منهجية فهم الاجتهادات السياسية للفقهاء في إطار فقه النظرية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: روش‌شناسی فهم اجتهادات سیاسی فقیهان در چارچوب فقه‌النظریه ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: يُعدُّ منهج «فقه النظرية» الذي ابتكره وأرسى أسسه الشهيد الصدر (رحمه الله) أحد الأجهزة الفقهية في العصر المعاصر، والذي يسعى إلى إنتاج نظريات إسلامية في مختلف مجالات الحياة وإصدار الأحكام الشرعية من داخل النظرية. تتولى هذه المقالة دراسة المنهجية وخصائص الاجتهاد عند الفقهاء السياسيين في إطار منهج فقه النظرية. السؤال الأساسي في هذا البحث هو: ما هي أهم المكونات والخصائص الاجتهادية للفقهاء السياسيين في هذا المنهج؟ ومن ثم، لاستجلاء هذه المكونات، يُتناول أولاً تأصيل النظرية في الفقه الشيعي، ثم تُناقش المنهجية التفصيلية لـ«فقه النظرية» لتوضيح عملية وكيفية إنتاج النظرية من داخل الأحكام الشرعية. بعد ذلك، وبالاعتماد على ثلاثة مفاهيم أساسية في فكر الشهيد الصدر، وهي «فقه النظرية»، «نظرية حق الطاعة» و«نظرية منطقة الفراغ التشريعي»، تُعرض وتُحلل أهم الخصائص الاجتهادية للفقهاء السياسيين في هذا المنهج.

المؤلف: رضا خراسانی

المصدر: روش‌شناسی علوم انسانی، خريف 1394، العدد 84، ص 7 إلى 30.

المقدمة

لقد شهد الفقه الشيعي، ومن بعده الفقه السياسي، في مسيرتهما التطورية تجارب متعددة من الأجهزة الفقهية؛ بحيث كان كل جهاز منها يجيب عن المسائل المستحدثة للمسلم في كل عصر. ويُعدُّ منهج فقه النظرية أحد هذه الأجهزة الفقهية في العصر المعاصر، الذي يسعى إلى إنتاج الحكم الشرعي من داخل النظرية. فالنظرية بمعناها العام هي إطار شامل لتفسير وشرح الظواهر، وإنتاج النظرية لأي علم يمتاز باتساع أجزائه وعناصره ضرورة أساسية، لأن بناء ورسم إطار في العلم يؤدي إلى توحيد أجزائه وعناصره. وفي فضاء الفكر الإسلامي، المقصود بالنظرية هو البنية والإطار الفكري الكلي، المكون من مجموعة من المبادئ والأسس والمفاهيم والأحكام والنصوص الإسلامية التي ترتبط في أحد مجالات الإنسان أو المجتمع أو الوجود، بحيث يُستخلص من خلال هذا الإطار موقف ورؤية الشريعة الإسلامية في أحد أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية، ومن ثم تُجاب المسائل المستحدثة الإسلامية. تكمن أهمية الموضوع في أن النظريات تمنح الباحث زاوية نظر وتضاعف من إبداعه وابتكاره، كما تلعب دوراً أساسياً في تنظيم وبناء كل علم، ومن خلال إطارها يمكن تحليل العديد من الموضوعات والقضايا الجزئية وزيادة القدرة على التنبؤ. وما يزيد من أهمية الموضوع هو أن الاهتمام بالنظريات في حل القضايا قد ازداد في العصر المعاصر، ومع ذلك يبدو أن هذا الأمر قد حظي باهتمام أقل في مجال العلوم الإسلامية. وربما يمكن القول إن أول فقيه اهتم بالنظرية في مجال الفقه هو الشهيد الصدر، الذي طرح منهج فقه النظرية. فمبتكر ومؤسس منهج «فقه النظرية»، آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رحمه الله)، سعى إلى إنتاج نظريات إسلامية في مجالات الحياة المختلفة، لا سيما في المجالات الاجتماعية والسياسية، من داخل الشريعة. ومن ثم، يُجرى البحث لفهم هذا المنهج الفقهي بناءً على آثار الشهيد الصدر وتلاميذه. وهكذا، السؤال الأساسي للمقال هو: ما هي أهم المكونات والخصائص الاجتهادية للفقهاء السياسيين في منهج فقه النظرية؟ في الإجابة، يُتناول أولاً تأصيل النظرية في الفقه الشيعي، ثم يُناقش المنهجية المفهومية لـ«فقه النظرية» لتبيان عملية وكيفية إنتاج النظرية من داخل الشريعة وكذلك إنتاج الحكم الشرعي. بعد ذلك، لفهم أدق للاجتهادات الفقهية المنسوبة إلى هذا المنهج، لا سيما الشهيد الصدر، يُشار إلى الخصائص والقواعد الاجتهادية للمؤمنين بهذا المنهج في الفقه السياسي.

يُعد العصر المعاصر بداية الانبهار والاستسلام أمام التقدم العلمي والتكنولوجي الغربي في جغرافيا العالم الإسلامي. فمحاولات المثقفين والعلماء المسلمين تقوم على الاستشهاد بالنظريات السائدة في الغرب وقياس المفاهيم الإسلامية بمقاييس الفكر الغربي. في هذه الظروف، مع ظهور مفكرين وفقهاء مثل الشهيد الصدر، حدث نوع من العودة إلى الذات؛ لأن هؤلاء العلماء اتبعوا الأصالة والمعاصرة في إطار الشريعة الإسلامية، وجعلوا التراث الإسلامي مشعل طريقهم، وانكبوا على إعادة بناء العلوم والمعارف السياسية. وفي مجال الفقه أيضاً، أحدث الشهيد الصدر تحولاً جذرياً من حيث المنهجية، وطرح «فقه النظرية» كجهاز فقهي جديد للإجابة عن تساؤلات العصر.

كان صدر يسعى لاستخلاص وجهات نظر إسلامية أصيلة حول التاريخ والاقتصاد والسياسة والمجتمع، بحيث اعتبر في كتاب اقتصادنا أن مهمة المفكرين والمفكرات الإسلاميين هي الاكتشاف والاستخلاص، لا الابتداع، بمعنى أن كل شيء يكمن في جوهر الإسلام، ونحن كمؤمنين بهذا الدين لا ينبغي لنا أن نبتكر مدارس مثل الرأسمالية والماركسية كما يفعل الغربيون. في ظل هذا المنظور، استطاع أن يتجاوز مشاكل وعقبات مناهج وأساليب العلماء والفقهاء السابقين، ليصل إلى منهج جديد في الفقه ويرسم نظاماً خاصاً في الفقه. الواقعية عند الشهيد صدر هي من أبرز سمات تفكيره الفقهي. فكل شيء عنده مرتبط بالواقع الاجتماعي. ولهذا، يُترك كل شيء في أفق الواقع ليظهر ذاته. هذه الواقعية قادته إلى منهج وطريقة مختلفة خاصة في مجال الفقه، وكانت نتيجتها إنتاج جهاز «فقه النظرية» لإنتاج الحكم الشرعي. تظهر آثار الشهيد صدر أنه يرى طبيعة حياة الإنسان المسلم المعاصر تقتضي تحولاً في المنهجية الفقهية والاجتهادية وغيرها في الفقه الشيعي. بعبارة أخرى، طبيعة حياة الإنسان المعاصر تستدعي خروج الفقه الشيعي من المجال الفردي وضرورة عرض النظريات في قضايا المجتمع والدولة؛ ولهذا تبرز الدولة في فكر صدر بشكل كبير، لأن هذه الجوانب الجديدة من الحياة تطرح أسئلة جديدة على جهاز الفقه لا يستطيع الفقه الكلاسيكي الإجابة عنها، لذا فهو بحاجة إلى تحول وترميم.

يرى صدر أنه مع احتلال الأراضي الإسلامية على يد الأجانب والاستعمار الأوروبي في العصر المعاصر، انسحبت المذاهب الإسلامية من ساحة الحياة الاجتماعية والسياسية وحلت محلها النظريات الغربية. ولم يكن جهاز الفقه استثناءً من هذه القضية، بحيث تأثر الذهنية الفقهية بهذا الوضع وانعكس ذلك على أساس الفقه فحصره في فقه الأحكام. حتى أن هذا النظر الفقهي امتد إلى الشريعة نفسها، ففسروها كمجموعة من الأحكام الفردية والشخصية. عمم الشهيد صدر وجهة نظره ومنهجه الفقهي في الدراسات الإسلامية، وبفضل هذا المنهج استطاع أن يعرض نظريات الاقتصاد الإسلامي في كتاب اقتصادنا، ونظريات الإسلام في المعاملات البنكية في كتاب البنك الربوي في الإسلام، ونظرية الشريعة الإسلامية في السنن التاريخية ونظرية الإسلام في عناصر المجتمع في كتاب المدرسة القرآنية، وكذلك النظرية السياسية للإسلام في كتاب الإسلام يقود الحياة. في مؤلفاته، يسمي منهجه الفقهي المنهج الموضوعي. والمراد بالمنهج الموضوعي هو المنهج الذي يولي اهتماماً لواقع الحياة والمجتمع والوجود. لذلك، هدف صدر هو الاعتماد على منهج النظرية الفقهية في مجالات الحياة والوجود والمجتمع. إن فهم هذا المنهج الفقهي في العصر المعاصر وكذلك نطاق الشريعة وكيفية تحقيقها يتطلب معرفة ركيزتين أساسيتين لهذا الجهاز الفقهي: أ) ماهية فقه النظرية؛ ب) نظرية منطقة الفراغ (انظر.حائری، 1417). من خلال شرح وتبيين هذين الأساسين في أدبيات المنهج الفقهي الحاضر، يمكن بسهولة أكبر الإجابة على العديد من الأسئلة الأساسية في مجال الفقه والفقه السياسي ضمن هذا الجهاز. وبما أن الشهيد صدر يُعتبر مبتكر هذا المنهج، فسيتم السعي بمساعدة مؤلفاته وكتبه وتلامذته لتبيين عناصر ومكونات المنهجية لهذا الجهاز الفقهي.

1. تأصيل النظرية في الفقه الشيعي

تلعب النظرية في العلوم الإنسانية والاجتماعية دوراً أساسياً في توجيه البحوث. أما فيما يتعلق بتعريف النظرية، فلا يوجد اتفاق بين الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية. يعتقد برنارد كوين: «لم يتم بعد التوصل إلى اتفاق حول ما هي النظرية» (لارنس‌، 1377‌، ص246‌). ربما يعود سبب عدم الاتفاق إلى الاختلاف في المجالات والمقاربات المعرفية، مما أدى إلى وجود نماذج متعددة تلقي بظلالها على العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ بحيث يقدم كل نموذج تعريفه الخاص للنظرية… على سبيل المثال، تعريف التجريبيين للنظرية هو «محاولة عملية لجمع الأدلة والنتائج التجريبية وإقامة علاقة بين النتائج وتفسيرها» (توسلی، 1376، ص624)، وهو يختلف عن تعريف العقلانيين (آزاد ارمکی، 1376، ص5 و 710). يقول كارلينجر، أحد الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، في تعريفه للنظرية: «النظرية هي مجموعة من البنى (المفاهيم)، والتعريفات، والافتراضات المرتبطة ببعضها البعض، التي من خلال تحديد العلاقات بين المتغيرات تهدف إلى تفسير وتنبؤ الظواهر، وتقدم رؤية منظمة للظواهر» (کرلینجر، 1377، ص529). بعبارة أخرى، النظرية هي حكم أو بيان يهدف إلى توضيح كيفية وسبب الوقائع والعلاقات بينها. عموماً، النظرية هي إطار عام وشامل لشرح وتفسير الظواهر. إن إنتاج النظرية لأي علم يمتلك اتساعاً في أجزائه وعناصره المتعددة هو ضرورة أساسية. من هذا المنظور، بناء ورسم إطار في علم ما يؤدي إلى تماسك أجزائه وعناصره. في مجال السياسة، أيضاً، توفر النظرية السياسية دليلاً للأداء السياسي والسياسات العامة، والأساس أن النظريات السياسية تشرح طرق ممارسة السلطة.

في فضاء الفكر الإسلامي، المقصود بالنظرية هو إطار مركب من مجموعة من المبادئ، الأسس، المفاهيم، الأحكام، والنصوص الإسلامية التي ترتبط مع بعضها البعض في أحد مجالات الإنسان، المجتمع، والوجود، بحيث يُستمد من خلال هذا الإطار الموقف والرؤية الشرعية الإسلامية في أحد أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية. في إطار الفقه الإسلامي، يمكن للفقيه في تفاعله مع النصوص الدينية أن يقوم بعملين رئيسيين: الأول استنباط الأحكام، والذي يُسمى «فقه الأحكام»، والثاني استخراج واكتشاف النظريات، والذي يُطلق عليه «فقه النظرية». بمعنى آخر، وظيفة فقه الأحكام هي بيان مجموعة من الأحكام الشرعية التي تُستنبط من الشريعة الإسلامية، ويسعى المجتهد في عملية الاستنباط إلى الوصول إلى الحكم الشرعي بمساعدة الأدلة الأربعة عند الشيعة (الكتاب، السنة، الإجماع، والعقل) وكذلك القواعد الفقهية؛ بينما فقه النظرية يعني فهم نصوص الشريعة بهدف كشف واستخلاص نظريات الإسلام أو الاجتهادات المبنية على القرآن، السنة، والعقل لاكتشاف النظريات الإسلامية في المجالات المختلفة التي للشريعة الإسلامية فيها أحكام. لذلك، وظيفة الفقيه وفقه النظرية أولاً هي كشف النظرية الفقهية ثم إصدار الحكم الشرعي من داخل تلك النظرية. الأسئلة المطروحة في هذا المجال هي: هل الفقه مرتبط بالنظرية أم أنه بدون نظرية؟ هل يمكن اعتبار الفقه كنظرية أم لا؟ هل النظرية الفقهية هي تكوين أم اكتشاف؟ هل اكتشاف النظرية فردي أم هو اجتهاد مركب ومزيف؟ ما هي عناصر، مبادئ وخصائص فقه النظرية؟ ما هي أضرار وفوائد النظرية؟ ما هي المبادئ والمنهجيات المعرفية لفقه النظرية؟ وغيرها من الأسئلة التي في هذا المنهج والتي الإجابة عليها توضح بعض الغموض في هذا التوجه نحو الفقه؛ لكن هذه المقالة لا تهدف إلى الإجابة على كل هذه الأسئلة. بشكل عام، النظريات تعطي الباحث زاوية نظر وتضاعف إبداعه وابتكاره. كما تلعب دوراً أساسياً في تنظيم وبناء الهيكل في كل علم، ومن خلال إطارها يمكن تحليل العديد من الموضوعات والقضايا الجزئية، وزيادة القدرة على التنبؤ. الفقهاء السابقون وحتى بعض المدارس الفقهية المعاصرة لا يؤمنون بالنظرية ويعتقدون أن الفقه بدون نظرية أو أنه أساساً لا يوجد حديث عن نظرية في مجال الفقه، وإنما يُصدر الاجتهاد والحكم فقط بناءً على المنهجيات الفقهية القائمة. بمعنى آخر، النظريات الكلاسيكية للفقه وحتى الفقه المعاصر هي على هذا النحو أن الحكم الصادر يعتمد على الأدلة والقواعد الفقهية والأصولية، وهذا هو الفقه الذي يستنبط الحكم الشرعي بدون نظرية. لذلك، هناك وجهتا نظر رئيسيتان:

11. القدماء والفقه بدون نظرية

في هذا النظام الفقهي، لا يفرّق بين الحكم والأدلة إلا بالقواعد والأصول فقط. استنباط الأحكام الشرعية يتم بدون وسيط نظرية. لذلك، من وجهة نظر الفقهاء المتقدمين، صدور الحكم الشرعي يتم بدون وسيط نظرية.

12. الفقه مع النظرية

هو فقه يضع بين الأدلة والحكم شيئاً إضافياً إلى جانب الأصول والقواعد يُسمى «النظرية». هذه النظرية هي إطار عام يشمل مختلف أبعاد الحياة سواء السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، وغيرها، ويصدر الحكم الشرعي من زاوية النظرية. في هذا النوع من الفقه، للجهاز الفقهي وظيفتان رئيسيتان: أولاً إنتاج النظرية ثم إنتاج الحكم؛ بمعنى أنه في الفقه مع النظرية، ينتج الجهاز الفقهي النظرية لتكون أداة لإصدار الحكم. من هذا المنظور يمكن القول إن النظرية تلعب دوراً أداةً في إنتاج الحكم. لذلك، تصبح النظريات وسيط استنباط بين الأدلة والحكم؛ أي إلى جانب الأصول والقواعد، توجد النظرية أيضاً.

من هذا المنطلق، الفرق بين الفقهاء المؤمنين بالفقه بدون نظرية والفقهاء المؤمنين بالنظرية هو أن القدماء كانوا ينظرون إلى كل حكم على حدة ويعملون به، وربما من مجموعها يُرى هيكل بعد تنفيذ الحكم وربما يؤدي إلى نظام، لذا لم يقبلوا بوساطة النظرية، بينما في فقه النظرية، للوصول إلى حكم يجب أن تُعالج الأدلة والقواعد بواسطة نظرية وإطار كلي. في هذه الحالة، تصبح وظيفة النظرية في الاستنباط مشابهة للقواعد الأصولية والفقهية؛ لذلك، للنظرية دور في عملية الاستنباط.

2. منهجية فقه النظرية في الأدب الفقهيالسياسي الشهيد صدر

21. تصور فقه النظرية

وفقاً لمنهج فقه النظرية، الدين والشريعة الإسلامية يحتويان على أُطُر كُبرى لتنظيم الحياة (صدر، 1417هـ، ص303). الجهاز الفقهي أيضاً ليس مستثنياً من هذا؛ لذا يشمل الفقه أُطُر ونظريات كبرى في مجالات فقهية متنوعة، مثل نظرية التوزيع والإنتاج في الاقتصاد وكذلك نظريات الاختيار، التعيين، وغيرها في مجال السياسة، بحيث تؤدي هذه الأُطُر الكبرى إلى تحيز في استنباط الأحكام الجزئية. لذلك، تُنتج النظريات والأُطُر الكبرى من الشريعة الإسلامية ومن أجل إصدار أحكام الشريعة وكيفية تنفيذها. ومن ثم، فإن توظيف النظرية لاستنباط أحكام الشريعة ضرورة. في هذا النظام الفقهي، يتجاوز المجتهد كونه فقيهاً يكتفي باستنباط الأحكام، ويُناط به مهمة أهم وهي اكتشاف النظرية؛ لذلك، في هذا التوجه الفقهي، الفقيه كمكتشف للنظرية هو المهم.

يكتب الشيخ خالد الغفوري في مقاله «فقه النظرية لدى الشهيد الصدر» في شرح وتعريف فقه النظرية: «فقه النظرية هو عملية استنباط واكتشاف إطار فقهي كلي يُوجّه في ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والقضائية والسياسية للإنسان؛ بحيث يُفضي إلى توضيح الحلول الإسلامية ويجمع الأحكام الفرعية المتعددة حول محور واحد ليُنشئ بنية وأساساً لتنظيم حياة الإنسان المسلم» (خالد‌ الغفوری، ص‌123). لذلك، فإن «النظرية» هي إطار فقهي كلي يلعب دوراً أساسياً في تنظيم ميادين الحياة المختلفة للإنسان المسلم. وبعبارة أخرى، النظرية هي في الأساس إطار فقهي عام يُصدر الحكم الشرعي من منظوره. النظرية في المنظومة الفقهية لمؤمني هذا المنهج تولد أسئلة داخلية فقهية تؤدي إلى زيادة كفاءة الفقه. بمعنى آخر، تمنح النظرية أداة وإطاراً خاصاً للفقهاء لتسهيل عملية إصدار الحكم.

وفقاً لهذا المنهج، فإن النظريات الفقهية، خلافاً للنظريات في العلوم الأخرى مثل الفلسفة التي هي تأسيسية، هي اكتشافية؛ أي إن النظريات الفقهية تُكتشف بناءً على الأدلة والأصول والقواعد الفقهية والأصولية. وهكذا، فإن عمل الفقيه هو الاكتشاف لا الابتداع. بمعنى أن الاكتشاف يتم إما من خلال الأدلة اللفظية التي تستوجب على الفقيه البحث في المصادر كلها والاستدلال، وهو أمر صعب، أو من خلال الانتباه إلى مجموع فتاوى الفقهاء. لذلك، يضطر المجتهد في إنتاج النظرية، حيث لا تتوفر إمكانية البحث، إلى الرجوع إلى الفتاوى المشهورة للفقهاء ويستنبط استنباطاً ذهنياً من مجموع الفتاوى لإنتاج النظرية. يسعى مؤيدو هذه المنظومة الفقهية إلى جمع المزايا النسبية للاجتهادات والفتاوى ومن مجموعها ينتجون النظرية ويستخلصونها. في أدبيات فقه النظرية، تُستخدم النظرية كأحد الأدوات والوسائل للاستنباط إلى جانب القواعد الفقهية. تُعرض الأسئلة المستجدة على هذه النظرية، وتصدر الإجابات من زاوية النظرية الفقهية على شكل حكم شرعي (فیرحی، 1389). هذا المنهج، لأنه يؤمن بالنظامية في الفقه، يسعى إلى بناء إطار للمنظومة الفقهية. وهذه النظامية تعني أن مجموعة أحكام الشريعة مترابطة، خلافاً للمنهجيات الفقهية الأخرى التي تُرجع كل حكم إلى دليله الخاص، ففي فقه النظرية يصدر الحكم عبر شبكة تتيح للفقيه الاكتشاف الفقهي. يرى الشهيد الصدر أنه إلى جانب الأصول وقواعد الاستنباط يمكن الاعتماد على النظرية والتأصيل، ولأن الشريعة شاملة، فالنظرية موجودة فيها؛ لذا فإن اكتشاف النظرية هو أهم هاجس منهجي في فقه النظرية؛ لأن النظريات الفقهية تمنح الفقيه والمجتهد قدرة التنبؤ.

22. كيفية اكتشاف النظرية لإصدار الحكم الشرعي

221. الفرق بين الابتداع والاكتشاف

وفقاً لمنهج فقه النظرية، فإن ما يقوم به المجتهد والفقيه في تأليف النظرية يختلف عن تأليف النظرية في العلوم والمذاهب البشرية الأخرى؛ لأن هؤلاء يبتدعون النظرية مباشرةً، وبعد إنتاج النظرية يجعلونها أساساً للأبحاث اللاحقة؛ بينما يرتبط تأليف النظرية الدينية ارتباطاً وثيقاً بأصول المذهب؛ لأن النظرية في دائرة الشريعة تُحدد وتُقيد في ضوء الأصول والنظريات والمفاهيم الأساسية التي تعبر عنها الشريعة. لذلك، فإن المجتمع الذي يريد أن يتحرك في إطار مذهب وشريعة معينة يجب أن يكون تحركه متوافقاً مع أصول ونظريات ذلك المذهب. بناءً عليه، في نظرية الشهيد الصدر، تسير عملية الاكتشاف في اتجاه معاكس لاتجاه عملية الابتداع والتكوين (تشكّل) النظرية؛ أي تبدأ من البناء الظاهر (السطحي) وتنتهي إلى البناء التحتاني (الأساسي).

بشكل عام، التكوين والابتكار يعنيان تأسيس بناء نظري في موضوع معين يُبنى عليه البُنى الفوقية، حيث تنتقل النظرية خطوة بخطوة، من الأصل إلى الفرع، ومن القاعدة إلى البُنى الفوقية، أي تتحرك من الأسفل إلى الأعلى. في حين أن الاكتشاف لا يكون خارج إطار الدين والشريعة. يشرح صدر في “الاقتصادنا” هذا المفهوم في موضوع الاقتصاد: «الشخص الذي يدرس الاقتصاد الإسلامي يواجه نظامًا منجزًا تم إكمال بنائه النظري سابقًا، ومهمته فقط هي كشف الخطة الحقيقية للنظام والنظرية، وتحديد قواعده الأساسية، وإزالة غبار التاريخ عنه، وتحجيم تأثير مرور الزمن قدر الإمكان، والتحرر من تأثير الثقافات الأجنبية. لذلك، عمل (الفقهاء) هو “الاكتشاف” والبحث، بينما عمل أنصار الرأسمالية والاشتراكية هو “التكوين” وابتكار المذهب». (صدر، 1417، ص370). لكل من الاكتشاف والتكوين خصائصه التي تؤثر في الدراسة. أهمها أحدها في نقطة البداية والآخر في تحديد مسار الدراسة. في التكوين، ترتفع الفكرة إلى أقصى حد ممكن في فضائها الطبيعي وتتجه إلى وضع النظريات وتنتج أساسات البُنى الفوقية كالحقوق وغيرها (المرجع نفسه، ص‌370−371). والنتيجة أن النظريات في التكوين تكون خطوة بخطوة من الأصل إلى الفرع، ومن القاعدة إلى البُنى الفوقية؛ أما في الاكتشاف، فإن مسار الحركة ونقطة البداية للنظرية مختلفة. في مقام الاكتشاف، لا توجد نظرية محددة للاقتصاد أو بعض جوانبها، ولم يوضح واضعوها بيانًا محددًا؛ وفي هذه الحالة، لا مفر من استخدام طريقة دراسة أخرى، وهي البحث في النظام القانوني والشرعي بدلاً من البحث المباشر في النظام الاقتصادي، كما أُشير إليه تحت عنوان البنية التحتية والبُنى الفوقية، وباستخدام هذه الطريقة لا يُدرس فقط أحد البُنى الفوقية للنظام الاقتصادي وهو القانون المدني، بل يستمر هذا العمل في جميع البُنى الفوقية ليتمكن من دراسة وإنتاج البنية التحتية بنتائج أغنى (المرجع نفسه، ص‌371). وهكذا، تكون طريقة الدراسة في الاكتشاف (النظرية) حركة من البُنى الفوقية إلى البنية التحتية، في حين أن الطريقة الابتكارية والتكوينية هي حركة من البنية التحتية إلى البُنى الفوقية. والنقطة المهمة هي أنه في عمليات الاكتشاف قد يُستنبط بعض جوانب النظرية مباشرة من النصوص، بينما لا تُستخرج جوانب أخرى من النصوص، بل تُستنتج بشكل غير مباشر من البُنى الفوقية (المرجع نفسه).

222. عمليات التركيب بين الأحكام

في إنتاج النظرية الاقتصادية والسياسية وغيرها، لا ينبغي دراسة الأحكام بشكل منفصل ودون مراعاة علاقاتها ببعضها البعض، بل للوصول إلى قواعد أساسية للنظرية في كل موضوع يجب الانتباه إلى علاقة أحكام الشريعة ببعضها. هذا الأمر يُطبق فقط في القوانين المدنية التي تكون موضوعاتها مستقلة نسبياً عن بعضها البعض. في القانون المدني، عندما يُناقش البيع والإيجار والقرض والشركة، الهدف ليس تركيب القواعد وجمعها واستنتاج قاعدة عامة منها، بل عند السعي لاكتشاف النظرية الاقتصادية، لا يمكن، خلافًا لرأي كثيرين اكتفوا بدراسة الأحكام فقط، تجاوز ذلك دون جمع واستنتاج مبادئ منها (المرجع نفسه، ص‌375). بناءً على ذلك، بعد دراسة حكم تحريم الربا، وحكم تحريم صاحب المال من الاستحواذ على المادة الأولية التي استولى عليها العامل لصالحه، وكذلك حكم جواز الدخل الناتج عن الإيجار، يجب تركيب هذه الأحكام معًا واستخلاص قاعدة توزيع الثروة من مجموعها (المرجع نفسه).

223. دور المفاهيم في اكتشاف النظرية

المفاهيم هي وجهات نظر الإسلام حول ظواهر العالم والعلاقات الاجتماعية وغيرها. بمعنى آخر، المفاهيم هي الآراء والنظريات التي تفسر الأحداث الطبيعية والاجتماعية أو التشريعية، بحيث تشكل جزءًا مهمًا من الثقافة الإسلامية التي تلعب دورًا هامًا في اكتشاف النظرية الفقهية. في إطار هذا المنهج، توضح بعض المفاهيم محتوى بعض الأحكام وتُسهل فهم تلك الأحكام من النصوص. ونتيجة لذلك، يمكن للمجتهد عبر هذه الوسيلة حل المشكلات التي تواجه فهم النصوص. خلاصة القول، دور المفاهيم هو توضيح النصوص التشريعية بشكل عام أو كونها مصدرًا لصلاحيات الدولة في وضع القوانين الاقتصادية لتنظيم مجال حرية الرأي القانوني. لذلك، تساعدنا المفاهيم على اكتشاف جوانب المذهب. بعض المفاهيم توضح محتوى بعض الأحكام لنا. مثلاً، في الإسلام، للملكية مفهوم خاص. المالك المطلق هو الله، وقد جعل الإنسان خليفة له في الأرض ليستفيد من الموارد الطبيعية. عندما نفهم أن الملكية في الإسلام ليست حقًا ذاتيًا، بل هي خليفة، يصبح قبول قيود السيطرة الملكية وفق النصوص أمرًا سهلاً علينا، ومن ثم فإن رؤية نص يفيد بأنه إذا ترك شخص الأرض لتصبح مهددة بالخراب، تُؤخذ منه وتُعطى لغيره، يصبح مفهومًا ومقبولًا لدينا بناءً على المفهوم الذي نملكه عن الملكية (المرجع نفسه، ص‌376−379‌).

224. الفقيه كمكتشف للنظرية

في الأجهزة الفقهية الكلاسيكية وحتى المعاصرة، يُعتبر الفقيه مكتشفًا ومستنبطًا للحكم الشرعي من الأدلة والقواعد؛ بينما في هذا الجهاز، الفقيه هو مكتشف للنظرية. لذلك، يميز الشهيد صدر، كمبدع هذا المنهج، بين مكتشف النظرية والفقيه المستنبط للأحكام، ويعتقد أن هذين الوصفين قد يجتمعان في شخص واحد، وقد لا يجتمعا (المرجع نفسه، ص‌399−401). هذا التقسيم من خصائص منهج فقه النظرية الذي يفرق بين الفقيه والمجتهد المستنبط وبين المجتهد مكتشف النظرية. رأي الفقيه المستنبط للأحكام هو حجّة، بينما رأي الفقيه المكتشف في البداية ليس بحجّة، بل يحاول إنتاج النظرية من مجموع الأحكام والفتاوى. لذلك يلجأ إلى الاجتهاد الملفق (التلفيقي)، بحيث يشارك جميع المجتهدين في عمليات اكتشاف النظرية.

225. الاجتهاد وتأثير شخصية المجتهد في الاكتشاف

في عملية الاكتشاف، يجمع الفقيه أولاً النصوص المتعلقة بالموضوع، وبمساعدة مجموع النصوص يستنتج القواعد الأساسية. مثلاً، تُنظّم النظرية الاقتصادية الإسلامية استنادًا إلى الأحكام والمفاهيم التي هي نتاج منهج اجتهادي معين يمكن أن يمتلكه المجتهد في تنسيق وجمع الأحكام. لذلك، أفضل مصدر لعمليات الاكتشاف في أي موضوع كان، سواء اقتصاديًا أو سياسيًا أو غيره، هو الأحكام والمفاهيم. يكتب الشهيد صدر في شرح هذه المسألة وكيفيتها: «نجمع أولاً عددًا كافيًا من النصوص المتعلقة بالموضوع قيد البحث، ونضيف ما ورد من السنة في ذلك. ثم نستخرج القواعد الأساسية منها، وهذا اجتهاد» (المرجع نفسه، ص‌382−383)؛ لكن ما يهم في عملية الاجتهاد هو شخصية المجتهد، أي كلما قلّ تدخل الذوق الشخصي للمجتهد في مجال الاكتشاف وحُفظت أصالة الموضوع، كان الاكتشاف أدق، وكلما ابتعد عن النص وزاد بعده عن زمن صدوره، زادت المخاطر واحتاج الاكتشاف إلى دقة أكبر؛ لأن النظرية الاقتصادية التي يقدمها الإسلام هي نتاج منهج اجتهادي معين يمتلكه المجتهد في جمع واستنتاج الأحكام، والذي قد يحتوي على احتمال الخطأ؛ ولكن إذا قدم عدة فقهاء ومجتهدون، كل منهم يعمل وفق قواعد الاجتهاد ويقدم مقترحات اقتصادية، وإن لم تكن جميع النتائج متطابقة، تُعتبر صحيحة قانونيًا. وكلما قلّ تدخل المجتهد لذوقه الشخصي في الاكتشاف والاجتهاد، حُفظت أصالة الموضوع وقلّ خطر الخطأ (المرجع نفسه، ص 384). أهم المخاطر التي تهدد الاجتهاد في اكتشاف النظرية هي: أ) تبرير الوقائع؛ ب) حصر النص في إطار محدود؛ ج) تجريد الأدلة الشرعية من شروطها ومقتضياتها؛ د) اتخاذ موقف ذهني مسبق تجاه النص (المرجع نفسه، ص‌384−394).

226. الاجتهاد الملفق (التلفيقي)

نظرًا لهذه المخاطر في عملية الاجتهاد، يمكن أن يتم اكتشاف النظرية بشكل تلفيقي؛ أي أن النظرية هي نتاج ومحصلة فتاوى المجتهدين في موضوع معين. عندما يريد الفقيه أن ينتقل من كونه مستنبطًا للأحكام الجزئية إلى كونه مكتشفًا للنظرية، يضطر إلى الانتباه إلى اجتهادات الآخرين؛ لأنه يبدو أن اكتشاف النظرية يتجاوز قدرة مجتهد واحد. وإذا تمكن من ذلك، يكون قد أنجز عملًا ثمينًا؛ أما إذا لم يصل إلى النظرية بمفرده، فلا يُقال إن الإسلام لا يمتلك نظرية شاملة، بل في عملية اكتشاف النظرية يُراعى اجتهادات الفقهاء الآخرين. لذلك، لا يكون المجتهد وحيدًا في عملية الاكتشاف، بل يتم الاكتشاف بشكل تلفيقي. يكتب الشهيد صدر في شرح اكتشاف النظرية الاقتصادية الإسلامية:

«إذا كان من المقرر أن يتجاوز التفقه في الأحكام، وينتقل إلى التأملات النظرية حول النظام الاقتصادي، فلا بد من أن يجعل الأحكام المتناسقة والثابتة نقطة انطلاق عمله، وإذا تمكن من اختيار هذا النوع من الأحكام من بين جميع الأحكام التي استند إليها في الاجتهاد، وبدأ كشف الأسس الاقتصادية الرئيسية منها وأتم ذلك دون التعرض لتناقض أو تعارض، فقد حصل على فرصة مناسبة، إذ في هذه الحالة يكون المحقق «مجتهدًا مستنبطًا للأحكام» و«مكتشفًا للنظريات» في آن واحد، ويتحد هذان الجانبان في شخصه. وإذا لم يجد مثل هذه الفرصة ولم ينجح في إيجاد نقطة انطلاق مناسبة… فلا ينبغي أن يتوقف عن العمل… في هذه الحالة، أفضل عمل هو الاستعانة بأحكام المجتهدين الآخرين. ورغم احتمال وجود اختلافات بين أحكام كل مجموعة اجتهادية ومجموعات أخرى… إلا أنه إذا ظهر تعارض، فيجب فصل ما يبدو غير متناسق عن بقية الأحكام وإدخال الأحكام المتماسكة الأخرى في المجموعة لتتشكل النظرية» (المرجع نفسه، ص‌400). والنتيجة أن النظرية تتشكل على أساس اجتهاد ملفق. النظرية التي تُكتشف بهذه الطريقة «يمكن الادعاء بأنها على الأقل، تصور الشريعة الإسلامية بأفضل صورة لأنها تشمل أهم العناصر القانونية في الكتاب والسنة» (المرجع نفسه، ص‌401). لذلك، فإن عملية اكتشاف النظرية، على عكس عملية استنباط الحكم الشرعي الجزئي، أكثر تعقيدًا ودقة وبشكل تكاملي؛ في حين أن عملية استنباط الحكم تتم بشكل فردي وبسهولة أكبر. وباختصار، تمر آلية إنتاج الحكم على أساس «فقه النظرية» بمراحل خاصة. يسعى الشهيد الصدر، إلى جانب مساري الاستنباط والمرتكزين عليه في الفقه، وهما الأدلة والأصول العملية التي تُعد إرثًا لفقهاء الماضي، إلى إدخال عنصر آخر اسمه النظرية في أدبيات الفقه الشيعي، وإظهار صدور الحكم الشرعي من خلاله.

3. خصائص الاجتهاد لدى الفقهاء السياسيين في إطار فقه النظرية

31. الانتقال من الفقه الفردي إلى الفقه الاجتماعي (السياسي)

بعد تحديد الإطار العام للفقه الفردي وفقه المجتمع والدولة، يتحرك الشهيد الصدر من الفقه الفردي نحو فقه المجتمع والدولة. ويقول إن تقليل حجم الفقه في الأبعاد الموضوعية يعود إلى دخول وجهات نظر فردية إلى وجهة نظر الفقيه ومن ثم إلى الشريعة نفسها. «لأن الفقيه أحيانًا ينظر إلى القضايا والأحكام من منظور شخصي ومشاكل فردية، في حين أن هذه النظرة تختلف عن نظرته إلى الشريعة… يظهر تأثير الشخصية عندما يريد الفقيه حل مشاكل الأفراد المسلمين من خلال تبرير الواقع الموجود وتطبيق الشريعة عليه، حتى امتدت هذه النظرة إلى فهم النصوص الشرعية أيضًا» (صدر، 1975‌م‌، ص‌‌79‌‌−‌‌82‌). يبدو أن الشهيد الصدر يتجاوز الفقه الفردي ويدعم الفقه الاجتماعي وفقه الدولة. في فكره، في بعض الظروف، هيمنة التوجهات الشخصية على مسألة التفكير في الفقه يجب أن تُعتبر من الحجب التي تلقي بظلها على عقل الفقيه وتمنعه من التمييز بين الخطابات الفقهية التي يُخاطب فيها الأمة الإسلامية؛ بمعنى أن التشريع وبيان الأحكام الإلهية للأمة يأخذ شكل التشريع للفرد، وهكذا بعض الأحكام لا تعبر عن روح الشريعة؛ لذلك يصر الصدر على إعادة بناء الفقه ليشمل من جهة جميع المعطيات الجديدة للعالم الواقعي، ومن جهة أخرى يوجهنا إلى النظريات الأساسية التي تكشف وجهة نظر الشريعة. وبذلك ينتقل الصدر من ظاهر الشريعة إلى إظهار جوهرها، ويواجه الفقه الشيعي بتحول جديد من خلال جهوده الفقهية.

32. الانتقال من الاجتهاد الفردي إلى الاجتماعي في تفسير الشريعة (الفهم الاجتماعي للنص)

يعرّف الشهيد الصدر هدف حركة الاجتهاد بأنه خلق قدرة للإنسان المسلم ليطابق نفسه مع نظرية الإسلام حول الحياة، ويقول في ذات السياق: هذا الهدف (مطابقة نظرية الإسلام) له بعدان مختلفان: أحدهما المطابقة في ميدان الحياة الفردية، والآخر في الميدان الاجتماعي. ويبدو أن حركة الاجتهاد من حيث الأصل والمنطلق ومن الناحية النظرية، رغم أنها تستهدف كلا الميدانين… إلا أنها في مسارها التاريخي الذي نشأت فيه في حضن التشيع، تضع هدفها الأكبر في الميدان الأول. لذلك، يتخيل المجتهد − أثناء نشاطه في استنباط الأحكام − صورة الفرد المسلم الذي يريد أن يطابق منهجه وسلوكه مع نظرية الإسلام حول الحياة، وليس صورة المجتمع المسلم الذي يريد أن ينمي حياته وعلاقاته على أساس الإسلام. هذا التفكير الأحادي وأخذ نصف الهدف فقط كان بسبب الظروف الموضوعية والوقائع التاريخية؛ لأن حركة الاجتهاد عند الشيعة نشأت في وقت كانوا فيه معزولين تقريبًا عن السياسة، وبسبب تبعية الحكم في العصور الإسلامية وفي معظم الأماكن، أبعدت حركة الاجتهاد عند السنة الشيعة عن الساحات الاجتماعية، وهذا الإبعاد عن السياسة أدى تدريجيًا إلى تضييق نطاق الهدف الذي أوجد حركة الاجتهاد بين الإمامية، وأدى إلى فكرة أن الميدان الوحيد له… هو مطابقة الفرد وليس المجتمع مع نظرية الإسلام (صدر، 1359، ص8).

يعتبر صدر دور التاريخ والتيارات الاجتماعية-التاريخية في نوع النظرة وغلبة توجه معين في الاجتهاد لدى فقهاء الشيعة أمرًا ذا أهمية، ويرى في ذلك أحد عوامل التوجهات الفردية لديهم. لذلك، من وجهة نظره، يكون للتاريخ والبيئات التاريخية تأثير في غلبة توجه معين. ويأخذ جزءًا من حوار الأصوليين حول «دليل الانسداد» (انسداد باب العلم) كدليل على إثبات الذهنية الفردية. نحن طالما نعلم أن هناك تكاليف شرعية ولا يمكننا معرفتها بشكل قطعي، يجب علينا في مقام التعرف عليها أن نستعين بالظن. وقد ناقش الأصوليون هذا الفكر وقالوا لماذا لا نفترض أن ما هو واجب على المكلف هو أن يتبع الاحتياط بدلًا من أن يجعل الظن مقياسًا في كل حالة، وإذا كان التمسك بالاحتياط يصعب الأمر، يمكن لكل مكلف أن يقلل من احتياطاته بقدر ما يخفف به الصعوبة عليه. انظر الآن إلى الروح الكامنة في هذا الافتراض لتعرف كيف تسيطر النظرة الفردية إلى الشريعة والقانون على أصحابها؛ لأن الشريعة والقانون لا يمكن أن يأمرا بهذا النوع من الاحتياط إلا إذا صدرا للفرد فقط، أما إذا أرادا التشريع للمجتمع فلا يمكنهما اتباع هذا الأسلوب؛ لأن هذا الفرد أو ذاك يمكنهما تنفيذ جميع برامجهما على أساس الاحتياط، لكن المجتمع لا يمكنه أن يبني حياته الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والسياسية على أساس الاحتياط (المرجع نفسه‌، ص‌12−13).

وفقاً لعقيدة صدر، فإن تأثير النظرة الأحادية والتمركز على الفرد في تفسير الشريعة له أثر ملحوظ على منهج فهم النصوص الشرعية. إذ نرى من جهة أن شخصية النبي أو الإمام تُغفل كحاكم وولي أمر الدولة، وحيثما صدر عن النبي منع − مثلاً، منع أهل المدينة من منع وصول فائض الماء الخاص بهم إلى الآخرين − يُفسر ذلك على أنه تحريم أو كراهة فعل عند النبي، مع أن ذلك قد لا يكون صحيحاً، بل إن النبي كان يمنع ذلك فقط بصفته ولي أمر الدولة، ولا يستفاد من منعه حكم ديني عام. ومن هنا، يجرؤ كثيرون على تفكيك موضوع واحد وإصدار أحكام مختلفة له (المرجع نفسه‌، ص15−16). هذه الأقوال تدل بوضوح على أن الظروف التاريخية والاجتماعية يمكن أن تخلق نموذجاً سائدًا في أذهان العلماء؛ كما يقول الشهيد صدر، فقد ساد نموذج الفردية في ذهن مجموعة من فقهاء الشيعة. الشهيد صدر من بين الفقهاء الذين يعتبرون عنصر الزمان والمكان ذا أهمية كبيرة وله دور فعال. فهو يولي اهتماماً كاملاً لموضوع المجتمع وربط الموضوعات الفقهية بالمجتمع والجماعة. ويعطي للوجه الاجتماعي للموضوعات دوراً بحيث يرى أن فهم النصوص الدينية مرتبط بسياقاتها الاجتماعية: «في المستقبل، سيتغير فهمنا للنصوص الدينية، وسيُؤخذ في الاعتبار جميع جوانب شخصية النبي والإمام، وسيُتخلى عن التفكيك الذي أشرنا إليه، وليس ذلك على أساس القياس، بل على أساس فهم وإدراك الموقع والسياق الاجتماعي للنصوص…؛ لأن كل نص يحمل معنى اجتماعياً يتجاوز في كثير من الأحيان معناه اللفظي الضيق» (المرجع نفسه، ص18). وفقاً لهذا التصريح الأخير، فإن المفاهيم الواردة في النصوص، بالإضافة إلى المعنى اللغوي (الظهور الأولي)، تحمل مفاهيم أخرى غالباً ما تكون أوسع من المعنى اللغوي السطحي، ومن الطبيعي أن يؤدي فهم هذه المفاهيم الثانوية (الاجتماعية) إلى تغيير توجه الفقيه تجاه الحكم الشرعي. لذلك، تلعب المواقع الاجتماعية دوراً في تشكيل المفاهيم لدى المجتهد.

33. تأثير شخصية المجتهد في إنتاج الحكم

المسألة المهمة في كشف نظام (مثل النظام الاقتصادي الإسلامي) هي خطر تأثير شخصية المجتهد في الاجتهاد؛ لأنه كلما قل تدخل ذوق الفقيه في مجال «الكشف» وحُفظت موضوعية وأصالة الموضوع، كان الاكتشاف أدق والوصول إلى الهدف أكثر نجاحاً. ويزداد هذا الخطر عندما تفصل فواصل زمنية كبيرة بين عصر حياة المحقق وعصر النصوص، ويريد الإنسان بمساعدتها حل مسائل تتبع ظروفاً جديدة؛ ومن ثم، يكون خطر الخطأ في النصوص الاجتماعية أكبر منه في الأحكام الفردية (صدر، 1349‌، ج‌‌2، ص‌37−39). وهكذا، في نظر الشهيد صدر، في الاجتهاد، حيثما يتعلق الأمر بالموضوعات والمسائل الاجتماعية، يكون احتمال خطأ المجتهد أكبر بكثير؛ لأن التاريخ، الذي هو مرور ورصد لتحولات المجتمع والظواهر الاجتماعية، يؤثر في فهم وإدراك الإنسان. لذلك، وفقاً لرأي الشهيد صدر، تخلق المفاهيم الاجتماعية أو المستمدة من المجتمع فروضاً وأطر محدودة للمحقق، وهو مضطر إلى الفهم ضمن هذه الأطر، مما يؤدي إلى أخطاء في الفهم. وبناءً على هذا المنظور، يبحث الشهيد صدر في العوامل الشخصية المؤثرة على الاجتهاد التي يجب اعتبارها طرقاً لدخول الخطأ والانتباه إليها مع نوع من الوعي الذاتي لتجنبها (المرجع نفسه، ج‌2، ص36−37).

34. الانتباه إلى الأبعاد الاجتماعية في فهم التعاليم والنصوص

من خصائص الاجتهادات السياسية للفقهاء في فقه النظرية، إدراك فهم اجتماعي للنصوص؛ لأن القدرات الحقيقية للفقه واستنباط الأحكام الشرعية تتحقق فقط إذا استُفيد من الفهم والتفسير الاجتماعي في الاجتهاد. في مقام فقيه ومجتهد، ينبه صدر إلى مسألة غفل عنها كثير من الفقهاء. فهو يسعى لإثبات أن مدلول النص الاجتماعي يختلف ومتميز عن المفاهيم اللغوية واللفظية للنصوص الشرعية، وأن الفهم والتفسير الاجتماعي للنصوص الدينية عنصر أساسي في الاجتهاد. «الفهم الاجتماعي للنص» يعني فهم النص في ضوء الإدراك العام الذي ينشأ عن وعي عام وفهم مشترك بين أفراد مختلفين. يبدأ دور الفهم الاجتماعي للنص بعد أن ينتهي دور الفهم اللفظي واللغوي، لأن الفقيه في المرحلة الأولى يحدد ما تعطيه كلمات النص وعباراته، ثم يطغى عليه الفهم الاجتماعي ويبحث في معنى القول في ضوء السياق الذهني الاجتماعي المشترك، الذي يتعلق بمناسبات الحكم والموضوع، ليكشف له عن معانٍ جديدة للنص (صدر، 1359، ص‌29−32).

في باب نطاق الفهم الاجتماعي في استخدام النصوص، يرى الشهيد الصدر أن محمد جواد مغنية (أستاذه) هو أول من طرح في الفقه نظرية واسعة حول «عنصر الفهم الاجتماعي للنصوص الدينية» وميز بين المفهوم اللغوي للنص ومدلوله الاجتماعي، وبيّن حدود قانون مدلول الاجتماعي (المرجع نفسه، ص25). ينقل الشهيد الصدر من كتاب فقه الإمام الصادق(ع)، وهو من تأليف الشيخ محمد جواد مغنية، ما يبيّن قاعدة تحدد حدود الفهم الاجتماعي في استنباط الحكم من النص. خلاصة هذه القاعدة هي أنه إذا كان النص متعلقًا بالعبادة، فيجب تفسيره فقط على أساس لغوي ولفظي، ولا ينبغي في فهمه اللجوء إلى التصورات الاجتماعية السابقة؛ لأن نظام العبادات نظام غيبي لا يمكن للتصورات والظروف الفكرية الاجتماعية أن تحكم عليه أو ترتبط به؛ أما إذا كان النص متعلقًا بمشهد من الحياة الاجتماعية، مثل المعاملات، فإن دور الفهم الاجتماعي للنص يصبح قائمًا؛ لأن الناس في هذا المشهد لديهم تصور وإطار فكري وذهني مشترك تحدد حياتهم الاجتماعية ووعيهم به الحدود والمعالم (المرجع نفسه‌، ص‌‌32−33). ويرى الصدر أن القدرات الحقيقية للفقه واستنباط الأحكام الشرعية تتحقق إذا ما استُفيد من الفهم والتفسير الاجتماعي في طريق الاجتهاد.

35. الانتقال من الموضوعات الواقعية والحقائق الاجتماعية إلى النص

الانتقال من الموضوعات والحقائق الاجتماعية إلى النص هو ركن أساسي في المنهج الفقهي للصدر؛ أي أن بداية التفسير الشرعي هي اعتبار الواقع لا النص. أولًا، يجب على المجتهد أن يولي اهتمامًا لمشكلات وأسئلة والمتغيرات المؤثرة في المجتمع، ثم يدخلها في إطار السؤال الفقهي ويُحيلها إلى النص. بينما كانت الجهود في التقليد الفقهي الكلاسيكي وحتى قبل الشهيد الصدر تبدأ من النص وتنتهي عند حدود النص، ولا يرون مخرجًا من النص، وبعبارة أخرى، لم يكن العالم الواقعي والمشكلات والاحتياجات والتجارب البشرية في مركز اهتمامهم. أما منهج الصدر في هذه القاعدة فهو أن نقطة انطلاق الفقيه هي الموضوع الخارجي، وبعد ذلك يجب على الفقيه أن يلتفت إلى القرآن والسنة ليستخرج نظرية إسلامية شاملة في ذلك الموضوع. وبناءً على هذا المنظور، يمكن فهم أن الحياة في الشريعة الإسلامية ليست منفصلة عن العقيدة، ولا الجانب الاجتماعي منفصل عن المحتوى المعنوي. يبدأ هذا الشخص لاكتشاف النظرية الإسلامية من أحد موضوعات الحياة المختلفة للإنسان المسلم التي يجب أن يصدر الدين حكمًا بشأنها، ثم يسعى لدراسة المشكلات والحلول التي قدمتها تجارب الفكر البشري حول هذا الموضوع الخارجي، والأسئلة ونقاط الفراغ في التطبيق التاريخي، بهدف أن يتشكل في ذهنه نقطة انطلاق وقفزة، وبعد ذلك يدرس ويقيّم الموضوع الذي أمامه من منظور إسلامي وبناءً على الأحكام والمفاهيم الموجودة في الشريعة. لذلك، الهدف من المنهج الموضوعي في فكر الصدر هو تحديد موقف الفقه الإسلامي من أحد موضوعات الحياة والوجود والإنسان؛ لأن هذا المنهج يدخل التجربة البشرية في منظومته ويغنيها بالبيانات التي يضعها إلى جانب النص، ليتمكن الفقيه من الحصول على الإجابات والبدائل من خلال استنطاق النص. إذًا، المنهج الموضوعي في الفقه يعني أن الفقيه يبدأ من نقطة تسمى موضوعًا خارجيًا (واقعًا) يجب أن يبيّن نظرة الإسلام والشريعة إليه؛ لأن المؤمنين بالفقه النظري يرون أن هذه هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى النظريات الأساسية للإسلام والقرآن حول موضوعات الحياة المختلفة.

36. الانتقال من مدلول جزئي إلى مدلول مشترك

بناءً على ما ذُكر في منهج الصدر، يُؤخذ أولًا موضوع واقعي متعلق بحياة الإنسان المسلم في الاعتبار، ثم تُدرس إنجازات الفكر والمعرفة البشرية حوله، وبعد ذلك يُحال إلى النص ليُكتشف الموقف والنظرية الإسلامية. أما كيفية إنتاج هذه النظرية العامة فهي خاصية أخرى في المنهج الفقهي للشهيد الصدر.

يتم إنتاج النظرية واستخلاصها واكتشافها من صميم النصوص عبر مسار خاص في جهاز الفقه_النظري؛ بحيث توضع دلالات الأحكام والآيات الجزئية جنبًا إلى جنب لمنع التراكم والتشتت بين هذه الدلالات. ثم تُدرس جميع مجموعات الآيات القرآنية والنصوص أو الأحكام التشريعية التي تشترك في موضوع واحد بشكل شامل، ليتم تحقيق النظام والانسجام بين تلك الدلالات. هذا الأمر يتطلب وعيًا كبيرًا بالأحكام والمفاهيم الإسلامية التي قد تبدو متفرقة في موضوع واحد، بينما إذا نُظِر إليها بنظرة عميقة وشاملة للمباني والمقاصد والأهداف، ستبدو متماسكة ومتكاملة. لذلك، فإن الاجتهاد في مجال نظرية الفقه يحتاج إلى جهود وابتكارات أكثر في هذا الجهاز الفقهي (فقه_النظري)؛ لأن جمع النصوص في موضوع معين ليس هو الهدف الوحيد، بل إن الاجتهاد في نظرية الفقه معقد جدًا، حيث يجب أن تتحد شخصية الفقيه مع شخصية المكتشف. في كتاب السنن التاريخية في القرآن، اختار الشهيد الصدر بهذه الطريقة مجموعة من الآيات التي تشرح موضوعًا واحدًا، وحاول بعد إظهار الدلالة التفصيلية والجزئية لهذه الآيات أن يبين وجه العلاقة بين الدلالات الجزئية ويعرضها في نظام وترتيب موحد، بحيث يقدم كل الإجابات اللازمة للوصول إلى نظرية قرآنية شاملة في موضوع السنن التاريخية. لذا طبق هذه الخاصية في هذا الكتاب (صدر، 1409، ص20−45)؛ لأن النقاش في السنن التاريخية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقرآن باعتباره كتاب هداية الناس، لذلك يجب الاستلهام من القرآن لتكوين إطار إسلامي شامل للسنن التاريخية. بناءً عليه، يتابع الصدر فكره الفقهي مستلهمًا من هذا المنهج، ويعرض العديد من الأسئلة الواقعية والخارجة عن النص للنص ليجعل النص يتكلم ويكشف النظرية الإسلامية في مسائل الفقه؛ ومن ثم يمكن في كثير من القضايا والمواضيع التي نحتاج اليوم إلى فهم نظرة الإسلام إليها، الاستفادة من منهج الشهيد الصدر الذي يسميه المنهج الموضوعي. تكمن أهمية هذا المنهج في سد فراغ كبير تعاني منه آليات المنهجية في الاجتهاد التقليدي. وإذا استُخدم هذا المنهج إلى جانب المناهج التقليدية المتعارف عليها، فسيفتح آفاقًا جديدة أمام الفعل الاجتهادي، مما يمكن اليوم أن يحرر الجهاز الفقهي من بعض المآزق.

37. غياب ازدواجية الحق والحكم في فقه_النظري

أساسًا في نظريات الفقه السياسي المعاصر يُذكر أحيانًا التعايش بين الحق والحكم في المجال العام والسياسة، وأحيانًا يُذكر غياب هذه الازدواجية في بعض النظريات. وفي كلتا الحالتين ستكون هناك تبعات سياسية خاصة. على سبيل المثال، في فقه الدستور، لا سيما في آثار المحقق النائيني، نوقش الحق والحكم، وبالمثل ازداد دور الناس في المجال السياسي. لم يتابع هؤلاء الفقهاء قضايا الدستور من خلال مسار “الشورى”؛ بل من مسار لا توجد فيه أحكام منصوصة ويتعلق بمجال المباحات، بحيث انفتح المجال لطرح حضور الناس في التشريع ضمن مجال المباحات إلى حد ما. في استمرار هذا الفكر، كانت آراء فقهاء وسياسيي شمس الدين جديرة بالاهتمام، إذ أدت إلى تطوير هذا الاتجاه؛ لكن وفقًا لفقه_النظري، ومن وجهة نظر الشهيد الصدر وتلاميذه، يبدو أن هذا المسار لم يُتبع ولم يُطرح الحديث عن الحق في المجال العام. حتى أن كثيرًا من النقاشات، بما في ذلك الشورى، وُضعت ضمن إطار التكليفات. ونتيجة لذلك، لا تُعرف الشورى عند مدرسة الصدريين على أنها حق، بل تُعرف على أنها تكليف. والنتيجة أن الشورى لا تؤدي إلى الديمقراطية لأنها ليست من جنس الحق، بل من جنس الحكم والتكليف. لذلك، في فقه_النظري، خلافًا لفقه الدستور، لا يُذكر حضور أو ازدواجية الحق والحكم، بل يُذكر الحكم فقط. بمعنى أن مفهوم الحق لا ينتقل من الفقه الخاص (الفردي) إلى مجال الفقه العام. ولهذا السبب تتجه مدرسة الصدر إلى نظريات ولاية الفقيه.

يوجد بين الفقهاء المعاصرين مبدآن في هذا النقاش: أولاً، أصالة التحريم: التحريم يعني المنع، وأصالة التحريم تعني حكم العقل الأولي بمنع التصرف في الأشياء بغض النظر عن وجود الشرع وحكم الشارع تجاهها (جمعی‌ از نویسندگان، 1387، ص196). وبالاستدلال على أن الأشياء الموجودة في الطبيعة هي ملك الله وملكه، والإنسان جزء من الطبيعة، فإن الإنسان وأفعاله جميعها مخلوقة ومملوكة لله تعالى؛ لذلك، فإن التصرف في ملك الله بدون إذنه ممنوع بحكم العقل (نائینی‌، 1417، ج3، 328). الفقهاء الذين اختاروا هذا المبدأ يرون أن الحقوق ليست ما قبل الشريعة (سابقة)؛ بل تُنتج من داخل الشريعة (لاحقة). لذلك، الحقوق تقع ضمن إطار الشريعة. ثانياً، أصالة الإباحة، حيث يرى الشهيد الصدر في تحليل الإباحة أن هناك مذهبين أساسيين في الفقه في هذا النقاش. أ) وجهة نظر حق الطاعة التي هي في الواقع عبارة أخرى عن التحريم؛ ب) وجهة نظر الإباحة أو البراءة الأصلية: يقول الصدر إن هذين المذهبين لا يمكن جمعهما؛ لأن أهم أصل في وجهة نظر حق الطاعة هو أصالة الاشتغال، أما في وجهة النظر الثانية، فيُطرح قبح العقاب بلا بيان (صدر، 1406، ج 1، ص147). ونتيجة لذلك، فإن الذين يتحدثون عن أصالة التحريم أو حق الطاعة لا يعترفون بالكثير من الحقوق، وإذا ما خصصوا مجالاً لذلك، فإنهم يسلمونه للحكومة. أي أنه لا يوجد مجال يُتيح للأفراد اتخاذ القرار. بالمقابل، فإن وجهات النظر المبنية على الإباحة أوسع نطاقاً، وحقوقها أكثر شمولاً، وبالتالي فإن مجال اتخاذ القرار للأفراد أوسع. مع أن بعض الفقهاء المتأخرين يؤمنون بالتوقف، ويبدو أن نتائج وجهة نظر التوقف تميل نحو التحريم (منتظری، 1415، ص27). وهكذا، في مجال الفقه السياسي، تحمل هذان المذهبان نتائج مختلفة؛ لأن من داخل هذين المذهبين يمكن استنباط جهازين فقهيين. الفقهاء الذين يجتهدون على أساس أصالة التحريم يميلون في الغالب إلى الاحتياط، وإذا تحدثوا عن الحقوق، فإنها غالباً ما تكون حقوقاً ممنوحة من الحكومة للفرد أو الناس؛ في حين أن دائرة الحقوق بناءً على وجهة نظر أصالة الإباحة أوسع. لذلك، تأسيس الحقوق السابقة على أساس وجهة نظر أصالة التحريم صعب؛ بينما على أساس أصالة البراءة والإباحة يتم ذلك بسهولة أكبر.

الخلاصة

حاول الكاتب في الجزء الأول من المقالة شرح مفهوم فقه النظرية، وخصائصه، وطريقة إنتاج الحكم في هذا المنهج. باختصار، تمر آلية إنتاج الحكم بناءً على «فقه النظرية» بمراحل خاصة. يحاول الشهيد الصدر، بالإضافة إلى مسارين ومرتكزين لاستخلاص الحكم في الفقه، وهما الأدلة والأصول العملية التي تُعتبر ميراث الفقهاء السابقين، إدخال عنصر آخر يُسمى النظرية إلى أدبيات الفقه الشيعي، وإظهار صدور الحكم الشرعي من خلاله. بناءً على ذلك، يمكن استنباط النقاط التالية:

أ) النظرية كإطار كلي فقهي، تصور الشهيد الصدر أن الفقه أو أساساً المذهب الإسلامي يشمل مجموعة من الأُطُر الكلية. مثلاً نظرية الإنتاج والتوزيع في الاقتصاد، ونظريات الاختيار والتعيين… في مجال السياسة. هذه الأُطُر الكلية تجعل استنباط الأحكام متحيزاً؛

ب) تُستنبط النظريات في الغالب بناءً على الأدلة العقلية وليس الأدلة اللفظية، بمعنى آخر، تُستخلص من مجموعة الأدلة؛ لذلك، النظريات نابعة من الأدلة ومن فتاوى الفقهاء. ومن ثم، تولد المزيد من الأسئلة داخل الفقه؛

ج) النظريات الفقهية ليست مرتبطة بالموضوعات، بل بالحكم. لأنها لا تُستمد من الموضوع، بل هي نتاج النصوص، لذا فهي اكتشافية. وعملية الاكتشاف تتم بطريقتين: إما اجتهادية يقوم بها الفقيه، أو تُستخلص من جهود الفقه من الدرجة الثانية، وهي نتاج فتاوى الفقهاء.

فيما بعد، وبالاعتماد على منهج فقه النظرية، تم دراسة خصائص الاجتهاد لدى هذه الفئة من الفقهاء، لا سيما الشهيد الصدر وتلاميذه في مجال الفقه السياسي. وهكذا، فإن أهم خصائص اجتهاداتهم هي:

الانتقال من الفقه الفردي إلى الفقه الاجتماعي (السياسي)، والانتقال من الاجتهاد الفردي إلى الاجتماعي في تفسير الشريعة (الفهم الاجتماعي للنص)، وتأثير شخصية المجتهد في إنتاج الحكم، والاهتمام بالأبعاد الاجتماعية في فهم التعاليم والنصوص، والتحرك من الموضوعات الواقعية والاجتماعية إلى النص، والسير من الدلالة الجزئية إلى الدلالة المشتركة، وثنائية الحق والحكم في فقه النظرية.

المصادر والمراجع

آزاد ارمکی، تقی (1376)، نظریه‌های جامعه‌شناسی، تهران: نشر سروش.

اسلامی، رضا (1385)، نظریه حق‌الطاعه، قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامی.

توسلی، غلامعباس (1376)، نظریه‌های جامعه‌شناسی‌، تهران‌: سمت.

جمشیدی، محمدحسین (1392)، اندیشه سیاسی آیت‌اللّه صدر، تهران: وزارت امور ‌ ‌خارجه .

حائری حسینی، سید‌کاظم (1414ق)، ولایة الامر فی عصر الغیبه، بیروت: مجمع الفکر الاسلامی.

حائری، سید‌علی‌اکبر (1417ق)، «منطقة‌ الفراغ‌ فی‌ التشریع الاسلامی»، مجله رساله التقریب‌، ش11‌.

حائری‌، سید‌کاظم (1376)‌، «سیاست و حکومت»، فصلنامه علوم سیاسی، سال اول، ش1.

صدر، سید‌محمدباقر (1405ق)، دروس فی علم الاصول، قم: دارالمنتظر.

صدر، سید‌محمدباقر (1417)، بحوث‌ فی‌ علم‌ الاصول، ج4، قم: مؤسسه دایرةالمعارف فقه اسلامی،

صدر، سید‌محمدباقر [دون تاريخ]، الاسلام‌ یقود الحیاة، تهران: وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی.

صدر، سید‌محمدباقر (1405)، الفتاوی الواضحه، بیروت: دارالتعریف.

صدر، سید‌محمدباقر (1428ق)، بحوث فی علم الاصول‌، تقریر‌ سیدمحمود‌ هاشمی، قم: المجمع العالی لشهید صدر.

صدر، سید‌محمدباقر (1339ق)، لمحة الفقهیه‌ (تمهیدیه عن شروع دستور الجمهوریة الاسلامیة فی ایران) تهران: جهاد البناء.

صدر، سید‌محمدباقر (دون تاريخ)، ماوراء الفقه، بیروت: دارالاضواء.

‌صدر، سید‌محمدباقر (1417‌ق)، اقتصادنا‌، تصحيح عبدالحکیم ضیاء و…، قم: دفتر تبلیغات اسلامی، شعبه خراسان.

صدر، سید‌محمدباقر (1399‌ق)، خلافة‌ الانسان و شهادة الانبیاء، تهران: جهاد لبناء.

صدر، سید‌محمدباقر (1406ق)، دروس فی علم الاصول، بیروت: دارالکتاب البنانی.

‌صدر، سید‌محمدباقر (1359‌)، همراه‌ با تحول اجتهاد، ترجمة اکبر ثبوت، تهران: روزبه.

صدر، سید‌محمدباقر (1349)، اقتصادنا، ترجمة‌ ع، اسپهبدی‌، تهران‌: منشورات برهان اسلامی.

صدر، سید‌محمدباقر (1403ق)، دورالائمه فی الحیاة الاسلامیه، فی کتاب بحوث اسلامیه و مواضیع‌ اخری‌، بیروت‌: دارالزهراء.

صدر، سید‌محمدباقر (1409‌ق)، السنن التاریخی فی القرآن، بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.

صدر، سید‌محمدباقر (1975م)، الاتجاهات‌ المستقبلة‌ لحرکة الاجتهاد، بیروت: دارالزهرا.

فیرحی، داود (1389)، مباحث فقه سیاسی، انجمن مطالعات سیاسی‌ حوزه‌.

کرلینجر‌، فرد ان (1377)، مبانی پژوهش در علوم رفتاری، ترجمة حسن پاشا شریفی وآخرون، تهران‌: نشر‌ آوای نو.

منتظری، حسینعلی (1415)، نهایة الوصول، قم: نشر الاسلامیه.