خصائص المدرسة الفكرية والعلمية للشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ویژگی‌های مکتب فکری و علمی شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: خصائص المدرسة الفكرية والعلمية لـالشهيد صدر، عنوان كتابة يستعرضها السيد محمود هاشمي، حيث يفحص أبعاد المنظومة المعرفية لهذا المفكر الكبير في عالم الإسلام. يشير المؤلف في هذا المقال إلى دور الشهيد صدر في تأسيس الحركة الإسلامية وتربية جيل من العلماء الفضلاء، موضحًا السمات المميزة لمدرسته. من بين الركائز التي تناولها هذا البحث كوجوه تميز المدرسة الفكرية والعلمية للشهيد صدر: «الشمولية وتنوع التخصصات» (التي تشمل الفقه، الأصول، الاقتصاد، الفلسفة والسياسة)، «الدقة في التحليل» و«العبقرية النادرة».

المؤلف: سید محمود هاشمی

المصدر: فقه اهل بیت، شتاء 1379، العدد 24، ص 21 إلى 31.

لا يمكن إنكار دور الشهيد آية الله السيد محمد باقر صدر في ترسيخ أسس الحركة الإسلامية المنتصرة، ومساهمته الكبيرة في تأسيس هذه الحركة على الصعيدين الفكري والعملي في عالم الإسلام، لا سيما في العراق، حتى إنه زين الحركة الإسلامية بدمه الطاهر، وباقتدائه بجده سيد الشهداء (ع) كان بحق سيد شهداء عصره.

لذلك، لا يتسع هذا العرض المختصر لكل أبعاد عظمة هذا العالم الرباني، ولكن مع ذلك، لا يمكن التهرب من ذكر أبرز خصائص المدرسة العلمية والفكرية التي أسسها، وهي مدرسة على أساسها، خلال عمره المبارك وإن كان قصيرًا، قدّم جيلًا من العلماء الدينيين الفضلاء والواعيين والمخلصين والمجاهدين في سبيل الله، وانضم بنفسه إلى صفوف الصديقين والشهداء والصالحين.

هنا نذكر أهم خصائص هذه المدرسة التي لا تزال باقية ومتقدمة في تاريخ العلم والإيمان.

الشمولية وتنوع التخصصات

تتمتع مدرسة الشهيد صدر بأبعاد وجوانب متعددة، فهي تتناول جميع فروع المعارف الإسلامية والإنسانية، ولم تقتصر على علوم مثل الفقه والأصول فقط، رغم أن مجال الفقه والأصول هو المجال الرئيسي والواسع لإنجازاته وابتكاراته العلمية. من بين التخصصات التي بحثت فيها هذه المدرسة: الفقه، الأصول، المنطق، الفلسفة، العقائد، علوم القرآن، الاقتصاد، التاريخ، الحقوق، السياسات النقدية والمصرفية، نظام التعليم والتربية في الحوزة، أساليب العمل السياسي، أنظمة الحكم الإسلامي، وغيرها من فروع المعرفة الإنسانية والإسلامية.

هذه الشمولية في مدرسة الشهيد هي ثمرة استفادته من ذهن مبدع وشامل النظر. يمكن اعتبار مثل هذه العقول من النوادر التي ظهرت في فترات من تاريخ العلم والعلماء، حيث يخلق كل منها نقطة تحول تاريخية جديدة في توجه وتقوية الحركات المعرفية.

كان ذلك الشهيد العظيم في العلم وسعة النظر والذوق والموهبة الفائقة آية من آيات العبقرية. هذه العبقرية النادرة كانت واضحة منذ الطفولة والسنوات الأولى من حياته، وكذلك خلال فترة دراسته العلمية. كان الأساتذة والزملاء والتلاميذ وكل من تواصل معه مباشرة أو غير مباشرة ومن خلال كتبه ومناقشاته القيمة يدركون هذه العبقرية.

الدقة في النقاش والتحليل والتطرق إلى الجوانب المختلفة

من النقاط المهمة جدًا التي تجعل أي نظرية صحيحة ومتينة، هو دراسة الاحتمالات والمسائل المختلفة المرتبطة بموضوع النقاش، وكذلك السير المنطقي المتناسب مع الموضوع المعني. هذه الخاصية تشكل الأساس والركيزة للنظام الفكري والمعرفي في كل باب ومسألة، بحيث أن أي نظرية بدون هذه الخاصية تكون غير مستقرة، ولا تتحمل النقد، وتنهار.

تُعد هذه الدقة في البحث من أهم ميزات بحوث الشهيد صدر، وهي واضحة في جميع كتاباته بأفضل صورة. لم يكن يطرح أي مسألة علمية، خصوصًا في الأصول والفقه، إلا وكان يطرح احتمالات وصيغًا مدهشة حولها، كما يظهر ذلك في حلقات الأصول وكتبه الأخرى. على سبيل المثال، في مناقشات القطع، قدم نقاطًا دقيقة وتفرعات جديدة لم ينتبه إليها أحد قبله.

كانت هذه الصفة العلمية موجودة أيضًا في كلام الشهيد العادي، بحيث كان يعالج أي موضوع، مهما كان بسيطًا وعاديًا، بأسلوب علمي وفني، ويعرض جميع الاحتمالات والأنواع في هيئة وبنية منطقية، حتى يظن السامع أنه أمام تحليل لنظرية علمية متينة وجذرية مع أدلة منطقية.

الابتكار والتجديد

تقوم حركة العلوم وتقدم المعارف البشرية على ظاهرة التجديد التي يمارسها العلماء والباحثون في كل مجال معرفي. كان الشهيد صدر قويًا جدًا في الابتكار وتحويل العلوم والنظريات العلمية، سواء في مجال الإنجازات والبيانات العلمية أو في مجال الأساليب والاستنتاجات. ومن آثار هذه الصفة أنه استطاع أن يفتح آفاقًا جديدة في المعارف الدينية لم يصل إليها أحد من قبل. كان رائد هذا المسار، فاتح الأبواب، مؤسس أساليبه، ومحدد علامات ودلائل هذا الطريق الواسع. هذا الابتكار واضح تمامًا في بحوثه الاقتصادية. ناقش موضوعات وقضايا جديدة في الفقه، وتمكن من إعادة تعريف وتوضيح النظام الاقتصادي الإسلامي، كما قدم نظريات جديدة حول البنك الإسلامي الخالي من الربا. في كل هذه القضايا، كان الشهيد صدر المبادر والطريق الجديد. مبتكرًا لم يكتفِ بالبحوث والأعمال القائمة، بل كان يقدم دائمًا نظريات جديدة وغير مسبوقة.

كان منهجه الموضوعي في التفسير والتاريخ كذلك. فقد استطاع الأستاذ الشهيد اكتشاف علامات ومحددات هذا المنهج. هذا المنهج، كما يقول هو نفسه:

يتيح لنا إمكانية تعريف وتحديد الرؤية النظرية للقرآن الكريم، ومن ثم الرؤية النظرية للرسالة الإسلامية، تجاه أي موضوع من مواضيع الحياة والوجود.

وكان يؤكد على هذا المنهج وطبقه بنجاح في نقاشين هما (التقاليد التاريخية في القرآن) و(دور وحدة وتعدد زمن الأئمة في التاريخ).

وأيضًا بحث الشهيد الصدر المتميز في مبادئ الاستقراء المنطقية هو كذلك. فقد ربط الفجوات التي سببت ضعف منطق الاستقراء، وقدم تفسيرًا جديدًا للاستقراء خلافًا لرأي أرسطو وبرتراند راسل، أطلق عليه اسم (المذهب الذاتي). كما استطاع أن يثبت أن المبادئ المنطقية التي تقوم عليها جميع الاستدلالات العلمية الناتجة عن الملاحظة والتجربة هي ذات المبادئ المنطقية التي تستند إليها الاستدلالات في إثبات الصانع. ومع تأكيده على هذه الحقيقة، يقول في نهاية كتابه:

هناك معادلة قطعية وهي أن الإنسان إما أن يقبل الاستدلال العلمي ككل، وفي هذه الحالة يكون الاستدلال في مسائل اللاهوت جزءًا منه، أو يرفض الاستدلال العلمي كليًا، وعندها لا بد له من إنكار جميع النتائج والإنجازات العلمية الثابتة. وبالنظر إلى هذه النقطة، فإن العلم والإيمان مرتبطان بحبل لا يمكن قطعه في أي حال من الأحوال.

وفيما يتعلق بالابتكار، يجب القول إن أيًا من مؤلفات ونقاشات الشهيد لم تخلو من عنصر الابتكار، لا سيما في المسائل الفقهية والأصولية. فقد أعاد النظر في ترتيب مباحث هذين العلمين وأعاد بنائهما، وقدم طرقًا جديدة في علم الأصول إلى الحوزة العلمية، كما عرض بعضها في كتاب معالم الأصول الذي يعد مقدمة علمية وجذابة جدًا حول تاريخ علم الأصول ونشأته وتطوره.

وفيما يخص ترتيب أبواب علم الأصول، يجب القول إنه أجرى إصلاحات كثيرة بهدف تمكين الطلاب من تعلم هذه المادة بشكل جيد ومتدرج. وتظهر ثمار تعلم علم الأصول بالطريقة التي قدمها الشهيد في دروس الخارج.

وهناك العديد من الأمثلة التي أضافها الشهيد إلى علم الأصول. فمناقشاته التفصيلية في الفقه والأصول تتضمن إضافات وابتكارات كثيرة، منها أقواله الجديدة في بحث التوازن والترجيح وإضافة فصول إليه، وهو ما يخالف الأسلوب المعتاد والمتعارف عليه في هذا البحث. وفي المسائل الفقهية أيضًا، في كتاب الفتاوى الواضحة، أخرج بحث الزكاة والخمس من باب العبادات. وباختصار، في مجال الابتكارات، فإن مدرسة المعارف الإسلامية، خصوصًا في مسائل مثل الاقتصاد الإسلامي والمنطق الاستقرائي والتاريخ السياسي للأئمة(ع)، مدينة لهذا العبقري.

المنهج الواقعي والنظرة الشمولية

تتضح هذه الصفة تمامًا في نقاشاته التفسيرية الموضوعية وكذلك في نقاشاته الاقتصادية، حيث نظم الموضوعات الاقتصادية بشكل متقدم ووضعها تحت عناوين جديدة، في حين أن هذه الموضوعات عادة ما كانت تُطرح ضمن أبواب فقهية متفرقة، مثل ملكية الأرض والربا والمزارعة والمضاربة.

ولم يقتصر تطبيق هذا المنهج على باب الاقتصاد فقط، بل أراد تطبيقه في جميع فروع المعرفة مثل التفسير والتاريخ والسيرة وغيرها. وقد طبق هو نفسه مثالًا جميلاً على تنفيذ هذا المنهج الواقعي في تاريخ حياة الأئمة(ع).

وفي هذا التوجه والميول الجديد، يقول الشهيد:

يُعالج تاريخ حياة كل إمام بناءً على نظرة شاملة ومجموعة متكاملة، وليس بتفصيلات جزئية، أي يُنظر إلى الأئمة(ع) كمجموعة مترابطة، وتُبحث هذه المجموعة كلها معًا، ويُكتشف المظهر العام والأهداف المشتركة والجوهر الأصيل لها، ويُفهم ترابط أجزائها، وبالتالي دور الوحدة لجميع الأئمة في نمو الحياة الإسلامية.

وهذا المنهج الواقعي واضح تمامًا في تقسيمه الابتكاري في الرسالة الفقهية الفتاوى الواضحة وكذلك في دروسه في التفسير الموضوعي للقرآن في النجف الأشرف. وكان يؤكد كثيرًا في دروس التفسير على أن الوصول إلى نص القرآن وفهمه يجب أن يبدأ من النص الواقعي.

وفي هذا الصدد يقول:

يبدأ التفسير من النص الواقعي (الوقائع الخارجية والاجتماعية) وينتهي بالقرآن، وليس أن يبدأ من القرآن وينتهي به، لأن في هذه الحالة يكون قراءة القرآن منفصلة عن الواقع ومنقطعة عن تراث التجربة البشرية. بل يجب أن يبدأ التفسير من الواقع وينتهي بالقرآن، لأن القرآن هو المصدر الدائم الذي من خلاله تتصل التوجهات الإلهية للإنسان بالحقائق.

والهدف من تطبيق هذا المنهج، كما يؤكد الشهيد في كتاب التفسير الموضوعي للقرآن، هو الوصول إلى نظرية قرآنية للنبوة، ونظرية قرآنية للنظام الاقتصادي، ونظرية قرآنية في تقاليد التاريخ والسموات والأرض.

تنظيم النقاش واختيار الطريقة المناسبة للاستدلال في كل موضوع

من خصائص فكر الصدر منهجيته العلمية والفنية في تناول كل موضوع كان يختاره للتدريس أو البحث. ومن هنا نرى أن نقاشاته الفقهية والأصولية تختلف تمامًا من حيث المنهج والترتيب الفني عن نقاشات الباحثين السابقين. فقد كان يفصل الجوانب والاتجاهات التي طرحها الآخرون بشكل متداخل ومختلط، خصوصًا في المسائل المعقدة التي يصعب فهمها ويكثر فيها الخلط والخطأ، ويُوضح جوهر الموضوع، ويحلله وينظمه بطريقة علمية وموضوعية بحيث لا يجد أهل الاختصاص مثيلاً لها في نقاشات الآخرين. كما كان يميز طريقة الاستدلال في كل موضوع بشكل كامل. فمثلًا في موضوع معين، هل يُستخدم البرهان أم الاستقراء والوجدان؟ لم يكن يكتفي بإثبات ادعائه على أساس كونه وجدانيًا فقط، بل كان في استخدام الوجدان يتبع طريقة خاصة يمكن تسميتها بـ(تحفيز الوجدان)، بمعنى أن الوجدان يجعل الباحث حساسًا وواعيًا بالموضوع. وهذا واضح تمامًا في نقاشات الشهيد الأصولية من خلال المنبهات الوجدانية، كمثال يمكن الإشارة إلى المنبهات التي ذكرها حول بشرية وضع الألفاظ وفقًا للنظريات المشهورة للأصوليين وليس نظريته الخاصة.[1]

الجمع بين المنهج المنطقي والإقناع النفسي

من خصائص فكر الشهيد الصدر هو التوجه المنطقي والبرهاني في التفكير وحل القضايا العلمية، مصحوبًا بالإقناع النفسي، وأن تكون هذه المكتسبات البرهانية متناسقة ومتوافقة مع الضمير، وتحمل إلى حد كبير قوة الإقناع والاطمئنان النفسي أيضًا. لم يكن الأمر مجرد نقل نظرية بلا دليل أو أن يكون الدليل مغالطة متعمدة، بل كان في كل فرضية علمية يذكر أولًا الأدلة والبراهين المقنعة لها. لم يكن من الصعب عليه إيراد البرهان في أي موضوع، سواء كان مناقشات لغوية أو عقلانية أو عرفية. هذه الخاصية في الآراء والنظريات أعطت لهذا المذهب ومنجزاته الفكرية صبغة علمية ومنطقية تجعل من الصعب نقدها بسهولة، كما منحتها قوة إقناع أكبر وجعلتها أكثر قدرة على دحض النظريات والآراء الأخرى.

كما أن هذه الخاصية جعلت هذا المذهب قادرًا على تربية فكر وأفكار أتباعه، وتأسيس قواعده على أساس منطقي وعلمي، وابتعاده عن المناقشات اللفظية والتداخل والخلط في الفهم، التي غالبًا ما تؤدي إلى سقوط البحوث والدراسات العلمية والعقلية.

وفي الوقت نفسه، لم يكن هذا الفكر البرهاني والمنطقي معتمدًا دائمًا على البنية والمصطلحات النمطية، لأن هذه المصطلحات أحيانًا تؤدي إلى انحراف فكر المحقق وابتعاده عن الواقع، واتباع نظريات يرفضها الضمير السليم، خاصة في المسائل التي لها معيار داخلي ووجدان، والتي تحتاج إلى منهج خاص في الاستدلال.

تلاحظ أنه دائمًا ما ينتهي بالبرهان والاستدلال إلى نتائج وجدانية، وفي هذه المسائل لا يتعارض البرهان مع نتائج الضمير السليم، بل على العكس، يقدم البرهان لتثبيت وتقوية نتائج الضمير. كان يدرك المسألة في البداية بالحس الداخلي والوجدان، ثم يستخدم البرهان والاستدلالات المنطقية لتعزيزها علميًا. لذلك، لم يشعر المحقق أبدًا بثقل وصعوبة البراهين أو عدم توافقها مع الذوق والضمير، وهي المشكلة التي وقع فيها كثير من الفقهاء والأصوليين المتأثرين بمنهجيات العلوم العقلية.

كمثال، يمكن نقل ما ذكره الشهيد في مناقشته مع رأي السكّاكِي حول حقيقة المعنى المجازي، حيث ينكر السكّاكِي أن المجاز هو استعمال اللفظ في غير معنى موضوعه، بل يعتبر المجاز أيضًا استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، لكن ذلك المعنى يُطابق على مصداق ادعائي آخر. وقد أكد الشهيد الصدر براهين بطلان هذا الرأي بدليل الضمير، حيث يحكم الضمير بأن إعطاء صفات المعنى الحقيقي لشيء ما بشكل ادعائي يكون أحيانًا مخالفًا لقصد المتجوز، مثل من يريد المبالغة في جمال يوسف ويقول: (يوسف قمر)؛ لا يعني في ذهنه أن يوسف كالقمر من حيث الشكل، وإلا لكان جماله كإنسان قد زال، لأن صفات القمر سبب جمال القمر نفسه لا لشيء آخر.

وعليه، فإن ما قاله السكّاكِي عن المجاز ليس تعبيرًا كاملاً عن المعنى المجازي.[2]

لقد استطاع هذا الفكر العظيم، بناءً على الجمع بين الخصائص المنطقية العلمية للاستدلال من جهة، والالتزام بالمنهجية الصحيحة والمتناسقة مع كل علم من جهة أخرى، أن يطبق في كل مجال معرفي وعلمي المنهج العلمي المناسب لطبيعة ذلك العلم دون تأثر بالمنهجيات الغريبة عنه.

الجمع بين الذوق الفني والإحساس العقلي

الذوق هو إحساس داخلي في الإنسان، من خلاله يدرك جمال وتناسق الأمور. والذهنية العقلائية هي إحساس آخر يدرك الإنسان به الطبائع والأوضاع والارتكازات التي هي مصدر أحكام العرف والعقلاء، والتي تستند إليها كثير من النظريات والأفكار في مختلف المناقشات، مثل المناقشات المتعلقة بالقانون والتشريع والمناقشات الأدبية. هذه المناقشات غالبًا ما تكون محل جدل ورأي، ولا يمكن تقديم استدلال منطقي أو رياضي أو تجريبي لها، بل تحتاج إلى ذوق فني وإحساس عقلي وحس عرفي وأدبي.

في مذهب الشهيد الصدر نرى أن هذه المجالات متميزة تمامًا عن المجالات الأخرى. في المجال الأول، يفحص المسائل العلمية بالاعتماد على الذوق الواقعي والإدراك المباشر العقلي، وقد استطاع أن يبتكر في هذا المجال منهجًا مناسبًا، ويؤسس طرق الاستدلال الذوقي والعقلي ويقوي قواعده وأصوله، خصوصًا في ذلك الجزء من المناقشات الفقهية التي تعتمد على الاستنباطات والنظريات العرفية أو الارتكازات العقلائية، حيث ابتكر منهجًا فقهيًا واقعيًا للاستظهار الفقهي، يقوم على أن الاستظهار لا يكون مجرد ادعاء محض أو مغالطة متعمدة، بل يتحول إلى نظريات مدعمة ومقنعة وعلى أساس واقعي.

يجدر الإشارة إلى أنه من النادر أن نجد في شخصية علمية واحدة الميل إلى البرهان والاستدلال المنطقي مع الذوق الفني والحس العقلي والعرفي مجتمعين، إذ نرى أن العلماء الذين يمارسون العلوم العقلية والبرهانية أحيانًا لا يراعون النقاط الدقيقة العرفية والذوقية والعقلائية، وعادةً ما تكون آراؤهم ونظرياتهم مبنية على تلك المصطلحات البرهانية التي اعتادوا عليها. وعلى العكس، نرى بعض الباحثين في العلوم الأدبية ومن في حكمهم لا يطبقون صناعة البرهان والاستدلالات المنطقية بشكل جيد. لكن مدرسة الشهيد صدر تتميز بأنها جمعت بين هاتين الصفتين اللتين نادرًا ما تجتمعان، وقد استطاعت أن تخلق توافقًا كاملاً بينهما، وتوظف كلًا منهما في موضعه المناسب دون أن تقع في زلل أو تناقض.

القيمة العلمية والمكانة الحضارية لمدرسة الشهيد صدر

كان الشهيد صدر يدرك تمامًا صراعات الحضارة المعاصرة، ومن خصائص مدرسته أنه استطاع بأسلوب علمي نقدي وواقعي أن يهز أسس الإنسان المعاصر الحضارية المادية، وكشف تناقضاتها، وأثبت عجزها عن حل المشكلات التي يغوص فيها الإنسان المعاصر سواء في الغرب أو في العالم الإسلامي. إن انهيار معسكر الاشتراكية وتفكك دولته ومنظمته السياسية يعد دليلاً على صحة نقد الشهيد صدر لمبادئ فلسفة مدرسة الاشتراكية.

أما المصائب والمشكلات التي أفرزتها الفلسفة المادية لمعسكر الرأسمالية، خاصة في البلدان الفقيرة والتابعة لهذا المعسكر، فهي أكثر وأوسع بكثير. في مواجهة هذا المعسكر، وبعد تقديم نظريات الشهيد صدر بأسلوب علمي ومنطقي في عدة ميادين معرفية مهمة مثل الاقتصاد والسياسة، استطاع أن يعيد الثقة والاطمئنان إلى الإسلام وأحكامه، وأظهر تفوقها وتوافقها مع الواقع والمجتمع الإسلامي، وأثبت أن قوانين الإسلام قادرة على إنقاذ المجتمعات الإسلامية من مشكلاتها.

تمكن الشهيد صدر من تقديم الحضارة الإسلامية الرفيعة بأسس علمية راسخة في مواجهة الحضارة الغربية، وبناء هيكل شامل متكامل متين، ودخل بقوة ميدان الحرب الفكرية والثقافية، ودحض كل الأفكار والمقولات التي نسجتها الحضارة المادية في العصر الحاضر، وأنشأ مدرسة دائمة مستمدة من مصادر الإسلام النقي ومرتبطة بالوحي الإلهي وفضل الله على الإنسان، فخرج منتصرًا وناجحًا من هذا الميدان.

هذا كان ملخصًا موجزًا من خصائص مدرسة هذا المرجع والفيلسوف والصوفي الرباني والمجاهد الشهيد الذي بنى كل لبنة فيها بفكره، وبجهوده العلمية المتواصلة أزهرها مرحلة بعد أخرى. إن مجموعة هذه المواضيع تعبر فقط عن البعد العلمي، أي جانب واحد فقط من أبعاد هذه الشخصية العظيمة والفريدة في تاريخنا المعاصر.

[1]. راجع بحوث في علم الأصول، مج1، ص85.

[2]. راجع بحوث في علم الأصول، مج1، ص119.