ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تلفیق روش نشانه شناسی ایزوتسو و روش استنطاق شهیدصدر با تطبیق بر داستان موسی (ع) و فرعون در قرآن ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تهدف هذه الدراسة إلى استكمال وتطوير منهج التفسير الموضوعي لـالشهيد صدر، من خلال تصميم نموذج لدمج منهج السيميائية لإيزوتسو مع منهج الاستنطاق وتطبيقه على قصة موسى(ع) وفرعون في القرآن الكريم. إن الاستفادة من المناهج الخارجية (كالسيميائية) بالتكامل مع المناهج الداخلية، تُعد خطوة فعالة في تصميم منهج مبتكر لفهم النص. وقد أُجريت هذه الدراسة بأسلوب تحليلي-وصفي، وتُعتبر نوعًا من الدراسة الثانوية في مجال المنهجية، حيث تسعى إلى دراسة «منهج نمذجة التفسير الموضوعي-السيميائي». تم تنفيذ هذا الدمج في مرحلة المنهج الاجتهادي كجزء من عملية منهج الاستنطاق، لتوفير آلية التعدد واكتشاف طبقات المعاني العميقة (بما في ذلك الرؤية الكونية، والأنظمة الفرعية الثقافية، والدال المركزي). وأخيرًا، لتجسيد تطبيق هذا النموذج، تم الكشف عن سلسلة من العلاقات المتجاورة والبديلة بوضوح من خلال تحليل العلامات في الآيات المتعلقة بقصة موسى(ع) وفرعون.
المؤلف: فاطمه بهجت، حسین بستان نجفی
المصدر: مطالعات قرآنی و فرهنگ اسلامی، شتاء 1403، العدد 32، ص 95 إلى 116.
المقدمة
مسار تنظيم وجودة العلاقة بين العلوم الحديثة والقرآن الكريم وفتح طرق لفهم أفضل للقرآن باستخدام مناهج حديثة لفهم النصوص التفسيرية، هو قضية كانت دائمًا في مركز اهتمام الباحثين في العلوم الدينية وعلماء القرآن المعاصرين، وقد نُشرت دراسات قيمة ومفيدة في هذا المجال. السؤال والهم الأساسي في هذه الدراسة هو التطرق إلى منهجية فهم معاني القرآن بهدف تطوير المناهج السابقة، ويُعتبر نوعًا من الدراسة الثانوية. إن منهج استنطاق القرآن للشهيد صدر ومعناشناسي إيزوتسو، اللذان يتناولان نقاشات مستفيضة حول الاستفادة من السيميائية في فهم القرآن الكريم، يخلقان قدرة على الدمج والاستخدام المتزامن في كشف معاني القرآن، ويمكن أن يكونا نقطة انطلاق لتشكيل مناهج ونماذج حديثة في فهم معاني القرآن.
في هذا المقال نسعى، باستخدام المنهج التحليلي والوصفي، إلى شرح دمج هذين المنهجين ونتائجه.
إن إقامة الاتصال كانت دائمًا من هموم الإنسان الملازمة له. يُطلق هذا المفهوم على جميع الأنشطة الكلامية والكتابية والحركية التي يستخدمها الفرد لنقل المعنى إلى فرد آخر. يمكن أن يكون نقل الرسالة بهدف إعلام بسيط أو تأثير ونفوذ على المتلقي مع مزيج من الشعور والعاطفة. كانت العلامات دائمًا من أكثر أدوات نقل الرسالة تأثيرًا. فك رموز العلامات الكلامية وغير الكلامية يلعب دورًا مهمًا في الحياة والاتصالات البشرية المتنوعة على مستويات مختلفة، سواء في الاتصالات بين الأفراد، أو الاتصالات بين الثقافات المختلفة، أو عالم الإعلام والفن والأدب. (فرهنگی، ١٣٧٥: ١٣) السيميائية [1] التي بدأت في القرن العشرين بأعمال سوسور وبيرس، تتعامل مع المعاني التي تشكل أساس أي نوع من الاتصال، وخاصة الاتصال اللغوي، وفي العصر الحالي تُعد أداة مهمة لنقل الرسائل والمعاني على نطاق واسع. لقد ساهم علم السيميائية بفك رموز العلامات في ظواهر متنوعة في تعريف مكانة العلامات في الحياة البشرية بشكل أفضل (سميث. (178:1394.
يمكن للسيميائية أن تساهم في تنقيح منهج التفسير وكشف نظام القرآن، ومعنى القرآن، وآلية تعدد المعاني للمفسر. تكمن أهمية السيميائية في الدراسات الدينية من جانبين؛ أولًا، أن كل اتصال لغوي يتم بمساعدة علامات لغوية مثل الكلمات أو الجمل، لكن هذه العلامات عادةً ليست لغوية بحد ذاتها، بل لأنها تنقل المعاني، فهي أساس الاتصال بحيث لو لم تكن هذه العلامات موجودة لما تم الاتصال اللغوي. ثانيًا، أن القرآن هو نتاج اتصال لغوي بين الله والإنسان، واللغة بين الله والإنسان مثل غيرها من الاتصالات اللغوية تتم بمساعدة علامات. وبما أن السيميائية هي دراسة وتحليل نظام العلامات، فإنها يمكن أن تكون مفيدة في تحليل العلامات القرآنية وتوفر لنا مناهج جديدة لفهم كلام الله. (قائمی نیا، ١٣٩٣: ٢٦ -٢٩). هذا يبرز أهمية تحليل العلامات القرآنية التي تمهد طريق فهم الآيات الإلهية، وقد نشأت عبر تاريخ الإسلام علوم متنوعة لتحليل العلامات.
يبدو أن منهج السيميائية في الدمج مع المناهج التفسيرية للقرآن يمكن أن يلعب دورًا تكميليًا منهجيًا.
كما سيأتي في هذا المقال، فإن طريقة التفسير الموضوعي للشهيد الصدر التي تؤكد على الاستنطاق من القرآن؛ تهيئ بيئة مناسبة للاستفادة من منهج السيمياء في تفسير القرآن.
خلفية البحث
في مجال السيمياء للكلمات القرآنية، تم حتى الآن نشر عدة مقالات وكتب، كمثال مقال بعنوان «تحليل المكونات الدلالية لـحق في القرآن الكريم باستخدام طريقة التجاور والبدل» من تأليف ساساني وآزادي (١٣٩١). ومقال «دلالة الكلمة في القرآن الكريم مع التركيز على علاقات التجاور والبدل» من تأليف شفيع زاده وبهار زاده (١٣٩٣). كلا البحثين يستخدمان فن السيمياء لفهم علاقات التجاور والبدل في مفاهيم القرآن الكريم. كان كتابا «بيولوجيا النص» لعلي رضا قائمي نيا و«الله والإنسان في القرآن» لتوشيهيكو إيزوتسو من المصادر التي بحثت موضوع السيمياء في مفردات القرآن، وقد كانا مفيدين في هذا البحث أيضاً. يتميز البحث الحالي عن الأبحاث السابقة في مجال السيمياء في آيات القرآن بمنهجية مبتكرة تركز على تقديم «طريقة نمذجة التفسير الموضوعي – السيميائي» التي تم التوصل إليها من خلال عملية منظمة لاكتشاف نماذج مفهومية عبر فهم علاقات التجاور والبدل ودمجها مع المفاهيم المستنطقة من آيات القرآن، وهي طريقة التفسير الموضوعي للشهيد محمد باقر الصدر؛ وذلك في سبيل إكمال وتطوير طريقة التفسير الموضوعي باستخدام منهج السيمياء. في البحث الذي أُجري حول خلفية الموضوع، لم يُعثر على أي مصدر ذي صلة بالسيمياء، سواء من الكتب أو المقالات، تناول موضوع البحث القرآني الحالي.
١. الأسس النظرية للبحث
بدأت السيمياء في القرن العشرين بأعمال سوسور (Ferdinand de Saussure) وبيرس (Charles Sanders Peirce)، وبعد ظهور وجهات نظر مختلفة في السيمياء التفسيرية، شهدت إيكو Umberto) (Eco نهضة جديدة. وفقاً لسوسور، اللغة تتكون من صورة صوتية (كلمات وأصوات) ترتبط بالمفاهيم. العلاقات بين هذه الصورة والمفاهيم يحددها فقط الاتفاق العرفي. لا يوجد سبب ضروري يدفع مثلاً أن تعبر كلمة “شجرة” عن مفهوم الشجرة. حسب قول سوسور الشهير، العلامة اللغوية أمر اختياري. كان يزعم أن اللغة بالضرورة نظام من العلامات يشمل عملية معقدة من الدلالة. لفهم اللغة يجب اكتشاف بنية ووظيفة هذا النظام العلامي (اسمیت، ١٣٩٤: 178)
التمييز الآخر الذي أشار إليه سوسور هو التمييز بين مصطلحي «التزامن» و«التاريخية». في المحور التاريخي يُنظر إلى تغيرات اللغة عبر الزمن، أما التزامن فيشير إلى فهم البنية العامة للغة. في البنيوية لسوسور، يُناقش التزامن باعتباره بنية اللغة. في الرؤية الأولى التاريخية، تُعتبر اللغة نظاماً من الكلمات المرتبطة دون الإشارة إلى الزمن، بينما النهج التزامني يهتم بالتطور التطوري للغة. سوسور يعطي وزناً أكبر للبعد التزامني. كان يؤمن أن اللغة يمكن اعتبارها نظاماً كاملاً «متجمداً في الزمن» يمكن فهم التغيرات اللغوية ضمنه (پیاژه، ١٣٨٤: ٩٥). اقترح سوسور إمكانية تصور علم يدرس دور العلامات كجزء من الحياة الاجتماعية، وسمى هذا العلم السيمياء (سوسور، ١٣٨٢: ٣٢). مفكرون مثل إيزوتسو الذين تناولوا السيمياء في القرآن يركزون على النهج التاريخي في فهم معاني الكلمات، ومن جهة أخرى، فإن طريقة الاستنطاق عند الشهيد الصدر، كما سيأتي، تؤكد على الرؤية التاريخية وأهمية عنصر الزمن والتاريخ في فهم معاني القرآن.
قسموا الاتصالات إلى نوعين: كلامية وغير كلامية. الاتصالات غير الكلامية أو لغة الجسد تشمل نطاقاً واسعاً. التعبير من خلال تعابير الوجه، الإيماءات، الرموز الوضعية، الحركات الإيقاعية، العروض، وحتى الموسيقى (ریچموند و مک کروسکی، ١٣٩٩: ١٩) تنقل العديد من المعاني المهمة والحساسة عبر التواصل البصري، الفروق الصوتية، الإشارات، تعابير الوجه وغيرها. في كثير من الحالات، تخلق الاتصالات غير الكلامية فضاءً يهيمن على الاتصالات الكلامية مثل الاستماع، التوقف، نغمة الكلام التي تعكس الحالات النفسية والعاطفية (سماور، ١٣٧٩: ٢٤٨). في هذا البحث، وبسبب اتساع نطاق الاتصالات غير الكلامية، سنقتصر على دراسة الاتصالات الكلامية وتحليل العلاقات والوظائف اللغوية.
من بين الباحثين المعاصرين في القرآن، كان إيزوتسو (Toshihiko Izutsu) أول من استخدم علم الدلالة لفهم المعنى في القرآن. لقد كتب كتابه الشهير “الله والإنسان في القرآن” بهدف توفير دلالة خاصة بالقرآن استنادًا إلى علم اللغة وعلم الدلالة عند سوسور. في هذا المجال، تأثر بدلالة أولمان وعلم اللغة عند سوسور، ودمجهما معًا ليصل إلى اكتشاف جديد للمعاني القرآنية (قائمی نیا، ١٣٩٣: ٥٣٠). الاختلاف الرئيسي في منهج إيزوتسو التحليلي هو رغبته في تقديم القرآن بناءً على بيانات قرآنية، وجعل القرآن يتحدث بلغته الخاصة، بحيث يفسر ويشرح مفاهيمه بنفسه (ایزوتسو، ١٣٧٨: ٨). في هذا البحث، سنشرح نظريات الدلالة عند إيزوتسو ونستخدمها بما يتناسب مع موضوع الدراسة.
١-١. علاقات التزامن والتعاقب
تُفهم معاني الكلمات من خلال علاقات التعاقب والتزامن داخل اللغة. تُنشأ هذه العلاقات باستخدام الكلمات المرادفة، والمتضادة، والمتشابهة. عدم استخدام بعض الكلمات يُفهم منه معاني كلمات أخرى مستخدمة في اللغة. اللغة تشمل التمييز بين الدال والمدلول والعلاقات بين العلامات التي تخلق سلسلة من الكلمات والجمل والعبارات. النظام الترابطي أو العلاقات تجمع الكلمات في تسلسل خطي، والتمييزات تستبدل الكلمات الغائبة بالكلمات الحاضرة في تسلسل لغوي خاص (هریس، ١٣٨١: ١٢٤). على سبيل المثال، في جملة مثل «الأغنام تذهب إلى المرعى»، كل كلمة تكتسب معناها من خلال ارتباطها بالكلمات التي تسبقها وتليها. هذا هو نظام التزامن اللغوي [2]. يمكن استبدال كلمات أخرى بالكلمات الحالية في هذه الجملة. يمكن استبدال «الأغنام» بـ «البقرة» أو «المعزة»، و«المرعى» يمكن استبداله بـ «الحظيرة»، «المزرعة» أو «السهل». يُسمى هذا الاستبدال نظام التعاقب اللغوي [3] (سوسور، ١٣٨٢: ١٤٠). مبادئ نظام التعاقب والتزامن موجودة في جميع مستويات اللغة. الكلمات تقيم علاقات فيما بينها بسبب تسلسلها. كل عنصر يُدرس مع العناصر التي تسبقه وتليه، ولكن من جهة أخرى توجد كلمات في بنية اللغة ترتبط بكلمات خارج تلك البنية. يستخدم سوسور مبادئ متشابهة ومتطابقة لفحص العلاقات داخل مستويات اللغة المختلفة (المرجع نفسه: ١٧٦- ١٧٧).
١-٢. علم الدلالة في تفسير القرآن
طريقة نمو المفاهيم وتكاثر المعاني من الخصائص البارزة للقرآن الكريم. كلمة في آية ما لها علاقات دلالية خاصة، وفي آية أخرى تكتسب علاقات تزامن مختلفة، مما يخلق شبكات متعددة من العلامات التي تؤدي إلى استنتاجات معنوية جديدة (ساسانی، ١٣٩١: ٧١). كل علامة تستدعي مجموعة من العلامات الأخرى وتنفي مجموعة أخرى، وتصبح العلامة المعنية في مركز هذه الشبكة الدلالية. (ساسانی، ١٣٩١: ٧١) في علم الدلالة لنص القرآن الكريم، يُستخدم ثلاث مراحل لفحص وفهم علاقات التزامن الفعلية والتعاقب المفهومي، وفحص المفاهيم المرتبطة بالمفهوم المعني، وكذلك فحص المفاهيم المتقابلة مع المفهوم الضروري. في بنية القصص القرآني أيضًا، تتيح علاقات التزامن تركيب الجمل، وعلاقات التعاقب تتيح المقارنة بين المفاهيم الحاضرة والغائبة، وخلال هذه العملية تتشكل شبكة من العلامات التي توفر ضمن النظام البنيوي علاقات ومعادلات معنوية (قائمی نیا، ١٣٩٣: ٢٤٢-٢٩٣).
١-٣. منهج التفسير الموضوعي للشهيد صدر
يطرح الشهيد صدر خصائص لمنهج التفسير الموضوعي تميّزه عن منهج التفسير الترتيبي. تشمل هذه الخصائص مجالات الهدف، الموضوع، دور المفسر النشط، والمنهج. من خلال توضيح هذه الخصائص يمكن إظهار التكامل بين علم الدلالة ومنهج التفسير الموضوعي.
١. هدف التفسير الموضوعي هو تجاوز المعاني الظاهرية لألفاظ القرآن والوصول إلى نظريات أساسية في القرآن حول الأمور الواقعية والملموسة أو موضوعات من مسائل الحياة. ٢. الموضوع في التفسير الموضوعي ذو معنى عام وليس جزئيًا، ويشمل الأمور الخارجية أو الواقعية من مجرى الحياة. ٣. للمفسر دور نشط واتصال ملموس مع واقع حياة الإنسان. ٤. منهج التفسير الموضوعي في إيجاد الموضوع هو منهج تجريبي، وفي جمع الآيات منهج استقرائي، وفي تحليل الآيات منهج اجتهادي، وفي استخراج النظرية من الآيات المجموعة منهج استنطاقي. بعد تقديم الموضوع إلى القرآن ودراسة التجارب البشرية حوله، يعرض المفسر مجموعة من المعارف والتجارب على آيات القرآن ويسأل القرآن عن ذلك الموضوع. في النهاية، نتيجة هذا الحوار النشط هي اكتشاف رأي القرآن حول ذلك الموضوع (صدر، ١٤٢١هـ: ٣٦-٣٣). في مرحلة تحديد الموضوع، يُغذى الموضوع في ذهن المفسر بناءً على حقائق الحياة، مما يحوله إلى سؤال نشط.
بعد جمع مجموعة من المشكلات الإنسانية غير المحلولة ومجموعة من التجارب الإنسانية والتراث العلمي والثقافي، يتوجه المفسر إلى القرآن ويسأله، ويجيب القرآن حسب استعداد المفسر وعلومه وإنجازاته، ومع مرور الوقت تتوفر مقدمات لاستنطاق القرآن الكريم واستخراج النظرية (المرجع نفسه: ٢٩). يتجاوز التفسير الموضوعي التفاسير الترتيبية والجزئية، ويكشف العلاقات والروابط بين الأجزاء المتفرقة في أفق أوسع، ويصل إلى بنية نظرية قرآنية حيث يُوضع كل عنصر معنوي في مكانه المناسب (صدر، ١٣٩٥: ٤٤ -٤٥). يمكن للمفسر من خلال صياغة النتائج الجزئية المكتشفة من الآيات أن يصل إلى اكتشاف النظرية القرآنية. يعرّف الشهيد صدر الهدف النهائي من التفسير الموضوعي بأنه استخراج النظرية من القرآن (صدر ١٤٢١: ٢٧ و ٣٣).
يسمّي الشهيد صدر طريقته في فهم القرآن بالطريقة الاستنطاقية. فهو يرى القرآن مجموعة من العلوم السابقة واللاحقة التي يجب أن تُطرح عليها الأسئلة ليُستخرج من آياته الكلام. فإمكانية الإجابة على أسئلة كل عصر موجودة كإمكانية كامنة في القرآن الكريم. (ر. ک. صدر، ١٤٢١: ٢٩-٣١) بينما تتمثل رسالة طريقة التفسير الترتيبي في كشف معاني ألفاظ وعبارات القرآن، فإن الطريقة الاستنطاقية تسعى إلى كشف وجهة نظر وموقف الآيات.
هذه الرؤية هي نتاج تراكم دلالات نص ونظام فكر المؤلف الذي ينظم أجزاء الكلام في ضوء نظامه الفكري. الفهم الموضوعي مرتبط بالتاريخ، لأن المفسر في كل عصر وفترة يفهم النص بما يتناسب مع مقتضيات تلك المرحلة الزمنية الخاصة به، وهذا ما يجعل التفسير الموضوعي متحركًا عبر العصور والأزمان، ويتيح بشكل لا نهائي إمكانية فهمات جديدة ومبتكرة للقرآن. (ر. ک. قربانخانی، ١٤٠١: ٢٩-٣٧) ولهذا فإن منهج الشهيد صدر في الطريقة الاستنطاقية هو منهج “زماني” يولي اهتمامًا خاصًا لعنصر الزمن والتاريخ في فهم دلالات القرآن من قبل المفسر.
الدلالات التي يقصدها الشهيد صدر في نظرية الاستنطاق هي من نوع الدلالات الكلامية التي تسعى إلى كشف دلالات الكلام الإلهي. ورغم أن بعضهم يعتقد أن الاستنطاق يتعامل مع طبقات عميقة وغامضة من النص وأن هذا النوع من المعرفة هو معرفة باطنية. (باقری، ١٣٨٢: ٨٨ و ٩٢) إلا أنه يمكن الاستنتاج أن الاستنطاق من نوع الدلالات الكلامية التي تكشف المراد الكلامي من خلال الدلالة الالتزامية. هذه الدلالة تعبّر عن وجهات نظر لاحقة للنص لم تُذكر صراحة في الكلام وتقع في مرتبة الدلالات الإشارية التي هي جزء من الدلالات الالتزامية؛ (اوسط باقری، ١٣٩٩: ٢٣).
٤. دمج علم الدلالة مع طريقة التفسير الموضوعي عند الشهيد صدر «طريقة التفسير الموضوعي – الدلالي»
تحقيق تقدم منهجي في تفسير القرآن يتطلب تأسيس وتطوير طرق بحثية في هذا المجال من خلال تصميم طرق منظمة ومنهجية، بالاعتماد على أساليب اجتهادية وفهم النصوص الوحيّة، وتطبيق النظرة النظامية والبنيوية. عندها يمكن أن نكون فاعلين جدًا في تحليل القضايا وكشف الحقائق الخفية، وتمهيد الطريق للنظرية مع الاعتماد على المصادر الوحيّة الإسلامية. “طريقة نمذجة التفسير الموضوعي – الدلالي” التي يسعى هذا البحث إلى توضيحها هي نتيجة دمج طريقة علم الدلالة واستخدامها في مرحلة الطريقة الاجتهادية التي هي إحدى مراحل التفسير الموضوعي عند الشهيد صدر؛ حيث يمكن للمفسر أن يستخدم منهج علم الدلالة في هذه المرحلة لتكثير المعاني، في سبيل كشف الحقول والبنى الدلالية. في الجدول رقم ١، إلى جانب رسم المراحل الأربع للتفسير الموضوعي عند الشهيد صدر، تم رسم مرحلة دمج طريقة علم الدلالة.

٥. رسم عملية الكشف المنهجي عن الدلالات المفهومية باستخدام الأسس النظرية لإيزوتسو
بعد شرح طريقة “نمذجة التفسير الموضوعي – الدلالي”، نسعى في هذا القسم من البحث إلى إظهار وظيفة فهم العلاقات التلازمية والبديلة في فهم وتحليل الآيات، لنبيّن كيف يؤدي دمج طريقة علم الدلالة مع طريقة التفسير الموضوعي إلى خلق منهجية ونظرة بنيوية ونظامية لدلالات آيات القرآن. ولرسم وتوضيح هذه العملية، استعنا بالأسس النظرية لإيزوتسو الذي قدم تحليلات موسعة في علم دلالة القرآن الكريم.
يختار إيزوتسو عنوان “علم المعاني” لتحليل مفردات القرآن، والتي تتضمن العملية الرباعية التالية، وهي نتيجة الكشف المنهجي عن علاقات التلازم والبدائل.
أ) البحث والدراسة التحليلية حول الكلمات المفتاحية في اللغة بهدف التعرف على النظرة الكونية القومية. يرى إيزوتسو اللغة ليس فقط كوسيلة للتحدث والتفكير، بل كوسيلة لتصور وتفسير العالم الذي تحويه الأمة، ويقول في هذا الصدد إنه يسعى من خلال التحليل المنهجي للمفاهيم المفتاحية إلى كشف نظرة كونية من نوع وجودي حي ونابض. (ایزتسو ١٣٧٣: ٤) ويقول إن الكلمات تحمل عدة مستويات من المعنى، أحد هذه المستويات لفهم المعنى هو الرجوع إلى علم المعاجم، الذي له دور مساعد وثانوي، أما المستوى الآخر من المعنى فيُفهم من خلال المقارنة بين المفاهيم التي لها علاقات تلازمية وبديلة؛ وهذه العلاقات تؤدي إلى كشف المعنى النسبي للكلمات التي تختلف ضمن أنظمة دلالية مختلفة، وهذا الفهم يختلف عن المعاني الأساسية والأساسية التي هي واضحة بين العقول العامة، ويمكن أن تحدد النظرة الكونية للنص. (المرجع نفسه: ١٤)
ب) يجب الاعتراف بأن المفاهيم التي لها وظائف تلازمية وبديلة تشكل جهازًا مفهوميًا يمثل نظامًا ثقافيًا جزئيًا. كل من المفاهيم المفتاحية للجهاز المفهومي، بالإضافة إلى كونها جزءًا من النظام الكلي، لها بنية دلالية خاصة بها وتحتوي على مفاهيم أخرى تندرج تحتها. في دراسة نص يمكن النظر إلى كليته أو يمكن اعتبار مفهوم معين في مجال خاص بشكل منفصل ضمن حقل دلالي ودراسته. (خان محمدی، ١٣٩٩: ٤٧) مفهوم “الحقل الدلالي” في التحليل الدلالي للقرآن من ابتكارات إيزوتسو، حيث كل مجموعة من الكلمات التي ترتبط في المعنى الأساسي تشكل حقلًا دلاليًا خاصًا، وهذا المفهوم يساعد إيزوتسو على تقسيم النظام الدلالي للقرآن إلى حقول ودراسة علاقاتها ببعضها البعض. (ایزوتسو، ١٣٧٤: ٢٣-٢٥) نتاج هذا المنهج هو فهم نظامي وبنيوي لمعاني القرآن الكريم.
ج) يسعى إيزوتسو إلى الاقتراب من المعنى المركزي للنص، ويبحث عن طريقة علمية لتحليل البنية الأساسية لمجال المعنى. يقول إن أفضل طريقة لمثل هذه العملية هي وصف معنى كلمة ما من خلال الظروف والأحوال التي تُستخدم فيها (المرجع نفسه: ٢٧).
د) المستوى الداخلي للنص هو ما يركز عليه إيزوتسو في استنباط معاني الكلمات القرآنية. يستفيد المستوى الداخلي للنص من تقنيات مختلفة (خان محمدی، ١٣٩٩: ٤٩). إذا أُعطي للنص هوية كلية ووحدة معنوية نوعية، فإن النتيجة ستكون أن المفسر لا يمكنه تفسير كل جزء وفقًا لما لديه من معارف وافتراضات وآراء شخصية، بل لأن كل جزء من النص مرتبط بمعنى الجزء الآخر ومقيد به، وبالمجمل مقيد بهوية النص الكلية، فإن التفسير الناتج سيكون مقيدًا بكل جزء من أجزاء النص ومتوافقًا تمامًا مع جميع أبعاد النص. هذا المنهج يزيد من مصداقية وصحة التفسير (خان محمدی، ١٣٩٩: ٥٣ نقلًا عن جوارشکیان ١٣٧٩: ١٢٧).
عملية منهج إيزوتسو في علم المعاني، الذي يستفيد من علم العلامات، هي النموذج الدلالي الذي يعتمده هذا البحث، والذي يشكل مع دمجه مع منهج التفسير الموضوعي للشهيد الصدر في مرحلة المنهج الاجتهادي “نموذج التفسير الموضوعي – الدلالي”. وقد تم رسم مراحل هذا النموذج في المخطط رقم ١.


٦. تطبيق منهج علم العلامات وعلم المعاني على قصة موسى (ع) وفرعون في القرآن الكريم
في متابعة هذا البحث، سيتم تجسيد وتقديم أُطُر مفهومية مستخرجة من الرموز والعلامات الموجودة في قصة النبي موسى عليه السلام وفرعون من خلال علم العلامات واكتشاف علاقات التتابع والتجاور. وسيُبذل جهد لتقديم نموذج من عملية فهم علاقات التجاور والتتابع وفقًا للجدول رقم ٢.
تم اختيار أربعة من العلاقات التي لها وظيفة التجاور والتتابع من الآيات المتعلقة بقصة موسى في سور مختلفة من القرآن، وبعد ذلك تم رسم نماذج للعلاقات المتبادلة بين المفاهيم الرئيسية من خلال اكتشاف علاقات التجاور والتتابع. في الجدول أدناه، ذُكر قائمة بالرموز والعلامات الموجودة في قصة النبي موسى عليه السلام التي تم تناولها في هذا البحث.
الجدول رقم ٢: الرموز والعلامات الرباعية ذات علاقات التجاور والتتابع في قصة موسى عليه السلام وفرعون في القرآن الكريم، يرجى الرجوع إلى المقالة للصورة /
كل نموذج من النماذج المفهومية المطروحة في الجدول رقم ٢ له وظيفة التجاور والتتابع. من خلال طرح مراحل هذه العملية الرباعية، سنرسم أنماط علاقات التجاور والتتابع في هذه الآيات. يمكن تحليل المراحل الأربعة في عملية اكتشاف الدلالات المفهومية كما يلي.
أ) يمكن لكل نموذج أن يعكس النظرة القومية للعالم في نص الآيات، والتي في مجال المعنى الأوسع هي النظرة الإلهية مقابل النظرة المادية. على سبيل المثال، الرفاق المستضعفون والفقراء مقابل الرفاق من الطبقة الثرية، أو القول اللين والشجاع مقابل القول الخشن والروح المحافظة، هي أبعاد من نوعين من النظرات في مجال المعنى الجزئي، وتُظهر نظامًا مفهوميًا أدق.
ب) كل نموذج مفهومي يعبر عن نظام ثقافي فرعي، ويشكل مجالًا معنويًا أدق، والذي عند دمجه مع أنظمة ثقافية فرعية أخرى مستخرجة من نماذج أخرى من آيات مختلفة، يشكل نظامًا ثقافيًا أوسع، ومن خلال تحليل مجموعها يمكن الوصول إلى فهم هيكلي ونظامي للنظرة الإلهية والمادية أو أي نظرة قومية أخرى.
ج) النماذج المصممة تقربنا من الدال المركزي لمعنى النص، وهي الحقيقة التي تشكل المحور الرئيسي لكل الأنظمة الثقافية الفرعية المستخرجة من علاقات التجاور والتتابع؛ دال واحد. على الرغم من أن الآيات التي تم تحليلها جاءت متفرقة في سور مختلفة من القرآن، إلا أن جميعها تحمل دالًا مركزيًا واحدًا يقترب المفسر من اكتشافه بنظرة هيكلية إلى الآيات. يبدو أنه يمكن اعتبار الدال المركزي في النظرة الهيكلية إلى الأنظمة الفرعية المطروحة في هذه الآيات هو التوحيد أو الصراع بين المستضعفين والاستكبار. بالطبع، الهدف من هذا البحث هو هدف منهجي وليس تفسيرًا يسعى إلى تحديد دال مركزي دقيق للآيات.
د) بناءً على الترابط الداخلي لكل كلمة مع الكلمات الأخرى في النص، يُفهم المعنى داخل النص بحيث قد لا يحمل نفس الكلمة في نص آخر أو في مجال معنوي مختلف هذا المعنى. على سبيل المثال، في الآيات المدروسة، يُنشئ الكلام اللين والشجاع مقابل الكلام العنيف والمحافظ مجالًا معنويًا يساعد كل كلمة على فهم معنى الكلمة الأخرى، ويُستحضر المعنى الخاص لكل كلمة بجانب الكلمة الأخرى، ويكتسب معنى الكلمات داخل النص نوعًا من التماسك والتناغم والتوافق معًا. كل كلمة على حدة خارج النص المدروس وخارج المجال المعنوي للآية لن تحمل هذا المعنى، بل سيكون لها معنى مختلف آخر.
٧. عرض نماذج من علاقات الإحلال والتجاور
القرآن الكريم في سور متعددة تناول قصة حياة النبي موسى عليه السلام ومواجهته مع فرعون، ففي سور مثل الصافات، القصص، طه، الأعراف، الأحزاب، والشعراء، ذُكرت هذه القصة بالتفصيل. من خلال دراسة آيات متعددة من هذه السور واكتشاف وتبيين علاقات التجاور والإحلال في هذه الآيات، نصل في النهاية إلى سلسلة من المفاهيم المترابطة والمتصلة التي تُعدّ وظيفتها في جهاز التفسير الموضوعي لشهيد صدر شبكة تشكيل المفاهيم وصياغة المفسر، وفي النهاية نظرية مستمدة من نص القرآن.
١-٧. الكلام اللين والشجاع مقابل الكلام العنيف والروح المحافظة
يقول الله تعالى مخاطبًا موسى عليه السلام: “اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقل له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى”(طه /٢٤)، أي عند الدعوة تعامل معه بلين وامتنع عن القسوة وتحدث بلطف. (طبرسی، ١٣٦٣، ج ١٦: ٢٩). نبرة الكلام من أساليب الاتصال غير اللفظي التي يحاول المتكلم من خلالها جذب وإقناع المستمع باختيار كلمات تحمل مفهوماً ناعماً ورقيقاً. كلام موسى عليه السلام في مواجهة فرعون، رغم لينه ورفقه، يتميز بالثبات والشجاعة. مقابل هاتين الصفتين في كلام موسى عليه السلام، تظهر صفتان متضادتان في كلام فرعون؛ نبرة كلامه العنيفة وسياسة فرعون وأعوانه المحافظة التي تدل على خوف داخلي لديهم. يقترح أعوان فرعون ألا يتعجلوا في قتله لأنهم سيصفونه بالظالم والقاسي، بل يرسلون أولاً بعثات إلى المدن، ثم يواجهونه بسحرهم، أي يتصدى لموسى بطريقة إيجابية وبظاهر أدب ومحافظة، وفي النهاية يتهمون موسى عليه السلام بالسحر حتى يصفونه بأنه أذكى من السحرة وأستاذهم. (دهقان نیری و همکاران، ١٣٩٧: ١١) بعد هزيمته في المسابقة التي أطلقها بنفسه، يخاطب فرعون السحرة بلغة التهديد ويتهمهم زورًا بالتحالف مع موسى عليه السلام دون أي دليل منطقي. تبلغ عنفوان كلام فرعون بعد هزيمته من موسى ذروته: “إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ۖ فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى” (طه /٧١-٧٣). تهديد السحرة بالقتل والتعذيب بعد إيمانهم يعبر عن شدة غضبه في كلامه وتصرفاته، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف وتعليقهم على جذوع النخل يدل على عنفه في السلوك. (اشکوری، د.ت.: ج ٣: ٧١) من كلام فرعون يُستخلص نوع من الخوف والمحافظة، خوف من الطرد من الأرض التي يصرح به في قوله: “قال أجيئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى”(طه /٥٧). هذا الخوف دفع فرعون إلى اتهام موسى عليه السلام بالسحر، مع أن الأمر واضح أن الساحر لا يستطيع بسحره إخراج ملك من أرضه، ومن الواضح أن فرعون كان يخشى بشدة أن يثير الرأي العام ضده ويطيح بسلطته. (طبرسی، ١٣٧٤، ج ٤: ٨٨)
هذا الخوف أجبر فرعون في النهاية على استخدام الاتهام لتشويه الساحرين وموسى عليه السلام. عبارة “إنه لكبيركم الذي علمكم السحر” حيث طرح فرعون هذا الاتهام بأنكم دبرتم مؤامرة سياسية ضد الحكم بقيادة موسى، وأن موسى هو معلمكم وأستاذكم. (مکارم شیرازی، ١٣٧١، ج ١٣: ٢٤٨). الروح المحافظة لفرعون واضحة في حديثه مع مستشاريه ونزاعه معهم: “فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى” (طه / ٦٢-٦٤). هذا النزاع والاختلاف في الأحاديث السرية يدل على الخوف والروح المحافظة. (طباطبایی، ١٣٧٤، ج ١٤: ٢٤٣). بين مفهومي الكلام اللين والشجاع والكلام العنيف والخوف والروح المحافظة، توجد علاقة إحلال وتجاور يمكن تمثيلها كما يلي.

٧-٢. تحويل شعور الخوف إلى أمان
كان فرعون يمتلك قوة وثروات كثيرة في أرض مصر. “فأخرجناهم من جنات و عيون و كنوز و مقام كريم “(شعرا/٥٧). (فبالرغم من كل تلك الادعاءات) أخرجناهم من حدائق مصفاة مع أنهار جارية. وكذلك أخرجناهم من الكنوز والثروات والمناصب العليا. (الهی قمشه ای، ١٣٨٠). كان شعور الأمان لدى الفراعنة في ظل القوة والثروات يجعلهم يظنون أن موسى عليه السلام عدواً ضعيفاً، رغم أن هذا الشعور بالقوة كان مصحوباً بالخوف من الطرد من أرضهم، وكان هذا الخوف ناتجاً عن النبوءات التي تنبأت بسقوط وانهيار حكم الفراعنة، حتى أنهم كانوا يقتلون أطفال بني إسرائيل بسبب هذا الخوف. في آيات سورة الشعراء ورد وصف أصحاب موسى عليه السلام من لسان فرعون هكذا: ” إن هؤلاء لشرذمۀ قليلون و إنهم لنا لغائظون و إنا لجميع حاذرون ” (شعرا ٥٢/-٥٤). أي إن بني إسرائيل هم جماعة قليلة، ويفعلون أشياء تثير غضبنا، ونحن حذرون من مكيدة قد يحيكها العدو ضدنا، رغم أن العدو ضعيف وقليل العدد. (طباطبایی، ١٣٧٤ج ١٥: ٣٨٦) هذا الشعور بالأمان والقوة ينكسر في النهاية ويتحول إلى خوف وهلاك. عندما يُطرد الفراعنة من حدائقهم وتُؤخذ أموالهم، كما ورد في الآية ١٣٧ من سورة الأعراف التي تشير إلى زوال شعور الأمان لديهم: “ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون” أي “وأهلكنا ما صنع فرعون وقومه من صناعات وعمارات وقصور، وغرق فرعون وجنوده في البحر وحصل هلاكهم الكامل.” “ثم أغرقنا الآخرين” ثم أغرقنا فرعون وقومه الذين كانوا في وسط الماء بجعل المياه تلتقي عليهم. (جعفری، ١٣٧٦ ج ٦: ١٩٧و١٩٨) هناك علاقة تعاقب بين شعور الأمان لدى الفراعنة والخوف وانعدام الأمان لديهم.
كانت حالة موسى عليه السلام وأصحابه في البداية هي الخوف والشعور بانعدام الأمان، وهو عكس الفراعنة تماماً، إذ يتحول هذا الانعدام إلى شعور بالأمان وزوال الخوف. “فلما تراءي الجمعان قال أصحاب موسي إنا لمدركون” (شعرا / ٦١). طارد الفراعنة بني إسرائيل ووصلوا إليهم في الصباح، وعندما رأى الصفان بعضهما البعض، قال أصحاب موسى عليه السلام بخوف: إنهم يقتربون منا. (الهي قمشهاي ١٣٨٠) هذا الشعور بالخوف يتحول بعد غرق الفراعنة إلى أمان كامل ونجاة موسى عليه السلام وأصحابه. “وأنجينا موسي ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين” (شعرا / ٦٥ و ٦٦). مثال آخر في سورة القصص: “قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون” (قصص /٣٤و ٣٥). هذه الآية هي رد على طلب موسى عليه السلام من الله بإرسال أخيه هارون معه كمعين في أداء الأمر الإلهي. “أخي هارون أفصح مني، فابعثه معي ليؤكد صدقي في دعوتي، لأنني أخاف.” يتحول خوف موسى عليه السلام الأولي من تكذيب الفراعنة إلى شعور بالأمان بوجود أخيه معه. يقول الله تعالى: سأشد عضدك بأخيك، كما أن عدم وصول الفراعنة إليكما يعني أنهم لن يتمكنوا من الوصول إليكما “أنتما ومن اتبعكما الغالبون” أي أنكما وأتباعكما ستكونون الغالبين. (مکارم شیرازی، ١٣٧١، ج ١٦: ١٧٨و١٧٩)

٧-٣. تحرير بني إسرائيل (ورثة الأرض) من الأسر والقيود (استكبار فرعون)
كان بني إسرائيل، وفق آيات القرآن، يعانون من الضعف بسبب الظلم. “ونريد أن نمن علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمۀ ونجعلهم الوارثين” (قصص /٥). البيئة التي نشأ فيها موسى عليه السلام كانت بيئة علو فرعون في الأرض، ونشر الفرقة بين الناس، وضعف بني إسرائيل. كان فرعون مصمماً على ألا يبقى على الأرض حتى شخص واحد من بني إسرائيل، فقد سيطر بقوته على كل شؤون حياتهم وأذلهم وأصدر حكم القضاء عليهم. (طباطبایی، ١٣٧٤ ج ١٦: ٩ و ١٠) في مواجهة هذا الضعف، يقف فريق المستكبرين من الفراعنة الذين كانوا سبب هذا الضعف والأسر “واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق” (قصص / ٣٩).
تقول الآية ١٤ من سورة طه: “فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم” كان موسى عليه السلام منذ بداية دعوته يسعى لتحرير بني إسرائيل من ظلم الفراعنة، وطلب من فرعون أن يرسل بني إسرائيل معه ولا يعذبهم. بعد دعوة موسى عليه السلام وهلاكه الفراعنة في البحر، أصبح بني إسرائيل ورثة أموال وقوة وأرض الفراعنة. وكانت نتيجة النضال والدعوة الطويلة والشاقة لموسى عليه السلام هي نجاة وتحرير بني إسرائيل من أسر وعبودية الفراعنة. “وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها… ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون” (اعراف /١٣٦-١٣٧). لقد منحنا القوة لبني إسرائيل الذين كانوا ضعفاء بسبب ظلم الفراعنة، وبعد هلاك فرعون سلّمناهم كل أرض مملكة فرعون. وجملة “ودمرنا ما كان يصنع فرعون” تعني أننا دمرنا بيوتهم وقصورهم وأشجارهم وحدائقهم. (طبرسی، ١٣٦٣ ج ١٠: ٣٣) هناك علاقة تلازم بين مفاهيم استكبار فرعون وضعف بني إسرائيل، وكذلك بين هلاك الفراعنة وتحرير بني إسرائيل، وعلاقة تعاقب بين معاني الضعف والاستكبار والهلاك والتحرير والوراثة، يمكن تمثيلها كما يلي.

٤-٧. أتباع موسى عليه السلام المستضعفون والفقراء مقابل أتباع فرعون من الطبقة الثرية
كان أتباع ومؤمنو موسى عليه السلام من الطبقات المحرومة والمستضعفة، كما ذُكر بالتفصيل في محتوى الآيات السابقة. في المقابل، كان أتباع فرعون من الطبقات الثرية التي كانت أموالهم تمنح القوة لأرض مصر، وكانوا أصحاب بساتين وكنوز كثيرة. وفي مقابل هذه الآيات، تذكر آيات أخرى “وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ.. . “(اعراف / ١٣٧) بمعنى أننا دمّرنا ما بناه فرعون وقومه من صناعات وقصور عظيمة. (الهی قمشه ای، ١٣٨٠). وبالنظر إلى محتوى الآيات، بين أتباع موسى عليه السلام والطبقة المستضعفة وأتباع فرعون والطبقة المرفهة والثرية، توجد علاقة تعايش، وكذلك بين أتباع موسى عليه السلام وفرعون والطبقتين المستضعفة والثرية توجد علاقة خلافة. ويمكن تمثيل ذلك بالشكل التالي.

كانت علاقات الخلافة والتعايش التي تم تناولها حتى الآن نموذجًا لتطبيق علم الدلالة في قصة قرآنية. كما أن الأفعال والسلوكيات الظاهرة لهذين الشخصيتين أو النموذجين القرآنيين متضادة ومتقابلة تمامًا. ما نجده في العالم الخارجي عند مواجهة هذين النموذجين ليس مجرد شخصين متميزين، بل سلسلة من المفاهيم الناشئة عن ثنائيات متميزة ومتقابلة أساسية تم تمثيلها في نص القصة القرآنية. في هذا القسم، تم السعي لرسم وإظهار نماذج من العلاقات النظامية بين المفاهيم القرآنية. ولا شك أن هناك مفاهيم متعددة أخرى يمكن تقديمها بالتأمل الأعمق في آيات القرآن. إن اكتشاف وتحليل علم الدلالة لسلسلة المفاهيم النظامية يمكن أن يوفر للمفسر في تنقيح منهج التفسير الموضوعي آلية لتكثير معنى خاص من خلال العمليات الرباعية التي تم طرحها سابقًا، ويؤدي إلى كشف طبقات خفية من النص، ومن ثم يُطرح كمنهج مكمل إلى جانب منهج التفسير الموضوعي.
الخلاصة
الاستفادة من المناهج والتقنيات الخارجة عن الدين، مثل مناهج علم الدلالة ودمجها مع المناهج الدينية لفهم النص التفسيري، يمكن أن تكون خطوة جديدة في مسار تصميم منهج مبتكر واستكمال المناهج السابقة لفهم آيات القرآن الكريم. تناول هذا البحث منهج النمذجة “التفسير الموضوعي – الدلالي”. وهو نموذج ناتج عن دمج عملية اكتشاف مدلولات مفهومية من خلال فهم علاقات التعايش والخلافة مع منهج التفسير الموضوعي للشهيد صدر قدس سره. يوفر منهج علم الدلالة آلية تكثير المعاني للمفسر في التفسير الموضوعي. تشمل خصائص منهج التفسير للشهيد صدر مجالات الهدف، الموضوع، الدور الفاعل للمفسر، والمنهج في التفسير الموضوعي. ومنهج التفسير الموضوعي هو اكتشاف الموضوع، منهج تجريبي، وفي جمع الآيات يعتمد على المنهج الاستقرائي، وفي تحليل الآيات يستخدم المنهج الاجتهادي، وكذلك في استخراج النظرية منهج الاستنطاق.
يمكن دمج المدلولات المفهومية المكتشفة من خلال علاقات التعايش والخلافة في مرحلة المنهج الاجتهادي للتفسير الموضوعي للشهيد صدر، كما هو موضح في الجدول (١). وبعد شرح منهج “نمذجة التفسير الموضوعي – الدلالي”، سعينا لإظهار كيف يؤدي دمج منهج علم الدلالة مع منهج التفسير الموضوعي إلى خلق توجه ونظرة هيكلية ونظامية لمداليل آيات القرآن الكريم، ويفتح آفاقًا أوسع أمام المفسر الموضوعي. ولرسم هذه العملية، استفدنا من الأسس النظرية لإيزوتسو الذي قدم تحليلات موسعة في علم دلالة القرآن الكريم؛ حيث يوضح كيف يؤدي علم الدلالة إلى اكتشاف طبقات أعمق من المعاني التي تشمل معرفة الرؤية الحياتية الحية والمتجددة للأمة، والأنظمة الفرعية الثقافية، والاقتراب من الدال المركزي للنص، واكتشاف مستوى داخل النص.
إن علم الدلالة في دمجه مع منهج التفسير الموضوعي لا يوفر فقط آلية تكاثر المعاني للمفسر، بل يفتح له تلك الطبقات المذكورة في فهم معنى القرآن الكريم. في الجزء النهائي من البحث، طبقنا “منهج علم الدلالة – التفسير الموضوعي” في تفسير قصة موسى عليه السلام وفرعون في القرآن الكريم، ومن خلال تصميم نماذج لعلاقات التعايش والخلافة في آيات القرآن، تم رسم وظائف هذه المفاهيم.
أظهرت نتائج هذه العلاقات بشكل ملموس، إلى جانب إظهار نظام تكاثر المعاني، طبقات عميقة من المعاني، وأظهرت كيف يمكن لكل نموذج أن يعكس الرؤية الحياتية للأمة في نص الآيات، ويكشف الأنظمة الفرعية الثقافية التي يمكن من خلال دمجها الوصول إلى فهم هيكلي ونظامي للرؤية الإلهية والمادية. كل نموذج قادر على تقريبنا من الدال المعنوي المركزي للنص، ويُظهر داخلية النص في كل نموذج أن الكلمات المفتاحية تنظم نظامًا معنويًا خاصًا؛ وربما إذا وُضع نفس اللفظ في نص آخر أو في مجال معنوي مختلف، لا يحمل هذا المعنى.
تضارب المصالح
لا يوجد تضارب مصالح.
المصادر والمراجع
١. القرآن الكريم، ترجمة الهی قمشه ای، مهدی. (١٣٨٠ش). الناشر: فاطمه الزهراء ایران – قم.
٢. اسمیت، فلیپ. (١٣٩٤ش). نظریه فرهنگی، المترجم: محسن ثلاثی، تهران: نشر علمی.
٣. ایزوتسو، توشیهیکو. (١٣٧٨ش). مفاهیم اخلاقی، دینی در القرآن الكريم. ترجمة فریدون بدره ای. تهران: نشر فروزان.
٤. (١٣٧٣ش). خدا و انسان در قرآن، ترجمة احمد آرام، تهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامی.
٥. اوسط باقری، علی. (١٣٩٩). نقش پیش دانستهها و علایق مفسر در تفسیر قرآن، قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه و مؤسسه امام خمینی ره
٦. اشکوری، محمد بن علی. (دون تاريخ). تفسیر شریف لاهیجی، ج ٣، تهران: دفتر نشر راد
٧. باقری، خسرو. (١٣٨٢). هویت علم دینی، تهران: وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی
٨. پیاژه، ژان. (١٣٨٤ش). ساختارگرایی، ترجمة رضا علی اکبرپور، تهران: کتابخانه موزه و مرکز استاد ملی مجلس شورای اسلامی.
٩. جعفری، یعقوب. (١٣٧٦). تفسیر کوثر، قم: هجرت
١٠. خان محمدی، کریم. (١٣٩٩ش). قرآن و عقلانیت ارتباطی، تهران: نشر نی.
١١. دهقان نیری، مرضیه، سلطانی، سیدعلی اصغر، مقدسی نیا، مهدی. (١٣٩٧). «ادب در گفتمان قرآن گفتگوی موسی و فرعون در سوره اعراف »، مطالعات قرآنی و فرهنگ اسلامی، فصلنامه علمی پژوهشی، سال دوم العدد چهارم، زمستان ١٣٩٧، الصفحة ١- ٢٣
١٢. ریچموند، ویرجینیا پی، و جیمزسی مک کروسکی. (١٣٩٩ش). رفتارهای غیرکلامی در روابط میان فردی درس نامه ارتباط غیرکلامی، ترجمة فاطمه سادات موسوی و ژیلا عبدالله پور إشراف غلامرضا آذری، الطبعة الثانية تهران: منشورات دانژه.
١٣. سماور، لاری ای، ریچارد ای. پورتر، لیزا استفانی. (١٣٧٩ش). ارتباطات بین فرهنگها، ترجمة غلامرضا کیانی و سید اکبر امیر حسینی. تهران: باز.
١٤. سوسور، فردیناندو. (١٣٨٢ش). دوره زبان شناسی عمومی، ترجمة کوروش صفوی. الطبعة الثانية تهران: هرمس.
١٥. ساسانی، فرهاد، پرویز، آزادی. (١٣٩١). تألیف مؤلفههایی معنایی حق در القرآن الكريم با بهره گیری از شیوه همنشینی و جانشینی، فصلنامه پژوهشهایی زبان و ادبیات تطبیقی، د٣، ش ١، (پیاپی ٩).
ص ص. ٦٧-٨٤
١٦. صدر، سید محمدباقر. (١٤٣٤ق.). المدرسه القرآنیه، الناشر دار الکتاب اسلامی(١٣٩٥).
١٧. صدر، سید محمدباقر. (١٤٢١. ق). موسوعه الامام الشهید السید محمد باقر الصدر، (ج ١٩)، تهران: نشر مرکز.
١٨. طبرسی، فضل بن حسن. (١٣٦٣). ترجمة مجمع البیان فی تفسیر القرآن، ترجمة: رسولی، هاشم، تهران: فراهانی.
١٩. طبرسی، فضل بن حسن. (١٣٧٤). ترجمة تفسیر جوامع الجامع، المترجم: امیری شاد مهری، احمد، مشهد: بنیاد پژوهشهایی اسلامی.
٢٠. طباطبایی، محمدحسین. (١٣٧٤ش). ترجمة تفسیر المیزان، ٢٠جلد، ج ٥، ٨، ١٤، ١٥، ١٦، ١٩، جامعه مدرسین حوزه علمیه قم، ایران – قم: منشورات اسلامی.
٢١. فرهنگی، علی اکبر. (١٣٧٥ش). ارتباطات انسانی، تهران: خدمات فرهنگی رسا.
٢٢. قائمی نیا، علیرضا. (١٣٨٩ش). بیولوژی نص، پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی.
٢١. قربانخانی، امید. (١٤٠١). «واکاوی مؤلفههایی مفهومی استنطاق قرآن در روش تفسیری شهیدصدر»، فصلنامه پژوهشهایی قرآنی، سال ٢٧، ش ١، ص ص. ٤٦-٢٥
٢٤. مکارم شیرازی، ناصر. (١٣٧١ش). تفسیر نمونه، ٢٨جلد، ج ٢٦، ایران، تهران: دار الکتب الإسلامیۀ.
٢٥. هریس، روی. (١٣٨١ش). زبان، سوسور و ویتگنشتاین، ترجمة اسماعیل فقیه، تهران: نشر مرکز.
[1]Semiotics
[2]syntagmatic
[3]associative

