). العلم الاجتماعي الإيجابي، المبني على المنهج الاستنباطي، يؤمن بأن القوانين تعمل بناءً على استدلالات منطقية دقيقة (نیومن، 1395، ج 1، ص 164-165).

٣-١. مقارنة بين نماذج التفسير والإثبات في إنتاج العلم

تقع طرق البحث تحت واحدة من منهجيتين: الكمية أو النوعية. لذلك، يجب البحث عن الأسس النموذجية لكل منهجية بحث في العلوم الاجتماعية إما في نموذج التفسير، الذي يدعم المنهجية النوعية، أو نموذج الإثبات، الذي يدعم المنهجية الكمية. يوضح الجدول أدناه، من خلال المقارنة، أسس نموذج التفسير ونموذج الإثبات:

تتشكل العلوم الاجتماعية حول دراسة الإنسان والمجتمع الإنساني. وتوفر المنهجيتان الكمية والنوعية، اللتان تقعان تحت نموذج الإثبات ونموذج التفسير على التوالي، طريقة هذه الدراسة لنا. لذلك، فإن الانتباه إلى الأسس المعرفية لهاتين المنهجيتين يكشف نوعي النظرة التي يتبناها هذان النموذجان تجاه الإنسان والمجتمع الإنساني.

استنادًا إلى ما سبق، في المنظور الإثباتي، محور البحث في العلوم الإنسانية هو “السلوك”؛ لأن الإرادة ليست العامل الحاسم في تحقق أفعال الإنسان. طريقة دراسة سلوك الإنسان مشابهة ومقتبسة من طريقة دراسة الظواهر الطبيعية في العلوم الطبيعية مثل الفيزياء. في البحوث الاجتماعية، يجب أن يكون هناك نظرية أولاً يمكن من خلالها تفسير وتوقع سلوك الإنسان من خلال قياس المتغيرات المستمدة من تلك النظرية.

النظرية “تسبق الملاحظة” و”تهدف إلى اكتشاف السبب”. المنهج، المبني على النظرية، يسعى لجمع بيانات موثوقة وتحليلها لاختبار النظرية. لذلك؛ الطرق المناسبة لتحقيق أهداف هذا النموذج، والتي توفر مجالًا للقياس والتحليل الإحصائي، هي الطرق الكمية.

أما في منظور نموذج التفسير، محور البحث في العلوم الإنسانية هو “الفعل الإرادي”؛ لأن العامل الحاسم في تحقق أفعال الإنسان هو “الإرادة”. لا يمكن بدء البحث في العلوم الإنسانية، على عكس العلوم الطبيعية، بالنظرية؛ بل تظهر النظرية بعد دراسة الأفعال الإنسانية واكتشاف النية وراء هذه الأفعال. النظرية تعبر عن إرادة المجتمعات الإنسانية. لذلك، تظهر في نهاية البحث وتهدف إلى فهم سبب الفاعلين لأفعالهم. المنهج يسعى لجمع بيانات موثوقة وتحليلها لبناء النظرية. لذلك، الطرق المناسبة لتحقيق أهداف هذا النموذج، والتي توفر مجالًا لتحليل وتفسير الأفعال الإرادية، هي الطرق النوعية والتفسيرية، مثل منهج “النظرية المؤسسية”.

لذا، الهدف الرئيسي من البحوث الكمية والنوعية هو فهم الواقع بطريقة يمكن الدخول إليها تجريبيًا، والاعتماد على أسس محددة مسبقًا لتقديم صورة عن الواقع موضوع الدراسة. وما هو مهم في تحقيق هذا الهدف هو صورة الواقع الاجتماعي والعلاقة المتبادلة بين الفرد والواقع الاجتماعي التي تقدمها المنهجيتان الكمية والنوعية. في مقابل هذين المنهجين، كما ذُكر، يمكن تحقيق المنهج الإسلامي القائم على فروض وأسُس مستقلة، تحت عنوان العلم الديني.

٢. تقديم منهج «النظرية المؤسسية»

بعد توضيح مفهوم النموذج والمنهجية وعلاقة المنهج بهذه المفاهيم في مناهج إنتاج العلوم الإنسانية، نركز على منهج «النظرية المؤسسية» ووظيفته الخاصة في إنتاج العلم.

١-٢. الأسس النموذجية والمنهجية لمنهج النظرية المؤسسية

حدد المنهجيون في العلوم الاجتماعية خصائص لهذا المنهج، والتي يكشف الانتباه إليها عن أسسه النموذجية. من وجهة نظرهم، تتمثل خصائص منهج النظرية المؤسسية في:

فرع من المنهجية النوعية ذات المنهج الاستقرائي (نیومن، ۱۳۹۵، ج ۱، ص ۱۱۷ و ۳۲۶؛ ایمان، ۱۳۷۹، ص ۷۱). في هذا المنهج، يبدأ الباحث العمل من الواقع الاجتماعي بدلاً من اختبار النظريات القائمة، وبالنظر إلى البيانات التي يلاحظها في سياق مشكلة ما، يقوم بالتفسير والتأويل واستخلاص معنى البيانات الملاحظة، ليصل إلى تعميمات نظرية وابتكار نظرية قائمة على الأدلة. لذلك، يقدم الباحث خلال عملية جمع البيانات النظرية أيضًا بناءً على البيانات التي يحصل عليها من المشاركين (اشتراوس و کوربین، ۱۳۹۵، ص34؛ نیومن، 1395، ص ۱۱۷–۱۱۸ و ۳۲۲).

على الرغم من أن استخراج المفاهيم من صميم البيانات هو السمة الأساسية لهذه الطريقة، إلا أن إبداع الباحث يعد من الركائز الأساسية لها، وتحليل البيانات في هذه الطريقة هو عبارة عن مواجهة بين ذهن الباحث والبيانات (اشتراوس و کوربین، ۱۳۹۰، ص ۳۴–۳۵).
تعتمد هذه الطريقة على البارادايم التفسيري – البنائية، وتستخدم الاستدلال الاستقرائي – الاستنباطي، مما يمكنها من خلق نظريات قائمة على السياق الاجتماعي (محمدپور، ۱۳۹۷، ص ۲۷۷، ۲۷۹ و ۳۰۵). تكمن أهمية هذه الطريقة من جهة في قدرتها على بناء النظريات، ومن جهة أخرى في توفير إطار لتحليل البيانات النوعية (ایمان، ۱۳۹۱، ص ۷۰). بناءً على ذلك، من الواضح أن هذه الطريقة تندرج تحت البارادايم التفسيري والمنهجية النوعية، وجميع أسس البارادايم المذكور تُعتبر أساسات تشكلها.

٢-٢. مكونات ومراحل طريقة «النظرية المؤسَّسة»

تتكون هذه الطريقة من مكونات ومراحل يمكن تصنيفها تحت عنوانين: «اكتشاف المشكلة وسياق البحث» و«مراحل جمع وتحليل البيانات».

٢-٢-١ اكتشاف المشكلة وسياق البحث

على عكس الطرق الكمية التي تقدم عادة صورة ثابتة للواقع الاجتماعي وتترجمه بلغة المتغيرات[7] (Hughes, 1993, p.41؛ ایمان، ۱۳۹۴، ص ۲۳۳)، فإن النظرية الناتجة عن طريقة النظرية المؤسَّسة تخدم تفسير التغيرات؛ لأن الواقع الحياتي والتفاعل الاجتماعي يُنظر إليهما كعمليات، والتفسير الاجتماعي يتبع هذه الخاصية ويأخذ شكلًا عمليًا ومتغيرًا أو إنتاجيًا. ولهذا السبب، فإن هذه الطريقة أساسًا تخدم الإجابة على الأسئلة العملية المتعلقة بتغير التجربة عبر الزمن وتقديم مراحل وأنواع هذا التغير (Creswell, 2007, p.66؛ ایمان، ۱۳۹۱، ص ۷۵).

لذلك، وحدة التحليل فيها، على عكس معظم البحوث السلوكية التي تكون الأفراد فيها وحدة التحليل، هي «الحدث»؛ حيث تكتسب دراسة الظواهر الاجتماعية الناشئة والتفاعلات بين الفاعلين أهميتها (دانایی فرد و همکاران، ۱۳۹۱، ص ۹۰). كما تبدأ مشكلة البحث في هذه الطريقة النوعية باهتمامات بحثية خاصة للباحث ومجموعة من المفاهيم الخاصة، وللكشف عن المشكلة في بداية البحث وتصحيحها لاحقًا، هناك حاجة إلى حساسية نظرية (محمدپور، ۱۳۹۷، ص ۲۸۳).

نظرًا لطبيعة المشكلات ووحدة التحليل في هذه الطريقة، يتبع مسار النظرية المؤسَّسة منطقًا غير خطي؛ بحيث يقوم الباحث المؤسَّسي باستمرار، من خلال الرجوع إلى البيانات الأولية، بتغيير أو تعديل أسئلة البحث أو أهدافه أثناء تنفيذ البحث (Creswell, 2007, p.64).
هذا المنطق يوجه أيضًا طرق جمع البيانات وتطوير النظرية. تقديم هذه النظرية يتطلب جمع بيانات نصية – مقابلات عميقة، وتستخدم طرق جمع أخرى كمكملات (محمدپور، ۱۳۹۷، ص ۲۸۲–۲۸۳).

٢-٢-٢ مراحل جمع وتحليل البيانات

بعد توضيح طريقة اكتشاف المشكلة وسياق الدراسة في هذه الطريقة، من الضروري تقديم مراحل جمع وتحليل البيانات فيها. كما ذُكر، النظرية المؤسَّسة هي إحدى الطرق النوعية. من وجهة نظر شتراوس وكوربين، تتم عملية بناء النظرية في النظرية المؤسَّسة على النحو التالي:

يتم التفسير والتنظيم المفهومي من خلال ترميز البيانات. الترميز، الذي بدلاً من اختبار النظرية، يوفر أساسًا لبناء النظرية، أولًا؛ يزود الباحث بأدوات التحليل للعمل مع الكم الهائل من البيانات الخام؛ ثانيًا؛ يساعد المحلل على مراعاة المعاني المختلفة للظواهر؛ ثالثًا؛ يجبر الباحث على أن يكون منظمًا ومبدعًا في الوقت نفسه؛ بحيث يحدد المفاهيم التي تشكل أساسات بناء النظرية، وينميها ويربطها ببعضها (اشتراوس و کوربین، ۱۳۹۰، ص ۳۵).

تقنيات ترميز البيانات في النظرية المؤسَّسة تتم في ثلاث مراحل: الترميز المفتوح[8]، الترميز المحوري[9]، والترميز الانتقائي[10] (Creswell, 2007, p.64-65). في هذه الطريقة، تتم عملية اختبار النظرية بالتزامن مع بناء النظرية (محمدپور، ۱۳۹۷، ص ۷۳۳).
الترميز المفتوح هو عملية تحليلية يتم من خلالها تحديد المفاهيم واكتشاف خصائصها وأبعادها في البيانات. في هذه المرحلة، يضع الباحث علامات ترميز متوافقة مع النص على المعلومات المجمعة (Creswell, 2007, p.66-67). في «الترميز المحوري»، يصنف الباحث الرموز التي تم الحصول عليها من الترميز المفتوح والتي ترتبط مباشرة بسؤال البحث. تشمل هذه المرحلة رسم نموذج يصور العلاقات بين الظروف السببية، والاستراتيجيات، والظروف السياقية، والعوامل المتدخلة، والنتائج. التصنيفات في هذه المرحلة أكثر تجريدًا مقارنة بالمفاهيم في الترميز المفتوح (Creswell, 2007, p.67؛ ایمان، ۱۳۹۱، ص ۸۰).

يمكن تلخيص الأمر بالقول إن «المفاهيم» هي علامات مفهومية على الأحداث والوقائع. و«التصنيف» هو فئة من المفاهيم. و«الخصائص» هي صفات أو سمات تتعلق بتصنيف معين. و«الأبعاد» هي وضع الخصائص على امتداد متصل (دانایی فرد و همکاران، ۱۳۹۱، ص ۹۶).
في مرحلة «الترميز الانتقائي»، يحدد الباحث التصنيف المحوري من العلاقات بين التصنيفات الموجودة في الترميز المحوري، ويقدم العلاقات بين التصنيفات في شكل نموذج. هذا النموذج هو النظرية المستخلصة من البيانات (Creswell, 2007, p.67؛ ایمان، ۱۳۹۱، ص ۸۱).

يمكن تلخيص الأمر بالقول إن «المفاهيم» هي علامات مفهومية على الأحداث والوقائع. و«التصنيف» هو فئة من المفاهيم. و«الخصائص» هي صفات أو سمات تتعلق بتصنيف معين. و«الأبعاد» هي وضع الخصائص على امتداد متصل (دانایی فرد و همکاران، ۱۳۹۱، ص ۹۶).
في مرحلة «الترميز الانتقائي»، يحدد الباحث التصنيف المحوري من العلاقات بين التصنيفات الموجودة في الترميز المحوري، ويقدم العلاقات بين التصنيفات في شكل نموذج. هذا النموذج هو النظرية المستخلصة من البيانات (Creswell, 2007, p.67؛ ایمان، ۱۳۹۱، ص ۸۱).

تُظهر النظريات المستخلصة من منهج «النظرية الميدانية» أن الحدث وقع بيد من وبواسطة ماذا ومتى وأين ولماذا وكيف وبأي نتائج (اشتراوس و کوربین، ۱۳۹۰، ص ۴۴–۴۵). لذلك، الهدف ليس الوصول إلى الحقيقة، وليست هذه النظريات صادقة أو كاذبة؛ بل هي مسألة توافق أكثر أو أقل، أو ملاءمة عملية أكثر أو أقل (دانایی فرد، ۱۳۹۱، ص ۱۰۶–۱۰۷). هذه النظريات تختلف من حيث درجة التجريد (اشتراوس و کوربین، ۱۳۹۰، ص ۴۴–۴۵)، ونظرًا لأنها تتعلق بمسألة خاصة أو اجتماعية معينة، فإن تعميمها على مواقف أوسع يتطلب مناهج كمية (Creswell, 2007, p.67).

٣. التفسير الموضوعي للقرآن ونظرية البناء في العلوم الإنسانية

على الرغم من دور المعارف والتعاليم القرآنية في تشكيل الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان، فإن الاستفادة من هذا المصدر المعرفي لا تزال تواجه عوائق منهجية. القبول الظاهري فقط بالمرجعية المعرفية للقرآن في حل قضايا الحياة لا يكفي للوصول إلى علوم إنسانية دينية؛ بل الجزء الأساسي من العمل هو تقديم عملية إدخال هذا المصدر المعرفي في مسار إنتاج العلم وبيان العناصر المنهجية اللازمة للوصول إلى نظرية قرآنية. لحل هذه المسألة، يجب أولًا طرح معنى دقيق لـ«التفسير الموضوعي» و«حجيته» في مجال العلوم الإنسانية. ثم يمكن الحصول على معيار لتقييم المناهج التي تدعي جمع وتحليل البيانات القرآنية حول موضوع معين.

٣-١. تحديد هوية التفسير الموضوعي للقرآن في مجال العلم الديني

في البحوث النظرية في مجال العلوم الإنسانية الدينية، يسعى الباحثون إلى نوع من تفسير القرآن يؤدي إلى بناء نظرية. لذلك، يركز هذا المقال على التفسير الموضوعي. سبب ذلك هو وجود علاقة بين التفسير الموضوعي وواقع الحياة البشرية وطريقة التحليل النصي فيه. يذكر الشهيد صدر في دراسة أسباب نمو علم الفقه مقارنة بالتفسير أن نمو أي علم يتطلب ربطه بواقع الحياة. من وجهة نظره، لم تنمُ التفسيرات الترتيبية كثيرًا بسبب ابتعادها عن حقائق الحياة. لذلك، لكي يرتبط التفسير بواقع الحياة وينمو، يجب اللجوء إلى الأسلوب الموضوعي الذي يرتبط بواقع الحياة البشرية (صدر، ۱۴۲۱، ج ۱9، ص ۲۷).

في هذا التحليل، يؤدي التفسير الترتيبي في النهاية إلى اكتشاف مدلول ألفاظ القرآن، أما في التفسير الموضوعي فتُكتشف نظرية القرآن حول موضوعات واقع الحياة، ويُحصل على فهم يتجاوز مدلول العبارات القرآنية اللفظي فقط (المرجع نفسه: ۲۸-۳۰). هنا تدخل مسألة العلم الديني إلى الميدان وتتصل بالتفسير القرآني؛ لأن التفسير الموضوعي يتماشى مع هدف العلوم الإنسانية الدينية، وهو اكتشاف نظريات حول واقع الحياة البشرية.

التفسير القرآني، بشكل عام، يعني «إظهار مراد الله من ألفاظ وعبارات القرآن الكريم» (به‌عنوان نمونه، نک: طبری، ۱۴۲۶هـ، ج ۱، ص ۱۱؛ جرجانی، ۱۴۱۱هـ، ص ۳۳؛ طباطبایی، ۱۴۱۷هـ، ج ۱، ص ۴). هذا التعريف يبيّن جنس التفسير (سواء الترتيبي أو الموضوعي). بمعنى أن التفسير هو فعل يقوم به المفسر ليُظهر مراد الله في القرآن. التمييز في التفسير الموضوعي يتضح بإضافة قيد «موضوعي» مقابل «ترتيبي».

قيد «موضوعي» في هذا السياق يعني من ناحية المسألة «موضوعي وواقعي»؛ لأن التفسير الموضوعي يستمد مسألة البحث في آيات القرآن من الحياة الواقعية للإنسان في بُعدين: الإنساني والطبيعي. كما أن قيد «موضوعي» من ناحية طريقة تحليل النص يعني أنه خلافًا للتفسير الترتيبي، حيث يفسر المفسر القرآن حسب ترتيب المصحف، في التفسير الموضوعي يكون محور النقاش موضوع محدد، ويتم جمع جميع آيات القرآن المتعلقة بهذا الموضوع ودراستها (صدر، ۱۴۲۱هـ، ج ۱9، ص ۳۵-۳۶). لتوضيح ما يحمله هذا القيد من فصل مميز للتفسير الموضوعي مقارنة بالترتيبي، يجب اكتشاف «الغاية» و«الطريقة» له.

تختلف غاية التفسير الموضوعي حسب الاتجاهات المختلفة لهذا النوع من التفسير. على سبيل المثال، قسم بعضهم التفسير الموضوعي إلى «لفظي»، «وصفي» و«تحليلي» (رجبی، ۱۳۸۸، ص ۱۱۴–۱۱۵)، وقسمه آخرون إلى «معجمي»، «سوروي» و«موضوع قرآني واحد» (مرکز فرهنگ و معارف قرآن، ۱۳۸۲، ج ۸، ص ۳۵۹–۳۶۲). بصورة عامة، يمكن رسم ثلاثة أهداف للتفسير:

– إزالة الغموض عن كلمات وعبارات القرآن؛

– إزالة الغموض عن موضوعات قرآنية؛

– اكتشاف نظرية قرآنية حول موضوعات واقع الحياة البشرية.

يجب الانتباه إلى أنه في كل من هذه الحالات الثلاث، يمكن للمفسر أن يسعى لفهم أعمق وأكثر تماسكًا لموضوع أو قضية اجتماعية معاصرة، وليس بالضرورة أن يكتشف أمرًا جديدًا.

إذا توقفنا عند الهدفين الأول والثاني، يبقى التفسير في حدود علم دلالة النص القرآني، سواء كان ذلك دلالة نص ترتيبي أو موضوعي. أما الهدف الثالث فهو الذي يعبر عن همّ هذا المقال وبعض المفكرين مثل الشهيد صدر، لاستخلاص نظريات قرآنية حول موضوعات مختلفة من الحياة البشرية وتشكيل العلوم الإنسانية الإسلامية. ومع ذلك، يظهر التدقيق في هذه الأهداف وجود علاقة طولية بينها؛ بحيث يكون الهدف الأول والثاني أهدافًا وسطى، والهدف الثالث هو الغاية النهائية للتفسير الموضوعي. لذلك، المسألة ليست استبدال المنهج الموضوعي بالمنهج الترتيبي، بل كما يقول الشهيد صدر، يجب إضافة المنهج الموضوعي إلى المنهج الترتيبي، وبالفعل تصور خطوتين في التفسير:

الخطوة الأولى هي التفسير الترتيبي، والخطوة الثانية هي التفسير الموضوعي (صدر، ۱۴۲۱، ج۶، ص۴۲)؛ لأنه بدون فهم كلمات وعبارات القرآن وبدون إنشاء شبكة دلالية بين المفاهيم والعبارات القرآنية، لا يمكن اكتشاف نظرية قرآنية. لذلك، يتضح أنه رغم أن هدف كلا النوعين من التفسير، الموضوعي والترتيبي، هو اكتشاف معنى في القرآن، فإن الهدف النهائي للتفسير الترتيبي هو فهم مدلول كل آية لفظيًا فقط، بينما هدف التفسير الموضوعي هو اكتشاف نظرية القرآن حول موضوعات واقع الحياة. مع هذه التوضيحات، فإن غايات التفسير الموضوعي هي اكتشاف نظرية القرآن حول مسائل وواقع الحياة الإنسانية، وهذا الهدف يتحقق بالاعتماد على الهدفين الابتدائي والوسيط، أي فهم مدلولات ألفاظ وعبارات القرآن، وتشكيل شبكة دلالية من المفاهيم والعبارات القرآنية.

من الناحية المنهجية، من المفيد الانتباه إلى أن تفسير الترتيب، من وجهة نظر الشهيد الصدر، والذي يقتصر على كشف مدلول الألفاظ، هو تفسير غير اجتهادي، أما التفسير الموضوعي، الذي يكشف مسائل واقع الحياة ويعرضها على القرآن، فيتبع منهجًا اجتهاديًا، بحيث يتجاوز مدلول الآيات اللفظي واللغوي، ليكتشف النظريات الأساسية للقرآن من خلال الآيات المترابطة، وينسب هذه النظرية إلى الله(صدر، ۱۴۲۱هـ، ج ۶، ص ۲۴-۲۵). لذلك، وفقًا لهذا الرأي، الذي يعد من الابتكارات والخصوصيات المنهجية للشهيد الصدر، فإن التفسير الوحيد الذي يؤدي إلى اكتشاف النظرية القرآنية هو التفسير الاجتهادي. ومن بين التفسير التحليلي (الترتيبي) والتفسير الموضوعي، فإن التفسير الموضوعي هو الاجتهادي وله صلاحية تحقيق المرجعية القرآنية في اكتشاف النظريات القرآنية والمعرفة العلمية من القرآن.

هنا من المهم بيان أن التقسيم الشائع بين الباحثين في القرآن هو استخدام الثنائية «التفسير الترتيبي» مقابل «التفسير الموضوعي». لكن الشهيد الصدر يستخدم بدلًا من «التفسير الترتيبي» مصطلح «التفسير التحليلي»، والذي من حيث المطابقة هو نفسه التفسير الترتيبي(صدر، ۱۴۲۱هـ، ج ، 19ص ۲). ويقصد بـ«التحليلي» أن المفسر يفسر أجزاء وآيات القرآن الكريم تدريجيًا كما هي مسجلة في المصحف الشريف(المرجع نفسه، ص ۲-۳). لذلك، من الواضح أن سبب التسمية بالتحليلي هو أن المفسر يقسم القرآن جزءًا جزءًا ويفسر هذه الأجزاء، على عكس التفسير الموضوعي الذي ينظر فيه المفسر إلى آيات القرآن بنظرة شمولية.

وبالنظر إلى العناصر السابقة (النوع، الغاية والمنهج)، فإن تعريف «التفسير الموضوعي» هو: اكتشاف نظرية القرآن حول مسائل واقع الحياة الإنسانية، بطريقة اجتهادية وبإنشاء شبكة معنوية بين الأدلة القرآنية.

3-2. معنى حجية التفسير في مجال العلوم الإنسانية الإسلامية

أهم همّ في التفسير الموضوعي في مجال العلوم الإنسانية الإسلامية هو الوصول إلى نظريات قرآنية موثوقة، بعيدًا عن فرض الآراء والنظريات الخارجية عليها. ويُطرح هذا الهم في المعنى الاصطلاحي الأصولي تحت عنوان «الحجية». لكن ما المقصود بالحجية بمعنى اعتبار النظرية القرآنية؟

لقد بيّنّا أن التفسير، سواء الترتيبي أو الموضوعي، هو عملية لكشف مراد الله. كما تبين أن الغاية النهائية للتفسير الموضوعي هي الرجوع إلى القرآن لحل مسائل واقع الحياة البشرية واستنباط النظريات القرآنية. في هذا التصور، يُعتبر القرآن الكريم مصدرًا معرفيًا يسعى المفسر بالرجوع إليه إلى الدخول في حقائق الحياة الاجتماعية البشرية وتقديم تفسير لها. لذلك، في هذا المنهج، يأتي مصدر المعرفة الدينية إلى جانب مصادر المعرفة العلمية المعتبرة. وفي هذا السياق يطرح السؤال: هل عندما يُرجع إلى القرآن ويُستخلص منه أمر ما كنظرية قرآنية، هل له «حجية» أم لا؟

أولًا يجب أن نعلم أنه رغم أن الحجية من أهم عناصر المنهج الاجتهادي، إلا أن معنى هذا المفهوم في المجال الفقهي وصدور الأحكام العملية ليس هو نفسه في مجال العلم الديني والتفسير الموضوعي. فالحجية في الرأي السائد في الاجتهاد الفقهي تعني «المعذرة والإنجاز». وهذا المعنى يُستخدم في الأحكام العملية التي موضوعها أفعال المكلفين؛ لأن المجتهد في هذا النوع من البحوث يسعى إلى أن يكون فعل المكلف في ظل هذا الحكم معذورًا ومبررًا أمام الله. لكن هذا المعنى لا يصلح في مجال العلم الديني والتفسير الموضوعي؛ لأن مهمته أولًا فهم القرآن ثم كشف الواقع. ولا يمتلك فاعلية معرفية. لذلك، مع الأخذ في الاعتبار أننا في فهم القرآن والنظرية نبحث عن كشف الواقع، فإن المقصود من الحجية هنا هو «الدلالة والكشف»؛ بحيث يكون مصدر المعرفة للنصوص الدينية قابلاً للاستخدام في النظرية(حسنی، ۱۳۹۷، ص ۱۳۰-۱۳۸). أي يُعتبر القرآن مصدرًا معرفيًا لكشف الواقع، وفهمه يعني كشف الواقع. في هذه الحالة، كل تفسير للقرآن، بقدر ما يكون في مقام كشف معنى النص، يكون بقدر ذلك ذا حجية بمعنى الكشف.

علاوة على ذلك، يجب أن نضيف في تكملة الحجية بمعنى الكشف أنه في المنهجية الاجتهادية، عندما يُعرف القرآن كمصدر لكشف الواقع، فإن القرآن يُعتبر معرفة مرجعية لاكتشاف الواقع، ويجب أن تكون المنتجات الأخرى للمصادر المعرفية، مثل المنتجات التجريبية، دائمًا في علاقة مراجعة مفتوحة تجاهه(حسنی، ۱۳۹۷، ص ۱۹۴-۲۰۳).

الشهيد الصدر، مع اهتمامه بالتمييز بين معنى الحجية من جهة نسب الأحكام إلى الشارع ومن جهة العمل بالأحكام، يبيّن أنه يجب التفريق بين الأحكام الشرعية من حيث «النسب إلى الشارع» ومن حيث «العمل بها». وهو يرى أن المعذرة والإنجاز تتعلق بالجانب العملي للأحكام، أما من حيث نسب الحكم إلى الله واعتبار أن الله قال ذلك، فيجب أن نكون على يقين بذلك(صدر، 1421، ج6، ص 193-194).

بهذه التوضيحات يتضح أن كل تفسير، بقدر ما يكشف في مجال العلم الديني، له حجية. وإذا أردنا تفصيل الكشف، يمكن القول إن التفسير الكاشف هو الذي:

– يعطي المراد الجدي للقرآن بطريقة يمكن نسبتها إلى الله؛

– يكون واقعيًا؛

– أن يكون خاليًا من فرض الآراء الخارجية على القرآن.

٤. التحقق من صحة منهج «نظرية السياق» في التأصيل النظري القرآني

في هذا القسم يُسعى إلى دراسة صحة وموثوقية نظرية السياق لاستخلاص النظرية من القرآن الكريم، كمنهج لتحليل موضوعي لنص القرآن. وبالنظر إلى أن ثلاثة مجالات هي «اكتشاف المشكلة»، «تحليل النص» و«صياغة النظرية» تشكل العناصر الأساسية في نظرية السياق، وكذلك في الاستنباط من النصوص الدينية، فإن صحة هذا المنهج كتفسير موضوعي للقرآن تُدرس في هذه المجالات الثلاثة.

٤-١. التحقق من الصحة في مرحلة اكتشاف المشكلة

سبق أن ذُكر أن في نموذج إنتاج العلم البرادايمي، كل معرفة ونظرية علمية تتشكل من اختيار المشكلة، ومنهج الإجابة عليها، وغيرها، وكل ذلك مبني على فروض فلسفية ومعرفية خاصة أو ما يُعرف بالبرادايم العلمي. ومن ثم، فإن اختيار المشكلة، أولًا يدل على البرادايم الذي يعتمد عليه الباحث؛ لأنه بناءً على المفاهيم والأسس العلمية السابقة، يبدأ البحث(کوهن، 1389، ص57؛ جانکر و پنینک، 1394، ص1و14). ثانيًا؛ يدل على أن المشكلة مبنية ومفسرة على أساس نظرية معينة(کوهن، 1389، ص113-115؛ لیتل، 1373، ص11-14؛ چالمرز، 1373، ص53-61). وبناءً عليه، فإن المشكلة في منهج «نظرية السياق» الذي هو منهج نابع من برادايم خاص ومتناسق ضمن إطار مفاهيمي معين، تتشكل متوافقة مع البرادايم التفسيري والإطار المفاهيمي المناسب له.

لذلك، استنادًا إلى مبادئ إنتاج العلم البرادايمي، فإن بدء البحث لا يقتصر على مجرد أخذ المشكلة من العلوم الاجتماعية، بل يجب أن يكون هناك توافق وارتباط بين المشكلة وبرادايم البحث. وعلى هذا الأساس، من الضروري في الدراسات القرآنية والدينية، قبل تقديم أي مشكلة إنسانية للنصوص الدينية، تقديم تفسير لتوافقها مع شبكة المشكلات ضمن البرادايم الداخلي لإنتاج العلم الديني والاجتهادي. بالإضافة إلى ذلك، كما ذُكر في تعريف نظرية السياق، فإن المشكلة في هذا المنهج، الذي هو منهج نوعي، لها خاصيتان:

  1. السياق الذي تُطرح فيه هو «معنى الفعل» في العلاقات الاجتماعية. لذلك، يجب أن تكون مشكلة البحث قد ظهرت نتيجة الدراسات السابقة وعيش الباحث ضمن مجتمع لغوي وثقافي خاص.
  2. معنى الفعل لا يشمل كل أنواع الأفعال، بل يشمل فقط الأفعال العملية والمتغيرة. هذا النوع من الأفعال لا يشمل الأمور الثابتة وغير المرتبطة بالتغير عبر الزمن.

وبالنظر إلى هذه الخصائص، يجب دراسة مشكلة البحث الاجتماعي في نص يعكس فعل الفاعلين الاجتماعيين. ومن الطبيعي أن يكون هذا النص بشريًا، وليس نصًا إلهيًا؛ لأن النص الإلهي في المرحلة الأولى يعبر عن إرادة وفعل الله، وليس عن معنى الفعل البشري. وأيضًا، حتى لو صح استخدام نظرية السياق في تفسير القرآن، فلا يمكن اختيار إلا الموضوعات العملية والمتغيرة كموضوع للمشكلة، وليس الموضوعات الثابتة.

قد يُقال إن القرآن من جهة نص إلهي، ومن جهة أخرى له جانب بشري ويتفاعل مع المجتمع والثقافة وسلوك الناس. فهل يمكن أن يجعل الجانب البشري منه دراسة فعل الإنسان في النص القرآني؟

للإجابة على هذه النقطة المهمة، من الضروري الانتباه إلى أن انعكاس الأفعال والجوانب الفعلية البشرية في النصوص يكون بطريقتين: انعكاس على شكل تقرير، وانعكاس على شكل فعل. عندما يُدرس نص بشري في مناهج العلوم الاجتماعية، يكون هذا النص فعلًا بشريًا قائمًا تم بحثه. أي أننا عندما ندرس نص إنسان، فإننا في الواقع ندرس فعلًا بشريًا لاكتشاف المقصود.

أما في النص الإلهي، فهناك فصل بين جانبين:
1) عندما ينزل الله نصًا، يكون هذا النص نتيجة تحقق إرادة وفعل الله. لذلك، إذا دُرس من منطلق العلوم الاجتماعية، يؤدي إلى اكتشاف الإرادة والفعل الإلهي.

2) الجانب الآخر هو أن الله يروي بعض الأفعال البشرية؛ ونوع دراسة هذا الأمر ليس من منطلق العلوم الاجتماعية، بل من حيث اكتشاف مقصد المتكلم من كلماته.

لذلك، عندما يُقال في العلوم الاجتماعية إننا ندرس الفعل من خلال النص، لا نريد دراسة تقرير النص عن الإنسان، بل نريد دراسة النص كفعل بشري. أما عندما ندرس النص الإلهي في العلوم الاجتماعية، فلا نريد دراسة الفعل الإلهي، بل على العكس، نريد دراسة تقرير الله عن الفعل البشري.

٤-٢. التحقق من الصحة في مجال تحليل النص

كما ذُكر في المناقشات السابقة، العنصر الأساسي لتحليل النص في نظرية السياق هو الترميز، وهناك عوامل تؤثر في هذا الترميز. إعادة ذكر هذه العوامل تساعدنا في تحديد مدى توافق هذا المنهج مع تحليل ودراسة نص القرآن.

الترميز في هذا المنهج يتم بناءً على إطار مفاهيمي؛ إطار ينبثق من مفاهيم مستمدة من برادايم المفاهيم المعتمد على النظريات الاجتماعية التفسيرية-البنائية، وحساسية الباحث النظرية في التعامل مع المعاني بين الأذهان المستمدة من الفاعلين.

في هذه الطريقة، تُعدّ إبداع الباحث في الترميز والتصنيف ذا أهمية كبيرة؛ لأن الباحث، بوضعه نفسه ضمن مجتمع الفاعلين، يصبح جزءًا منهم، ودوره هو إضفاء المعنى على المفاهيم. النظرية الميدانية، بحسب ما صرح به مؤسسوها، تهدف أساسًا إلى الوصول إلى الحقائق الموضوعية للعالم الاجتماعي، والنصوص المدروسة في هذه الطريقة هي نصوص بشرية تمكن الباحث من الوصول إلى المعاني بين الذهنية للبشر، والتي في العلم التأويلي تُعرف بالعلم الاجتماعي.(ک. اشتراوس و کوربین، ۱۳۹۰، ص ۲۵، 26، 31 و…) من وجهة نظر شتراوس وكوربين، موضوع البحث النوعي هو «حياة الأشخاص، تجارب الحياة، السلوكيات، العواطف، المشاعر، وكذلك الأعمال التنظيمية، الأدوار الاجتماعية، الظواهر الاجتماعية والتفاعلات بين الأمم».(اشتراوس و کوربین، ۱۳۹۰، ص ۳۲) لذلك، النص المدروس في هذه الطريقة هو نصوص عرفية (مثل: المقابلات، المذكرات والكتابات من هذا القبيل)، التي تدل على فعل اجتماعي يتجاوز هذا النص. في الواقع، الباحث من خلال دراسة النص وترميزه يريد الوصول إلى المعنى المقصود من قبل الفاعل لهذا النص.

بالنظر إلى ما سبق وما ذُكر سابقًا في تقديم التفسير الموضوعي من وجهة نظر الشهيد صدر، يتضح أن هذه الطريقة تتعارض من نواحٍ متعددة مع منهجية الاجتهاد في نصوص الدين المعصوم:

1) منهجية الاجتهاد تضع أسس وقواعد الاستنباط من نص القرآن الذي هو نص معصوم، والنص المعصوم لا يعتمد على أي افتراضات لاواعية وهو غير مؤرخ. المقصود بـ«غير مؤرخ» هو أن القرآن الكريم ليس نابعًا من تاريخ معين أو ثقافة تاريخية معينة، بل له هوية إلهية وفوق زمانية. وهذا لا يتعارض مع كون القرآن «مؤرخًا».

أي أن القرآن الكريم، الذي له هوية إلهية، نزل في تاريخ معين وفي ثقافة تاريخية معينة، لكنه في الوقت ذاته ليس مؤرخًا، أي ليس نابعًا من تجربة بشرية أو ثقافة تاريخية معينة. لذلك، المفسر في منهجية الاجتهاد يسعى لاكتشاف المعنى المقصود من المتكلم، لا لاكتشاف معنى ما وراء النص. أما النص غير المعصوم، فهو قائم على افتراضات ومؤرخ. ومن ثم، الباحث بمساعدة النظرية الميدانية، وبناءً على تلك الافتراضات، يبحث عن المعنى المقصود من الفاعل ويبني نظريته على هذا الأساس.

2) النهج النظري للنظرية الميدانية، كطريقة نوعية، هو استقرائي؛ في حين أن منهج الاجتهاد هو استكشافي. هذان النهجان مختلفان. الباحث في النهج الاستقرائي يسعى لتكوين مفهوم من النص، ليبني نظرية على أساس المعنى الخفي وراء فعل الفاعلين، أي المعنى بين الذهني للفاعلين. أما في النهج الاستكشافي، فالنظرية ليست معنى خفي وراء فعل الفاعل، بل هي المعنى الذي قصد المتن التعبير عنه، والباحث يريد فقط اكتشاف قصد المتن.

في النهج الاستقرائي، مسار تحقق المعنى يكون من الجزئي إلى الكلي، أما في الاستكشافي، رغم البحث في التفاصيل، فإن تجميع التفاصيل لا ينتج معنى كليًا، بل تكون التفاصيل قرائن لاكتشاف معنى أوسع موجود في النص. باختصار، في الاستقرائي يتم «تكوين المفهوم» وفي الاستكشافي «استخلاص المعنى».

3) من الخصائص المشتركة بين المدارس المختلفة لتحليل النص البنيوي، ضرورة الترميز للوصول إلى بناء المعنى، ويؤكد البنيويون على تجاهل قصد ونية المؤلف في عملية الفهم والتفسير.(واعظی، ۱۳۹۰، ص ۲۰۳) لذلك، النظرية الميدانية، مع اعتبارها نهجًا تأويليًا وترميزًا للنص، هي بنية قصدية. تتضح أهمية هذه النقطة حين يؤكد البنيويون، رغم اعتبارهم النص ونظام العلامات فيه والبنى الخفية في النص ككل مصدرًا للمعنى، أن هذه الأمور وحدها ومن دون دور القارئ النشط في وضع النص في سياقه ونظام الرموز لا تعطي المعنى. حسب أي الرموز التي يستحضرها القراء في كل عصر وزمان وكيفية فك تشفيرهم للنص، يتغير المعنى ويختلف.(واعظی، ۱۳۹۰، ص ۱۹۷-۱۹۸) هذه الضرورة للترميز بناءً على افتراضات المفسر تثير مسألة فرض النظريات على القرآن؛ لأنه كما شرح في مناقشة مراحل الترميز في طريقة النظرية الميدانية، يتم الترميز بناءً على مفاهيم محددة مسبقًا في نظريات العلوم الإنسانية. في الواقع، عندما تُرمز آيات القرآن بناءً على مفاهيم العلوم الإنسانية، تدخل افتراضات المفسر في فهم القرآن، ويتم فرض المفاهيم على الآيات. في المقابل، المنهج الاجتهادي قصدِي ويسعى إلى إرادة صاحب النص. بمعنى أن المفسر في هذا المنهج لا يحاول فرض مفاهيم العلوم المحددة مسبقًا، التي هي نتاج تفكير بشري، على القرآن، بل يريد اكتشاف المراد الحقيقي لله تعالى من النص.

4) تُستخدم طريقة النظرية الميدانية لتحليل نصوص نشأت في سياق ثقافي واجتماعي، وتحليل هذا النص يكشف المعنى الثقافي الكامن فيه. بينما المعنى في النصوص الدينية ليس كامنًا، بل هو المفاهيم والعبارات المقصودة من قبل المتكلم أو الكاتب. ولو افترضنا صحة استخدام النظرية الميدانية لاستخلاص نظرية من النصوص الدينية، فإن هذه الطريقة تعتمد على كشف الواقع الاجتماعي في زمن النزول؛ لأن هدف النظرية الميدانية هو كشف الواقع الاجتماعي. بينما الباحثون في العلوم الإنسانية الدينية يستخدمونها في سبيل اكتشاف نظريات شاملة للعالم.

5) إن منهج «نظرية المجال» لا يقدم سوى هيكلية إجرائية لتحليل النص للمحقق؛ لذلك، فهو ليس في مقام فهم المعاني العميقة للنص ولا يغني عن الرجوع المباشر إلى النصوص الدقيقة والعلمية. ولكن القواعد الاجتهادية المتعلقة بتحليل النص تتطلب تخصصات ومهارات متعددة، تتيح الرجوع المباشر إلى النصوص المعقدة والعميقة. ومن ثم، فإن تحليل النصوص الدينية التخصصية والعميقة ممكن باستخدام المنهج الاجتهادي.

4-3 التحقق من الصلاحية في مجال بناء النظريات

في العلوم الاجتماعية، تُقسم النظرية إلى قسمين: «صانعو النظرية» و«النظرية البحثية».

النظرية التي يصنعها صانعو النظرية هي نظرية تُنتج دون إحالة مباشرة أو بإحالات ضعيفة إلى النتائج البحثية؛ وهي تركز أكثر على التأليف والبناء على النظريات السابقة؛ ويُنتجها كُتاب يهدفون إلى تنمية فهم للحياة الاجتماعية وفقًا للمفاهيم والأفكار الأساسية؛ وقد يكون مستوى التجريد لديهم عالياً بحيث يقدمون فقط رؤية واسعة للحياة الاجتماعية، لا تفسيرات تفسيرية عنها(بلیکی، 1384، ص187 و 208).

لذا، فإن هذه الأنواع من النظريات تتمتع بمستوى عالٍ من التجريد، ولا تعتمد صلاحيتها بشكل أساسي وأولي على البحوث التجريبية.

وبسبب ذلك، فإن شمولية هذه النظريات كبيرة جداً، حيث تفسر دائرة واسعة من الظواهر الإنسانية.

النظريات الأساسية للمفكرين الغربيين مثل آدم سميث، كارل ماركس، إميل دوركهايم، ماكس فيبر، وسيغموند فرويد، وكذلك المفكرين الإسلاميين مثل علامه طباطبائي والشهيد صدر في العلوم الإنسانية، تنتمي إلى هذا النوع.

في المقابل، «النظرية البحثية» هي نظرية تُنتج بأسلوبين كمي وكيفي؛ سواء في المنهجية الكمية أو الكيفية، فهي تفسر الأنماط المستمرة أو التسلسلات المنظمة للحياة الاجتماعية؛ وتقدم إجابات عن أسئلة حول أسباب تصرف الناس بطريقة معينة في ظروف اجتماعية محددة، ولماذا تتنظم الحياة الاجتماعية بشكل ظاهر(بلیکی، ۱۳۸۴، ص ۱۸۷-۱۸۸).

إن الانتباه إلى طريقة تشكيل البارادايمات العلمية، التي تُنتج بموجبها نظريات العلوم الإنسانية، يوضح أكثر مكانة ووظيفة النظرية في إنتاج العلم. فشكلية البارادايمات العلمية ليست نتاج إنتاج فردي للمعرفة، بل في الواقع، كل منظومة علمية تمثل تيارًا علميًا(کوهن، ۱۳۸۹، ص ۴۸ و ۲۰۳).

في هذا المنهج، بعد تقديم نظريات كبرى ونظريات نصف كبرى من قبل كبار صانعي النظريات في العلوم الاجتماعية، يمكن إيجاد أوجه اشتراك في الافتراضات الوجودية وطرق فهم الحياة الاجتماعية. وتوضع هذه النظريات ذات وجهات النظر المشتركة في مجموعة واحدة، وتدل العناصر المشتركة بينها على بارادايم علمي أو رؤية نظرية(بلیکی، ۱۳۸۴، ص ۲۰۹).

وبهذا التوضيح يتبين أنه في البحوث الاجتماعية، كل نظرية بحثية تستند إلى مجموعة من النظريات من نوع نظرية صانعي النظرية، التي توفر الإطار النظري والإطار المفاهيمي الأولي للبحث لتقديم نظريات أدنى مستوى للباحثين. كما أن، بحسب اعتراف جيلز وستراوس، فإن النظريات الناتجة عن منهج «نظرية المجال» تقع ضمن فئة النظريات «ذات النطاق المتوسط»، التي تقع بين «الافتراضات ذات الوظيفة الجزئية» و«النظريات الكبرى». لذلك، فهي قابلة للتطبيق في مجال معين من البحث التجريبي الذي نشأت منه(دانایی فرد و همکاران، ۱۳۹۱، ص ۹۲).

لذا، فإن النظريات التي تُبنى بمنهج نظرية المجال تندرج تحت النظريات الكبرى لصانعي النظرية، وشمولها محدود بالمجتمع الذي تمت دراسته. ومن وجهة نظر الشهيد صدر، فإن التمسك بمنهج التفسير الموضوعي هو السبيل الذي يمكننا من الوصول إلى نظريات قرآنية في مواجهة موضوعات الحياة المختلفة(صدر، ۱۴۲۱، ج۱۹، ص۳۳). ولكن هذه النظريات العلمية القرآنية، من وجهة نظره، واقعية. بمعنى أنها تكشف عن الواقع، وتنتج معرفة علمية عن الواقع. فمثلاً، القوانين التاريخية لها هوية موضوعية، وفي الوقت نفسه لها هوية إلهية. في الواقع، في هذه النظرية القرآنية، لا تحل الهوية الإلهية، الله، محل العلاقات السببية مع الظواهر الأخرى للوجود، بل تربط بين الطبيعة والإنسان بالله(صدر، ۱۴۲۱، ج۱۹، ص۷۰-۷۴).

أساساً، يرى الشهيد صدر أن رسالة جميع العلوم، سواء كانت علوم اجتماعية أو طبيعية، هي اكتشاف الحقائق، وعلاقاتها، والقوانين الحاكمة عليها في العالم الواقعي(صدر، ۱۴۲۱، ج۵، ص۱۳۲-۱۳۳). ورغم تأكيده على استخدام التفسير الموضوعي للتجارب البشرية، ورغم الدور البارز للتجربة في التعرف على الموضوع، فإنه لا يعتبر معيار قياس صلاحية النظرية العلمية هو التجربة، بل يحدد القرآن كمصدر معرفي مرجعي، ويعتبر دور المفسر الموضوعي هو اكتشاف هذه النظرية القرآنية(صدر، ۱۴۲۱، ج۱۹، ص۳۵-۳۶).

استنادًا إلى هذه المناقشات، فإن كفاءة وصلاحية منهج نظرية المجال في دراسات النصوص الدينية محل تأمل من الجوانب التالية:

1) الطرق الكيفية والكمية هي طرق تجريبية وميدانية. النظرية في الدراسة التجريبية هي في الواقع ثمرة إعطاء معنى للمشاهدات الخام وللأفعال الإنسانية التي تحتاج إلى إضفاء معنى. أما نص القرآن الكريم فهو ذات معنى، ولا يحتاج إلى إضفاء معنى؛ بل يحتاج فقط إلى كشف المعنى. وبعبارة أخرى، عندما يتحدث القرآن الكريم عن الإنسان والحياة الإنسانية، فإنه يروي حقائق عن الإنسان وأفعاله. الله تعالى في هذا التقرير يبعث معانٍ إلى المتلقين، والمفسر الموضوعي يسعى إلى كشف هذه المعاني المقصودة من الله تعالى. في المقابل، طرق العلوم الإنسانية، بدراسة الأفعال الإنسانية والنصوص التي تعكس هذه الأفعال، تسعى إلى إضفاء معنى على هذه الأفعال والنصوص الإنسانية. أي أن الباحثين في العلوم الإنسانية لا يدرسون المعنى المروي عن الإنسان، بل يبحثون عن المعنى الكامن وراء الأفعال والنصوص الإنسانية.

لذلك، عند الرجوع إلى القرآن، من الأنسب أن يبحث الباحثون عن كشف نظرية المنظرين النظريين، لا نظرية البحث؛ لأن النظريات البحثية هي ثمرة إعطاء معنى للأفعال والنصوص الإنسانية، ونتاجها هو دراسة الأفعال الإنسانية من خلال الدراسة التجريبية.

على عكس نظريات المنظرين النظريين التي أساسها ما قبل التجربة، تؤدي هذه الثنائية المنهجية إلى أن تكون النظرية المستمدة من القرآن مختلفة عن النظرية المستمدة من منهج النظرية الميدانية؛ لأن المصدر المعرفي المرجعي في النظرية الميدانية هو التجربة، ولهذا السبب تكون النظرية الناتجة عنها نظرية مستمدة من التجربة. وقد ورد هذا الأمر صراحة في بعض كتب المنهجية في شرح منهج النظرية الميدانية: «النقطة المهمة والأساسية في بناء النظرية هي أن النظرية لا تُفرض من خلال بحث، بل تُنتج أو تُبنى على البيانات المستمدة من المشاركين الذين اختبروا عملية ما. ولهذا السبب، تُسمى النظرية الأساسية نظرية قائمة على البيانات أو نظرية ناشئة من التجربة» (ایمان، 1391، ص 70).

2) كما ذُكر، كل من طرق البحث في العلوم الإنسانية مشبعة بمعرفة سابقة عن الواقع الاجتماعي. وقد تعرضت هذه الطرق في استخراج البيانات العلمية للنقد. لذلك، لا يستطيع الإنسان غير المعصوم، دون امتلاكه لطبقات المعرفة السابقة في إنتاج العلم الديني، أن يستخدم مباشرة نص القرآن في هذه المرحلة؛ لأن استخدام الطرق الشائعة في العلوم الإنسانية مبني على مبادئ سابقة، ونظريات خاصة أو أُطُر مفهومية منتجة في مناهج العلوم الإنسانية، والتي باستخدام هذه الطرق تدخل تلقائياً في تفسير علمي للقرآن. لذا، فإن استخدام هذه الطرق لدراسة نص القرآن يضيف إلى النص بيانات تعادل فرض النظريات والمفاهيم الاجتماعية على النص المعصوم. مع ذلك، يجب التنويه إلى أن عصمة القرآن لا تعني عدم ارتباطه بالإنسان، بل كما ذُكر سابقاً، نزل القرآن الكريم للإنسان وهو يروي حياة الإنسان وأفعاله.

عصمة القرآن مقابل بشرية النصوص الإنسانية. النصوص البشرية، لأنها نتاج عقل إنسان ناقص، معرض للخطأ ومؤرخ، تقوم على افتراضات، وأهواء مسبقة، وأخطاء، ونقائص طبيعية وثقافية وخلقية. لذلك، الفرق بين النص المعصوم وغير المعصوم هو أن النص المعصوم لا تحكمه افتراضات أو أهواء غير واعية، خاطئة، مرتبطة بالمكان أو الزمان، بل هو واعٍ تماماً ومبني على افتراضات قائمة على حقائق النفس الأمر والواقع. بمعنى أن الله خالق عالم التكوين والنفس الأمر هو النص القرآني الذي يروي الواقع والنفس الأمر. النتيجة المنهجية لهذا التمييز هي أنه في الطرق الكيفية المبنية على العلوم الاجتماعية، النصوص البشرية أساساً فعالة في تشكيل وإيجاد معانٍ من صنع العقل والثقافة البشرية، وهذه المعاني تُعتبر حقائق إنسانية تشكل نظريات العلوم الاجتماعية.

أما الطرق التفسيرية الاجتهادية، فهي تبحث عن المعنى المقصود من النص المعصوم، والنظرية الناتجة عنها تعبر عن حقيقة الواقع والنفس الأمر، لا عن صنع العقل البشري.

3) النظرية الناتجة من منهج النظرية الميدانية هي نظرية موقعية. أي أنه بالنظر إلى أن النظرية في هذا المنهج هي ثمرة تفسير وبيان أفعال الفاعلين، فإنها قابلة للتعميم بحسب مقدار التجريد الذي يحدث في هذا المنهج. ومع ذلك، كلما زاد التجريد، لا يمكن الادعاء بعالمية النظرية الناتجة من هذا المنهج؛ لأن المنهج الاستقرائي فيه محدود على الحالات المدروسة، وهذه الحالات محدودة.

لذلك، كما يعترف بعض الباحثين، هذا المنهج لا يسعى إلى الحقيقة من خلال تقديم نظرية، ولا تكون النظرية صادقة أو كاذبة؛ بل يتعلق الأمر بدرجة التوافق أو عدمه، ومدى الملاءمة العملية مع الأفعال الإنسانية (دانایی فرد، ۱۳۹۱، ص ۱۰۶-۱۰۷). وهذا في حين أن التفسير الموضوعي، أولاً، موضوع النقاش فيه ليس الأفعال الموقعية للمجتمعات الإنسانية، بل يتم كشف النظرية الأساسية والعالمية للقرآن؛ وثانياً، خلافاً للنظرية الميدانية، الباحث في كشف نظرية القرآن يهدف إلى كشف الحقيقة والواقع، لا مجرد كشف معنى الفعل. في الواقع يمكن القول إن منهج النظرية الميدانية هو نظرية تعبر عن المعنى الناتج من تفسير البشر للمعنى بين الأذهان الإنسانية. أما في التفسير الموضوعي، فالنظرية هي كشف تفسير الله وتقريره عن واقع الحياة الإنسانية.

4) النظرية المستخلصة من منهج نظرية المجال تتعلق بعملية تكوّن وتحول معنى فعل ما بين مجتمع الفاعلين. وهذه الصفة العملية تظهر أيضاً في تحليل البيانات؛ بمعنى أنه رغم أن تحليل النص يبدأ في هذا المنهج بالتزامن مع جمع البيانات، إلا أن التحليل بعد النصوص الأولية يتم بشكل تكراري ذهاباً وإياباً، حيث الرجوع إلى النصوص يوجه تحليل النص. لذلك، فإن المسألة الأولية والأسئلة المبدئية التي تم اعتمادها للدخول في التحليل يمكن أن تتغير بناءً على المعلومات الجديدة من النصوص الجديدة(Krippendorff, 2004, p.85-88). وهذا في حين أن نص القرآن له معنى ثابت، ولا يُتصور فيه سير عملية ذهاب وإياب وفق المنهج الاجتهادي.

5) منهج «نظرية المجال» يتبع المنهجية الكيفية والمنهج الاستقرائي. في هذا التوجه، الادعاء هو أنه يجب بناء النظرية من نص مجتمع الفاعلين، لا أن تُبنى ثم تُختبر بالتجربة. وهذا الأمر لا يتوافق مع الدراسات الدينية؛ لأن الدراسات الدينية لا يمكن فيها ترك النظريات الدينية السابقة والدخول في اكتشاف المعنى من النص.

المنهجية الاجتهادية تقبل الطبقات النظرية في المستويات المعرفية والعلمية المختلفة، ويجب أن تكون النظرية في المستويات الوسطى والدنيا متوافقة تماماً مع الطبقات المعرفية والعلمية السابقة عليها.

نتائج البحث

طرق البحث تنبع من المنهجيات والبارادايمات العلمية السابقة. في سياق العلوم الإنسانية السائدة، هناك منهجيتان رئيسيتان: الكمية والنوعية، تحت بارادايمَي الإثباتية والتفسيرية، وهما رائدتان في إنتاج العلم. ومن بين هذه، تقع «نظرية المجال» تحت المنهجية النوعية والبارادايم التفسيري، والنظرية المستخلصة منها مبنية على الفرضيات المنهجية والبارادايمية لهذا المنهج ذاته. في هذا الوضع، من المتوقع أن تكون طريقة بناء النظرية القرآنية، مثل طرق العلوم الإنسانية السائدة، منبثقة من منهجية وبارادايم مناسبين. الشهيد صدر يعرف التفسير الموضوعي كطريقة لاكتشاف النظريات القرآنية في العلوم الإنسانية، ويصنفه تحت المنهجية الاجتهادية والتوجه النظامي العلمي الإسلامي.

رغم أن بعض الباحثين في القرآن اعتبروا نظرية المجال طريقة مناسبة لدراسة موضوعية القرآن واستخلاص النظريات القرآنية في ميدان العلوم الإنسانية، إلا أن مقارنة هذه الطريقة مع طريقة التفسير الموضوعي للشهيد صدر في ثلاثة أبعاد: المنهجية، المنهجية العلمية، والبارادايم، تظهر أن هذه الطريقة لا تملك القدرة على أن تحل محل التفسير الموضوعي في بناء النظرية القرآنية. وهذا الأمر، من الناحية الأساسية، يعود للأسباب التالية:

* ألوهية نص القرآن، مقابل بشرية النصوص المدروسة في العلوم الاجتماعية؛

* عصمة نص القرآن، مقابل قابلية الخطأ والنقص والتاريخية (تأثر النص بالمكان والزمان وثقافة العصر) للنصوص البشرية؛

* تقرير القرآن عن الإنسان وأفعاله، مقابل سرد النصوص البشرية عن الأفعال الإنسانية.

من الناحية المنهجية أيضاً، تبين في المقالة أن:

  1. طريقة «نظرية المجال» في ثلاث مراحل («اكتشاف المشكلة»، «تحليل النص»، و«بناء النظرية») مناسبة للنصوص المتعلقة بالأفعال الإنسانية.
  2. طريقة التفسير الموضوعي تهدف إلى اكتشاف المعنى الموجود في القرآن، الذي أَراده الله تعالى. أما نظرية المجال، فهي تهدف إلى دراسة النصوص البشرية في سياق إعطاء معنى للأفعال الإنسانية؛ الأفعال التي تشير إليها النصوص البشرية.
  3. نظرية المجال مخصصة لتقديم نظرية حول الأفعال الموضعية والعملية الإنسانية، بينما التفسير الموضوعي يبحث عن نظريات شاملة وعالمية عن الإنسان وأفعاله، غير مرتبطة بموقع معين أو مقيدة بكونها عملية.
  4. نظرية المجال مناسبة لدراسة النص كنص فعل صادر عن فاعل، بينما التفسير الموضوعي في بناء النظرية القرآنية يدرس نص القرآن كنص فعل إلهي؛ بل يدرس النص من حيث أن الله تحدث فيه عن الإنسان وفاعليته وأفاد بذلك.
  5. النتيجة المترتبة على هذين التوجهين المختلفين في هاتين الطريقتين، مع الأخذ بعين الاعتبار مقدمي هذه الطرق، هي أن النظرية الناتجة عن التفسير الموضوعي هي نظرية كبرى، شاملة، غير موضعية وغير مرتبطة بالعملية، أما النظرية الناتجة عن نظرية المجال فهي نظرية خاصة بالحالة المدروسة، موضعية وعملية.
  6. بالنظر إلى هذه النقاط، فإن حجية وموثوقية تطبيق طريقة نظرية المجال في اكتشاف النظريات القرآنية موضع تساؤل. لذلك، الباحثون الذين يستخدمون هذه الطريقة في بناء النظرية القرآنية بحاجة إلى تبرير وتوضيح الموثوقية المنهجية لها في ميدان دراسة القرآن.

قائمة المراجع

القرآن الكريم

اشترواس، انسلم؛ کوربین، جولیت (۱۳۹۰). مبانی پژوهش کیفی، فنون، و مراحل تولید نظریه زمینه‌ای. ترجمة ابراهیم افشار. تهران: نشر نی.

ایمان، محمدتقی (۱۳۹۱). روش‌شناسی تحقیقات کیفی. قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.

ایمان، محمدتقی (۱۳۹۴). فلسفه روش تحقيق در علوم انسانی. قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.

ایمان، محمدتقی (۱۳9۶). هویت معرفت علمی علوم اجتماعی در ایران. تهران: پژوهشکده مطالعات فرهنگی و اجتماعی.

بلیکی، نورمن (۱۳۸۴). طراحی پژوهش‌های اجتماعی. ترجمة حسن چاوشیان. تهران: نشر نی.

بلیکی، نورمن (۱۳۹۵). پارادایم‌های تحقيق در علوم انسانی. ترجمة: حسنی سید حمیدرضا، ایمان محمدتقی، ماجدی، سید مسعود. قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.

بیکمن، لئوناردو؛ راگ، دبرا (۱۳۹۲). روش‌های کاربردی پژوهش اجتماعی. تهران: پژوهشگاه فرهنگ، هنر و ارتباطات.

جانکر، جان؛ پنینک، بارتجان (۱۳۹۴). ماهیت روش‌شناسی تحقيق. ترجمة محمدتقی ایمان و عبدالرضا امانی‌فر، شیراز: دانشگاه شیراز.

جرجانی، علی بن محمد (۱۴۱۱). التعریفات. تنظیم محمدبن عبدالرحیم القاضی، قاهره: دارالکتاب المصری.

چالمرز، آلن ف. (۱۳۷۳). علم چیست؟ ترجمة محمد مشا‌یخی، دون مكان النشر: شرکت سهامی انتشار.

حاجی اسماعیلی، محمدرضا (۱۳۸۸). «نوگرایی در دانش تفسیر و بررسی دلایل آن»، مطالعات قرآن و حدیث، ش ۴.

حسنی، سید حمیدرضا (۱۳۹۷). درآمدی بر پارادایم اجتهادی دانش عملی. قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.

دانایی‌فرد، حسن وآخرون (۱۳۹۱). روش‌شناسی کیفی در مدیریت. تهران: منشورات صفار-اشراقی.

صدر، سیدمحمدباقر (۱۴2۱). موسوعة الشهید الصدر، دروس فی علم الأصول (الحلقة الثانیة)، قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر.

طباطبایی، سیدمحمدحسین (۱۴۱۷). المیزان فی تفسیر القرآن، قم: دفتر منشورات اسلامی.

طبرسی، فضل بن حسن (۱۴۲۶). مجمع البیان لعلوم القرآن، بیروت: دار العلوم.

قاسمپور، محسن؛ نظربیگی، مریم (۱۳۹۶). «مطالعه تطبیقی روش‌شناسی تفاسیر موضوعی موضوع‌محور و مکتب اثبات‌گرایی»، مطالعات قرآن و حدیث، العدد ۲۰.

کوهن، تامس (۱۳۸۹). ساختار انقلاب‌های علمی. ترجمة سعید زیباکلام، تهران: سمت.

نیومن، ویلیام لارنس (۱۳۹۵). روش‌های پژوهش اجتماعی. ترجمة ابوالحسن فقیهی و عسل آغاز، تهران: ترمه.

لیتل، دانیل (۱۳۷۳). تبیین در علوم اجتماعی. ترجمة عبدالکریم سروش، تهران: مؤسسه فرهنگی صراط.

لیننبرگ، فردریک سی؛ آربای، بِورلی (۱۳۹۰)، روش‌های تحقيق و نگارش رسالة در علوم اجتماعی، علوم رفتاری و مدیریت، تهران: سازمان منشورات جهاد دانشگاهی.

محمدپور، احمد (۱۳۹۷)، ضد روش: زمینه‌های فلسفی و رویه‌های عملی در روش‌شناسی کیفی، قم: لوگوس.

مرکز فرهنگ و معارف قرآن (۱۳۸۲)، دائرة‌المعارف القرآن الكريم، قم: بوستان کتاب.

موسوی، هادی؛ حسنی، سیدحمیدرضا (۱۳۹۹)، «الگویی برای ارزیابی روش‌شناختی مطالعات نوگرای علوم انسانی در ایران»، روش‌شناسی علوم انسانی، العدد ۱۰۲.

واعظی، احمد (۱۳۹۰)، نظریه تفسیر متن، قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.

Creswell, John W., (2007), Qualitative Inquiry & Research Design Choosing Among Five Approaches, SAGE Publications.

Dickson, Adom & Emad Kamil, Hussein & Adu–Agyem, Agyem, (2018), “Theoretical and Conceptual Framework: Mandatory Ingredients of A Quality Research”, International Journal of Scientific Research, January.

Hughes, John A., (1990), The Philosophy of Social Research, London and New York: Longman.

Krippendorff, Klaus, (2004), Content Analysis: An Introduction to Its Methodology, Thousand Oaks, London: Sage Publications.

L’Abate, Luciano, (2012), Paradigms in Theory Construction, New York Dordrecht Heidelberg, London: Springer.

 

[1] Grounded Theory (GT)

[2] Barney Glaser

[3] Anselm Strauss

[4] The Discovery of Grounded Theory: Strategies for Qualitative Research

[5] Juliet Corbin

[6] Theory laden

[7] Language of variables

[8] Open coding

[9] Axial coding

[10] Selective coding