ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نگاهی گذرا به زندگی، آثارو اندیشههای شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تلقي هذه المقالة نظرة سريعة على حياة وأعمال وأفكار الشهيد صدر وتبحث أبعاد شخصيته العلمية والجهادية وابتكاراته في العالم الإسلامي. في هذا المقال، وبالإضافة إلى استعراض مؤلفات بارزة مثل «فلسفتنا»، «اقتصادنا» و«الأسس المنطقية للاستقراء»، تم توضيح الدور الفريد للشهيد صدر في إحياء الفكر الديني، وتحول الفقه والأصول في الحوزة العلمية في النجف، وفتح آفاق جديدة في الاقتصاد والفلسفة الإسلامية. يُظهر هذا الاستعراض المختصر أن الشهيد صدر لم يكن مجرد فقيه بارز، بل كان منظراً مؤثراً في الفكر الإسلامي المعاصر.
المؤلف: محمدجواد عنایتیراد
المصدر: پژوهشهای اجتماعی اسلامی، ربيع 1376، العدد 8، ص 167 إلى 184.
آية الله الشهيد محمد باقر صدر كان مفكراً عظيماً، فقيهاً مبتكراً، فيلسوفاً جليلاً، مفسراً نيراً، مجاهداً صلباً، قائداً حكيماً، مرجعاً مصلحاً وشهيداً شجاعاً من قافلة شهداء الفضيلة، الذي أحدث تحولاً جديداً في الفكر والنهضة الإسلامية. في هذا المقال نلقي نظرة سريعة على حياته وأفكاره.
وُلد آية الله الشهيد صدر في 25 ذو القعدة 1353 هـ.ق في الكاظمية، فقد والده وهو في الرابعة من عمره، فتولى رعايته والدته وأخوه الكريم. منذ طفولته كانت علامات النبوغ والعظمة واضحة فيه، ووفقاً لما رواه المعلمون وزملاء الطفولة، كان نبوغه الدراسي وحسن خلقه محل إعجاب الجميع وجذبهم إليه. ووفقاً لما كتبه أبو براء (أحد معلمي الشهيد صدر في المرحلة الابتدائية)، فقد كان في فترة دراسته الابتدائية، بالإضافة إلى إتقانه الكامل للدروس، يقرأ بدقة كل كتاب علمي وثقافي يصل إليه، وفي تلك الفترة كان قادراً على نقد الفلسفة الماركسية بشكل جيد.
يقول أحد اللغويين المعاصرين للشهيد: «لو لم تكن هناك عوائق قانونية لكنت منحتُه شهادة دبلوم مع مرتبة الشرف وفتحت له أبواب جميع الجامعات».
بعد تخرجه من المدرسة، وفي عمر الحادية عشرة، تعلم «المنطق» وكتب رسالة منطقية نقد فيها بعض آراء أهل المنطق، وفي الثانية عشرة من عمره بدأ يتعلم معالم الأصول على يد أخيه الوحيد، وفي ذلك الوقت انتقد أفكار صاحب معالم، كما فعل صاحب الكفاية في نقده لمعالم. درس معظم دروس السطح بدون أستاذ ودرّسها بنفسه.
الهجرة
في عام 1365 هـ.ق (وكان عمره لا يتجاوز اثني عشر أو ثلاثة عشر عاماً) غادر مسقط رأسه متجهاً إلى النجف، حيث حضر دروس الخارج لآية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين رحمه الله وآية الله الخوئي رحمه الله، وبلغ ذروة الاجتهاد في سن مبكرة ولم يقلد أحداً أبداً.
قال الشهيد بنفسه: «لقد تقلدت قبل بلوغ سن التكليف المرحوم الشيخ محمد رضا آل ياسين، أما منذ البلوغ فلم أقلد أحداً».
بعد وفاة أستاذه آل ياسين في عام 1370 هـ.ق، وبناءً على دعوة آية الله الشيخ عباس الرميثي، شارك في مجلس شرح كتاب فقه بلغة الراغبين للشيخ محمد رضا آل ياسين، وكتب عليه تعليقاً اجتهادياً. أنهى دراسته في الأصول والفقه على التوالي في عامي 1378 و1379 هـ.ق، واستمرت دراسته من البداية إلى النهاية حوالي سبعة عشر أو ثمانية عشر عاماً، وكان خلال هذه الفترة يكرس في المتوسط ستة عشر ساعة يومياً للقراءة والبحث. بدأ تدريس دروس الخارج في الأصول والفقه في عامي 1378 و1391 هـ.ق في سن الخامسة والعشرين والثامنة والعشرين على التوالي، وتخرج على يديه العديد من الفضلاء والمجتهدين.
الصفات الأخلاقية للشهيد صدر رحمه الله
كان إنساناً سامياً، نموذجاً، وذو صفات أخلاقية جذابة ومفيدة، إلى جانب انشغاله بالعلم، كان في ظل مدرسة أهل البيت عليهم السلام يسعى إلى الكمال الروحي وأداء العبادات والأعمال الصالحة، ويهتم بتربية الأبناء وطلاب العلم. كان رحيماً، صبوراً، مخلصاً، متبصراً، بعيداً عن حب الدنيا، وبكلمة واحدة كان مربياً نموذجياً. ضحى بكل شيء في سبيل الإسلام، وكان يفضل تلاميذه وطلابه المتقين والمجاهدين على أبنائه. يكتب السيد كاظم الحائري:
بعد استشهاد خمسة من رفاقه، زرتُه وهو يبكي بشدة فقال: «والله لو أن البعثيين عرضوا عليّ بين إعدام خمسة من أولادي وبين إعدام هؤلاء لاخترت إعدام أولادي لأن الإسلام اليوم يحتاجهم».
الأفكار والابتكارات العلمية
تعمق الشهيد صدر في آفاق متعددة من العلوم الإسلامية، وبحث ووسع أو نقد أفكار العلماء السابقين، وابتكر في مجالات العلوم العقلية والنقلية ابتكارات وتجديدات نذكر منها باختصار:
المنطق والفلسفة
في هذا الصدد يمكن الإشارة إلى ما يلي:
1- أساس المعرفة والابتكار في مسألة الاستقراء
في البداية، كان الشهيد صدر يرى معرفته متوافقة مع الأرسطية والفلسفة السائدة في الحوزات، وكان يدافع عنها، وعلى هذا الأساس كتب كتاب فلسفتنا، لكنه في مسيرته العلمية توصل إلى نظرية جديدة أطلق عليها «مدرسة التوالد الذاتي» التي شرحها في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء.
ومن هذا المنطلق، وبجانب نقد آراء الأرسطيين في هذا الموضوع، تناول حل مشكلة الاستقراء، وجملة من المسائل المنطقية والمنهجية في العلم الحديث. فقد فتح بفضل حل مشكلة الاستقراء (المسألة المصيرية في فلسفة العلم) عبر بديهيات «الحساب الاحتمالي» بابًا جديدًا في ترسيخ أسس ومسائل العلوم الإسلامية، وسنشير إلى ذلك لاحقًا.
يكتب أحد المثقفين المعاصرين:
كتاب الأسس المنطقية للاستقراء يحتوي على أبدع الأفكار والابتكارات الفلسفية للشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر، وهو من أطيب ثمرات ذهنه الفذ، الباحث والمبدع… يطرح المرحوم الصدر نظرية معرفية جديدة، وبمساعدتها لا يقتصر على حل الاستقراء فحسب، بل يسعى أيضًا إلى حل كم هائل من المسائل المنطقية والمنهجية الحديثة.[1]
كما أنه أنكر بداهة أربع مسائل (المحسوسات بالحس الظاهري، والمتواترات، والتجارب، والحدسيات) من البدهيات الأولية الستة للأرسطيين، واعتبرها نظرية وقابلة للإثبات من خلال الحساب الاحتمالي.
2- الناقد البارع لفلاسفة الإلحاد
لقد قام بتحقيق نقدي علمي للفلسفات الغربية، وخصوصًا فلسفة الماركسية، وكتب في هذا المجال كتاب فلسفتنا الذي نال شهرة عالمية بعد فترة قصيرة من نشره[2]، وقد استغرق تأليف هذا الكتاب عشرة أشهر، مما يدل بوضوح على اتساع معرفته الفلسفية. وما يزيد من أهمية جهوده الفلسفية هو أنه في النجف حيث كان الفقه وأصوله فقط سائداً، انخرط في دراسة فلسفية عميقة وغيرها من العلوم الإسلامية، وكان يشجع تلاميذه على التعلم والدراسة والنقاش. وفي يوم من الأيام حضر فجأة جلسة نقاش فلسفي مع بعض تلاميذه، ووصفها بأنها أفضل المجالس عند الله، وقال:
إني أعتقد أنه لا يوجد الآن مجلس أفضل عند الله من مجلسكم هذا الذي تتباحثون فيه في المعارف الإسلامية، فأحببت أن أحضر هذا المجلس الذي هو أفضل المجالس عند الله[3]
وفي أواخر حياته بدأ الشهيد الصدر بتأليف كتاب فلسفي تطبيقي يجمع بين أفكار الفلاسفة القدماء والحديثين، وكان أول بحث فيه «تحليل ذهن الإنسان» لكنه لم يحظَ بفرصة إتمامه بسبب استشهاده.[4]
الكلام
في استقرائه، توصل الشهيد الصدر إلى منهج جديد في إثبات وجود الله ونبوة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبعض المسائل الكلامية، وشكك في بعض المبادئ الكلامية المقبولة عند المتكلمين وعلماء الأصول الشيعة.
أصول الفقه
آراؤه وابتكاراته في «الأصول» بمستوى يمكن معه أن يُطلق عليه، مثل الشيخ الأنصاري رحمه الله، لقب «مؤسس» [5]. فقد قسم في معالم الجديدة تاريخ علم الأصول إلى ثلاث مراحل وفق معيار جميل: «تمهيدي»، «علمي»، و«كمال علمي»، وبناءً على هذا المقياس يمكن اعتبار مدرسته الأصولية هي المرحلة الرابعة في تطور علم الأصول.[6] إن دراسة مؤلفاته وابتكاراته الأصولية تشهد بوضوح على هذا الادعاء. ولأول مرة أدخل «الاستقراء» ضمن عناوين الأصول، وبناءً عليه قدم آراء جديدة في مسائل مثل «حجية العقل»، «سيرة العقلاء»، «سيرة المشرعة»، «حجية الخبر الواحد» وغيرها. وبفضل وعيه بفلسفة اللغة التحليلية ومنهج التحليل عند فلاسفة اللغة من خلال ترجمة كتب راسل، استعمل المنهج التحليلي أكثر فأكثر في الأصول، وابتكر ابتكارات جديدة في مسائل مثل «الوضع»، «المعاني الحرفية»، «المعاني الاسمية». وفي مبحث «حجية القطع» رد على الرأي الشائع المستند إلى «قاعدة قبح العقاب بلا بيان» واعتبر حجية القطع مستندة إلى «إمكانية الإنجاز الاحتمالي».
بشكل عام، يمكن تصنيف إبداعات الشهيد الصدر في «الأصول» إلى ثلاثة أنواع من الابتكارات المضمونية والشكلية:
1- طرح مسائل جديدة لم تكن معروفة قبله، مثل الاستقراء والاستفادة الواسعة من «الحساب الاحتمالي» في إثبات مسائل مثل الوضع، التواتر، سيرة العقلاء، سيرة المشرعة، الإجماع، الخبر الواحد، وغيرها.
2- اختيار نظرية جديدة مدعمة بالأدلة مخالفة لآراء الأصوليين، مثل نظريته الجديدة في حجية القطع التي ذُكرت سابقًا.
3- شرح آراء مختارة لعلماء الأصول بأسلوب جديد ومبدع، مثل شرحه لحقيقة المعاني الحرفية والجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية.
الابتكارات الشكلية للشهيد الصدر رحمه الله في علم الأصول
ظهور كل أدوات التكنولوجيا الفائقة الحديثة وانتشار العلوم بشكل غير مسبوق في العصر الحاضر، يبرز سعي العلماء في مختلف العلوم لاستخدام التعلم لنقل المعلومات بسرعة إلى الذهن. ومن ذلك:
تبسيط المفاهيم العلمية، التنظيم المنطقي والسلس للمباحث، تأليف كتب مخصصة للفئات العمرية، تحديد الجمهور المستهدف، وغيرها. اليوم يُدان بشدة الكتابة الصعبة وعدم مراعاة التفاصيل الجانبية في الكتابة (من حيث الشكل والمضمون) التي تربك القارئ في فهم العبارة، وتُعتبر سببًا في إهدار عمر الباحثين.
في هذا السياق، طرح الشهيد الصدر ابتكارين استراتيجيين:
1- التنظيم المنطقي لمباحث علم الأصول
كان يرى أن مسائل الأصول في كتب علماء الأصول، رغم عمقها، تفتقر إلى ترتيب منطقي، فقام بدقة بتنظيم مسائل علم الأصول ترتيبًا منطقيًا، وكتب مؤلفاته الأصولية وفقًا لذلك.
2- تنظيم الكتب التمهيدية في علم الأصول
في تنظيم وكتابة الكتب الدراسية، إلى جانب الشرح الدقيق للمواد العلمية، تم الأخذ بعين الاعتبار عوامل مثل: نمو التفكير العقلي لدى القراء، الفئة العمرية، الجمهور المستهدف، التنظيم والتقسيم الصحيح للدروس… وذلك لكي يتم التعلم بشكل أفضل في وقت أقل. (الكتب الدراسية والمبادئ على مستوى الحوزة خالية من هذه الخصائص) لقد أدرك الشهيد الصدر الموضوع فقام بتأليف كتب قيمة في دروس علم الأصول. فهو لم يكتفِ بمعرفة المرض بل بادر إلى علاجه أيضًا.
الفقه
لم يكن تألقه في «الفقه» أقل من «الأصول»، فقد وسّع الفقه بمنهج جديد إلى آفاق متعددة من حياة الإنسان الفردية والاجتماعية، ولو كان حيًا لكان قد أحدث ثورة في «الفقه» مع مراعاته للمبادئ الجديدة، والمعارف العلمية الواسعة، وذهنه الناقد والواعي.
الفقه الحالي، بسبب التناقض بين الأنظمة المادية والإلحادية والنظام الإسلامي، وبُعده عن الحكم (بسبب الظالمين عبر قرون طويلة) وعوامل أخرى داخلية وخارجية فقهية، يعاني من مشكلات عديدة، وإذا لم نبذل جهدًا في حلها، فإن استمرار حياته سيكون صعبًا. لذلك تناول الشهيد الصدر في مقاله «الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد عند الشيعة» شرحًا لبعض هذه المشكلات، وملخصها هو:
الهدف الرئيسي من الاجتهاد هو توضيح وتطبيق نظرية الإسلام في مجالَي حياة الإنسان الفردية والاجتماعية، وفي هذا السياق، اقتصر الاجتهاد على تطبيق الشريعة في مجال الحياة الفردية، وبسبب العزلة السياسية، تم نسيان تطبيقها في المجال الاجتماعي. ومن هنا يظن الفقيه أن مجال نشاطه هو المجال الأول (تطبيق النظرية في المجال الفردي وبالقدر الذي يتعلق بسلوك الفرد وتصرفاته)، وهذه النظرة سببت أضرارًا كثيرة لجسم الفقه.
قدم الشهيد الصدر للتخلص من هذه المشكلة التي تشكل حاجزًا كبيرًا في سبيل قانونية وحقوقية الفقه الشيعي[7] الأفكار التالية في مجال الفقه:
1- النظام والهدفية في الفقه
يرى الشهيد الصدر أن النظام هو «إيجاد منهج لتنظيم الحياة الاجتماعية في المجالات الاقتصادية والسياسية والتربوية… على أساس خاص، مثل النظام الاقتصادي الذي هو إيجاد منهج لتنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع وفق العدالة» .[8]
كان يعتقد أن الشريعة نظام (سيستم) هادف، حيث لا ينفصل أي من أجزائه وبياناته عن الآخر، وأن تغيير أي جزء يؤثر في الأجزاء الأخرى، ويجب النظر إليه بنظرة نظامية في مجالَي حياة الإنسان (الفردي والاجتماعي) لكي يمكن التعرف على روح الإسلام. «الإسلام كل لا يتجزأ وأن التطبيق الفردي للنظرية لا يمكن أن ينفصل بحال عن التطبيق الاجتماعي لها» .[9]
سعى الشهيد الصدر إلى استنباط ورسم النظام الإسلامي في تراكيبه المختلفة، وكتب كتاب اقتصادنا لشرح النظام الاقتصادي في الإسلام، وباستخدام الاستقراء وحساب الاحتمالات قدم طريقة لاكتشاف معيار النظام.[10]
ومن الجدير بالذكر أنه بناءً على المنهج الاستقرائي، فإن اكتشاف النظام ومعياره في فتوى فقيه واحد له قيمة إرشادية فقط، وينظر إليه بنظرة تأييد أو عدم تأييد للنظرية العامة المقترحة، ولذلك فإن فتوى أو عدة فتاوى مخالفة مادامت لا تساهم في تشكيل نظرية معارضة أو إضعاف النظرية المقترحة، فلا تؤثر سلبًا على الاجتهاد في النظرية والنظام المعني.[11]
2- تقسيم الأحكام إلى ثابتة ومتغيرة ودور الزمان والمكان في تغييرها
سر الخاتمية واستمرار ديناميكية الدين هو وجود أحكام ثابتة ومتغيرة وتركيبة مناسبة بينهما مرتبطة بالأهداف المشتركة. يرى الشهيد الصدر أن للزمان والمكان دورًا مهمًا في تغيير الموضوعات والأحكام (خصوصًا منطقة الفراغ)، ولهذا يقول: «لا بد من تجديد النظر في الرسائل العملية كل فترة» ، وقد قام بنفسه بهذا العمل من خلال طرح جديد في الفتاوى الواضحة، حيث قبل الأحكام المتغيرة وأدخل الزمان والمكان في تغييرها، وبنظرة نظامية إلى الفقه توصل إلى آراء جديدة. مثلاً، كان يعتبر إحياء الأراضي في زمن المعصوم عليه السلام، حيث كانت أدوات الزراعة بدائية، سببًا للتملك، أما في العصر الحالي الذي أصبحت فيه الزراعة ميكانيكية، فيعتبر تملك العامل من اختصاص الولي الأمر.
3- الفراغ القانوني (منطقة الفراغ ما لا نص فيه)
الفراغ القانوني أو المجالات الحرة القانونية التي تشمل دائرة المباحات، الأمور التوقيفية، الأحكام الحكومية والولاية ليست فراغًا قانونيًا أو نقصًا في الشريعة، بل هي ميزة وعامل ديناميكية وتوافق مع الظروف الجديدة، وقد ترك الشارع يد التشريع في الإطار العام للدين للغير مفتوحة.
يرى الشهيد الصدر في كتبه اقتصادنا و الإسلام يقود الحياة، معتمداً على مبناه الجديد في الحكم، أن الولي الأمر والأمة يشتركان في تحديد أحكام منطقة الفراغ.
4- تقسيم النصوص والروايات إلى تبليغية وولائية
من المعتقدات الأخرى للشهيد الصدر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام لهم مقامان صدر عنهما نصوص وروايات.
أ- مقام التبليغ وتشريع الأحكام
ب- مقام الولاية والإمامة
الأحكام والروايات في المقام الأول دائمة وثابتة، وفي المقام الثاني مؤقتة ومتغيرة.[12] بعبارة أخرى، الأحكام والروايات التي صدرت من جهة شرعية الشارع هي دائمة وثابتة، أما الأحكام والروايات التي صدرت من جهة ولاية المعصوم عليه السلام فهي مؤقتة ومتغيرة.
هو يعتقد أنه في الحالات التي توجد فيها اجتهادات متعددة، يمكن لمجلس التشريع المنتخب من الشعب أن يختار أحدها.[13]
5- رسم الخلافة الشعبية بإشراف المرجعية
واحدة من الابتكارات الفقهية للشهيد الصدر هي الاستخدام الأمثل للاستقراء وحساب الاحتمالات في استنباط الأحكام الشرعية وكشف معاييرها ضمن رؤية شاملة للشريعة، فقد بحث دور الدليل الاستقرائي في الأحكام في مجالين: الاستقراء المباشر وغير المباشر. الاستقراء المباشر (الاستقراء في الأحكام) يعني دراسة العديد من الأحكام الشرعية وإيجاد اتجاه ومعيار واحد مشترك بينها. ونتيجة لذلك نكتشف قاعدة عامة في الشريعة الإسلامية من خلال هذا الطريق.[14]
الاقتصاد
الشهيد محمد باقر الصدر، بعد معرفته بالأنظمة والأنظمة الاقتصادية المعاصرة ووعيه الكامل بأسسها ونظرياتها، قام بنقد علمي وواقعي لها، وبناءً على نظرة شاملة للشريعة والفقه، رسم للمرة الأولى الخطوط العريضة للنظام الاقتصادي في التشيع، وأسس الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي على ثلاثة مبادئ: «الملكية المختلطة»، «الحرية ضمن حدود محددة» و«العدالة الاجتماعية»، واستخرج بعض القواعد الاقتصادية الإسلامية بطريقة الاستقراء. مثلاً، استخرج قاعدة «العمل في الثروات الطبيعية هو أساس وسبب ملكيتها» من استقراء أحكام مثل سببية إحياء الأرض والمناجم على ملكية[15] العامل عليها.
التفسير وتاريخ التفسير
اختار الشهيد الصدر في التفسير منهج التفسير الموضوعي للقرآن الذي له مزايا أكثر من التفسير الترتيبي، وكان له نقاشات عميقة في مجال السنن التاريخية في القرآن، وقد نُشرت تحت نفس العنوان. كما أشار إلى نقاط جديدة في تاريخ التفسير.
تاريخ الإسلام
منذ شبابه، تناول تحليل قضايا تاريخ الإسلام، وكتب في سن السابعة عشرة كتاباً تاريخياً بعنوان فدك، وكانت أبحاثه العميقة والواسعة في هذا الكتاب في ذلك العمر مصدر دهشة وإعجاب الجميع، وربما لأول مرة، أثبت بالأدلة والقرائن أن الخليفة الأول والثاني أعدّا الأرضية لسيطرة بني أمية من خلال إجراءات سياسية للحفاظ على استمرارية فكرتهما السياسية.[16]
اختار في تاريخ الإسلام والتشيع المنهج التحليلي وناقش فيه ثلاث نقاط أساسية:
1- التحليل التاريخي لفدك.
2- دراسة وتحليل شامل لحياة المعصومين عليهم السلام وأسباب اختلاف سيرتهم.
3- سبب عدم استناد الإمام علي عليه السلام إلى نصوص الخلافة في بداية اغتصاب الخلافة منه.
في بداية اغتصاب الخلافة، استند الإمام علي عليه السلام لإثبات حقه إلى الأفضلية والقربى، ولم يستند إلى «النص» إلا في أواخر حياة عمر، وهنا يطرح سؤال: لماذا لم يستند الإمام عليه السلام إلى النص في البداية؟ حاول الشهيد الصدر في نقاشاته التاريخية الإجابة على هذا السؤال وكشف سر صمت الإمام عليه السلام في البداية.
الأفكار والإجراءات السياسية والاجتماعية للشهيد الصدر رحمه الله
كان الشهيد الصدر عالماً بارزاً في العلوم الإسلامية، قدم أفكاراً إصلاحية جديدة في سبيل إصلاح المجتمع والحفاظ على الحدود الدينية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات الدينية، واتخذ خطوات جريئة لتحقيق ذلك، مما وضعه في مصاف المصلحين الجديرين بتاريخ الإسلام. فيما يلي بعض أفكاره وإجراءاته الاجتماعية والسياسية.
1- تشكيل حكومة إسلامية
كان يرى ضرورة تشكيل حكومة إسلامية، وطرح في رسمها ثلاث نظريات: أولاً، عند تأسيس حزب الدعوة الإسلامية، كان يعتبرها «مجلسية».
ثم دافع في «الفتاوى الواضحة» و«هامش منهاج الصالحين» عن «ولاية الفقيه»، وأخيراً، قبيل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، اقترح تركيبة من المجلس، وولاية الفقيه، وخلافة الشعب بإشراف المرجعية، وسمّاها «الجمهورية الإسلامية».
2- اقتراح المرجعية المؤسسية
هو الذي من جهة أدرك المكانة الخاصة للمرجعية في حفظ كيان الإسلام والتشيع، ومن جهة أخرى لم يرَ المرجعية الفردية (الذاتيّة) كافية أو مناسبة للعالم المعاصر، لذا اقترح المرجعية المؤسسية، وذكر احتياجاتها، وأساليبها، وأهدافها، ومراحلها، ومجالات نشاطها. وأكد في طرحه أن جهاز المرجعية يجب أن يكون مؤسسة دائمة ذات برامج متماسكة، بحيث بعد وفاة مرجع يتابع مرجع آخر عمله ويجعل المجتمع الشيعي أكثر ازدهاراً من قبل.
3- وجوب مكافحة الأجانب والطغاة المستبدين في العالم[17]
4- نفي القومية ودفاع عن فكرة الأمة الإسلامية الواحدة
كان يعتبر الإسلام معياراً لملكية المسلمين، وكان يبتعد بشدة عن القومية، وجعل الدفاع عن كيان وأهداف الإسلام ووحدة المسلمين هدفه، وفي هذا السياق أحبط جهود النظام العراقي لفصل نفسه عن الإمام خميني رحمه الله.
5- الحزبية للطلبة الحوزويين
في البداية، أسس مع مجموعة حزب الدعوة، وبعد توصية المرحوم الحكيم (بأن شأن المرجعية أعلى من الانحصار في حزب معين) خرج منه، ثم رسم ثلاثة محاور عامة لتطبيق الحزبية على طلبة الحوزة.
أ) فصل المرجعية عن الحزبية، لأنه كان يرى أن جهاز المرجعية فوق الحركات والأحزاب.
ب) لا مانع من مشاركة الطلبة غير المنتمين للمرجعية في الحزب الإسلامي.
ج) بالنسبة للطلبة الحزبيين المنتمين لجهاز المرجعية، كان يعتقد أنه إذا كان انفصالهم عن الحزب يسبب اضطراباً فيه، فيجب أن يبقوا في الحزب.
أما بعد الثورة الإسلامية في إيران، فقد رأى أن مشاركة عموم الطلاب في الأحزاب الإسلامية مفيدة.[18] قدم الشهيد الصدر المحورين الأولين كثابتين والمحور الأخير كمتغير.
6-العمل التنظيمي
كان يؤمن بالجهد التنظيمي لتحقيق أهدافه الإسلامية، وفي هذا السياق، عندما كان المتحجرون يصفونه وأنصار إقامة الحكم الإسلامي والراغبين في الانضمام إلى الأحزاب الإسلامية بالعمالة، قام في ربيع عام 1377 هـ.ق، بالتعاون مع مجموعة بتأسيس حزب الدعوة الإسلامية.[19]
7-التقية ومراعاة المسائل الأمنية في المقاومة
في أواخر حياته، كان الناس من مختلف أنحاء العراق، من جميع الطبقات والفئات، يأتون إلى النجف للبيعة له، لكنه بعد قبول عدة وفود أمر بوقف هذه الحركة.[20] لأن نظام البعث كان يتعرف على المبايعين ويقوم بمضايقتهم، مما أدى إلى تباطؤ حركة النهضة الإسلامية.
8-البصيرة
كان ذا بصيرة في الساحة السياسية، بحيث أنه بعد تأكده من استشهاده، قام بتشكيل مجلس قيادة بعده ليتولى قيادة الحراك الجديد لأبناء العراق.[21]
9-الصبر والثبات في سبيل الله والمقاومة ضد الظلم وتمني الشهادة
تعرض الشهيد الصدر خلال حياته للسجن مرات عديدة وتحمل الكثير من التعذيب النفسي والجسدي، وكان يعتبر قطع الخبز اليابس ألذ طعام له.[22]
10-الاستفادة الكاملة من الفرص الاستثنائية
11-طاعة مرجع الزمان في الفترة قبل القيادة
12-اليقظة والوعي بـ مكائد العدو
كان بحق «مؤمني كيس»، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ولمنع تأثير الثورة الإيرانية على انتفاضة الشعب العراقي، تعامل نظام العراق مع الشهيد الصدر بمحبة ومودة، لكنه بوعي تام لمكائد العدو، واجهها بحذر وأحبط العدو.
ومن بين خطواته السياسية الأخرى: مقاطعة عضوية حزب البعث العراقي، وجوب مقاومة حكومة البعث، ومقاطعة الصلاة الجماعية للعلماء البعثيين، دعم الثورة الإسلامية في إيران وقيادتها، قيادة النهضة الإسلامية في العراق، والسعي لإقامة الحكم الإسلامي في ذلك البلد، الإشراف والتدريس في الحوزة ومدرسة آية الله الحكيم وكلية أصول الدين، التعاون مع جماعة العلماء، تربية الطلاب والفضلاء، ومساعدة المظلومين والمجاهدين، وغيرها.
الخاتمة السعيدة
كان نظام العراق، الذي تألم من نضالاته وخاف من ولادة خميني جديد في العراق، قد ارتكب في النهاية أشد خيانته، ففي 20 فروردين 1359 هـ.ش، استشهد هو وأخته الفاضلة «بنت الهدى». «عاش سعيداً ومات سعيداً».
بعض من آثار وتأليفات الشهيد الصدر[23]
1- فدك في التاريخ، الطبعة الأولى 1374 هـ.ق.
2- غاية الفكر في علم الأصول، 1374 هـ.ق.
3- فلسفتنا، 1379 هـ.ق.
4- اقتصادنا، (مجلدان) 1381 هـ.ق.
5- الأسس المنطقية للاستقراء، 1391 هـ.ق.
6- السبك الربوي في الإسلام، طُبع قبل الأسس.
7- المعالم الجديدة للأصول، 1385 هـ.ق.
8- المدرسة الإسلامية، في جزأين: 1- الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، 2- ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي؟
9- بحوث في شرح العروة الوثقى، أربعة أجزاء مطبوعة، الطبعة الأولى للجزء الأول عام 1391 هـ.ق.
10- دروس في علم الأصول، في ثلاث حلقات، الحلقة الثالثة في مجلدين.
11- بحث حول المهدي.
12- بحث حول الولاية.
13- الإسلام يقود الحياة، في ست حلقات بمناسبة انتصار الثورة الإسلامية في إيران:
أ- لمحة فقهية تمهيدية من مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران
ب- صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي
ج- خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي
د- خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء
هـ- مصادر القوة في الدولة الإسلامية
و- الأسس العامة للبنك في المجتمع الإسلامي
14- الفتاوى الواضحة، رسالة عملية للشهيد الصدر كان من المقرر إعدادها في أربعة مجلدات لكنه لم يتمكن من إتمامها. ملحق هذا الكتاب رسالتان أخريان له بعنوان المرسل، الرسول، الرسالة، ونظرة عامة في العبادات.
15- تعليق منهاج الصالحين، (منهاج الصالحين رسالة عملية لمرحوم آية الله الحكيم).
16- تعليق صلاة الجمعة شرائع، لم تُطبع.
17- تعليق بلغة الراغبين، (رسالة عملية لمرحوم آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين).
18- تعليق مناسك الحج لمرحوم آية الله الخوئي.
19- موجز أحكام الحج.
20- أهل البيت: تنوع الأدوار ووحدة الهدف.
[1] عبد الكريم، سروش، تفرج صنع، صص 426 و 427، (تهران: مؤسسه فرهنگی صراط، ط.٣ 1373)
[2] مبادئ المنطق للاستقراء، ص 45.
[3] مبادئ المنطق للاستقراء، ص 46.
[4] المصدر نفسه، ص 63.
[5] تعبير الأستاذ آية الله سيد عز الدين الزنجاني في شأنه.
[6] سيد كاظم حائري، مباحث الأصول، (انتشارات مکتب الاعلام الاسلام، 1407 ه.ق الجزء الاول)، ص 15.
[7] جهود فقهاء المصلحين مثل المرحوم محمد حسين آل كاشف الغطاء صاحب تحرير المجلة والإمام الخميني رحمه الله في تقنين الفقه الشيعي (الفقه القانوني) جديرة بالثناء.
[8] سعيد رحيميان، «طريقة اكتشاف النظام»، مجلة نقد ونظر، العدد 5، ص 199.
[9] محمد باقر صدر، «الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد»، الفصلية العربية فقه أهل البيت، (العدد الأول، السنة الأولى)، ص 16.
[10] في رسم الخطوط العامة لنظام ما، تدخل أربعة أمور أساسية: 1- معرفة التوجه العام للشريعة 2- فهم الهدف المنصوص له للأحكام الثابتة 3- مراعاة القيم الاجتماعية 4- فهم الأهداف التي حددت للولي الأمر ومجالات ممارسة ولايته. راجع: سعيد رحيميان، «طريقة اكتشاف النظام»، مجلة نقد ونظر، العدد 5، ص 199.
[11] سعيد رحيميان، المصدر نفسه، ص 200.
[12] الشهيد صدر، اقتصادنا، صص 401، 414، 726، 728.
[13] الشهيد صدر، الإسلام يقود الحياة، صص 18، 19، آينة، ص 12.
[14] الشهيد صدر، معالم الجديدة، ص 162، نقلًا عن ناصحيان – نقد ونظر.
[15] معالم الجديدة، ص 164؛ اقتصادنا، صص 395 و 396.
[16] آية الله سيد عز الدين الزنجاني قال: «عندما كنت أراجع الكتب المتعلقة لكتابة شرح خطبة السيدة فاطمة عليها السلام، لم يذكر أحد هذه النقطة سوى الشهيد صدر رحمه الله».
[17] مباحث الأصول، ص 113، وكذلك راجع: لمحة فقهية…
[18] مباحث الأصول، صص 101 و 102.
[19] المصدر نفسه، صص 87 و 88.
[20] المصدر نفسه، صص 117، 119.
[21] مباحث الأصول، صص 159 و 160.
[22] المصدر نفسه، صص 126، 135.
[23] راجع: مباحث الأصول، المقدمة.

