رواد التقريب: الشهيد السيد محمد باقر الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: پیشگامان تقریب: شهید سید محمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: رحیم ابوالحسنی

المصدر: اندیشه تقریب، ١٣٨۵، العدد ٦

الملخص

واحدة من الطرق القوية للإسلام هي الوحدة والتآلف، وتقديم العلماء الذين بذلوا جهودًا في إصلاح الأمة الإسلامية وجعلوا ذلك هدفهم الأساسي، له دور بارز في تحقيق هذا المثل الأعلى. في العصر الحاضر، الصمت أمام الهجمات الثقافية والعقائدية للأعداء يجعل الإسلام أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى؛ كما أننا في الماضي، بسبب قصور حكام الدول الإسلامية وتأجيجهم للخلافات الطائفية، فقدنا العديد من الآثار الإسلامية القيمة وأضعنا سنوات طويلة من رؤوس أموالنا الفكرية والفنية في خلافات لا أساس لها.

لم يسبق للإسلام، بكل غناه وثروته الفريدة، أن حقق أحلامه كما ينبغي بين المسلمين. حان الوقت الآن لأن نلقي نظرة أكثر واقعية وصراحة على الإسلام، وأن نعود إلى إخلاص وإيمان صدر الإسلام، وأن نضع المشتركات بين المذاهب الإسلامية المختلفة في أولوياتنا، لعلنا نحقق إسلامًا موحدًا وقويًا ومتماسكًا.

الوصول إلى هذا الهدف يتطلب عوامل متعددة، ومن هذه العوامل تقديم العلماء والمثقفين من الدول الإسلامية. في ما يلي نقدم اثنين من العلماء المسلمين الذين لعبوا دورًا مهمًا في تقريب المذاهب الإسلامية، ودعوة الناس إلى الوحدة والتآلف واليقظة الإسلامية.

المقدمة

وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران / ١۶٩)

على مر التاريخ، كان هناك رجال عظماء وأحرار الفكر لم تُعرَف جهودهم الصادقة كما ينبغي لمكانتهم؛ أولئك الذين بذلوا جهودًا مخلصة في سبيل رفع كلمة الإسلام ووحدة الشعوب المسلمة، وقدموا أرواحهم في هذا السبيل. آية الله الشهيد سيد محمد باقر الصدر هو من الشخصيات العظيمة التي لم تُعرَف مجاهداته وأفكاره الأصيلة بشكل كافٍ في المجتمعات الإسلامية، ولم تُعطَ حقها من الاهتمام في واقع حياته. لقد كرس نفسه منذ بداية حياته للدفاع عن الأفكار الإسلامية الأصيلة، ولم يخف من الطغاة البعثيين في العراق، ورفع راية المقاومة ضد الأفكار الإلحادية والانحرافية بقلمه ولسانه، ودعا الجيل الملتزم من المسلمين لمرافقته.

هذا المقال المختصر يتناول سيرة رجل شجاع من نسل النبي صلى الله عليه وآله، كان له حضور فعال ومؤثر في ميادين متعددة، واستثمر قوة القلم واللسان في تقديم المبادئ القيمية للإسلام في جميع المجالات العقائدية والاجتماعية والسياسية، ولم يدخر جهدًا في ذلك. رغم قصر عمره وعدم بلوغه جميع آماله الدينية والسياسية العظيمة، إلا أنه لا شك أن خدماته للإسلام خلال حياته التي امتدت ٤٧ عامًا لا تُنسى، وخاصة عندما تقلد منصب المرجعية المقدسة، حيث كرس جهوده بالكامل للحفاظ على كيان الأمة الإسلامية ونشر الهوية الدينية في الأراضي الإسلامية. تجدر الإشارة إلى أن هذا المقال استند إلى مصادر كتبها مؤلفون كانوا من تلاميذ آية الله الشهيد الصدر المقربين، وشهدوا العديد من الأحداث والمشاهد عن قرب.

آل صدر والشخصيات البارزة في هذه العائلة

كان أسلاف وعائلة الشهيد الصدر على مدى أكثر من قرنين في لبنان وسوريا والعراق مشاعل هداية للناس ومراكز للزعامة الدينية. خلال هذه الفترة، اشتهروا بألقاب مثل: «آل أبي سبحة، آل حسين القطعي، آل عبد الله، آل أبي الحسن، آل شرف الدين» وأخيرًا «آل صدر». وتنسب عائلة آل صدر، التي تمثل السلسلة الأخيرة لهذه العائلة، إلى «سيد صدر الدين صدر» (م١٢۶۴هـ).

وُلد سيد صدر الدين في عام ١١٩٣ هـ في قرية معركة في منطقة جبل عامل، ورافق والده سيد صالح إلى النجف في سن الرابعة، ثم انتقل إلى الكاظمية ومنها إلى أصفهان، ثم عاد إلى النجف حيث توفي عام ١٢٦٤ هـ ودفن في الزاوية الغربية لصحن الإمام علي عليه السلام قرب باب سلطاني. كان من أعظم العلماء والفقهاء الشيعة. منذ طفولته كان لديه شغف كبير لتعلم العلوم الإسلامية، ويقال إنه كتب تعليقًا على كتاب قطر الندى في سن السابعة، وقد نقل عنه أنه في عام ١٢٠٥ هـ، أي في سن الثانية عشرة، كان يحضر دروس أستاذه الكبير وحيد بهبهاني، وقد بلغ مرتبة الاجتهاد قبل البلوغ وحصل على شهادة الاجتهاد من العلامة سيد علي الطباطبائي صاحب رياض (م ١٢٣١هـ). (حسینی حائری، ١٣٧۵، ص١۶و١٧).

ومن الشخصيات الأخرى في هذه العائلة المرحوم سيد إسماعيل صدر (١٣٣٨هـ)، الذي كان مثل والده سيد صدر الدين يتولى المرجعية الدينية. بعد وفاة والده عام ١٢٦٤ هـ، كان تحت رعاية أخيه محمد علي صدر المعروف بـ«آقا مجتهد» حتى بلغ مراتب النضج والكمال. كان يقيم في أصفهان، وفي عام ١٢٨٠ هـ، أي في سن ٢٢ عامًا، هاجر إلى النجف الأشرف ليتعلم الفقه والأصول على يد الأستاذ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري (م ١٢٨٠هـ)، لكنه عندما وصل إلى كربلاء، كان الشيخ الأنصاري قد توفي. ثم انتقل من كربلاء إلى النجف ودرس عند أساتذة آخرين حتى أصبح من كبار علماء الشيعة، ومن العلماء الذين لم يقتصروا على الفقه والأصول والمرجعية، بل كان ملمًا أيضًا بالعلوم العقلية في عصره مثل الكلام والفلسفة والرياضيات والهندسة والفلك القديم (نعمانی، ١۴٢۴هـ، ج١، ص٣٢).

كان آخر أساتذته في فترة دراسته، ميرزا محمدحسن مجدد شيرازي، الذي كان السيد إسماعيل من تلاميذه المميزين. وبعد أن هاجر ميرزا شيرازي إلى سامراء، بقي هو في النجف حتى توجه في منتصف شعبان ١٣٠٩ هـ ق لزيارة تربت الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، وهناك تلقى رسالة من أستاذه ميرزا شيرازي يطالبه فيها بالسفر إلى سامراء دون تردد أو تأخير. فأجاب السيد إسماعيل نداء أستاذه وتحرك نحو سامراء، وبناءً على توصية أستاذه، استقر في سامراء، وبعد وفاة المرحوم ميرزا شيرازي، تولى المرجعية الشيعية. (حسینی حائری، المرجع السابق، ص٢٢).

انتقل السيد إسماعيل لأسباب معينة من سامراء إلى كربلاء، وفي أواخر حياته نُقل إلى الكاظمين للعلاج من مرضه، وتوفي في عام ١٣٣٨ هـ ق في الكاظمين، ودُفن بجوار والده الكريم السيد صدر الدين صدر في المقبرة العائلية لعائلة صدر. (المرجع السابق، ص٢٣).

ومن الشخصيات الأخرى في هذه العائلة، المرحوم السيد حيدر صدر (م ١٣۵۶هـ) ابن السيد إسماعيل صدر وأب الشهيد السيد محمدباقر صدر. كان السيد حيدر من عباقرة عصره ومظهر الزهد والتقوى. وُلد في سامراء عام ١٣٠٩ هـ، وتوفي في ٢٧ جمادى الثانية ١٣٥٦ هـ في الكاظمين، ودُفن في المقبرة العائلية لآل صدر. هاجر مع والده إلى كربلاء في طفولته عام ١٣١٤ هـ ق، وتلقى الدروس التمهيدية عند عدد من الأساتذة هناك. ثم حضر دروس الخارج عند والده السيد إسماعيل، وجلسات درس السيد حسين فشاركي والمرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (م ١٣۵۵هـ) في كربلاء، حتى صار في شبابه من العلماء البارزين في الحوزة. ترك السيد حيدر ولدان وبنت واحدة: ١- آية الله السيد إسماعيل صدر؛ ٢- الشهيد السيد محمدباقر صدر؛ ٣- الشهيدة آمنة صدر المعروفة ببنت الهدى. (نعمانی، ١۴٢۴، ج١، ص٣٧).

كانت والدة الشهيد السيد محمدباقر صدر ابنة المرحوم آية الله الشيخ عبد الحسين آل ياسين، الذي كان من أكبر الفقهاء في عصره. وبعد حياة طويلة وشهادة ابنيها الشهيد صدر وأخته بنت الهدى في حادثة مؤلمة، لبّت هذه السيدة الفاضلة نداء الحق في شهر ربيع الثاني ١٤٠٧ هـ ق. (حسینی حائری، المرجع السابق، ص٣٢).

ميلاد وطفولة الشهيد صدر

وُلد الشهيد السيد محمدباقر صدر في الخامس من ذي القعدة ١٣٥٣ هـ ق في مدينة الكاظمين. كان والده السيد حيدر من مراجع التقليد العظام، وترتبط سلسلة نسب هذه العائلة بالإمام موسى بن جعفر عليه السلام، ومن خصائص أفراد هذه العائلة أنهم جميعاً من المجتهدين والعلماء في زمانهم، وهذه الصفة نادرة في عائلات أخرى. (نعمانی، المرجع السابق، ص۴٧).

بعد وفاة والده العالم، تربى تحت رعاية والدته الطاهرة وأخيه السيد إسماعيل صدر. منذ طفولته كانت علامات النبوغ والذكاء الحاد واضحة فيه. تلقى دروسه الابتدائية في مدرسة «منتدى النشر» في الكاظمين، ووفقاً لصديقه المقرب المرحوم محمد علي خليل الذي درس معه في نفس المدرسة، كان ذكاؤه وأخلاقه الحميدة تجعلان جميع الطلاب من صغار وكبار يلتفتون إليه ويراقبون سلوكه باستمرار، كما كان المدرسون يحترمونه ويقدرونه. كان الجميع في المدرسة يعلمون أنه يمتلك ذكاءً فائقاً، وكان متقدماً على أقرانه في الدروس، ولهذا كان المدرسون دائماً يقدمونه كنموذج الطالب المجتهد والمؤدب. (حسینی حائری، المرجع السابق، ص٣۶).

ومن العوامل التي ساعدت على تعرف الناس عليه أكثر وانتشار شهرته خارج جدران المدرسة، كانت إلقاء الخطب وقراءة الأشعار التي كان يلقيها في مراسم عزاء سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام. كان الشهيد صدر في تلك المرحلة المبكرة يصعد المنبر في صحن الكاظمي ويُلقي الخطب. كان أسلوبه الموسيقي والكلام السلس الذي ينطق به الكلمات دون أدنى تردد يدهش الجميع، والأعجب من ذلك أنه كان يحفظ هذه الخطب في المسافة بين المدرسة والصحن الشريف للكاظمين. (المرجع السابق، ص٣٧).

كان الشهيد صدر متقدماً فكرياً وفهماً على زملائه لدرجة أن بعض ما كان يشرحه لهم في أوقات الاستراحة كان جديداً عليهم. كان يقرأ كتباً غير دراسية مثل الكتب الفلسفية والمباحث الحديثة آنذاك، وكان يتحدث عن مصطلحات مثل الماركسية، الإمبريالية، والديالكتيك، وكان يعرفهم على شخصيات مثل فيكتور هوغو وجوته. كان الشهيد صدر في أيامه الأولى ذا هيبة وجلال، حتى أن أحد معلميه المسمى «أبو براء» قال عنه: «عندما كان يتحدث مع معلميه كان يخفض رأسه وينظر إلى الأرض. كنت أحبه من جهة كطفل نقي وبريء، ومن جهة أخرى كنت أنظر إليه كرجل عظيم وأحترمه لأنه كان مفعماً بالعلم والمعرفة إلى حد أنني قلت له يوماً: أنا في انتظار اليوم الذي أرتوي فيه من ينبوع علمك وأجد طريقي في ظل أفكارك ونظرياتك. لكنه أجابني بأدب واحترام وخجل: أستاذي! سامحني، لقد كنت دائماً تلميذك وتلميذ كل من علمني في هذه المدرسة». (المرجع السابق، ص۴۶).

الشهيد صدر في حوزة النجف الأشرف

بعد إنهاء المرحلة الابتدائية في الكاظمين، ورغم الضغوط التي كان يتعرض لها من معارفه، ترك الدراسة الحكومية، وبتوصية من والدته توجه إلى الحوزة العلمية في النجف وبدأ دراسة العلوم الدينية. (نعمانی، ١۴٢۴هـ، ج١، ص۵٢)

في عام ١٣٦٥ هـ ق، درس في حضرة اثنين من أعظم الشخصيات العلمية في حوزة النجف الأشرف، وهما المرحوم الشيخ محمدرضا آل ياسين والمرحوم السيد أبو القاسم الخوئي. في سن الحادية عشرة تعلّم المنطق وكتب رسالة في هذا الموضوع. كان موضوع رسالته دراسة الاعتراضات التي وُجهت إلى بعض الكتب المنطقية. في بداية الثانية عشرة تعلّم كتاب معالم الأصول على يد أخيه المرحوم السيد إسماعيل صدر. ومن ذكائه الحاد أنه وجه انتقادات إلى صاحب معالم، أشار إليها المرحوم الآخوند الخراساني في كتاب الكفاية.

في الوقت نفسه مع مشاركته في درس المرحوم آل ياسين، كان عدد من العلماء والأساتذة مثل: الشيخ صدرا بادكوبي، الشيخ عباس رميثي، الشيخ طاهر آل رازي، السيد عبد الكريم علي خان، الذين كانوا يقومون بدور أستاذ الشهيد الصدر، حاضرون أيضاً في هذا الدرس. (نعمانی، المرجع السابق، ص۶٨). قال أخوه المرحوم السيد إسماعيل صدر عنه: «أخونا الكريم قد اجتاز جميع المراتب العلمية قبل بلوغه سن الرشد». (حسینی حائری، المرجع السابق، ص۴٨).

في عام ١٣٧٠ هـ ق، عندما انتقل الشيخ مرتضى آل ياسين إلى رحمة الله، كتب تعليقاً على رسالته العملية التي كانت بعنوان «بلغة الراغبين»، وفي تلك الأثناء كان ينظم حواشي الشيخ عباس رميثي على هذه الرسالة، فقال له الشيخ عباس: «التقليد عليكم حرام»، في إشارة إلى أنه مجتهد مسلم به. أكمل الشهيد الصدر دراسته في أصول الفقه عام ١٣٧٨ هـ ق، ودروس الفقه عام ١٣٧٩ هـ ق. وهكذا استغرقت فترة دراسته من البداية إلى النهاية حوالي سبعة عشر أو ثمانية عشر عاماً. وعلى الرغم من قصر هذه المدة، إلا أنها كانت في الواقع طويلة وشاملة جداً، لأنه كان يدرس ستة عشر ساعة يومياً، ولم يكن يفكر في أي شيء سوى المسائل العلمية.

بدأ رسمياً تدريس الخارج في الأصول يوم الثلاثاء الثاني عشر من جمادى الثانية عام ١٣٧٨ هـ ق، واستمر هذا الدرس حتى عام ١٣٩١ هـ ق. كما بدأ الشهيد الصدر تدريس الخارج في الفقه بطريقة عروة الوثقى عام ١٣٨١ هـ ق، واستمر لفترة طويلة. (حسینی حائری، المرجع السابق، ص۴٩).

تلاميذ الشهيد الصدر

ربى الشهيد الصدر خلال حياته العلمية تلاميذ ثمينين، حضر بعضهم حتى مرحلة الاجتهاد عند الأستاذ الشهيد. في الواقع، ربى الأستاذ الشهيد جيلين من العلماء البارزين. الجيل الأول كان من الباحثين الأذكياء الذين حضروا حلقته الدراسية منذ البداية. أما الجيل الثاني فكان من المختارين من الباحثين الأذكياء وأهل النظر الذين انضموا إلى حلقة درس الأستاذ في أواخر الدورة الأولى من الخارج في الأصول واستمروا حتى نهاية الدورة الثانية. بالإضافة إلى هاتين المجموعتين البارزتين، استفاد عدد آخر من الطلاب من ينبوع علم الأستاذ الغزير وتعلموا منه الكثير.

ولكن الأهم من ذلك هو الإشارة إلى نخبة من الباحثين في الدورتين الدراسيتين للأستاذ، الذين وصلت روابطهم العاطفية مع الشهيد الكريم إلى حد لا يوصف. من بين هؤلاء التلاميذ يمكن ذكر: الشهيد السيد محمد باقر الحكيم، السيد نور الدين أشكوري، السيد محمود هاشمي، الشيخ محمد رضا نعماني، السيد كاظم حسيني حائري، السيد عبد الغني أردبيلي، السيد عبد العزيز الحكيم، الشهيد السيد عز الدين قبانجي، السيد حسين صدر، السيد محمد صدر، السيد صدر الدين قبانجي، الشيخ غلام رضا عرفانيان، الشيخ محمد باقر إيرواني والعديد غيرهم.

في تلك الأيام التي سادت فيها ظروف صعبة نتيجة تمرد وجنايات حزب البعث الكافر، كان تلاميذ الأستاذ يمرون بفترة شاقة. أحياناً كان بعضهم يزورون منزل الأستاذ (الذي كان يقع في سوق عمارة بالقرب من مدرسة صغير آية الله بروجردي) ليشرفوا على حضور ذلك التمثال العلمي والزهد ويستمعوا إلى كلماته الثمينة.

آثاره وتأليفه

ترك الشهيد الصدر آثاراً علمية متعددة في موضوعات مختلفة، تعكس رؤيته الواسعة في المجالات الاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية والفلسفية. كتب في جميع هذه المجالات كتباً قيمة، منها ما يلي:

١. اقتصادنا؛

٢. الأسس المنطقية للاستقراء؛ (هذا الكتاب، بالإضافة إلى طبعاته المتعددة، تُرجم إلى اللغة الفارسية أيضاً. اسمه الفارسي «مباني منطقي استقراء» وقد ترجمها السيد أحمد فهري).

٣. الإسلام يقود الحياة؛ ستة كتيبات من هذا المجموع نُشرت عام ١٣٩٩ هـ ق بمناسبة انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وهي:

أ ـ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران؛

ب ـ صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي؛

ج ـ خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي؛

د ـ خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء؛

هـ ـ مصادر القدرة في الدولة الإسلامية؛

و ـ الأسس العامة للبنك في المجتمع الإسلامي.

٤. البنك الربوي في الإسلام؛ (هذا الكتاب نُشر على شكل مقالات متسلسلة بواسطة السيد جُلسرخي كاشاني في مجلة مكتب الإسلام).

٥. بحوث في شرح العروة الوثقى؛

٦. بحوث حول المهدي (عج)؛ (هذا الكتاب طُبع مرات عديدة وترجم إلى الفارسية أيضاً. كتب في البداية كمقدمة لكتاب «تاريخ الغيبة الصغرى» للسيد محمد صدر، لكنه نُشر لاحقاً ككتاب مستقل، وترجمته بعنوان «الإمام المهدي (عج) ملحمة من النور»).

٧. بحث حول الولاية؛ (هذا الكتاب تُرجم إلى الفارسية باسم «التشيع مولود طبيعي للإسلام» بواسطة السيد علي حجتي كرماني. كما نُشرت ترجمة أخرى له بقلم السيد آيت اللهي).

٨. بلغة الراغبين؛ (تعليق على رسالة عملية المرحوم آية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين).

٩. دروس في علم الأصول؛ (كتب هذا الكتاب في ثلاث مراحل باسم «حلقات»، والحلقة الثالثة منها تتألف من جزأين).

١٠ـ فدك في التاريخ؛ (واحدة من أهم الحوادث التاريخية في صدر الإسلام بعد رحيل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، حيث تناول هذا الكتاب كيفية تشكل النظام السياسي والاجتماعي للإسلام. وقد طُبع هذا الكتاب عدة مرات وترجم إلى اللغة الفارسية).

١١ـ فلسفتنا؛ (طُبع هذا الكتاب عدة مرات في إيران وبيروت، وهو مجموعة من المواضيع الفلسفية الإسلامية بشكل مقارن ومتقابل مع المدارس المادية الحديثة، وخاصة الماركسية).

١٢ـ غاية الفكر في علم الأصول؛ (لم يُطبع من هذا الكتاب سوى الجزء الأول فقط في عام ١٣٧٤ شمسي).

١٣ـ المعالم الجديدة للأصول؛ (این کتاب، بارها به ط. رسیده است که نخستین بار آن در سال ١٣٨۵هـ توسط دانشکده اصول دین در عراق بوده است).

١٤ـ المدرسة الإسلامية؛ (طُبع من هذا الكتاب قسمان: القسم الأول، الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية. القسم الثاني، ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي).

١٥ـ منهاج الصالحين؛ (تعليق على رسالة عملية آية الله العظمى السيد محسن الحكيم).

١٦ـ موجز أحكام الحج.

المكانة العلمية للشهيد الصدر

لا تقتصر الخصائص العلمية للشهيد الصدر على علم الفقه والأصول فقط، بل إن آرائه الفكرية في ميادين المنطق، الفلسفة، الاقتصاد، الأخلاق، التفسير والتاريخ جديرة بالملاحظة، وله مؤلفات قيمة في كل من هذه المواضيع. ولا يمكن إنكار ابتكاراته وأفكاره الجديدة في هذه المجالات بأي حال من الأحوال.

صنف الأستاذ الشهيد في كتابه «المعالم الجديدة للأصول» مراحل ازدهار علم الأصول إلى ثلاث مراحل، ولا يتسع المجال هنا لسردها. لكن المناقشات الجديدة التي طرحها الشهيد الصدر أوجدت في الواقع مرحلة رابعة، حيث بعد المراحل التمهيدية، ومرحلة الإنتاج العلمي، ومرحلة النمو والكمال العلمي، دخل علم الأصول في مرحلة النمو النهائي التي أضاءت فيها مناقشاته القيمة كجوهرة براقة على تاج علم الأصول. ومن أمثلة ذلك مناقشاته حول السيرة العقلائية والسيرة المتشرعة وطرق اكتشافها والقواعد الحاكمة عليها، أو مثلاً المناقشات التي أجراها في مسألة حجية القطع ومسألة «مولوية المولى وحدودها» التي تُعد من ابتكاراته وإبداعاته. (حسینی حائری، المرجع السابق، ص۶٧).

وكذلك، فإن ابتكارات هذا الشهيد في علم الفقه لا تقل عن ابتكاراته في علم الأصول. من بين بحوثه الفقهية، طُبعت أربعة مجلدات من كتاب «بحوث في شرح العروة الوثقى». وتحتوي هذه الكتب على بحوث قيمة لم يسبق لأي عالم أن طرحها قبله. وكان هدف الشهيد الصدر هو إحداث تحول في علم الفقه من عدة جوانب، وقد حقق بعض هذه الأهداف من خلال تدريسه وكتابة كتبه. كان يسعى إلى تحويل الخصائص الفردية والآراء المحدودة في استنباط الأحكام إلى خصائص اجتماعية ونظرات عالمية. على سبيل المثال، كان يريد استنباط الأخبار المتعلقة بالتقية والجهاد من منظور اجتماعي وعام، أو تحليل أدلة تحريم الربا مع مراعاة المصالح الاجتماعية والنظرة العامة. في الواقع، كان يحاول أن يجعل نطاق المناقشات الفقهية متسقًا ومنسجمًا مع الاحتياجات المعاصرة وبطريقة فعالة، ليُظهر أن الفقه قادر على شمول جميع جوانب الحياة ومواكبة جميع الظروف الفردية والاجتماعية. وقد اقترب الشهيد الصدر من هذا الهدف إلى حد ما من خلال تأليفه رسالة عملية بعنوان «الفتاوى الواضحة» التي صيغت بطريقة جديدة ومختلفة عن رسائل المراجع الأخرى.

كما نقد الشهيد الصدر المدارس الفلسفية المادية والاقتصادية مثل الماركسية والرأسمالية في كتبه «فلسفتنا» و«اقتصادنا» مستخدمًا منهجًا جديدًا وأدلة قوية؛ وقد خطا خطوات فعالة في مجالات المنطق، التاريخ، التفسير وغيرها، وقدم مؤلفات قيمة لا يتسع المجال هنا لعرضها.

تأسيس جماعة العلماء ودور الشهيد الصدر

كان تأسيس هذا المعهد حركة إسلامية قيمة بدأها عدد قليل من العلماء الكبار في النجف الأشرف في زمن عبد الكريم قاسم. وكان الأستاذ الشهيد في بداية هذه الحركة لا يزال في شبابه ولم يكن من أعضاء حركة «جماعة العلماء». ومع ذلك، كان يهتم بهذه المبادرة المباركة ويؤدي دورًا رئيسيًا في تحفيزها وتوجيهها. (نعمانی، المرجع السابق، ص٢۴٠).

يقول المرحوم الشهيد السيد محمد باقر الحكيم في هذا الصدد: «لا بد من القول بحق إن الدور الأساسي في تشكيل هذه الجماعة كان على عاتق الشخصية العلمية والحكيمة للشهيد الصدر، وكذلك جهود المرجعية الدينية في ذلك الوقت، المرحوم السيد محسن الحكيم. صحيح أن الأستاذ الشهيد السيد محمد باقر الصدر لم يكن ناشطًا كعضو رسمي في «جماعة العلماء» بسبب صغر سنه، لكن لا يمكن إنكار دوره الكبير في تأسيس هذه الجماعة وتوجيهها». (حسینی حائری، المرجع السابق، ص٨١).

في أعقاب هذه الحركة، تمكن علماء النجف الكبار من تقديم برامج إسلامية صحيحة، واتخذوا خطوات في سبيل إنشاء قوة سياسية إسلامية قوية ومستقلة. كانت جهودهم تتجسد في بيانات، مؤتمرات عامة، الارتباط ببعض المنظمات والاتحادات الشبابية، ونشر مجلة «الأضواء الإسلامية». كانت مجلة الأضواء تُطبع تحت إشراف هيئة تتألف من علماء شباب في الحوزة العلمية، وكان لهم ارتباط قوي مع الشهيد الصدر. وبعد أقل من عام، نجحت «جماعة العلماء» في الظهور كقاعدة إسلامية وشبابية في المجتمع الإسلامي، وتم الاتفاق على أن تُنشر مجلة «الأضواء الإسلامية» من جهة كهيئة رسمية لهذه الجماعة، ومن جهة أخرى لاستمرار المسيرة التي بدأت. ومن البديهي أن نشر هذه المجلة وتقديم الرؤى الفكرية والسياسية للإسلام، وعرض المبادئ والأساليب الإسلامية في سبيل تقدم المجتمع وصياغة برامج واسعة، لا سيما من خلال المقالات الافتتاحية التي كانت تُنشر تحت عنوان «رسالتنا» بواسطة الشهيد الصدر وباسم جماعة العلماء، كان يثير الروح الإسلامية في شرائح واسعة من المسلمين ويعزز الحمية الدينية لديهم. (المرجع السابق، ص٨٢).

تأسيس حزب الدعوة الإسلامية

أسس الأستاذ الشهيد في بداية شبابه حزباً باسم «حزب الدعوة الإسلامية». وكان هذا الإجراء في زمانه، بالنظر إلى مستوى الفكر السياسي السائد آنذاك في حوزة النجف العلمية، دليلاً على وعيه السياسي العميق وحركة واعية. ففي زمن كان كثير من المتدينين يعتبرون الانتماء إلى حزب إسلامي دليلاً على الانحراف عن الإسلام الأصيل ومسايرة للاستكبار، كان تقدمه في إقامة حزب إسلامي حقاً يعكس رؤيته العميقة. حدث تأسيس هذا الحزب في عام ١٣٧٧ هـ ق، ومر نموه وتكامله بأربع مراحل: أ ـ مرحلة إنشاء وتأسيس الحزب وتغيير فكر الأمة؛ ب ـ مرحلة الإجراءات السياسية؛ ج ـ مرحلة الوصول إلى السلطة؛ د ـ مرحلة الاهتمام بمصالح الأمة الإسلامية.

كان الشهيد الصدر يناقش هذه المراحل ويحللها في جلساته الأسبوعية. ومع أنه كان رائداً في تأسيس الحزب، إلا أنه بعد نحو خمس سنوات ترك هذا التنظيم الإسلامي، بسبب اعتراض بعض الأعداء على هذا العمل لدى المرحوم آية الله العظمى السيد محسن الحكيم. ومن بين هؤلاء كان حسين صافي، الذي كان شخصاً يظهر بمظهر رجل دين، لكنه في الواقع من أنصار حزب البعث العراقي. قال للحكيم: «سيد محمد باقر الصدر وعدد من أتباعه قاموا بتأسيس حزب باسم حزب الدعوة الإسلامية. هؤلاء بأفعالهم سيؤدون إلى خراب الحوزة العلمية». (حسینی حائری، المرجع السابق، ص٩۴).

فأبعده آية الله العظمى الحكيم عن نفسه، ثم أرسل أحد أبنائه إلى السيد الصدر وأبلغه بالرسالة التالية: «شأنكم هو الحفاظ على كل الحركات الإسلامية، لكن الانتماء لحزب معين ليس مستحقاً. يجب أن تأخذوا في الاعتبار كل أبعاد القضايا الإسلامية». (المرجع السابق، ص٩۵).

فأجاب الشهيد الصدر بأنه سيفكر في ذلك، لكنه بعد فترة انسحب من الحزب المذكور. وبعد وفاة آية الله العظمى الحكيم، بدأ تدريجياً يتولى أمر المرجعية، وفي ذلك الوقت طرح نظرية «ضرورة انفصال جهاز المرجعية الصالحة عن التنظيم الحزبي». كان يعتقد أن نظام المرجعية مسؤول عن القيادة الصحيحة للأمة الإسلامية وليس لحزب سياسي، ورغم أن وجود حزب إسلامي ضروري ليكون ذراع المرجعية ويتحرك تحت إشرافها، إلا أن مزج ودمج العنوانين «التنظيم السياسي الإسلامي» و«نظام المرجعية» يؤدي إلى خلط الأمور وتداخل مجالات عمل هذين القاعدتين المستقلتين. (المرجع السابق).

المرجعية الصالحة والمرجعية المنظمة

من البرامج القيمة التي تبناها الشهيد الصدر خلال السنوات العشر الأخيرة من عمره القصير والمبارك، عقد جلسات أسبوعية في منزله. كان الأستاذ في هذه الجلسات يجمع تلاميذه البارزين والمعروفين، ويتحاور معهم في مختلف المجالات الاجتماعية والأحداث السياسية، ويشرح لهم كثيراً من معاناة المسلمين في المجتمعات الشيعية والسنية. وكان كل من يحضر هذه المجالس يرى بوضوح مدى اهتمام الأستاذ باحتياجات المسلمين في جميع البلدان الإسلامية وغير الإسلامية، ويفكر بجدية فيما هو في صالح الإسلام والمسلمين، ويسعى إلى ترسيخ أركان الحوزات العلمية والمراكز والجماعات الواسعة للعلماء الدينيين في كل المدن، ويوجه المناضلين ضد الكفر والطغيان في جميع البلاد الإسلامية، وأخيراً يدعو المسلمين إلى حياة جديدة وفعالة. في هذه الجلسات، استلهم الشهيد الصدر من نضالات الإمام الخميني رحمه الله والثورة الإسلامية في إيران، وطرح نظرية «المرجعية الصالحة» و«المرجعية المنظمة»، وكان يرى أن المرجعية الصالحة يجب أن تقدم صورة واضحة وموحدة لأهدافها، وأن تستمر هذه الحركة الهادفة والواعية على أساس الأهداف المحددة، لا أن تكون أعمالها متفرقة، مضطربة، وبدون هوية متماسكة، وأن تتخذ خطواتها فقط تحت ضغط الاحتياجات المرحلية. (حسینی حائری، مباحث الاصول، ج١، ص٩٩).

وقد شرح في هذه النظرية بشكل موسع أهداف وبرامج المرجعية الصالحة والمنظمة، وكان دائماً يتمنى تحقيقها. ومن البديهي أنه لا يمكن في هذه الفرصة سرد كل تفاصيل هذا المشروع، لكن المبادئ العامة لهذا المشروع هي كما يلي:

١ـ نشر التعاليم الإسلامية بين المسلمين في أوسع نطاق ممكن؛

٢ـ إحداث حركة فكرية تشمل جميع المفاهيم الإسلامية الأصيلة وكل أبعاد حياة الإنسان؛

٣ـ الإشراف على الحركات الإسلامية والسياسية؛

٤ـ إقامة مراكز في جميع أنحاء العالم للتواصل مع الأمة الإسلامية.

يعتقد الشهيد الصدر أنه بتحقيق هذه الأهداف، سيحدث تحول عظيم في المنهج العام ووجهات نظر المرجعية حول الأحداث الجارية وجودة تعاملها مع الأمة الإسلامية. في الواقع، إن تغيير نظام المرجعية يعتمد على إنشاء مركز واسع ولجان فرعية مكونة من أشخاص متخصصين وكفء لتنفيذ الأهداف المذكورة. يجب أن يحل هذا المركز محل مجموعة وصلت إلى جهاز المرجعية بالصدفة والأحداث الطبيعية وتحمل جزءًا من العمل. هؤلاء غالبًا ما يتولون تلبية الاحتياجات الفورية والأحداث الجارية اعتمادًا على ذهنية جزئية، دون أن تستند هذه الإجراءات إلى الأهداف والمنهجيات المنظمة التي تسود روح الحركة المرجعية.

كان الشهيد الصدر يعتقد أن استمرار نظام المرجعية الصالح عبر الزمن يجب أن يكون بحيث يتجاوز نطاق حياة مرجع معين، ليتمكن المرجع الجديد من بدء مسؤولياته من نقطة نهاية نشاطات المرجع السابق، لا أن يبدأ من الصفر ويواجه صعوبات ومشقات البداية. هكذا يمكن لنظام المرجعية أن يظل ثابتًا في سبيل تحقيق أهدافه ويضع برامج طويلة الأمد. (نعمانی، المرجع السابق، ص٢۶٩).

اعتقالات الشهيد الصدر

اعتُقل الشهيد الصدر أربع مرات بسبب ظلم حزب البعث الكافر. كانت المرة الأولى في عام ١٣٩٢ هـ ق، حين اعتقلته قوات البعث وهو يرقد في مستشفى النجف بسبب مرضه. نُقل الشهيد الصدر إلى مستشفى النجف بواسطة اثنين من تلاميذه المقربين (سيد كاظم حسيني حائري وسيد عبد الغني أربيلي) إثر تسمم شديد. لم تكن قوات البعث التي كانت تسعى لاعتقال السيد على علم بهذا الأمر، فاقتحمت منزله، وبعد أن علموا بأنه في المستشفى، توجهوا إلى هناك وحاصروا المستشفى وطلبوا من المسؤولين تسليم السيد لهم. رفض المسؤولون تنفيذ هذا الطلب، لكن في النهاية تمكنت قوات البعث من نقل السيد إلى مستشفى الكوفة وأدخلته قسم المعتقلين في المستشفى.

وصل هذا الحدث إلى علم الإمام الخميني أيضًا، مما أثار غضب الناس وخصوصًا طلبة العلوم الدينية وعلى رأسهم المرحوم آية الله الشيخ مرتضى آل ياسين والمرحوم سيد محمد صادق صدر. تجمعوا حول مستشفى الكوفة مطالبين بإطلاق سراح السيد. خشي نظام البعث من عواقب هذا التمرد ومن تدهور حالة السيد، فأصدر حكمًا بإطلاق سراحه في وقت قصير. (حسینی حائری، المرجع السابق، ص١١٣).

كانت المرة الثانية في شهر صفر ١٣٩٧ هـ ق، بعد مراسم إحياء أربعينية الحسين عليه السلام، حيث اعتُقل الأستاذ الشهيد. كان المرحوم السيد يدعم الزوار المجيئين إلى كربلاء من مدن مختلفة ماديًا وروحيًا دون أن يترك أي أثر في توجيههم. في أربعينية عام ١٣٩٧ هـ ق، قتل نظام البعث العديد من الزوار واعتقل عددًا كبيرًا منهم، وفي النهاية انتقم من المرجعية بحقد شديد واعتقل الشهيد الصدر واعتدى عليه بالضرب، وكانت آثار ذلك واضحة بعد إطلاق سراحه. (المرجع السابق، ص١١٧).

كانت المرة الثالثة في شهر رجب ١٣٩٩ هـ ق، بعد الأحداث التي وقعت في هذا الشهر وبعقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، حيث أصاب نظام البعث العميل رعب شديد. كان نظام البعث يدرك جيدًا أن انتصار الثورة الإسلامية قد يشكل خطرًا كبيرًا عليه ويهدد مستقبل نظام العراق. كانت أحداث شهر رجب، المستلهمة من الثورة الإسلامية في إيران ومن شخصية الإمام الخميني رحمه الله، حركة عظيمة من الجماعات الشعبية والعرقية في العراق لدعم الثورة الإسلامية في إيران وتأسيس مثل هذا النظام في العراق.

على إثر هذه التحركات، اعتُقل العديد من الشخصيات الكبيرة في العراق، وبعد عدة أيام، اعتُقل الشهيد الصدر في صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من رجب عام ١٣٩٩ هـ ق. شارك في اعتقال الشهيد الصدر مئتا شخص من أفراد الشرطة والجيش المضاد للشعب وأعضاء فرع النجف لحزب البعث، وكانوا جميعًا مجهزين بأسلحة ومعدات حربية. بعد اعتقال السيد، ألقت أخته بنت الهدى خطابًا ناريًا في إدانة حكومة العراق، وأصبح هذا الخطاب أحد أهم الوثائق في تاريخ الثورة الإسلامية في العراق. (حسینی حائری، المرجع السابق، ص١٣۶).

كانت المرة الرابعة والأخيرة لاعتقال السيد، التي أدت إلى استشهاده، في عام ١٤٠٠ هـ ق. كان نظام البعث قد وضع سابقًا خطة لاغتيال السيد، لكنه لم ينجح، فقرر قتله، وبعد مرور أربعة أيام على هذا الحدث، سلموا جثمان الشهيد الطاهر في منتصف الليل إلى ابن عمه المرحوم حجت الإسلام سيد محمد صادق صدر، وكلفوه بالإشراف على مراسم دفن الأستاذ. (المرجع السابق، ص١۴٧).

حديث الشهادة

كانت حادثة استشهاد السيد حدثًا مؤلمًا ومفجعًا. جاء أبو سعد، رئيس إدارة أمن النجف، إلى منزل الأستاذ عند الظهر دون سابق إنذار، ونقل الأستاذ إلى بغداد. هكذا وقع هذا الشهيد الجليل في يد جلادي البعث، وهو يعلم أنه سيلتحق بالله قريبًا. بعد انتهاء محادثاته مع رجل الدين المزيّف في بلاط صدام، رأى في المنام أن أخاه المرحوم سيد إسماعيل صدر وعمّه الكريم المرحوم الشيخ مرتضى آل ياسين يجلسان كل على كرسي منفصل، وقد أُعد مكان في وسط المجلس للسيد.

كما كان هناك ملايين الأشخاص حاضرين ينتظرون قدوم السيد. بعد هذا الحلم، كان الشهيد الصدر يعد الأيام للشهادة، وقد نالها في الأسبوع الذي رأى فيه الحلم. في جثمان ذلك العظيم، الذي سُلم إلى ابن عمه المرحوم سيد محمد صادق صدر، كانت آثار التعذيب واضحة. في تلك الأيام أيضًا، اعتُقلت أخته بنت الهدى بحجة زيارتها للسيد، ونُقلت إلى بغداد، واستشهدت أيضًا.

نعم! هكذا يُغلق دفتر حياة الرجال الأبطال وذوي العزائم العالية في التاريخ، لكن الروح الحية المفعمة بالنشاط والازدهار لعظماء مثل الشهيد سيد محمد باقر الصدر رحمه الله تبقى حاضرة وراقبة بين الأمم الإسلامية، ويجعلهم المسلمون أصحاب الفكر الحر في العالم قدوة ومثلاً لحياتهم.

مع استشهاد السيد، أُقيمت مجالس العزاء، والتظاهرات الاحتجاجية، والإضرابات، ورسائل التعزية من المراجع ومنها الإمام الخميني، وبرامج التكريم في جميع أنحاء العراق ومعظم البلدان الإسلامية، وغنى الشعراء في رثائه قصائد متألقة. ومن أجمل هذه القصائد، قصيدة السيد الدكتور داود عطار التي تبدأ بالمطلع التالي:

باقر الصدر منا سلاما  أيها البستان الذي سقاه الحمام

أنت أيقظتنا كيف نغفو  أنت أقسمت ألا تناما[1]

المصادر والمراجع

پژوهشکده باقر العلوم وابسته به سازمان تبلیغات اسلامی، گلشن ابرار، نشر معروف، قم، ١٣٧٨.

جامعه اسلامی دانشجویان دانشگاه آزاد اسلامی کرمان، زندگی‌نامه شهید صدر، زعیم، تهران، ١٣٧٩.

جمشیدی، حسین، اندیشه‌های سیاسی شهید رابع امام سید محمدباقر صدر، وزارت امور خارجه، تهران، ١٣٧٧.

جمشیدی، حسین، نظریه عدالت: از دیدگاه ابونصر فارابی، امام خمینی و شهید صدر، پژوهشکده امام خمینی رحمه‌الله و انقلاب اسلامی، تهران، ١٣٨٠.

حسینی حائری، کاظم، زندگی و افکار شهید بزرگوار آیت الله العظمی سید محمدباقر صدر،ترجمة و پاورقی حسن طارمی، وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی، تهران، ١٣٧۵.

قبانچی، صدرالدین، اندیشه‌های سیاسی آیت الله شهید سید محمدباقر صدر، ترجمة ب.شریعتمدار، خدمات فرهنگی رسا، تهران، ١٣۶٢.

قلی‌زاده، مصطفی، شهید صدر بر بلندای اندیشه و جهاد، سازمان تبلیغات اسلامی، تهران، ١٣٧٢.

نعمانی، رضا، شهید الامة وشاهدها: دراسة وثائقیة لحیاة وجهاد الامام الشهید السید محمد باقر الصدر، کنگره جهانی امام شهید صدر، قم، ١۴٢۴ق.

 

[1] أيها الباقر الصدر، سلامنا عليك، أي يد دنيئة أغرقت جسدك الطاهر في حُضن الموت؟ لقد أيقظتنا، فكيف تغمض أنت عينيك؟ لقد أقسمت ألا تنام أبداً.