ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تحلیل مبانی و رویکرد شهید صدر به تفسیر موضوعی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: في هذا المقال يتم تحليل أسس ومنهج الشهيد صدر في التفسير الموضوعي. رغم أن التفسير بين المسلمين كان دائمًا يتم بطريقتين: «التفسير الترتيبي» و«التفسير الموضوعي»، إلا أن الشهيد صدر يُعد من المفسرين الذين يرون أن الانتباه إلى التفسير الموضوعي ضرورة لا مفر منها في العالم المعاصر. ومع ذلك، فإن نظرته تختلف عن غيره من المفسرين؛ فهو يعتقد أن التفسير الموضوعي يتشكل عندما يبدأ المفسر من عالم الواقع قبل الرجوع إلى القرآن. لذلك، فإن منهجه التفسيري هو الحوار مع القرآن واستنطاقه (إخراجه على لسانه). وهذه الرؤية، كما أشار هو بنفسه، تستند إلى كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة الذي دعا المسلمين إلى استنطاق القرآن، بحيث يتحدث القرآن بما يتناسب مع حاجات الإنسان في كل عصر ويحل مشكلات المجتمعات البشرية.
المؤلف: علی اصغر یساقی، سید محمدعلی ایازی
المصدر: فصنامه تخصصی فقه و تاریخ تمدن، خريف 1389، العدد 25، ص 196 إلى 217.
المقدمة
لقد قرأ المسلمون القرآن منذ القدم وفق ترتيب كتابة الآيات، وكانوا يولون لهذا الترتيب أهمية خاصة. ولهذا، كان المفسرون دائمًا يحرصون على الحفاظ على هذا الترتيب في كتابة التفسير. ولهذا السبب، يُعتبر المنهج الترتيبي في التفسير تقليدًا عريقًا في تاريخ التفسير، وطبيعي أن يكون التفسير الموضوعي مقارنة بهذا الشجرة الراسخة والقوية، شجرة صغيرة ناشئة وجديدة الظهور. ومع ذلك، لا يعني هذا القول أبدًا أن استخدام هذا المنهج لم يكن له وجود في تاريخ الأربعة عشر قرنًا الماضية، أو أنه أسلوب ظهر حديثًا في العصر الحالي واهتم به بعض المفسرين فقط؛ بل يمكن من خلال دراسة تاريخ التفسير أن نجد خيوطًا من التفسير الموضوعي في أقوال النبي الكريم والأئمة المعصومين عليهم السلام. مع ذلك، يجب الاعتراف بأن المنهج السائد في التفسير كان دائمًا المنهج الترتيبي. يقول الشهيد صدر في هذا الصدد: «تقريبًا على مدى ثلاثة عشر قرنًا، كان المنهج السائد في التفسير هو المنهج التحليلي، وكان كل مفسر، مثل أسلافه، يرى نفسه ملزمًا بتفسير القرآن آية آية». (صدر، 90)
وقد أكد مفسر كريم في مقدمة تفسيره الموضوعي على هذه النقطة، حيث كتب: «نحن في هذا البحث نعرض وجهًا جديدًا من تفسير القرآن الذي لم يُعطَ له اهتمام كبير خلال الأربعة عشر قرنًا التي مرت على تاريخ القرآن، وليس أننا نقول إنه لم يُعطَ أي اهتمام، بل نادراً ما حظي بالاهتمام». (سبحانی، ج1، ص17)
لذا، كان المنهج السائد بين المفسرين دائمًا هو التفسير الترتيبي؛ ولكن كما ذُكر، يمكن ملاحظة نماذج من المنهج الموضوعي – وإن كانت نادرة – في صدر الإسلام. على سبيل المثال، كشف معاني آيات القرآن بواسطة آيات أخرى من القرآن، أو إزالة التناقض بين الآيات المتعلقة بموضوع معين، هي من الأمور التي قام بها النبي الأكرم والأئمة المعصومون (ع). وإن كان في بعض الحالات يتقارب هذا الأسلوب التفسيري من التفسير القرآن بالقرآن الذي يتبناه المعصومون (ع)؛ إلا أنه بالنظر إلى وجود كشف المعاني أو إزالة التناقض بين الآيات، يمكن اعتبار هذه الحالات تفسيرًا موضوعيًا. (مصطفی مسلم، 19-17).
ومن بين هذه الحالات، رواية طويلة نسبيًا عن الإمام علي (ع) نقلها العلامة المجلسي. في هذه الرواية، قسم أمير المؤمنين (ع) الكفر في القرآن الكريم إلى خمسة أقسام، ثم شرح كل منها بذكر مصاديق من الآيات. (مجلسی، ج69، ص101 و 100).
وقد أدرج بعض الباحثين في علوم القرآن موضوعات مثل أسباب النزول، الناسخ والمنسوخ، المحكم والمتشابه، الأمثال والعقوبات في القرآن ضمن التفسير الموضوعي. (ذهبی، ج1، ص149 و 148 و ایازی، نگاهی به تفاسیر موضوعی معاصر، مقاله ع. 28 ص145).
إذا قُبل هذا القول، فإن تاريخ كتابة التفسير الموضوعي يمتد إلى تاريخ كتابة كتب علوم القرآن والمفردات. على أي حال، استمر المنهج التفسيري الموضوعي بهذا الفهم البدائي، جنبًا إلى جنب مع المنهج الترتيبي السائد بين المفسرين، في حركته التدريجية – التطورية حتى بداية القرن الرابع عشر الهجري، وبعد التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية الواسعة، تسارعت حركة المفسرين الموضوعيين نحو هذا المنهج في نطاق أوسع وبنظرة مختلفة عما كان لدى المفسرين السابقين، ودخلت مرحلة جديدة. قبل ذلك، كانت تفاسير المفسرين السائدة – سواء الترتيبية أو الموضوعية – مجرد كشف عن الآيات بنظرة فردية. كان المفسرون يتوجهون إلى القرآن بنظرة ما هي مسؤولية الفرد تجاه قوانين وأحكام القرآن، ويقومون بتفسير آياته. ولم يكن التفسير الموضوعي استثناءً من هذا الأسلوب المألوف على مر العصور. لذلك، كانت نظرة المفسرين إلى التفسير غالبًا ما تستند إلى النص وتكون داخلية؛ في بداية هذا القرن، أدت تقدم العلوم والصناعة وتوسع الحضارة الغربية من جهة، وانحطاط وتخلف المسلمين من جهة أخرى، إلى دفع المفسرين والمصلحين الإسلاميين إلى دراسة تاريخ المجتمعات الإسلامية، خاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين، ومقارنته مع الوضع الكئيب والمضطرب لعصرهم، لفهم سر هذا التخلف وإيجاد حل لهذه المشكلة. وبطبيعة الحال، كانت النتيجة المرجوة من هذا البحث هي العودة إلى القرآن. وبلا شك، لم تكن هذه العودة تقبل تفسير القرآن على النمط السابق، بل كانت تتطلب منهجًا وطريقة أخرى في التفسير. وكان ظهور التفاسير السياسية والاجتماعية وطرح قضايا النواقص والمشكلات في المجتمعات الإسلامية في هذه التفاسير ثمرة مباركة لهذا المنهج. كانت قضايا مثل العدالة الاجتماعية، مكافحة الاستبداد، مكافحة الفقر والفساد الاجتماعي، التمتع بالحقوق الإنسانية، الحرية، وغيرها من الموضوعات التي دخلت التفسير بظهور هذا المنهج.
يكتب أحد الباحثين المعاصرين في علوم القرآن في هذا الصدد: «إن كتابة التفسير في القرن الرابع عشر تختلف وتتميز عن أي قرن آخر في تاريخ الإسلام، وهذه الميزة لا تتعلق فقط بكثرة التفاسير المتنوعة من كل مذهب ومدرسة، بل تتعلق أيضًا بتحول وجهة نظر كتابة التفسير. تحول من النظرة الفردية والآخرة إلى النظرة العرفية والاجتماعية». (خرمشاهی، 9).
بالتوازي مع هذه التحولات، تغيّر أسلوب حياة الإنسان أيضاً، وحلّت أدوات ووسائل جديدة محل الوسائل المعيشية والفكرية السابقة. تسارعت الرغبات والاحتياجات لاكتشاف المسائل والتغلب على المجهولات، وتزايدت الفضول والعقلانية. في هذا السياق، طرحت أسئلة لا حصر لها عن الماضي والحاضر والمستقبل. كيف نعيش وكيف نبقى وكيف نبني المستقبل هي من بين المسائل التي طرحت بشكل أوسع تماشياً مع سير التطورات العلمية. هذه المسائل، رغم أنها كانت دائماً محط اهتمام الإنسان، إلا أنها ازدادت أهمية مع التحولات الفكرية والعلمية، ودعت الدين إلى تقديم إجابات مناسبة لتطورات العصر. طُلب من الدين أن يزيل قلق الإنسان في هذه المسائل ويقدم له جواباً مقنعاً ومقبولاً (معرفت،ج2، ص450).
والنتيجة أن التحولات الفكرية والاجتماعية والوعي العلمي للمفسر بمسائل متنوعة واحتياجات عصره من جهة، وطرح الشبهات والاعتراضات المختلفة التي أثارت شبهات تعارض بين العلم والدين من جهة أخرى، دفعت المفسرين المعاصرين – وخصوصاً المفسرين الموضوعيين – إلى النظر إلى القرآن بمنهج مختلف عما كان عليه المفسرون السابقون، وأن يستفيدوا من العلوم والمعارف الإنسانية في طرح أسئلة حول مسائل ومشكلات عصرهم من القرآن، وأن يسمعوا الإجابات حسب فهمهم.
ومن بين المفسرين الموضوعيين المعاصرين، يُعد الشهيد سيد محمد باقر الصدر من الذين أكدوا هذه النقطة. فهو، مع التأكيد على الانتقال من التفسير الترتيبي إلى التفسير الموضوعي، يضيف: «على عكس المنهج الترتيبي، يبدأ المفسر الموضوعي من النص والواقع واحتياجاته. في هذه الحالة، يوجه المفسر فكره واهتمامه إلى أحد الموضوعات العقائدية أو الاجتماعية أو المسائل الإنسانية الأخرى. ثم يراجع جميع الآيات المتعلقة بهذا الموضوع ويسأل عنها ويأخذ الإجابة من القرآن… ويمكن القول أيضاً إن التفسير الموضوعي هو حوار ومحادثة مع القرآن الكريم وطرح الأسئلة عليه، وليس مجرد طلب إجابة سلبي وضعيف، بل طلب إجابة نشط وحيوي» (صدر، 18).
وبالنظر إلى ما سبق، يتضح أنه منذ القرن الرابع عشر فصاعداً، حدث تحول ليس فقط في النظرة بل أيضاً في منهج التفسير الموضوعي. لأن التفسير الموضوعي في الماضي كان انطوائياً ومبنيّاً على النص، بمعنى أن التفسير يبدأ من القرآن وينتهي إليه. أما في التفسير الموضوعي المعاصر، فيستمد المفسر المسائل من واقع الحياة، ويدرس ويجمع الاحتياجات الواقعية في الحياة، ثم يعرض هذه المسائل والاحتياجات المتنوعة على القرآن، ويبحث عن إجاباتها فيه. هذا المنهج التفسيري هو نفسه المنهج الذي أوصى به أمير المؤمنين في تطبيقه، وأكد على الاستنطاق من القرآن (نهجالبلاغه، خطبه 158)، وقد ذكر الشهيد الصدر بعد قرون هذا التوصية التي غابت عن المفسرين في كلماته القيمة. بلا شك، فإن معرفة أبعاد وزوايا رؤية الشهيد الصدر ستحدث تحولاً كبيراً في مجال التفسير الموضوعي. ونحن في هذا المقال نحاول أن نلقي الضوء على بعض الجوانب الظاهرة والخفية لفكر الصدر في مجال التفسير الموضوعي.
1. عناصر التفسير الموضوعي من وجهة نظر الشهيد الصدر
مع أن الشهيد الصدر لم يقدم تعريفاً محدداً للتفسير الموضوعي في مباحثه، إلا أنه يمكن استنباط عناصر ومقومات التفسير الموضوعي من محتوى ومضمون كلامه. فعلى سبيل المثال، عندما يبيّن الفرق بين منهج التفسير الموضوعي والمنهج الترتيبي يقول: «في منهج التفسير الموضوعي لا يتم تقطيع آيات القرآن ولا يُدرس الآيات بشكل متسلسل أي آية آية، بل يحاول المفسر الموضوعي أن يركز أبحاثه على موضوع من موضوعات الحياة أو العقيدة أو الاجتماعية أو العالمية التي تناولها القرآن، ويستفيد من القرآن في ذلك الموضوع» (صدر، 11).
وبالتالي، يمكننا من خلال التدقيق والتأمل في هذا القول وغيره من الأقوال المماثلة، الوصول إلى أهم عناصر التفسير الموضوعي التي سنعرضها في هذا المقال.
1-1- امتلاك موضوع خاص
من وجهة نظر الشهيد الصدر، أحد أهم عناصر التفسير الموضوعي التي تميّزه عن التفاسير الترتيبية هو امتلاك موضوع محدد. فهو يرى أنه على عكس المنهج الترتيبي الذي يدرس فيه المفسر نصاً معيناً من آيات القرآن دون وجود خطة أو تصور مسبق، ويبذل جهده فقط لتفسير مدلول ومعنى الآيات في ضوء فهم معاني ألفاظها بمساعدة القرائن، فإن المفسر الموضوعي يحاول قبل الشروع في التفسير أن يركز ويدقق في موضوع من موضوعات الحياة أو الأيديولوجيا أو الاجتماعية، ويجمع من أفكار وتجارب الآخرين ما يفيده، ثم يتوجه إلى القرآن ليبحث عن إجابات أسئلته المتعلقة بذلك الموضوع. يسأل المفسر ويجيب القرآن (همو، 16). قد يُطرح هنا سؤال: ما الموضوع الذي يمكن البحث عنه في القرآن؟ وما هي أساساً وجهة نظر القرآن في أي موضوعات يمكن دراستها والبحث فيها؟
يعتقد بعض المفسرين الموضوعيين أن المفسر يمكنه أن يبدأ بالكلمات والمصطلحات التي وردت في القرآن، ثم يتتبع الكلمات المشتركة والجذرية، ويحصي استخداماتها المختلفة في القرآن كله، ويجمع الآيات ويُلقي نظرة شاملة عليها ليبيّن الموضوع (مکارم شیرازی، ص23-21).
وكما فعلت معظم التفاسير الموضوعية، أي أنها بدأت الموضوعات من القرآن وانتهت إليه فقط؛ لكن الشهيد الصدر في مفهومه لـ«امتلاك موضوع خاص» يختلف عن غيره من المفسرين الموضوعيين.
فهو لا يعتبر جمع الآيات ذات المضمون المشترك من جميع أنحاء القرآن، وتنظيمها وترتيبها ثم تفسيرها تفسيراً موضوعياً. الشهيد الصدر يرى أن هذه الدراسات ليست سوى جمع موضوعات متعددة من التفسير التحليلي، ولا ينبغي تسميتها تفسيراً موضوعياً (صدر، 16). بل المقصود من الموضوعات الخاصة لديه هي الموضوعات التي تتشكل عند مواجهة الفكر الإنساني والتجارب البشرية.
لذلك، فإن منهج الفهم في التفسير الموضوعي من وجهة نظر صدر هو تنقيح الرؤية والاستفادة من التجارب البشرية حول الموضوع. (همو، 18) خلاصة القول إن الموضوع الخاص في هذا المنظور يرتبط بالواقع. وليس الأمر كما لو أنه يبدأ من القرآن وينتهي به دون أن يكون له علاقة بحياة الإنسان والعالم الواقعي.
2-1- الاستنطاق من القرآن
التأكيد على هذا العنصر من وجهة نظر صدر هو سر التمييز بين التفسير الموضوعي والتفسير الترتيبي. لأن التفسير الترتيبي يعتمد في فهم معنى ودلالة ألفاظ الآيات على ترتيب كتابتها. أما التفسير الموضوعي فهو في جوهره بحث عن فهم جواب من القرآن لمشكلة أو مسألة تواجه المجتمع، وينظر المفسر الموضوعي إلى القرآن من هذا المنطلق ويبدأ تفسير آيات القرآن على هذا الأساس. لذلك، فإن المفسر الموضوعي أولاً يركز ويعتمد على كلام الله في إيجاد الجواب وليس على شيء آخر. ثانياً، المقصود من هذا العمل – خلافاً للمفسر الترتيبي – هو استنباط واستخراج جواب من القرآن. هذا العنصر، أي الاستنطاق من القرآن، يحمل ميزة أخرى تميز التفسير الموضوعي عن التفسير الترتيبي، وهي أن المفسر في المنهج الترتيبي يكون في حالة سلبية ومنفعلة. بمعنى أن المفسر الترتيبي يدرس آية أو عدة آيات تشكل مقطعاً واحداً دون أي خطة مسبقة، ويحاول تفسير دلالة الآيات في ضوء معاني ألفاظها تفسيراً يعتمد فقط على النص. في هذا المنهج، يكون دور المفسر دور المتلقي المتأثر. فالقرآن يعطي بقدر ما يستطيع أن يدرك ويفهم؛ أما المفسر الموضوعي فيتخذ موقفاً فاعلاً. مواجهته مع القرآن هي من موقع الاستنطاق. لأنه قبل الرجوع إلى القرآن يركز ذهنه على موضوع خاص من موضوعات حياة الإنسان، وقد تعرّف على الحلول والأفكار البشرية المتعلقة بذلك الموضوع. لذلك، عندما يذهب إلى القرآن بهذه المعارف، لا يكون مجرد مستمع سلبي أو ناقل بلا جهد، بل بناءً على المعرفة والوعي السابق الذي اكتسبه حول ذلك الموضوع، يدخل في حوار واستنطاق مع نص القرآن. يسأل المفسر سؤالاً تلو الآخر، والقرآن يجيب. (همو، 17 و 16).
لذلك فإن الاستنطاق من القرآن واكتشاف واستخراج إجابة مناسبة لمسائل أو مشكلات المجتمع هو عنصر آخر أكد عليه الشهيد الصدر.
3-1- التجارب البشرية وحقائق الحياة
التفاسير التي تتجاهل التجارب البشرية ولا تأخذها في الاعتبار في تفسيرها لا مكان لها في تعريف التفسير الموضوعي عند الشهيد الصدر. يرى الشهيد الصدر أن التجارب البشرية تُثري التفسير الموضوعي وتجعله أكثر إنتاجية وحيوية. ولهذا يؤكد على شكل خاص من التفسير الموضوعي يكون فيه الموضوع منبثقًا من العالم الواقعي ومبنيًا على التجارب البشرية والمعارف الإنسانية. بينما يعتمد معظم المفسرين الموضوعيين على موضوعات موجودة مفاهيمها في نص القرآن. وقد نقد الشهيد الصدر هذه الفئة من المفسرين، معتبرًا أنه رغم أنهم جمعوا الآيات ذات الموضوع المشترك ورتبوها بشكل منظم للوصول إلى استنتاج منطقي، إلا أنهم لم يأخذوا التجربة البشرية بعين الاعتبار في تفسيرهم، ولم يعرضوا ما تعلموه وما اكتسبوه من خبرات بشرية على القرآن ولم يقارنوه به. وبالتالي فهم غير قادرين على تقديم نظرية شاملة. لأن الوصول إلى نظرية شاملة من القرآن ممكن فقط إذا كان الموضوع منبثقًا من موضوعات الحياة الإنسانية ومبنيًا على المشاكل النظرية والعملية للمجتمع، وكان المفسر على وعي بهذه الموضوعات أو المشكلات، وعلى اطلاع على الأفكار والتجارب البشرية المختلفة المتعلقة بالرد على تلك الموضوعات أو تقديم حلول لمشاكل المجتمع. ولهذا السبب، خلافًا لمعظم المفسرين الموضوعيين، لا يقترح الشهيد الصدر أن يبدأ حركته من نص القرآن، بل يقول صراحة إن المفسر الموضوعي يجب أن يبدأ من العالم الواقعي وأن يستفيد من تجارب الآخرين بقدر ما يمكن لهذه التجارب والأفكار أن تكون مفتاحًا للحل، وأن يتعلم شيئًا عن المشاكل والحلول التي طرحتها الأفكار البشرية، وأن يكون على علم بالثغرات والنواقص الموجودة، ثم يبدأ حواره مع القرآن. (المرجع نفسه، 18 و 16) هذا القول للشهيد الصدر دقيق جدًا وذكي ويثير التأمل. وربما يمكن القول إن جوهر كلام الصدر يكمن في هذا العنصر. ولهذا فإن استكناه مضمون هذا القول يحتاج إلى شرح وتبيين أوسع. قلنا إن من وجهة نظر الشهيد الصدر، يختلف مسار التفسير الموضوعي عن منهج المفسرين الآخرين وله خطوة إضافية. فهو يرى أن المفسر الموضوعي يجب أن يضع نفسه أولًا في ميدان الصراعات الفكرية والتجارب العلمية البشرية، وأن تهب عليه نسائم الآراء المختلفة من كل جانب. ثم، محملاً بحقيبة من التجارب البشرية والأسئلة التي طرحتها الأفكار البشرية، يقف أمام القرآن ويتفاعل مع نص القرآن بعقل مليء بالقضايا ومشحون بأسئلة العصر. كما يبدو، يشمل هذا المنهج أيضًا المضامين الخفية للآيات. وبعبارة أخرى، يضبط المفسر الموضوعي اتساع موضوعاته التفسيرية باتساع حاجات المجتمع الإنساني. وبما أن حاجات الإنسان وأسئلته تتزايد نتيجة التجارب البشرية المتزايدة، فإن نطاق الموضوعات التفسيرية يتسع أيضًا. (جلیلی، 84) لذلك، أول نقطة يمكن استنتاجها من كلام الصدر هي أن نطاق موضوعات التفسير الموضوعي بهذا النوع من النظرة يتسع ليشمل أسئلة واحتياجات وتجارب الإنسان عبر التاريخ الواسع، ومع الأخذ في الاعتبار أن كلما مر الزمن على الإنسان تنمو أسئلة ورغبات جديدة في حياته، يمكن الاستنتاج أن الإجابات الجديدة تُكتشف وتُستخرج من داخل القرآن مع الاحتياجات الجديدة للمجتمع، ويتجلى سر كلام الله تعالى حيث يقول: «وما نفدت كلمات الله» (لقمان، 27) للإنسان. لأن عدم انتهاء الحقائق الإلهية ممكن ومتحقق فقط إذا كانت تجيب على حاجات ورغبات الإنسان في كل عصر، وهذا لا يمكن إلا إذا كان المفسر الموضوعي على وعي بواقع عصره ورغباته ومشكلاته، ويحمل معه أفكار وتراث البشرية في عصره ليتمكن من إعادة البحث في نظرية القرآن بناءً على هذا التراث القيم.
نقطة مهمة أخرى كامنة في هذا القول هي أن بروز السؤال في ذهن المفسر الموضوعي وطرح الموضوعات من جانبه يرتكز دائماً على المعارف المسبقة للمفسر. المفسر الذي ذهنه كحقيبة من العلم، ويعي تجارب عصره وشؤون وأحوال الحياة الجماعية المتنوعة، بطبيعة الحال يثير في ذهنه العديد من الأسئلة. إن امتلاء ذهن المفسر بالأسئلة يعود إلى وعيه؛ لأن السؤال ينشأ من تفاعل المعارف الذهنية مع بعضها أو مع الوقائع الخارجية. ومن ثم، كلما زادت المعلومات العلمية للمفسر عن المعارف والتجارب في عصره، زادت حصيلته من المعارف القرآنية. وهذا ما هو عليه الواقع بالفعل؛ فالمفسرون الذين يمتلكون معرفة أكثر من غيرهم بطبيعة الحال يطرحون أسئلة أكثر، ولديهم إحاطة أفضل بموضوعات القرآن، وبالمقابل يحصلون على فهم أدق لآيات القرآن. أحد الباحثين القرآنيين السابقين له قول ثمين في هذا الصدد: «كل من كان نصيبه في العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر» (زرکشی، ج2/48).
4-1- التنظير
من العناصر المهمة الأخرى التي اعتمد عليها صدر هو التنظير. فهو يرى أن التفسير الموضوعي يتشكل حين يُكتشف ويُستخلص من داخل آيات القرآن نظرية الإسلام والقرآن بما يتناسب مع موضوعات ووقائع المجتمع الواقعية. ومن ثم، في نظره، التفاسير التي تفتقر إلى التنظير والتي غالباً ما تُدرس بناءً على الكلمات والعبارات ذات الدلالة المشتركة أو التي تؤكد على مفهوم الموضوع لكنها لم تتجاوز مرحلة جمع وتفسير الآيات، ولم تُعبر أساساً عن نظرية القرآن، ليست تفاسير موضوعية. على سبيل المثال، طريقة التسلسل الطبيعي أو تفسير آيات موضوعية في بحار الأنوار التي اقتصرت على الجمع الموضوعي دون تقديم نظرية، لا تُعتبر تفسيراً موضوعياً من وجهة نظر الشهيد صدر. المقصود بالنظرية هو وجهة نظر ذات طابع تفسيري تستند إلى مبادئ وإطار خاص. كما يقول علماء الاجتماع في تعريفها: «النظرية هي التوافق الشامل لمجموعة من القضايا المتعددة في قالب متصل ومنطقي يمكن من خلاله تفسير بعض الظواهر.» (توسلی، 25)
لذا، يجب على المفسر الموضوعي أن يتعامل مع موضوع من الموضوعات بطريقة تمكنه من تفسير المسائل والموضوعات من خلال الجمع والرؤية الشاملة للآيات المختلفة في قالب موضوعي واحد، وأن يقدم حلاً مناسباً لتلك المسائل والمشكلات.
يؤكد الشهيد صدر على أن موضوعات مثل شأن النزول، وعقوبات القرآن، والناسخ والمنسوخ وغيرها ليست سوى جمع لموضوعات متعددة من التفسير التحليلي، ويصرح بأن التفسير الموضوعي يتشكل حين يُطرح موضوع من مواضيع الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو العالمية ويُدرس من منظور القرآن ليؤدي إلى استخراج واكتشاف نظرية القرآن. (صدر، 15 و 14)
يرى صدر أن ظهور وجهات نظر مختلفة في التفاعل بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ومواجهة المسلمين لآراء متعددة في مجالات مختلفة من جهة، ووجود الثقافة الغنية للقرآن في جميع مجالات معرفة الإسلام من جهة أخرى، يدفع الإنسان إلى معرفة نظرية الإسلام وموقف الإسلام من ذلك الموضوع أو المواضيع نفيًا وإثباتًا. مثلاً، كيف حل الإسلام نفس المشكلة في مجال وصلت إليه التجارب البشرية، وقدم لها جواباً مناسباً. (همو، 30 و 29)
2. المبادئ والافتراضات الأساسية للشهيد صدر
تُسمى مبادئ التفسير تلك الافتراضات، والمبادئ الموضوعية، والمعتقدات العقائدية أو العلمية التي يقبلها المفسر ويعتمد عليها في تفسير القرآن. وبعبارة أخرى، لا بد لكل مفسر أن يوضح أساسه فيما يتعلق بالعناصر الأساسية المشاركة في عملية تفسير القرآن.
إلى جانب المبادئ العامة التي اعتمد عليها جميع المفسرين، يؤمن الشهيد صدر في التفسير الموضوعي بمجموعة من المبادئ والافتراضات التي تميّزه عن غيره من المفسرين الموضوعيين. في هذا القسم من الدراسة نشير إلى بعض أهم هذه المبادئ.
1-2- التوافق بين الركن الداخلي والركن الخارجي
يؤمن آية الله صدر إيماناً راسخاً بوجود ارتباط وتنسيق وتوافق بين القرآن باعتباره «الركن الداخلي» والتجارب البشرية باعتبارها «الركن الخارجي». لأن غياب هذا الارتباط يجعل التفسير الموضوعي مستحيلاً.
ومن ثم، يرى أنه يجب قبول وجود تبادل دائم بين هذين الركنين. ولهذا السبب سمى التفسير الموضوعي بذكاء التفسير التوحيدي، ليؤكد بذلك على وحدة وتكامل وتوافق التجربة البشرية والقرآن الكريم. (همو، 17)
ومن الواضح أن المقصود من تحقيق التكامل والتوافق بين هذين الركنين ليس فرض التجربة البشرية على القرآن؛ بل يرى صدر أنه يمكن وضع موضوعات الحياة والتجارب البشرية مع مفاهيم ومضامين القرآن في سياق واحد، بحيث يتسنى في ضوئه، إلى جانب توفير بيئة مناسبة للدراسة، تحقيق إمكانية التوافق والتكامل بينهما. (همو، 28)
يُصرّ صدر على هذه النقطة بأن التجربة البشرية تقدّم مواد ثمينة إلى القرآن الكريم لكي يحصل المفسر على الإجابات المطلوبة من القرآن. ولهذا السبب فإن الابتكار في التفسير الموضوعي ممكن. (همو، 33) وهذا الأمر علامة على تفاهم وتوافق المنهج التجريبي مع معارف القرآن. وبمراجعة آراء المفكرين الذين تحدثوا في هذا المجال تتضح صحة وثبات كلام صدر أكثر. فغالبية العلماء يعتقدون أن علاقة المقترحات العلمية والمقترحات الدينية بالواقع متطابقة؛ أي من جهة يؤمن علماء العلوم الإنسانية بأن النظريات العلمية تعكس أحداث العالم الخارجي وليست مجرد أدوات للسيطرة والتنبؤ والتحكم. ومن جهة أخرى لا ينكر المفكرون الإسلاميون والمفسرون واقع المقترحات العلمية، كما أنهم يعتبرون الآخرة، والجنة، والنار، والثواب والعقاب مفاهيم تدل على وجود خارجي خارج الذهن ومبني على الواقع. لذلك فإن مبدأ واقعية مقترحات الدين والعلم متفق عليه، لأن التوافق ممكن في ظل وجود علاقة متساوية مع الواقع. (جلیلی، 189- 187)
علاوة على ذلك، بما أن الدين والعلم كلاهما يتحدثان عن العالم الواقعي، فمن الطبيعي أن لغاتهما مشتركة من هذه الناحية، والمقصود بالاشتراك في اللغة هو الاشتراك في الفئات والمفاهيم التي تُصاغ ضمنها، وهذا بدوره ناتج ومسبوق بالاشتراك في المجال المعرفي والأسس المعرفية للوحي والعلم. لذلك فإن الاشتراك في اللغة يهيئ الأرضية للتفاهم وإمكانية الاتفاق بين العلم والدين، وبما أن لغة العلم ولغة الدين من حيث المحتوى واقعية، فلا بد أن تكون مشتركة أيضاً من حيث الموضوعات ونطاق الكلام. (همو، 190)
أحد المفكرين الغربيين يؤكد هذه النقطة ويشير إلى أن مقترحات العلم ومقترحات الدين يجب أن تشترك في صياغة تفسير متماسك لكافة التجارب البشرية، وليس أن تكون لكل منهما لغة مستقلة لا علاقة لها بالأخرى. (باربور، 4)
وفي موضع آخر من كلامه يؤكد هذه النقطة بطريقة مختلفة: «العلماء ينظرون إلى الطبيعة كجوهر وقالب وقانون منظّم، وأهل الكلام يتعلقون بالطبيعة لأنها مرتبطة بالله وتهدف إلى توجيه حياة الإنسان. هذان الفريقان، رغم اختلاف تعلقاتهما، ينظران إلى عالم الطبيعة الواحد. لذلك لا يمكن أن تكون تساؤلاتهما وبحوثهما مستقلة تماماً عن بعضها البعض. إذا تحدث أهل الكلام عن فعل الله ونشاطه في الطبيعة، فلا يمكنهم تجاهل نتائج العلماء حول طبيعة نظام الطبيعة. وكذلك، لدى أهل الكلام أسئلة محددة حول ماهية وجود الإنسان، ولكنهم يشيرون بالضبط إلى ذلك المخلوق الذي يدرس العلماء علاقته بالطبيعة.» (همو، 305)
2-2- شمولية نظريات القرآن
أساس آخر يؤمن به الشهيد صدر هو شمولية نظريات القرآن لجميع البشر. فهو يعتبر القرآن هبة إلهية لا تنتهي، يستطيع الإنسان في ضوئها أن يحصل على مواقف ونظريات سماوية مقابل التجارب البشرية. (صدر، 23) ويعتقد أن الإنسان يجب أن يستجوب القرآن ليكشف الموقف الحقيقي للإسلام سواء كان إيجابياً أو سلبياً، وأن يحصل على الحلول لفتح العقد وحل المشكلات. (همو، 37) وباعتقاده أن العلم الماضي والمستقبل وارد في القرآن، يؤكد أن القرآن بفضل التفسير الموضوعي يظل قادراً على التجدد والابتكار في كل زمان ومكان. (همو، 23)
ويذهب صدر إلى الاعتقاد بأن المذهب والنظام الاقتصادي الإسلامي الذي تأسس في صدر الإسلام وترافق مع بعض الغموض عبر الزمن، بلا شك مستنبط من القرآن وكلام النبي الأكرم (ص). لذلك فإن ذلك المذهب والنظام الاقتصادي موجود، والمسلمون يسعون لاستخراجه واستنباطه من القرآن. (حجتی، 15)
ويضيف في كلامه: «الدين الإسلامي ذو مصدر إلهي، وبما أن الإسلام هو الطريق الوحيد لخلاص الإنسان، فإنه بالتالي يزود الإنسان بكل الأدوات اللازمة لحياة بشرية سعيدة في جميع شؤون الحياة. إذن لا بد أن يكون للإسلام مذهب اقتصادي أيضاً يجب التعرف عليه بالبحث.» (نفسه، نفس المصدر)
رغم أن آية الله صدر قبل صراحةً بشمولية القرآن كأساس لتفسيره، إلا أنه يرى هذه الشمولية محصورة في مجال الهداية البشرية فقط. ولهذا يعتقد أنه لا ينبغي توقع أن يذكر القرآن، ككتاب تاريخي، كل القوانين بكل تفاصيلها أو أن يحتوي على كل الاكتشافات العلمية المتنوعة. فالقرآن رغم إشارته إلى مسائل علمية، لا يعني أنه يذكر كل تفاصيل القوانين والاكتشافات العلمية المتعددة. (صدر، 51)
3-2- اعتبار مفاهيم القرآن منظومة متكاملة
المفسر الموضوعي في نظرة شاملة وعامة حين ينظر إلى مجموع القرآن، يبدو أنه يسعى للحصول على معلومات من داخل القرآن، لكنه بما أنه يحاول أن يستخلص من هذه المعلومات نظريات أساسية للقرآن حول موضوعات مختلفة، فإنه يرى القرآن في أفق أوسع وأعلى كمجموعة منظمة ومتسقة. ورغم أنه يواجه أجزاء متفرقة وظاهرة غير متسقة، ويجد طرح الموضوعات في كلام الله خالياً من السياق والتنظيم البشري، إلا أنه يرى أن هذه الأجزاء المتفرقة هي شظايا كل واحد، ورغم أن الله تناول الكلام في تلك المواضيع لأسباب مختلفة، إلا أن الهدف كان أن يُشبع الكلام في ذلك المجال. وعلى هذا الأساس فإن مجرد بحث المفسر الموضوعي بين آيات القرآن يدل على يقينه بأن السلعة التي يبحث عنها موجودة في هذا السوق. (جلیلی، 186)
لذلك، في نظر المفسر الموضوعي يُلاحظ نوع من النظام والترابط في آيات القرآن. وإلا، أي في حال عدم اليقين بوجود نظام وترابط بين آيات القرآن وعدم الإيمان بوجود هذا الأساس، فإن المفسر سيواجه معارف متفرقة تؤدي إلى نزاعات وخلافات مذهبية وطائفية. (صدر، 11 و 10).
من البديهي أن الشهيد صدر، مثل غيره من المفسرين الموضوعيين، يؤمن بهذا الأساس المهم والجوهري في التفسير الموضوعي، وأنه بخطوة تتجاوز المفسرين الترتيبيين، وبنظرة شاملة لاكتشاف واستخلاص النظرية القرآنية، يرى مجموعة آيات القرآن على شكل نظام متكامل، متسق وموحد، ويؤمن بهذا الأساس في تناول الآيات المتفرقة في القرآن، فيرى خلف هذا التشتت الظاهري للأجزاء ذلك الكل الواحد الذي نظم هذه الأجزاء. ولهذا، فإن الشهيد صدر، مع اهتمامه بجغرافيا الآيات وقبوله للتفسير الترتيبي، يرى أن الآيات في سياقها الجغرافي لا تكشف كل الحقائق والأسرار الكامنة فيها، بل في تلاقيها مع آيات أخرى تكسر قفل الصمت وتكشف الأسرار، وتبرز تفسيرًا جديدًا لها، وتظهر أضلاعها وأبعادها الأخرى.
لذا، فإن المفسر الموضوعي، مع قبوله لوجود النظام في مجموعة الآيات، وفي الوقت الذي يؤكد فيه على أهمية جغرافيا الآيات ويعترف بمبدأ التقسيم الجغرافي للآيات، يرى أن للآيات صورًا وأبعادًا وأضلاعًا أخرى لا يمكن رؤيتها إلا في ضوء تلاقيها مع آيات أخرى. في الواقع، يجمع المفسر الموضوعي بين الوجوه، فينظر بعين إلى وجه الآيات في جغرافيتها الطبيعية، وبعين أخرى إلى الوجوه الجديدة التي تظهرها الآيات في ضوء تلاقيها مع آيات أخرى، وفي حين يغرق في جمال وصور جديدة تتجدد باستمرار، لا يغفل عن صورتها في موقعها التوقيفي. (جلیلی، 195- 194)
3- مزايا التفسير الموضوعي من وجهة نظر الشهيد صدر
من المواضيع المهمة التعرف على مزايا التفسير الموضوعي مقارنة بالطريقة الترتيبية، ولماذا يرى المفسرون الموضوعيون – خاصة في القرن الأخير – أن التفسير الترتيبي لا يمكن أن يلبي احتياجات الإنسان المعاصر؟ ولماذا يؤمنون بأنه لتحقيق هذا الهدف يجب طرح منهج آخر وسلوك طريق مختلف؟
عندما يوضح آية الله صدر أسسه النظرية في التفسير الموضوعي وأهمية مكانة هذا المنهج، لم يغفل عن ذكر مزاياه، وذكر بعضًا من مزايا التفسير الموضوعي التي سنشير إليها بإيجاز.
1-3- عامل تقليل النزاعات الدينية
يعتبر الشهيد صدر من أهم مزايا التفسير الموضوعي أنه يحول دون وقوع المسلمين في كثير من المنازعات والاختلافات الدينية، وهي منازعات نشأت بسبب اهتمام بعض المفسرين بمجموعة معينة من الآيات وإهمالهم لآيات أخرى، وانتشرت تدريجيًا بين الجماهير عبر التاريخ. إذ يكفي أن يرغب مفسر في تبرير مذهبه ليجمع حوله فريقًا وينشر مذهبه بين الناس. وقد حدث هذا في حالة كثير من مذاهب الكلام مثل أنصار مذهب الجبر أو الاختيار. (صدر، 12) بينما في المنهج الموضوعي، رغم أن فهم الأفراد يحتاج إلى التفسير الترتيبي ولا يمكن الانتقال إلى التفسير الموضوعي دون توضيح الكلمات والجمل، إلا أنه في ضوء جمع وربط هذه المجموعة موضوعيًا ونظرة شاملة إلى جسم الآيات، يوضح رسالة القرآن ومهمته، ويكون أكثر حصانة. (نفس المرجع، نفس المكان)
على الرغم من أن بعض العلماء الإسلاميين قد أبدوا شكوكًا تجاه هذه الميزة والفائدة للتفسير الموضوعي، ويعتقدون أن سبب التناقضات الفكرية والعقائدية يعود إلى عاملين أساسيين: الأول هو الفرضيات المسبقة للمفسر، والثاني هو عدم قدرته على الإحاطة الكاملة بجميع مضامين القرآن، وهذان العاملان لا علاقة لهما بالتفسير الموضوعي أو الترتيبي، بل يلعبان دورًا مع أي مفسر وبأي طريقة تفسيرية كانت. (حکیم، 5) ولكن بالتأمل في أقوال الشهيد الصدر ودراسة أسسه النظرية، يمكننا أن ندرك أن قوله في هذا المجال راسخ ودقيق؛ لأنه كما يتضح من كلامه، مراده من التفسير الموضوعي ليس التفسير بالنسبة للمواضيع الداخلية بحيث يُزال التعارض المذهبي بفهم آية واحدة ومراعاة الآيات الأخرى، بل قصده استخراج النظريات القرآنية حول المسائل والمشكلات التي تعاني منها المجتمعات البشرية بشكل عام. ولهذا فإن هذه المواضيع ليست من النوع الذي يهيئ مجالًا للنزاع والاختلاف المذهبي. لأن هذه المواضيع أساسًا ليست من النوع الذي يمكن استنباطه من آية واحدة ليُقارن بالتفسير الترتيبي. بالإضافة إلى ذلك، فإن التفسير الموضوعي نادرًا ما يكون مجالًا لسوء الفهم أو عدم الشمولية، لأن طبيعة التفسير الموضوعي تقوم على الشمول والوعي والإحاطة بجميع الجوانب. ومن ثم يقل احتمال التحيز الأحادي الجانب فيه. (ایازی، تفسیر موضوعی چیست؟ 43) كما يقول الشهيد الصدر في هذا الصدد: «دعونا جانبًا احتمال أن تُزال العديد من هذه التناقضات التي حدثت في التفسير التحليلي؛ تفسير لا يريد الاكتفاء بآية أو آيات قليلة، بل يريد أن يأخذ مجموعة من الآيات معًا في الاعتبار.» (صدر، 12)
2-3- اختصار الطريق بالنظر إلى محدودية الزمن
من مزايا التفسير الموضوعي مقارنة بالطريقة الترتيبية قصر الطريق فيه. بمعنى أن السير في مسار تفسير القرآن بطريقة ترتيبية وجزئية هو مسار طويل جدًا، ولكي يُنجز يحتاج إلى وقت وعمر طويلين قد لا يحظى بهما كثير من المفسرين لإتمام دورة تفسير كاملة. بينما الطريقة الموضوعية، لأنها تفسر موضوعًا من موضوعات ومضامين القرآن، لا تحتاج إلى عمر طويل أو اجتياز دورة زمنية ممتدة. ومن ثم فإن الطريقة الموضوعية تتفوق من هذه الناحية أيضًا على التفسير الترتيبي. (همو، 41)
3-3- الاستجابة لاحتياجات البشر
من أهم مؤشرات التفسير الموضوعي التي تميزه عن التفسير الترتيبي، قدرة هذه الطريقة التفسيرية على الاستجابة لمشكلات واحتياجات الإنسان وفتح العقد التي تعجز عنها الطريقة الترتيبية. كما ذكرنا سابقًا، فإن عالم اليوم هو عالم التغيرات والتعقيدات. اليوم، العلوم الإنسانية تتوسع بشدة، وهذا يؤثر على حياة البشر الجماعية ويغير أسلوب حياتهم. وهذه التغيرات تثير العديد من الأسئلة في الأذهان. ومن ثم يريد المسلمون أن يعرفوا رأي القرآن في هذه الأسئلة التي تنمو يوميًا. من البديهي أن التفسير الترتيبي لا يكفي المفسرين للوصول إلى الإجابة المطلوبة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال التفسير الموضوعي. يعتقد الصدر أن ميزة التفسير الموضوعي تكمن في أنه يسعى لدراسة موضوع اعتقادي أو اجتماعي أو علمي متعلق بعالم الوجود من وجهة نظر القرآن. (همو، 12)
وكذلك في الطريقة الموضوعية يُبذل جهد من أجل أن يتضح وجود ارتباط بين المفاهيم التفصيلية، وأن تُستخلص نظرية قرآنية تشمل كل هذه المعاني. وفي الواقع تحل مشاكل حياة الإنسان من خلال النظرية. وقد أكد الشهيد الصدر على هذه النقطة صراحةً وكتب: «هذه الطريقة (الموضوعية) هي الطريق الوحيد الذي يمكننا من خلاله الوصول إلى النظريات الأساسية للإسلام والقرآن في مواجهة موضوعات الحياة المختلفة.» (همو، 33)
4-3- إدراك خلود القرآن
من مزايا التفسير الموضوعي إدراك خلود القرآن. يرى الشهيد الصدر أن القرآن هو تفضيل من الله سبحانه وتعالى، وكلماته لا تنتهي أبدًا. لكنه يعتبر أن طريق إدراك هذا الخلود هو التفسير الموضوعي. ويربط دائمًا نتائج التفسير الموضوعي بالتجارب والأفكار البشرية، ومن ثم يرى أن نتائج التفسير الموضوعي هي توجهات القرآن ونظرية الإسلام حول أحد موضوعات الحياة. (المرجع نفسه، 20) ومن ثم، بالنظر إلى التغير الدائم في حياة البشر، يمكن اعتبار تفسير خلود القرآن من فوائد ومزايا التفسير الموضوعي. لأنه وفقًا لفكر الصدر، يرتبط القرآن بالتفسير الموضوعي بالعالم الخارجي، ويتداخل مع حياة الإنسان ووجوده، ومن ثم يظهر خلوده وقدرته على الابتكار والتجديد، فيصبح خالدًا ومستمرًا. وبعبارة أخرى، إذا فُسر القرآن بناءً على موضوعات متعلقة بحياة البشر وتجاربهم، فإنه سيظل قادرًا على العطاء المستمر، والإنفاق الدائم، والابتكار المستقر.
أكد الشهيد صدر على أن التفسير الموضوعي دائمًا ما يتعلق بأمور مترابطة ومتدفقة في تجربة الإنسان؛ واستنتج أن لا نهاية للقرآن لا يمكن تحقيقها إلا في منهج التفسير الموضوعي، وأنه فقط من خلال هذا المنهج يمكن مواجهة التجارب الدنيوية في كل موضوع، واستقبال الرأي الإلهي والموقف السماوي. (همو، 18)
5-3- الحوار مع القرآن
منهج الشهيد صدر في التفسير الموضوعي هو في الواقع حوار ونقاش مع القرآن. حوار ليس من النوع الانفعالي والضعيف؛ بل من موقع التساؤل النشط والطلب الهادف للإجابة، حتى يصل المفسر في ضوئه إلى حقيقة من حقائق حياة الإنسان. لذلك، فإن التفسير الموضوعي من هذه الناحية أيضًا يتفوق على التفسير الترتيبي. من وجهة نظر الشهيد صدر، يبدأ المفسر الموضوعي بدراسة ومراجعة الإشكالات والحلول التي طرحتها الفكر البشري حتى الآن حول ذلك الموضوع، ثم يعود إلى القرآن مستندًا إلى هذه المقدمات، ويستجوبه بحثًا عن إجابة مرضية للأسئلة المطروحة. في هذه العملية الحوارية بين المفسر والقرآن، يظل المفسر يسأل والقرآن يجيب. (همو، 20)
6-3- اتساع الموضوعات
من مزايا التفسير الموضوعي مقارنة بالمنهج الترتيبي تعدد واتساع الموضوعات بقدر اتساع الفكر البشري. في حين أن المفسر في المنهج الترتيبي يقيّد نفسه بدائرة محدودة، أي الانتقال من نص إلى نص. أما المفسر الموضوعي فيخطو في ميدان أفقه أوسع ونبات وجوده أثمر. لذلك يمكنه الاستمرار في تقدمه والابتكار، لأن مصادر هذا التفسير هي التجارب والمعارف البشرية. (همو، 22)
لذا، إذا أشار الشهيد صدر إلى هذه الميزة في التفسير الموضوعي واعتبر أن التفسير الموضوعي يجتاز آفاقًا أوسع ويجيب على حاجات ومسائل أكثر، فذلك لأنه يتقدم خطوة على المنهج الترتيبي، وبما أن مصادر هذا التفسير هي التجارب والمعرفة البشرية، فإنه بطبيعة الحال يشمل موضوعات متنوعة.
النتيجة:
بالنظر إلى ما سبق، يبدو أن الشهيد صدر كان يؤكد على شكل خاص من التفسير الموضوعي لم يتبعه معظم المفسرين الموضوعيين. في فكر صدر، التفسير الموضوعي هو مزيج من المعرفة البشرية والقرآن. أي يبدأ من العالم الواقعي وموضوعات حياة الإنسان وينتهي بالقرآن. ولهذا السبب سمى الشهيد صدر التفسير الموضوعي بـ«التوحيدي». فهو يدرس موضوعًا من موضوعات حياة الإنسان بشكل شامل، ويتعرف على الآراء والأفكار البشرية المتعددة حول ذلك الموضوع؛ ثم يعود إلى القرآن ويعرض ذلك الموضوع والآراء حوله على محضر القرآن، ليكشف ويستخرج نظرية القرآن. لذلك، من وجهة نظر صدر، التفاسير التي درست بناءً على الكلمات المشتركة في المضمون، لكنها اقتصرت على الجمع والإرشاد فقط وافتقرت إلى النظرية، فهي خارج دائرة التفسير الموضوعي. مثل التفاسير الموضوعية لآيات عظام مكارم شيرازي، جوادي آملي، سبحاني، مصباح يزدي… لأن هذه التفاسير، وفقًا لنظرية صدر، لم تبدأ من الواقع الخارجي والتجارب البشرية لتقدم نظرية شاملة من القرآن من خلال استجوابه.
لذا، الهدف من التفسير الموضوعي من وجهة نظره هو إيجاد روابط بين الأجزاء المتفرقة في مجموعة من مفاهيم القرآن التي تُستخلص من خلال التحليل. التركيز على جوانب متعددة لموضوع ما واتساع البحث للوصول إلى نظريات أساسية في الإسلام وتطبيق معارف القرآن في قالب نظري يتناسب مع فهم كل عصر، هو الهدف الأهم الذي يذكره الشهيد صدر، ويرى أن سر خلود القرآن وعدم انتهاء مفاهيمه يكمن في تفسير خارجي للقرآن يتناسب مع حاجات وضرورات كل عصر.
قائمة الكتب:
* القرآن الكريم
* نهج البلاغة
1- إيّازي، محمد علي، ما هو التفسير الموضوعي؟ پيام جاويدان، السنة الأولى، العدد الأول، 1383ش.
2- _____، _______، نظرة إلى التفاسير الموضوعية المعاصرة، كيهان أنديشه، مقال العدد 28، بهمن واسفند 1368ش.
3- باربور، إيان، العلم والدين، ترجمة بهاء الدين خرمشاهي، نشر دانشگاهي، طهران، 1362ش.
4- توسلي، غلام عباس، نظريات علم الاجتماع، منشورات سمت، طهران، الطبعة الأولى، 1369ش.
5- جليلي، هداية، التفسير الموضوعي، ماهيته، أسسه وافتراضاته، منشورات بوستان كتاب، قم، الطبعة الأولى، 1387ش.
6- حجتي، محمد باقر و دادگر، مبادئ فقهية متقدمة للاقتصاد الإسلامي، تحليل كتاب اقتصادنا، جامعة رازي، كرمانشاه، 1380ش.
7- حكيم، محمد باقر، ترجمة محمد علي لساني فشاركي، مؤسسة ثقافية نشر تبيان، طهران، 1378ش.
8- خرمشاهي، بهاء الدين، التفسير والتفاسير الجديدة، مؤسسة كيهان، طهران، 1362ش.
9- ذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسرون، دار الكتاب الإسلامي، د.م.، الطبعة الأولى، 1412ق.
10- زركشي، بدر الدين، البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1410ق.
11- سبحاني، جعفر، منشور جاويد القرآن، منشورات مكتبة أمير المؤمنين، قم، د.ت.
12- صدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، د.م.، الطبعة الأولى، 1424ق.
13- مجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت، الطبعة الثانية، 1403ق.
14- مسلم، مصطفى، مباحث في التفسير الموضوعي، دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى، 1410ق.
15- معرفت، محمد هادي، التفسير والمفسرون، مؤسسة ثقافية التمهيد، قم، الطبعة الرابعة، 1387ش.
16- مكارم شيرازي، ناصر، رسالة القرآن، منهج جديد في التفسير الموضوعي للقرآن، مدرسة الإمام أمير المؤمنين، قم، 1367ش.

