تشخيص أضرار التفسير الموضوعي في القرآن الكريم

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: آسیب‌شناسی تفسیر موضوعی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: علی سراقی

المصدر: فصلنامه معرفت، العدد ١٠٧

المقدمة

يُعتبر التفسير الموضوعي تفسيرًا متقدمًا وخطوة إلى الأمام بعد التفسير الترتيبي، وله أهمية خاصة. وبالنظر إلى الإقبال المتزايد على هذه الطريقة التفسيرية، يصبح من الضروري توضيح ماهيتها، وتحديد أسسها، وشرح خصائصها، والتنبيه إلى أضرارها. تهدف هذه الدراسة إلى شرح بعض الأضرار المحتملة التي قد تواجه المفسر في التفسير الموضوعي.

ونظرًا لأن التفسير الموضوعي، بمعناه الخاص، تفسير ناشئ لم تُبذل فيه جهود كثيرة بعد، فإن ذلك يجعل عمل من هم في طليعة رواده صعبًا ومعقدًا. لذلك، فإن بحث الأضرار فيه يقتصر على عرض الحالات التي وقع فيها المفسرون في الأخطاء، وليس استقراءً كاملاً. ولتشخيص أضرار التفسير الموضوعي، لا بد أولًا من تعريف دقيق للتفسير الموضوعي والتعرف على مراحله، ثم بعد ذلك تحديد الأضرار التي قد تصيب المفسر خلال هذه المراحل.

تعريف «التفسير الموضوعي» ومراحله

«التفسير الموضوعي» يعني: الكشف المنهجي عن نظرية القرآن حول موضوع خاص أو جزء منه[1].

اختيار الموضوع، الدراسة الاستكشافية للآيات، التفسير الترتيبي للآيات أو الفقرات المتعلقة بها، استخراج الموضوعات المرتبطة بها ومقارنة العلاقات بينها، تقديم نظرية أو أكثر، تحديد الحالات القطعية المرتبطة بالموضوع، واختبار النظرية، هي من مراحل التفسير الموضوعي.[2]

الضرر في التعريف

إذا لم يكن لدى المفسر تعريف دقيق للتفسير الموضوعي، فإنه يرتكب خطأً باعتبار أمور ليست من التفسير الموضوعي ضمن هذا المجال؛ مثل الحالات التالية التي ذُكرت تحت عنوان التفسير الموضوعي:[3]

ـ تفسير سور مكة، د. محمد البهي؛

ـ التأمل في نظام الآيات والسور، محمد عناية الله الهندي؛

ـ الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم، د. محمد حجازي؛

ـ النسخ في القرآن، مجموعة من المؤلفين؛

ـ علم المناسبات (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور)، بقاعي؛

يجب أن يُؤخذ في الاعتبار أن «مفهوميات» كل علم تمنع الأضرار التي تنشأ عن عدم وضوح ودقة المفاهيم.

الأضرار في مرحلة اختيار الموضوع

أ. خروج الموضوع عن دائرة نظرية القرآن: يجب على المفسر ألا يعتبر كل موضوع من المسائل المستحدثة داخل دائرة القرآن، وألا يُكلف نفسه بادعاء شمول القرآن لكل شيء؛ لأن القرآن منهج ديني، ولا يُقصد منه تفصيل العلوم البشرية، رغم ذكره للحقائق والمبادئ الكثيرة منها. بعضهم وقع في هذا التكليف بسبب الاستدلال على عجائب قدرة الله وتحفيز قبول الدعوة الدينية. من النصوص التي كتبت في هذا المجال ووقعت في هذا التكليف: «الأطباق الطائرة في ضوء القرآن» و«القنبلة الذرية في القرآن».[4]

ب. اختيار موضوع عام لا يمكن تقديم رأي خاص بشأنه: مثل أن يجعل «التقوى» موضوعًا عامًا دون ربطه بشيء آخر ـ مثل علاقة التقوى بالرزق أو تحديد بعد أو فرع خاص منها ـ ليتمكن من تقديم نظرية حوله.[5]

ج. عدم تحديد الأهداف: في التفسير الموضوعي، يجب أن تكون الأهداف، والموضوع، والدوافع لطرح الموضوع واضحة ومحددة، ولا يكفي أن يكون الهدف ـ مثلاً ـ خدمة القرآن أو إفادة المسلمين أو مجرد بحث علمي. لذلك، يجب بيان مدى حاجة الزمان والمجتمع إلى هذا الموضوع، ودور الموضوع في هداية المجتمع، والجوانب الضرورية التي يغطيها، والمشكلات التي تحلها هذه النظرية.[6]

د. اختيار الموضوع بناءً على فرضية ذهنية خاصة: لا ينبغي للمفسر أن يكون لديه فرضية ذهنية مسبقة عن الموضوع، ويهدف من طرح البحث إلى استخراج ذلك الرأي من القرآن والحصول على تأييد له؛ لأن هذا يؤدي إلى توظيف القرآن لغرضه الخاص وتحريف معنوي له وفرض رأي على القرآن. وقد رُصدت حالات بحث فيها باحث من ديانات سابقة بدافع إثبات أن اليهود والنصارى الحاليين مؤمنون وموحدون وصالحون في القرآن[7].

هـ. عدم اختيار لفظ جامع: على سبيل المثال، موضوع الحرب والسلام في القرآن الكريم ورد بألفاظ متعددة مثل «حرب، قتال، ضرب، ثبات، سلام، فشل، وفرار». في اختيار الموضوع، يجب اختيار أوسع لفظ يشمل الموضوع، وهو هنا «الجهاد في سبيل الله»، ليكون عنوانًا ومحورًا للنقاش، ثم تُضمّن الألفاظ المتقاربة والمقابلة ضمن البحث.[8].

و. الغفلة عن العناوين المجردة: أحيانًا توجد موضوعات في القرآن لا ترد ألفاظها مباشرة في القرآن، ويجب أن يُستخلص لها عنوان من أقرب الألفاظ القرآنية. على سبيل المثال، موضوع نشوء الأمم والحضارات وطغيانها وهلاكها ورد في القرآن بطرق متعددة، ويمكن اختيار عنوان «السنن الإلهية في نشوء وهلاك الحضارات» له؛ لأن لفظ «السنن» هو أقرب لفظ قرآني موجود لهذا النوع[9]. ومن الجدير بالانتباه أن العنوان المختار يجب أن يكون إما مطابقًا للألفاظ القرآنية أو مشتقًا منها، ولا يجوز في اختيار الموضوع الانحراف عن اللفظ القرآني إلى كلمات مرادفة له، خصوصًا في الحالات التي يكون للفظ المختار معانٍ واستخدامات مختلفة؛ مثل أن يُختار موضوع «الشورى في القرآن» بدلًا من «الديمقراطية في القرآن»، مع أن الاعتبار الأساسي في التفسير هو المعاني لا الألفاظ والمباني، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن الدقة في التعبيرات كانت مقصودة في القرآن الكريم[10].

الأضرار في مرحلة جمع الآيات

أ. الاقتصار على كتب معاجم القرآن الكريم: في جمع الآيات، لا ينبغي الاقتصار على كتب معاجم القرآن؛ لأن هناك آيات قد تكون ذات صلة بالموضوع المطلوب دون أن ترد فيها ألفاظ ذلك الموضوع؛ فمثلًا، هناك آيات كثيرة تدل على رحمة الله تعالى دون أن ترد فيها مادة «رحم» أو مشتقاتها؛ مثل: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّة) (نحل: 61) أو الآية (وَلَوْ يُؤَاخِذُاللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَي ظَهْرِهَا مِن دَابَّة) (فاطر: 45)، وهاتان الآيتان تبينان أقصى لطف ورحمة الله تجاه عباده دون أن تشير إلى لفظ «رحم»[11]. كما أن الاقتصار على المعاجم يسبب مشكلات جدية في فرض الفرضيات وتأكيد النظريات، ويضر بكمال التفسير الموضوعي.

ب. التهاون المفرط في اختيار الآيات: من أضرار هذه المرحلة أن المفسر قد يتهور بمجرد احتمال أن تكون هذه الآية أيضًا ذات صلة بالموضوع، فيجمعها دون تدبر، مما يؤدي إلى تراكم عدد كبير من الآيات أمامه، ويستبدل الاحتمال العقلي بالاحتمال العقلاني، وهذا يصعب البحث وأحيانًا يبطئه ويصرفه عن مساره الصحيح. التهاون المعقول في جمع الآيات هو اختيار كل الآيات المتعلقة بالموضوع، لا كل ما يحتمل عقلاً ارتباطه به[12].

ج. التشدد والوسواس في اختيار الآيات: على النقيض من الضرر السابق، قد يفقد المفسر آيات ذات صلة بسبب الوسواس والتشدد في أن ارتباطها بالموضوع قد لا يكون قويًا، فيبقى يده فارغة في البحث، مما يصعب عليه النقاش والاستنتاج، أو يسبب نقصًا في نظريته، لأنه يحرم نفسه من دراسة كل الآيات ذات الصلة[13].

الأضرار في مرحلة التفسير الترتيبي

أ. عدم الممارسة في التفسير: إذا ظن أحد أنه يستطيع الدخول في مجال التفسير الموضوعي دون أي خلفية تفسيرية، ويجمع الآيات ويستنتج النتائج، فقد وقع في الخطأ. من الضروري الانتباه إلى أن للمفسر شروطًا، ومن بينها الممارسة والتدريب في التفسير؛ أي يجب أن يكون ملمًا مسبقًا بالتفسير الترتيبي وطرق التفسير، ثم يتوجه إلى التفسير الموضوعي، وإلا قد يقع في الزلل أو التفسير بالرأي[14].

ب. التحيز المسبق في التفسير: الأفكار المتغلغلة مسبقًا في ذهن المفسر تؤثر على نتائج بحثه وتوجهها وفقًا لها. على سبيل المثال، محمد البهي في كتابه منهج القرآني في تطوير المجتمع، يشرح منهج القرآن في بناء المجتمع المثالي بدلًا من المجتمع المادي. وقد أسس بحثه على الاعتقاد بأن الآيات المدنية تهدف إلى تشكيل المجتمع الإسلامي. بهذه الطريقة، ينتقد أولًا المنهج الجاهلي لتوفير الأرضية لنزول آيات النهي التي تتطلب استعدادًا نفسيًا أكبر. وهكذا يعترف بأن نزول آيات القرآن كان تدريجيًا، وأن الوحي الجديد كان دائمًا يعبر عن مرحلة أحدث وأكمل من العمل بناءً على الإيمان والوحي. البهي بهذا الافتراض يفسر ويصنف الآيات ويصور منهج القرآن في بناء المجتمع، ويورد آيات ترتيبها كما صورها لا تستند إلى دليل علمي أو تاريخي أو روائي أو سبب نزول؛ مثل ما ذكره في حكم الربا وتدريجيته، وكذلك ما حدد فيه تشريع الصلاة والزكاة وزمن نزول كل منهما، مع أن تحديد زمن نزول الآيات من أصعب الأمور في مجال التفسير[15]. مع أن الالتزام بالتدريج في التعليم والتربية واجتماع المجتمع على القيم والمبادئ محل قبول، إلا أن كل حالة تحتاج إلى أدلة وبراهين قطعية غير موجودة في كلام محمد البهي.

ج. عدم معرفة ترتيب النزول: يجب على المفسر معرفة ترتيب نزول الآيات ليكون دقيقًا في تفسيره؛ لأنه في حال عدم المعرفة، قد يجعل آية ليست قيدًا على آيات أخرى قيدًا لها. مثال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 130)؛ يا أيها الذين آمنوا، لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة، واتقوا الله لعلكم تفلحون. هذه الآية نزلت قبل آيات تحريم الربا الأخرى (آيات 275-280 من سورة البقرة)، وبما أنها في مقام التحريم التدريجي للربا، فقد حُرم الربا المضاعف فقط هنا، بينما في آيات سورة البقرة حُرم الربا مطلقًا، سواء كان قليلاً أو كثيرًا. فإذا لم يكن المفسر على علم بذلك، قد يعتبر هذه الآية قيدًا على آيات سورة البقرة، ويقيدها بها، وفي النهاية تكون نظريته وقراءته أن الربا المضاعف حرام في القرآن، لكن الربا القليل لا بأس به[16].

د. العلمانية المفرطة: الميل المفرط إلى استخدام المعرفة الجديدة في تفسير القرآن، هو أحد عوامل الانزلاق وتجاهل أصول التفسير الموضوعي؛ لأنه تدريجياً يؤدي إلى إضفاء أصالة على المعرفة الجديدة وإهمال الطابع الظني لمعظم النظريات العلمية التجريبية، مما يضر بالتفسير الموضوعي[17].

في كتابه “أحكام القرآن”، وبناءً على هذا الاكتشاف العلمي الذي يفيد بأن أصل خلق الإنسان يعود إلى كائن ذري يُسمى الخلية الموجودة في النطفة، والتي تنقسم إلى خليتين بعد النمو، يكتب الدكتور خزائلي تحت الآية (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)(اعراف: 189) (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها): يبدو أن المقصود بـ«النفس الواحدة» هو الخلية، أي الذرة الموجودة في النطفة والتي تنقسم إلى خليتين بعد النمو[18].

ويكتب عبد الرزاق نوفل في تفسير هذه الآية: إن الإلكترون يشكل جوهر ووحدة المخلوقات، وتوازن وهدوء الإلكترون مع نظيره البروتون؛ لأن الشحنة الموجبة للبروتون والشحنة السالبة للإلكترون تؤدي إلى توازن الذرة[19]. ومع ذلك، فإن دراسة الآية كاملة تظهر بوضوح أن هذه التفسيرات العلمية لا يمكن أن تكون مقصود الله؛ لأن الآية تستمر بالحديث عن العبادة وطلبات الزوجين، وهذه المعاني لا توجد في الخلية أو الإلكترون.

مثال آخر على هذه العلمانية المفرطة يمكن ملاحظته في رأي أحد الكتاب حول خلق الإنسان من منظور القرآن. فهو يعتبر أن أصل الاعتقاد بأن آدم أبو البشر هو والد البشر وقد خُلق مباشرة من التراب، يعود إلى التوراة، ويرى أن تقليد المفسرين للتوراة نابع من جهلهم بالمعرفة الجديدة، وهو نفسه متشبث بحقانية نظرية داروين ويصر بشكل غريب على أن هذه النظرية قرآنية[20].

هـ. الغزو الثقافي: بعض التفاسير التي كتبها المفسرون المسلمون في القرن العشرين تعاني من نوع من الغزو الغربي في تحليل القضايا القرآنية؛ لأنهم في تحليل المفاهيم القرآنية والقوانين الاجتماعية والأخلاقية تأثروا بغزو الأفكار الغربية، وحاولوا إقامة نوع من التناغم بين المدارس الغربية ومدرسة الوحي الإلهي، وإيجاد ألفة بينهما. هؤلاء في الحقيقة وجدوا أنفسهم في صراع بين الإيمان بأصالة القرآن وجاذبية الحضارة الغربية القائمة على إنكار ما وراء المادة، ولجمع بينهما لجأوا إلى التأويل والتصرف في الآيات، متجاهلين أصالة القرآن ومنحوا الأصالة للأفكار البشرية. في التفسير، أصبحت حقائق مثل الروح، والملائكة، والحياة البرزخية، والمعجزة مضطربة إلى حد أنهم فسروها جميعاً بأساليب ومبادئ المادية. ومن خلال دراسة بعض التفاسير التي كتبت في فترة سيطرة الغرب على الهند ومصر، يتضح انتشار هذه الكارثة[21].

و. العقلانية والمصلحية: العقلانية لدى بعض مفسري أهل السنة تُعد من الابتكارات في القرن الرابع عشر، وثورة وحركة ضد النصية والتقليد السائد في الحقل الفقهي والتفسيري لديهم. العقلانية، مثل العلمانية، لم تستطع الحفاظ على الاعتدال في التفسير، وفي بعض الحالات أدت إلى إفراط[22]. ويبدو أن رائد هذه العقلانية بين مفسري أهل السنة هو محمد عبده، الذي اعتبره الرومي إمام العقلانيين الآخرين[23]. عبده في نظره وفعله ألزم النص القرآني باتباع العقل، ويرى أنه في حالة تعارض بينهما، يتقدم العقل على ظاهر النص[24].

ويقول تلميذه رشيد رضا: المصلحة العامة إذا تعارضت مع النص والإجماع، تتقدم عليهما[25]. بناءً على ذلك، جمع عبده بين المفاسد التي يدركها العقل في تعدد الزوجات بشرط مراعاة العدل، وقدمها على نص القرآن (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءَ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)(نساء: 3) (تزوجوا ما طاب لكم من النساء، زوجين أو ثلاث أو أربع)، وفي حكم الربا اعتبر أخذ الربا جائزاً لمنع انتقال مال المسلم إلى الكافر[26].

وفي تقييمه وجذور إفراط عبده في العقلانية، يكتب سيد قطب: كان عبده يعيش في زمن بلغ فيه العقل في أوروبا مرتبة الإله. في تلك الظروف، كان المستشرقون يتهمون الإسلام بأنه أوقف العقل من خلال طرح مسألة “القدر والقضاء”. فواجه عبده هذا الاتهام، وفي محاربته لجمود العقل في الشرق، وضع العقل البشري على قدم المساواة مع الوحي، غافلاً أن الوحي أسمى من العقل ووسيلة لقياس صحته أو خطئه[27].

ز. التفريط في استخدام المعارف البشرية: على النقيض من العلمانيين المفرطين في التفسير، هناك من يقول: في فهم القرآن لا ينبغي الإشارة إلى ما هو خارج القرآن، ويجب التفسير بعقل فارغ وبسيط. ومن الواضح أن هذا التفكير أيضاً يشكل ضرراً يؤدي إلى نقص في التفسير[28].

في نظر الشهيد الصدر، يبدأ التحرك التفسيري في الدراسات الموضوعية للقرآن من واقع حياة الإنسان والحقائق الفكرية الموجودة فيها. يبدأ التفسير الموضوعي بالتعرف واكتساب نتاج التجربة الفكرية البشرية وفهم أفكارها ومحتواها، ثم يتوجه إلى القرآن؛ ولكن ليس بهدف فرض التجربة البشرية على القرآن، أو خلق دوافع للخضوع والانقياد للمعارف البشرية، بل الهدف هو وضع التجربة البشرية مع مضامين القرآن في سياق بحثي ليظهر رأي القرآن بوضوح تجاه الموضوع الذي تختبره التجربة الإنسانية[29].

ويضيف أيضًا: إن رسالة التفسير الموضوعي في كل مرحلة وفي كل عصر، هي أن يحمل المفسر معه كل التراث الثقافي البشري والأفكار والمفاهيم التي تعلمها، ويضعها أمام القرآن ليحكم على مجموع هذه الإنجازات البشرية… لذلك، القرآن هو المرجع ويُبدِي رأيًا في التجربة البشرية، ومع ازدياد التجارب البشرية إلى ما لا نهاية، يستمر القرآن أيضًا إلى ما لا نهاية، وبناءً على التجربة الإنسانية، يتحقق الإثراء والخصوبة والفهم الصحيح للقرآن[30].

ويعتبر آية الله جوادي آملي أيضًا أن استخدام المعارف الخارجية يؤدي إلى نمو التفسير، ويقول: «هناك فرق بين الإكراه والتحمل… كلما استفاد الإنسان في مدرسة خلق العالم من آيات كتاب التكوين الإلهي، يزداد وعيه وتزداد قدرته على تحمل آيات كتاب التكوين.»[31].

ح. الغفلة عن التناسب بين الآيات: النظر المنهجي إلى مفاهيم القرآن شرط أساسي للتفسير الموضوعي. إن معرفة السياق العام والانتباه إلى الارتباط المنهجي بين آية وأخريات في نفس الموضوع وكذلك في المواضيع المتقاربة والمماثلة من الشروط الخاصة للتفسير الموضوعي؛ كما قيل: النظر إلى القرآن كله هو من المبادئ الأساسية للمفسرين الموضوعيين في العصر الحديث[32].

ويقول آية الله مكارم شيرازي في مقدمة تفسيره الموضوعي: «كل أجزاء الوجود تشكل وحدة مترابطة، والطريقة الصحيحة لدراستها هي أن ندرسها جميعًا في ارتباطها ببعضها البعض. وفي كتاب التدوين – أي القرآن المجيد – الأمر كذلك، فهناك علاقات دقيقة ورقيقة بين جميع المواضيع القرآنية ويجب تفسيرها في ارتباطها ببعضها البعض.»[33] كما يقول الأستاذ جوادي آملي، إن القرآن كله «مثاني»؛ أي متقابل ومتفاعل، يضيء بعضه بعضًا، ويتكئ بعضه على بعض، ويلجأ بعضه إلى بعض، وهذا دليل على التماسك الكامل للقرآن[34].

ويذكر العلامة الطباطبائي هذا الأمر هكذا: من عجائب القرآن أنه لا توجد آية من آياته يمكن أن ترشد إلى معنى أو تستخلص معنى بمفردها. كلما أضيفت آية إلى آية مناسبة، تقدم حقيقة جديدة من الحقائق، ثم تؤكد آية ثالثة تلك الحقيقة المكتشفة وتشهد لها. هذا من خصائص القرآن… لو سار المفسرون على هذا النهج، لكانت ينابيع القرآن الصافية وكنوزه العظيمة أكثر من الآن وأيسر وصولًا إلينا[35].

وعلى هذا الأساس، فإن النظر والتفكر في كل القرآن للباحثين الموضوعيين له أهمية خاصة، وتجاهل أو التقليل من قيمة السياق العام يقلل من قيمة عملهم[36].

الأضرار في مرحلة بناء النظرية

أ. عدم الالتزام التام بمضامين الآيات: في صياغة النظرية، يجب على المفسر الالتزام التام بمضامين ما استنبطه من الآيات، لا ينقص منها شيئًا ولا يضيف عليها شيئًا. كما لا ينبغي أن يدخل عنصرًا آخر من مصادر غير قرآنية مثل السنة واللغة والاقتضاء الأصلي ضمن عناصر النظرية، ولا ينبغي أبدًا أن يخفي مضامين المفهوم من الآيات لأي غرض كان، حتى لو كان بدافع تصور الدفاع عن القرآن؛ كما حدث في بعض الحالات، في ظروف زمنية خاصة، حيث امتنعت بعض المفسرين عن تقرير الحقائق القرآنية حول تعدد الزوجات والطلاق والربا، وشعروا بالخجل. ولهذا السبب، كانوا يؤولونها بطريقة تبطلها في الحقيقة. ومن الضروري التنبيه إلى أن استخدام السنة (واللغة والعقل) كمفسر ومبين مع وجود قرائن وشواهد للنص القرآني في التفسير الموضوعي أمر لازم، لكن لا ينبغي أن يتجاوز مقامها حد المفسر إلى أن تُطرح كعنصر ومنشأ للنظرية؛ لأننا نسعى إلى اكتشاف نظريات خاصة بالقرآن حول الموضوع المعني؛ مثلاً، حين ندرس مسألة العلم في القرآن، وأحيانًا نناقش العلم في القرآن والحديث، وأحيانًا بشكل عام عن العلم. هنا، بالإضافة إلى رأي القرآن والإسلام، نستخدم مصادر أخرى مثل التاريخ والفلسفة[37].

ب. إهمال القرآن وتغليب أمور أخرى: إذا وسع المفسر في التعليقات الأخرى بشكل مفرط، يؤدي ذلك إلى خروج العمل عن حالة التفسير الموضوعي، ويضعف الجانب القرآني في البحث، ويُطرح أكثر آراء صاحب البحث؛ كما حدث في الماضي، ويحدث اليوم تحت عناوين «الدراسات القرآنية» أو «معاني القرآن» أو «حول القرآن». على سبيل المثال، منذ زمن بعيد، انتقد العلماء فخر الرازي ومؤخرًا الشيخ طنطاوي على تفاسيرهم وقالوا: «فيهما كل شيء إلا التفسير!» ومن الكتب التي تعاني من هذه المشكلة: الإنسان في القرآن لعباس عقاد، واليهود في القرآن لعفيف طبارة[38].

ج. التعجل في بناء النظرية: يجب أن يكون بناء النظرية مبنيًا على دقة تامة وجمع نظر في جميع الآيات، لا أن يأخذ المفسر مجموعة من الآيات دون حصر كامل للحالات المرتبطة واستقصاء كامل للبحث، ثم يصدر حكمًا أو يؤسس مبدأً؛ لأن ذلك يؤدي إلى الخطأ في النظرية؛ مثلاً، يقول ابن فارس في كتاب الأفراد: كلما ورد في القرآن الكريم لفظ «برّ» و«بحر» المراد من «بحر» الماء، والمراد من «برّ» الأرض اليابسة، إلا الآية الكريمة (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) (روم: 41) التي المراد فيها «البرية والعمران».

نظرًا لأن تقديم هذه النظرية تم دون دراسة كاملة لجميع الحالات، نرى أنها تواجه إشكالًا؛ فمثلًا، في تفسير الآية (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً) (مائده: 96) لا شك أن الحكم الفضائي مشمول في حكم التحريم في هذه الآية. فإذا اصطاد المحرم طائرًا في الجو بسهم، فإن الكفارة واجبة عليه. ولكن حسب تفسير ابن فارس، بما أن الصيد لم يكن على الأرض اليابسة، فلا كفارة عليه.

وكذلك الذين يرون أن لفظ «قليل» في القرآن يدل في كل موضع على أقل من عشرة، فإن هذا الرأي لم يكن مستندًا إلى استقراء تام، والآية التالية تدل على ردّه: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13)؛ لأنه إذا لم نعتبر غير الأنبياء من «الشكورين» واعتبرنا الأنبياء وحدهم هم مصداق «الشكور»، فإن العدد لا يزال أكبر من القاعدة المذكورة.[39]

د. عدم الانتباه إلى خصائص القرآن: إذا غفل المفسر عن خصائص القرآن عند تقديم نظرية، فإنه يخطئ في استخراج الحقائق والقواعد. وقد ذكر بعض المؤلفين الخصائص الأساسية في هذا المجال على النحو التالي:

1ـ القرآن هو أصل أصول جميع العلوم.

2ـ القرآن في غاية الصلابة والإتقان.

3ـ لا يوجد تكرار أو زيادة في القرآن.

4ـ هو كتاب هداية.

5ـ لا مجال للخطأ فيه.

6ـ في أقوال القرآن، الأصل هو الحقيقة.

7ـ المجاز في القرآن نوع خاص، وليس أي مجاز.

8ـ في ألفاظ القرآن، لا وجود للتراصف.[40]

 

 

[1]. محاضرات درس الأستاذ محمود رجبي، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية، 1384.

[2]. المرجع نفسه.

[3]. عبد الستار فتح الله سعيد، المدخل إلى التفسير الموضوعي، القاهرة، كلية أصول الدين، 1406هـ.

[4]. المرجع نفسه، ص 59.

[5]. محاضرات الأستاذ محمود رجبي.

[6]. صلاح عبد الفتاح الخالدي، التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق، الأردن، دار النفائس، ص 61.

[7]. المرجع نفسه، ص 62.

[8]. عبد الستار فتح الله سعيد، المصدر السابق، ص 60.

[9] . المرجع نفسه، ص 61.

[10]. المرجع نفسه.

[11]. كامران إيزدي مباركة، شروط وآداب التفسير والمفسّر، طهران، أمير كبير، 1367، ص 15.

[12]. محاضرات درس الأستاذ محمود رجبي.

[13]. المرجع نفسه.

[14]. محمد علي رضائي أصفهاني، درسنامه الطرق والاتجاهات التفسيرية، قم، المركز العالمي للعلوم الإسلامية، 1382، ص 490.

[15]. أبو طالب محمدي، «المصادر وطرق التفسير الموضوعي»، البحوث القرآنية، العدد 7 و8، ص 167.

[16]. عبد الستار فتح الله سعيد، المصدر السابق، ص 63.

[17]. أبو طالب محمدي، المرجع نفسه، ص 168.

[18]. المرجع نفسه، نقلًا عن: محمد خزائلي، أحكام القرآن.

[19]. عبد الرزاق النوّفل، القرآن والعلم الحديث، بيروت، دار الكتب العربية، ص 155.

[20]. يد الله سحابي، خلق الإنسان، طهران، شركة سهامي للنشر، ص 7.

[21]. جعفر سبحاني، منشور جاويد، چ فرهنگ، ج 1، ص 21.

[22]. أبو طالب محمدي، المرجع نفسه، ص 169.

[23]. المرجع نفسه، نقلًا عن: فهد بن عبد الرحمن الرومي، منهج المدرسة العقلية، ص 127.

[24]. محمد عبده، الإسلام والنصرانية، ص 72.

[25]. محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 5، ص 212.

[26]. فهد بن عبد الرحمن الرومي، المرجع نفسه، ص 402.

[27]. سيد قطب، خصائص الأيديولوجيا الإسلامية، ترجمة سيد محمد خامنئي، طهران، كيهان، ص 62.

[28]. محاضرات درس الأستاذ محمود رجبي.

[29]. سيد محمد باقر صدر، المدرسة القرآنية، ص 26.

[30]. المرجع نفسه، ص 22.

[31]. عبد الله جوادي آملي، التفسير الموضوعي، قم، إسراء، ج 1، ص 74.

[32]. سيد محمد باقر صدر، المرجع نفسه، ص 231.

[33]. ناصر مكارم شيرازي وآخرون، رسالة القرآن، ج 1، ص 19.

[34]. عبد الله جوادي آملي، المرجع نفسه، ج 1، ص 129.

[35]. سيد محمد حسين طباطبائي، الميزان، ج 2، ص 314.

[36]. سيد إبراهيم سجادي، «ازدهار التفسير الموضوعي…»، البحوث القرآنية، العدد 7 و8 (خريف وشتاء 1375)، ص 142.

[37]. عبد الستار فتح الله سعيد، المصدر السابق، ص 67.

[38]. المرجع نفسه، ص 73.

[39]. المرجع نفسه، ص 74.

[40]. المرجع نفسه، ص 78.