ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: شهید رابع؛ اسوه جهاد و شهادت، آیت الله صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
مصدر: حوزه، فروردين و ارديبهشت ١٣۶٧، العدد ٢۵
كان في الصدارة، عالم الفكر، وفي زمن غربَة الدين ومرارة الزمان، حافظًا للسنة. نشأ في أسرة الاجتهاد[1] وهذه الجذور الطاهرة كانت تقوده إلى أعماق تاريخ التشيع، ولم يكن كهيكل بلا أساس، يُجبره أي نسيم على الخضوع. كان مرتبطًا بأبدية الاجتهاد والروحانية، يستمد منهما رزقه ويسترشد بهما. هذه السلسلة في الماضي كانت تثبته، لكنه لم يحصل على هذه الثبات دون النظر إلى (الحاضر) و(المستقبل). لم يكن من الذين يرون (الماضي) كل شيء ويغوصون في (السنة) ويبقون في (الحاضر) ويفقدون (المستقبل)!
ظل الشهيد الصدر متميزًا بهذه الصفة. كان ممثلًا لجيل لا يخجل من الماضي والمعارف السابقة. لم يكن يخجل من البحث والتنقيب في علوم السابقين، لكنه كان يؤمن بأن عالم المعرفة لا حدود له، ويجب تجديد الرأي في كثير من المعتقدات والأشكال، وبذلك التوجه دخل ميدان العلم، واعتمد على الماضي ورؤية الحاضر، ونظر إلى اليوم، وقدم خططًا وأفكارًا للمستقبل.
في حياة الفكر والعمل للشهيد صدر، هناك دروس كثيرة تُستفاد. بلا شك، كان الأستاذ الشهيد من أبرز الذين ساروا في طريق الإصلاح في الحياة الدينية، وهذه الميزة تجعل من الضروري التأمل بشكل أعمق وأكثر جدية في حياته الفكرية. لكن هذا المختصر هو نظرة سريعة إلى دروس حياة وأفكار الأستاذ الشهيد، والمحتوى محدود ضمن هذه الحدود، ومع هذا العذر، أقدم لكم هذا النص:
المقامات الروحية
تجول الأستاذ الشهيد في عالم الروح. لم يكن من الذين يخدعهم العبقرية العلمية فيعتمدون على أنفسهم فقط. كثيرون هم الذين تعيقهم قدراتهم، لكنه كان من الذين جعلوا القوة العلمية قوة للروح، وبناها رأس مال للطريق، واستفاد من (العلم) ولم يكن (حجابًا) له. منذ الطفولة، كان مختلفًا. كان بريق التقوى الظاهر في جبينه، والذكاء الفطري يتلألأ في عينيه. روى من عرفوا حياته أنه حتى في المرحلة الابتدائية كان له شهرة عامة. لم يكن من الذين لهم حياة خفية وعقلانية فقط. كان الطلاب والأساتذة على علم بمكانته العلمية والالتزام الشرعي والأخلاقي. كان يجرؤ على التعبير. حين كان في الصف الثاني الابتدائي، كان الطالب المختار في المدرسة الذي يقرأ القصائد والخطب في مراسم العزاء العامة في ساحة الكاظمية. أحيانًا كانت قراءته للشعر تستمر ربع ساعة، وكان يعتمد على ذاكرته، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز ٨-٩ سنوات.[2]
هذه الصفات ليست شائعة، بل هي علامة على قوة الإرادة والاعتماد على النفس، وكان الأستاذ الشهيد من الذين امتلكوا هذه الصفات وربوها واستفادوا منها.
عندما اعتبر تحصيل العلم شغله الرئيسي، ابتعد عن الترفيه فيه، ولم يجعل عبقريته سببًا للكسل. روى تلاميذه أن الفقيد كان يقول: (كنت أعمل بجد كخمسة طلاب جادين أثناء التعلم).[3]
هذه الحالات نادرة وتُعد من أثمن ما في حياة الإنسان. كثيرون هم الذين يسلكون طريق الجدية والاجتهاد، لكنهم يفتقرون إلى الذكاء، ومن يملكونه يجدون أنفسهم على ظهر طريق ممهد ويترددون في بذل الجهد، وكان الشهيد صدر من المحظوظين بالتمتع بهاتين النعمتين.
كان الأستاذ الشهيد يرى الذكاء والجدية مرتبطين بالاستفادة من أنوار الولاية، وكان يعتبر طالب علوم الدين من لا يغفل عن هذا المصدر. روى تلاميذ الأستاذ الحادثة التالية عن قوله:
(في زمن الدراسة، كنت أخصص يوميًا وقتًا لزيارة حرم الإمام أمير المؤمنين (ع)، وأفكر في المسائل العلمية وأستمد البركات منه. تركت هذا الأسلوب لفترة – ولم يكن أحد يعلم – حتى رأت أمي في المنام الإمام أمير المؤمنين (ع) يقول لها: قل لباقر لماذا تركت الدرس الذي كنت تتعلمه عندنا؟).[4]
هذه الحادثة تدل على العلاقة الروحية للأستاذ مع مقام الولاية الكبرى، ومن جهة أخرى على العناية التي كان الإمام (ع) يوليها لتلميذه ومستقبله المشرق في خدمة الدين، ولم يبخل عليه بلطفه.
لم يحصل الشهيد صدر على استحقاق الخدمة و(الشهادة) بلا رأس مال. كان في كلامه ونطقه حرارة دينية مشتعلة. جمع بين الشعور بالمسؤولية والوعي العقلي، وهذا ما جعل حياته حياة طيبة وأبدية. في حياته الشخصية أيضًا، اعتمد على أسلوب القناعة كأساس. في أوقات الشدة واليسر، لم يحيد عن هذا المنهج. نقل الزهاد قصصًا مدهشة عنه، ولا يتسع المقام لذكرها كلها. لكن من المهم التذكير بأن الروحانية والمرجعية لم تبقَ أبدية إلا في حياة قانعة، وكان الشهيد صدر مرتبطًا بهذا الخط الأبدي.
في مجال التربية، كان يتبع آراء وصفات خاصة. كان يعتبر المحبة أساس التربية، وكان يعتقد أن أساس نشر العقائد هو ألفة الأرواح، حتى في تربية الأطفال كان يفكر هكذا. في تربية أطفاله، اتبع الأسلوب التالي:
(كان الأستاذ يروي أن تربية الطفل من جهة تحتاج إلى الحزم والصرامة، ومن جهة أخرى إلى اللين وإظهار العواطف. في العادة، يقوم الأب بالدور الأول والأم بالدور الثاني، لكني اتفقت مع زوجتي على العكس… وكان سبب هذا الأسلوب أن زوجتي كانت تجد نفسها أكثر قدرة على التعليم والتربية الدينية، وكانت تريد أن يرى أطفالها منها فقط المحبة والحنان، ليجدوا من خلالها أرضية لقبول القيم والأفكار…).[5]
كان الأستاذ الشهيد يقول:
لقد أوضحت لابني أن الأموال الموجودة، وهي الأموال التي عادة ما تصل إلى المراجع، ليست ملكنا. ولذلك، كان هذا الطفل بين حين وآخر يقول إن هناك مالًا كثيرًا عند والدي لكنه ليس ملكه. كان هذا التلقين لكي لا ينشأ لديه توقع بالإنفاق، بل لينشأ بروح القناعة ولا ينظر إلى هذه الأموال كملكية شخصية).[6]
هذه الانتباهات في التربية نادرة الوجود. خصوصًا من هم في المراتب العلمية العليا. كلنا نعلم أن الانشغال العلمي غالبًا ما يكون سببًا للغفلة ويصرف عن الانتباه إلى المحيط والأطراف، وهذه المسألة التي كان الأستاذ الشهيد يفكر في تربية الطفل وينظر إلى دقائقه ويهتم بها رغم كثرة انشغاله العلمي، تُعد من النقاط التعليمية للدارسين والعلماء.
في تربية التلميذ أيضًا كان له أسلوب خاص. لم يكن مجرد أستاذ درس، بل كان يُعتبر أستاذ حياة التلميذ أيضًا. علاقته مع التلاميذ لم تكن تبادلًا علميًا فقط، بل كان الجذب القلبي هو الأساس وجوهر الاتصال. الشخصية العاطفية للشهيد الصدر، خصوصًا في التواصل مع التلاميذ، كانت تظهر بشكل كامل. وعندما ابتعد عن تلاميذه، ذكر هذا الفراق بلهفة وألم في قطعة من الكلام، وعبّر بكلمات مؤثرة عن العلاقة القلبية التي يتحلى بها الأستاذ المتخلق في الحوزة مع تلاميذه. علاقة تكاد تكون نادرة الوجود في المراكز التعليمية الأخرى. في هذه الرسالة (التي كانت، حسب شهادة من شهد الكلام، مصحوبة بدموع العين) قال:
(السلام عليكم يا أصدقاء. سلام من والدكم – الذي هو بعيد عنكم بالجسد وقريب منكم بالقلب – ذلك الأب الذي تعيشون في أعماق روحه، وفي كل ذكرياته، أنتم تفسير حي لماضيه)[7]
هذه الرسالة الشفوية، التي كانت مسجلة على شريط وتم إيصالها إلى تلاميذه، مليئة بالجمل العاطفية، والأستاذ الشهيد، بأسلوب بليغ – خاص به – يُخبر عن عالم القلب النابض، ويُضفي على كلامه ثقلًا مع أمواج من اللطائف والدقائق في التعبير والبيان.
آفاق علمية
الشهيد الصدر، جمع العلم في ميادين علمية مختلفة ونال مكانة عظيمة. لم يكتفِ باكتساب العلوم السائدة في الحوزة، بل كان همّه أن يطل على العلوم الجديدة أيضًا ويستفيد من نتائجها.
مدة دراسته للعلوم الحوزوية لم تتجاوز ١٦-١٨ سنة،[8] لكنه قضى هذه المدة بحب وشغف في الدراسة والتعليم.
يُقال إنه كان يقضي يوميًا ١٦ ساعة متواصلة في تحصيل العلم[9] وهكذا أنهى أول دورة تدريس خارج أصول في عام ١٣٧٨. وبدأ دورة خارج الفقه في عام ١٣٨١، وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وأظهر جدية وعبقرية في طرح نقاط جديدة وتوسيع المواضيع.[10]
الشهيد الصدر، في حياته القصيرة، ترك مؤلفات غنية. هذه المؤلفات تتميز بخصائص وميزات خاصة، ودراسة كل واحدة منها تحتاج إلى كتابة مستقلة، لكن نظرة سريعة على مدى اتساع مؤلفاته تدل على سعة اطلاعه وشموليته وعبقريته، وتزيد من ألم الفراق لذلك الشخصية العلمية.
١. علم الأصول: للشهيد الصدر مؤلفان مستقلان في علم الأصول. الأول هو (العالم الجديدة في علم الأصول) الذي يحتوي على مقدمة تاريخية في تطورات علم الأصول. النظرة التاريخية في التحولات العلمية وغيرها تتجلى في كتابات الأستاذ الشهيد، وهذه الخاصية تعكس الاطلاع والاتساع النظري الذي لا يخفى على العارفين بمكانة التاريخ.
كتابه الآخر هو سلسلة مجلدات (دروس في علم الأصول) التي أُنجزت بهدف استبدال كتب المستوى في علم الأصول. الشهيد الصدر ذكر أسباب هذا العمل في المقدمة وفتح طريقًا جديدًا في التطور التعليمي للحوزة. هذه المجموعة بالإضافة إلى التقريرات التي كتبها تلاميذه عن دروسه، ومنها دورة سبعة مجلدات (بحوث في علم الأصول) التي تضم آراء أصولية للشهيد الصدر في دروس الخارج. هذه الآراء تحتوي على نقاط جديدة ومثيرة للنقاش. في كثير من المسائل تُرى آراء أو ابتكارات جديدة من الأستاذ الشهيد. لا شك أنه لو استمر في حياته العلمية الغنية، لكان نشر هذه الآراء على نطاق أوسع في ميادين العلوم الدينية، ولأثمرت تلك الأفكار من قبله. لكن ما هو متوفر حاليًا قد جلب ويجلب فائدة عظيمة.
٢. الفقه: الأستاذ الشهيد جمع مباحثه الفقهية في أربعة مجلدات بعنوان (بحوث في شرح العروة الوثقى). كان يؤمن في المباحث الفقهية بالتبويب الخاص، وقد التزم بهذا التقسيم في (الفتاوى الواضحة) التي كتبها كرسالة عملية له.
اتجاهه ومراجعة آرائه الفقهية لا يتسع له هذا النص، لكن توجهات حياته الأخيرة تشير إلى نوع آخر من التوجه في المباحث الفقهية. نقل تلاميذه أنه في أواخر حياته كان ينوي فتح بحث مقارن في فقه المعاملات بين الفقه الإسلامي والقوانين الحديثة، لإظهار مكانة الفقه الإسلامي في إدارة المجتمع.[11]
للأسف، هذا العمل القيم لم يُنجز بسبب شهادته، ولا يزال هذا الاحتياج قائمًا ويطلب إجابة.
٣. الفلسفة: الأستاذ الشهيد نظر إلى الفلسفة من منظور مقارن، وتابعها في الأفكار والمعتقدات المعاصرة، وأظهر الفرق بين الرؤية الدينية والتفكير الآخر.
الشهيد الصدر كان منذ زمن بعيد مهتمًا بالدراسات الفلسفية، وخصوصًا كانت موجة الأفكار الجديدة تجذبه. حتى في الوقت الذي لم يكن يُعتبر طالبًا في الحوزة وكان يتلقى التعليمات الابتدائية، يروي رفاقه أنهم سمعوا منه لأول مرة أسماء مثل الماركسية، الديالكتيك…[12] هذه الأسماء والمصطلحات والأفكار لم تجذبه أو تخوفه، لكنها جعلته لا يجهل القضايا الجديدة، ولا يظن أن الفقه والأصول هما كل مسائل العصر. وهكذا عندما شعر بالحاجة، شرع في تأليف (فلسفتنا). كتب في مقدمة ذلك الكتاب:
(أمواج من الأفكار الغريبة هاجمت عالم الإسلام… نشأت صراعات بين هذه الأفكار المستوردة وجوهر الفكر الإسلامي. في هذا الزمن، يجب على الإسلام أن يقول كلمته… يجب أن تكون هذه الكلمة راسخة، قوية، واضحة، وشاملة لمجالات الوجود المختلفة، حياة الإنسان، المجتمع، الدولة والنظام، لكي يستطيع المجتمع الإسلامي أن يرفع (كلمة الله) في هذه الصراعات).[13]
وشهيد صدر، بهذا الفكر، دخل ميدان مواجهة الأفكار المستوردة الملحدة والمشركَة، وسعى لأن يُظهر المذهب في قالب هوية واحدة، ويُبرز تفوقه في مواجهة آراء الأفراد والمذاهب الأخرى.
لم يكن الشهيد صدر يرى هذا العمل خارج نطاق المجتهدين. كان يرى حفظ عقائد الأمة الإسلامية في مقدمة مسؤوليات المجتهدين، وبذل جهده في هذا السبيل وكان رائدًا فيه. إنهم يعلمون من انتشار هذا الكتاب، ويعرفون كيف أن هذا الكتاب (فلسفتنا) أحدث موجة عاصفة في العالم الإسلامي، وأظهر قوة الدين بأسلوب واضح لكنه راسخ.
يروي تلاميذ الأستاذ:
(في يوم ما كان يتحدث إلى نخبة من تلاميذه، وفي ذلك قال: الطريقة المتبعة في (الحوزة) التي تقتصر على الفقه والأصول غير صحيحة. عليكم أن تبحثوا في مختلف مسائل الإسلام. ومن ذلك أمرهم بالمناقشة في (فلسفتنا). بدأت هذه المناقشة في منزلي… في اليوم الأول من البداية… حضر الأستاذ الشهيد المجلس وقال: حضرت هذا المجلس وأعتقد أنه لا يوجد مجلس ذو فضيلة أعلى من هذا المجلس الذي تُناقش فيه المعارف الإسلامية. لذلك رغبت في الحضور).[14]
هذه التأكيدات والإرشادات كانت تنبع من إيمان كان لدى الأستاذ بحالة العصر، وكان يسعى لنقل هذا الفكر وتربية جيل لا يكون غير مبالٍ بهذه الأوضاع ويجد مسؤوليته تجاهها.
٤. المنطق: الأستاذ الشهيد في مناقشات الأصول التي لها علاقة بالمنطق، بيّن إشارات ومباحث جديرة بالاهتمام. ومن بين ذلك، تأليفه القيم والمبتكر (الأسس المنطقية للاستقراء)، وهو نظرة رقيقة للأستاذ إلى المباحث المنطقية، ويعلم النقاد مكانة هذا التأليف.[15]
٥. تدوين المذهب: كان الأستاذ الشهيد ينوي رسم الدين في قالب أجزاء مترابطة غير منفصلة. في مقدمة تأليفه (المدرسة الإسلامية) بيّن ضرورة إعلان ميثاق إسلامي وطريقته كما يلي:
(يجب أن يُبذل جهد لكي يُعرض الفكر الإسلامي على شكل حلقات متسلسلة… على مستوى المدارس، ويتعاون مع ذلك في نشر رسالة الفكر الإسلامي).[16]
أكمل الأستاذ الشهيد من هذه السلسلة (المدرسة الإسلامية) جزأين:
١. (الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية).
٢. (ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي؟).
٦. فلسفة الأخلاق: تناول الأستاذ الشهيد في هذا المجال بعض المباحث في أصوله، ومن ذلك تناول مسائل الحسن والقبح العقلي.
التفسير: في هذا المجال، تبقى سلسلة من الأقوال للأستاذ، ونُشرت مجموعتان منها. الأولى مجموعة من أربعة عشر قولاً بعنوان (المدرسة القرآنية). في الدرس الأخير، كان لديه تعبير مؤثر ومفعم بالحماس والشعور، وبيّن الفرق بين المحبة الإلهية وأولئك الذين يزرعون حب الدنيا في قلوبهم، ووصف أبعاد وآثار هذين النوعين من المحبة بشكل تصويري بحيث روى الحاضرون في الدرس عن دموع ونحيب المستمعين.[17] باقي هذه السلسلة من الأقوال تركزت أساسًا على النظرة إلى (التاريخ) والمجتمع.
المجموعة الثانية التفسيرية من أقوال الأستاذ الشهيد هي خطابان نُشرا بعنوان (المحنة). المزج بين المباحث العلمية والعاطفية في هذه المجموعة – التي أُعدت من قولين للأستاذ – يخلق جاذبية يشعر بها المتلقي بعمق محتوى الرسالة، ولا تُمحى بسهولة. التعبير الملحمي للأستاذ الشهيد يثير القشعريرة أحيانًا، ويرسم شعاعًا من بيان أسلافه الطاهرين والشجعان، ومن قرأ هذه المجموعة بعين الاعتبار لن يفشل في تأييد صدق هذا القول.
٨. الاقتصاد الإسلامي: كان الأستاذ الشهيد مهتمًا بنمط معيشة الإنسان والتفكير الإسلامي في هذا المجال. لم يكن يعتقد أن الإسلام ترك المعيشة الدنيوية بلا نظير. كان يؤمن بأنه إذا لبست الأرض ثوب السماء وأصبح العمل في الطبيعة عنوانًا دينيًا ومفهومًا عباديًا، يصبح الإنسان غيبيًا مبدعًا للحركة.[18]
سعى لأن يجد برنامجًا من الدين لتنظيم هذا الهدف ويُظهره. أعظم خدمة قدمها الأستاذ في هذا المجال هي تأليفه الثمين (اقتصادنا)، الذي لا يزال بريقه واضحًا منذ ذلك الحين. آراء الأستاذ الجريئة في المسائل الفقهية وغيرها تعليمية، ومباحثه المقارنة تُعد الخطوات الأولى المضيئة في طريق إنشاء مذهب اقتصادي مستقل في العصر الحالي.
من تأليفاته القيمة الأخرى (البنك اللاربوي في الإسلام). هذا التأليف يدل على رؤية فقيه يفكر في تطبيق الدين في العصر الحديث، ويسعى لرسم نظام نقدي خارج النظام السائد.
بالإضافة إلى هذين التأليفين المفصلين، نشر أيضًا كتيبات في مسائل اقتصادية، منها: (ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي؟)، (صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي)، و(خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي).
نقل وشرح ودراسة آراء الشهيد صدر الاقتصادية من المواضيع الجديرة والقيّمة التي يجب على الباحثين أن يوضحوا الخطوات الخاصة التي قطعها في هذا الطريق، ويجدوا النقاط الجديدة والمبتكرة في آفاق آرائه الاقتصادية، ويفتحوا الطريق للحركات الجديدة.
٩. التاريخ: لم يكن الأستاذ الشهيد يرى (التاريخ) مجرد لهو في الحياة، ولهذا أنجز أول تأليف له في المباحث التاريخية وتركه إرثًا. كتب كتاب (فدك) في سن السابعة عشرة[19] وناقش هذه المسألة التاريخية العقائدية. في حياته العلمية، بالإضافة إلى الرؤية التاريخية في المباحث العلمية – التي تظهر في مجموعة أعماله ودروسه – توجد كتابات وكتيبات مرتبطة بهذا الموضوع، ومنها المباحث التي كان يلقيها على تلاميذه في أيام وفاة الأئمة (ع) ويشرح حياة هؤلاء الكبار ويوضح خط سير أهل البيت (ع) الموحد.[20]
١٠. المباحث العقائدية: في هذا المجال، يمكن الإشارة إلى المقدمة (التفاوي الواضحه) التي نُشرت بشكل مستقل تحت عنوان (المرسل والرسول والرسالة). في هذا الكتاب، عبّر الأستاذ الشهيد عن مسائل العقيدة المتعلقة بالتوحيد والنبوة ورسالة النبي بأسلوب رصين وسلس.
وفي مجال المباحث العقائدية، يُذكر الكتيب المختصر والمفيد للإمام، بعنوان (بحث حول المهدي). يُظهر هذا الكتاب كيف استطاعت الفكرة الغنية، والأسلوب البياني والكتابي البليغ للأستاذ، أن تجعل الغوامض العقائدية من المسلّمات. وهذا ليس من شأن الجميع، فهناك من يمتلك العلم العقائدي لكنه يعجز عن أسلوب الإثبات والبرهان، وهناك من هو قادر على الكتابة والقول لكنه لا يصل إلى مصدر الحكمة، والتمتع بكلتا الفضيلتين نعمة لم ينلها إلا قلة قليلة، والأستاذ الشهيد صدر هو من الذين نالوا هذه النعمة.
هذا التقرير المختصر عن آثار الأستاذ الشهيد من جهة يكشف آفاق وأبعاد معلوماته، ومن جهة أخرى يطلعنا على مجالات المسؤولية العلمية المختلفة التي كان الشهيد يراها لنفسه. لم يكن من الذين يحصرون الواجب في متابعة التقليد السائد في الحوزة، ولم يكن من الذين ينقطعون عن ارتباطهم بالحياة الطويلة لذلك الصرح، ولا يشعرون بالخجل من ماضيهم، وهكذا تحقق فيهم قول الآية الكريمة (واجعلني مباركًا أينما كنت).
أينما كان وأيًا كان المجال الذي كتب فيه، كانت بركة وخير من آثاره، واستفاد منها الجيل الحاضر والمستقبل. ولن يغفر الله وخلفاؤه في الأرض لأولئك الذين منعوا استمرار بركة هذه الشجرة الطيبة، وحرموا الأمة الإسلامية من استمرار فيوضاتها وآثارها.
التحول والابتكار
كان الأستاذ الشهيد يرى أن الحفاظ على الجوهر الداخلي دون تغيير الشكل أمر مستحيل. كان يعتقد أن هناك مسائل كثيرة في طريقة تعليم الدين وعرضه تحتاج إلى تحول. وبناءً على هذا التصور بدأ بأسلوب جديد في النظر والكتابة في المذهب. في كل مسألة تحدث أو كتب عنها، كان حريصًا على كشف النقاط العمياء ورسم زوايا جديدة. وإذا لم يقل الكلمة الأخيرة، فإنه يضع حجر الأساس لبداية الحركة، وهذا أيضًا له قيمة كبيرة.
هناك كثيرون من يرغبون في فتح طريق، لكنهم يخافون من البداية أو لا يجدون نقطة الانطلاق. الشهيد صدر فتح طرقًا كثيرة ليخطو عليها القادمون. كان من الذين لا يجعلون تقليد السابقين حجابًا أمام الفكر، ولهذا كان يملك الشجاعة في التعبير عن العقائد. هذه الشجاعة لم تنبع من جهل بأفكار السابقين، بل كانت نتيجة لحدة البصيرة والدقة في الأخطاء وتقديس الجهود، مما دفعه إلى هذا التوجه.
صدق هذه الادعاءات واضح في آثار ذلك الأستاذ الشهيد المتعددة. عندما فتح نقاشًا في (التفسير) – وشهادته المؤلمة تركت هذه السلسلة ناقصة – قام بنقد التفاسير السائدة وبيّن ضرورة إعادة فتح النظر الموضوعي في (القرآن). أوضح الشهيد صدر أن التفاسير الموجودة كتبت على أساس (التفسير التحليلي) الذي يجعل الآيات منفصلة وغير مرتبطة، أما في التفسير الموضوعي فيجب أن يُؤخذ الموضوع من واقع الحياة ويُبيّن وجهة نظر القرآن في ذلك السياق.
كان يرى أن تطور التفسير هو نمو التفسير الموضوعي، وأعرب عن اعتقاده بأن تطور (الفقه) كان حينما تحولت السنة والحديث من مجرد نقل أحاديث كتب الأربعة وغيرها إلى أبواب فقهية، بحيث ينظر الفقيه إلى المسائل التي تواجه مجتمعه ويبحث عن جواب الحديث لتلك المسألة.[21]
كان الشهيد صدر يقول إنه يجب توسيع هذا الأسلوب في التفسير. إذا كان الهدف أن يكون القرآن هاديًا للحياة، فيجب على المفسرين أن يفهموا تصور القرآن حول جوانب الحياة ويعرضوه، كما هو متبع في (الفقه).
في مجال دراسة حياة المعصومين (ع) كان يرى أن التحول في النظر ضروري. كان يرى أن انتشار الأفكار التي تؤكد على الدور السلبي للأئمة غير صحيح، ويعتبرها تحريفًا للحقيقة وانحرافًا في المسار. في هذا الموضوع قال:
إذا جئنا وحللنا حياة الأئمة على أن دورهم في مواجهة الحكومة كان فقط دورًا سلبيًا في المقاومة، فهذا ليس فقط تفكيرًا خاطئًا وتحليلًا غير صحيح، بل سيؤدي عمليًا إلى خطر كبير على أتباع هذا الخط، لأن هذا التحليل يجعل نتيجة توجه الأئمة أن لا واجب اجتماعي على الأمة، وأن أي أمل في أن تستولي على الحكم يومًا ما يزول من نظر الأمة، ولذلك شعرنا أنه من واجبنا إزالة هذا الخطأ الفكري من الأمة الإسلامية.[22]
كان يؤمن أن فهم المسار الإثباتي للأئمة لا يتم إلا بفهم حقيقة الرسالة العامة للأئمة. وكان يرى مشكلة تفسير آيات الحق المكتوبة في هذا المجال أيضًا. كما أن رؤية الكتاب الإلهي بشكل منفصل غير متصل لا تنجح في فتح طريق الحياة، يجب أن تُنظر آيات الله الناطقة في سياق خط مستقيم. النظر الفردي إلى حياة إمام واحد يخلق تصورًا بأن نوع التعامل كان مختلفًا والسياسات متنوعة، لكن عندما يُرى المسار بشكل موحد، فإن الحركات السياسية للأئمة (ع) تُعتبر كمد وجزر نهر هادر، وبالتالي لا تنشأ شبهات التناقض.
كان يقول:
(ننظر إلى أئمة الشيعة كشكل كلي مترابط ونبحث وندرس حوله)[23]
يربط الشهيد صدر هذا التصور بنوع الإيمان الصحيح بالإمامة، ويقول:
(الإيمان بالإمامة يقتضي هذا الدور والحركة، لأن الإمامة هي جوهر واحد تحقق بالتساوي في جميعهم، والمسؤوليات والشروط واحدة).[24]
في أسلوب التعليم والتدريس ودراسة النصوص التعليمية في الحوزة، كان الشهيد الصدر يفكر في التحول والتكامل. وكان هذا الأمر واضحًا بشكل خاص في (علم الأصول). فقد رأى الأستاذ الشهيد، بعد تمعن وإحاطة بهذا العلم، ضرورة التحول والتغيير في نصوص دروس علم الأصول. وفي مقدمة كتبها على سلسلة دراسات في علم الأصول، تحدث بالتفصيل عن هذه الحاجة. فقد عبّر، مع شكر لا محدود لمكانة وجهود مؤلفي كتب دروس علم الأصول، عن أسباب الحاجة إلى هذا التكامل، وذكر من بين هذه الأسباب النقطة التالية:
(الكتب الأربعة الدراسية في علم الأصول: المعالم، القوانين، الرسائل والكفاية، التي ظلت لأكثر من خمسين عامًا تُعتبر كتبًا دراسية، لكن مؤلفي تلك الكتب لم يكتبوا وفق هذا التوجه… وهناك فرق كبير بين الكتاب الذي يُكتب ككتاب دراسي وتعليمي، وبين التأليف الذي يُكتب بقصد إظهار آراء ومعتقدات المؤلف)[25]
وفي متابعة النص، يتحدث الأستاذ الشهيد عن الفروق العديدة بين أسلوبين في الكتابة (وهذا المقام لا يتسع لنقل وتفصيل ذلك). وهذه الأسباب تقريبًا تمثل نقطة عامة في الكتب التعليمية في الحوزة، ويجب على الساعين إلى تطوير أسلوب التعليم في الحوزة ألا يغفلوا عنها.
وكان الشهيد الصدر في مسائل الفقه أيضًا يرى أنه يجب التفكير في التحول والتغيير عند عرضها على المقلدين، وبناءً على هذا الفكر كتب (الفتاوى الواضحة). وفي مقدمة هذا الكتاب (الذي نُشر الجزء الأول منه بعد استشهاده)، تم التأكيد على ضرورة التطور في الرسائل العملية للمجتهدين.
وقد افتتح فصلًا بعنوان: (الرسالة العملية، أهميتها وتطويرها)، وفي هذا القسم قدم ملاحظات حول الرسائل العملية الموجودة، ومن بينها قال:
النقطة الأولى: هذه الرسائل غالبًا ما تتبع الأسلوب الفقهي في تقسيم الفصول والأبواب (ثم يذكر الأستاذ الشهيد سبع نتائج لهذا التوجه، والتي يعتبرها ضعفًا وخللًا في المنهج).
النقطة الثانية: رسائلنا العلمية العملية التي نشأت في التحول التاريخي ليست كافية وواضحة، لأن أسلوب الكلام والكتابة (المفردات) والصفات الحياتية قد تطورت.[26]
ويشير بإيجاز إلى هذه الحقيقة أن لغة الكتابة تتطور وتتغير عبر الأزمنة، ويجب أن يكون أسلوب التأليف بحيث لا يبقى المتلقون في حيرة عند فهم النص. فإذا كانت المصطلحات الفقهية في الماضي مألوفة لمتلقي الرسائل العملية، ولم تكن استخدام الألفاظ الفنية الفقهية يسبب غموضًا، فإن الرسائل العملية اليوم وجدت جمهورًا غير مألوف بهذه المصطلحات، وهؤلاء ليسوا قلة، لذلك يجب اختيار الأسلوب المقبول في العصر في طريقة نقل الفروع الفقهية إلى عامة الناس، وإحداث تغيير في الأسلوب القديم ليتناسب مع ذوق الجمهور في الأسلوب والكتابة.
ونقطة أخرى هي أن هذه الرسائل لم تولِ اهتمامًا كافيًا للأحداث المتغيرة والمتجددة في العصر. وفي توضيح هذا النقص قال:
الأحداث المتجددة والمتطورة تطلب باستمرار إجابة شرعية. كانت الرسائل العملية في الماضي تشمل أحكام مسائل حاجة زمانها. واليوم أيضًا هناك حاجة لبدء حركة تاريخية جديدة تشمل المسائل المختلفة التي ظهرت في الحياة الإنسانية. الأحكام الشرعية ثابتة، لكن الظروف المختلفة في تطبيقها تخلق تغييرات، لذلك يجب على الرسالة العملية التي تواجه هذه التحولات أن تنظر ببصيرة إلى التغييرات في تحديد الحكم الشرعي.[27]
وهذه الأفكار التحولية كثيرة في كلمات الأستاذ الشهيد. في ما كتب وقال، يظهر هم الابتكار. كان يفكر في تطبيق الدين بنجاح مع الحفاظ على روحه ورسالة، ولذلك كان يعتبر من واجبه فتح نوافذ النجاح. لقد حظي بحياة قصيرة لكنه فتح هذه الطرق فحصل على حياة أبدية. وأظهر للطلاب أن التقليد لا يعني الجمود على القوالب، وأن الابتكار في المسائل لا ينبغي أن يتم على حساب انتهاك حرمة القديسين وعلماء الدين. تحدث عن كل ابتكار وتحول واعتبره ضروريًا، وأثنى على جهود أسلافه العلمية واعتبر مكانتهم عظيمة، وهكذا جمع بين احترام السلف والسلامة من نقد آرائهم، ونجح في هذا الطريق وترك هذا الأسلوب المرضي درسًا خالدًا.
سُنَّة الاجتهاد
كان الأستاذ الشهيد من نسل المجتهدين، ومن الذين اعتبروا مكانة الاجتهاد عظيمة جدًا، وكان يؤمن بأنه لا يبقى التشيع إلا بالاجتهاد. وكان يرى هذا المقام على أنه الجهد في فهم الدين، واعتبر رسالة الدين مثل كتاب التكوين، محيطًا بلا شاطئ، لا ييأس الغواصون من العثور على اللؤلؤ والمرجان فيه، ولذلك سيضيف القادمون دومًا إلى كنوز السابقين. وفي نص له قال عن هذه الحقيقة:
نظرًا لأن مصادر الشريعة – حتى اليوم – محفوظة… فمن الطبيعي أن تستمر حركة الاجتهاد، وتستمر مثل التخصص العلمي في استيعاب هذه المصادر واستخراج الحكم الشرعي، وينشأ مجتهدون خبراء… وفي هذا المسار، سيكون للمجتهدين المتأخرين فكر أعمق من المجتهدين السابقين. وهذا الاستمرار المتكامل هو من أسباب اعتبار التقليد من مجتهد واحد لفترة قرون أو عدة قرون أمرًا منطقيًا. وعلى هذا الأساس، تكون علاقة المقلد بالمجتهد علاقة حية ومستدامة.[28]
هذه الفهم العميق دفعه إلى التفكير في مسؤولية الاجتهاد، ومنحه رؤية تاريخية ليكتشف فضائل وعيوب منهج ومجال الاجتهاد. وكان يرى من أهم القضايا انفصال الاجتهاد عن القضايا الاجتماعية، ويرى أن التخصص الأحادي الجانب يصاحبه أضرار:
(نسيان نصف الهدف والاقتصار على المشهد الفردي للتطابق مع نظرية الإسلام حول الحياة له آثار جانبية، ومنها أن فقه السونغري ينبع من هنا. نرى أن الاجتهاد قد أسس باستمرار على بذل جهده في الجوانب الفقهية أكثر في ميدان التطابق الفردي ومنطق تطابق حياة الفرد مع نظرية الإسلام، ولم يبذل جهداً في ميدان تطابق المجتمع مع نظرية الإسلام، تاركاً الموضوعات التي تهيئ لهذا الأمر).[29]
يرى الشهيد الصدر أن هذا الانفعال كان يمتد إلى مجال (رؤية الفقيه للعالم) أيضاً، ومع مرور الوقت كان يربي فقهاء ينظرون إلى القانون بنظرة فردية ويرون القوانين من خلال منظومة فردية ويعلنونها. وكان يقول:
إن هذا التوجه الذهني للفقيه لا يؤدي فقط إلى فقه سونغري من الجانب الموضوعي، بل تدريجياً يجذب نظر الفقيه إلى القانون نفسه نحو الفردية، لأنه بما أن الجانب الفردي (من تطابق الحياة مع نظرية الإسلام) قد تسلل إلى ذهن الفقيه واعتاد أن يأخذ الفرد وصعوباته في الاعتبار، فإن هذا الأصل يؤثر أيضاً على النظرية التي لديه عن القانون نفسه، ونتيجة لذلك يأخذ طابعاً فردياً وينظر إلى القانون والشريعة كميدان للعب الفرد).[30]
يشير الأستاذ الشهيد بإيجاز واختصار إلى آثار هذه التصورات. بلا شك، النظر إلى نصف وجه الدين لن ينتج صورة كاملة وشاملة. إن رؤيتنا الفردية في النظر إلى التاريخ والمجتمع… تخلق آثاراً، ولا يبقى مجال الفقه بمنأى عن ذلك. يقدم الأستاذ الشهيد نماذج، ومن بينها ما يُعرف بـ(حسن الاحتياط) في مباحث الأصول. يرى أن القضايا الفردية يمكن تأسيسها على هذا الأساس، لكن لا يمكن بناء الحياة الاجتماعية على أساس (الاحتياط).
(انظر إلى الروح التي تنفثها هذه الفرضية لتعرف كيف سيطرت النظرة الفردية إلى الشريعة والقانون على أصحابها، لأن الشريعة والقانون يمكن أن يأمرا بهذا النوع من الاحتياط فقط إذا صدرا للفرد فقط. أما إذا أرادا التشريع للمجتمع ووضع برنامج للحياة الاجتماعية، فلا يمكن اتباع هذا الأسلوب، لأن كل فرد يمكنه تنفيذ برامجه على أساس الاحتياط، لكن الوحدة الكلية والمركبة التي هي المجتمع لا يمكنها أن تبني حياتها وعلاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والسياسية على أساس الاحتياط).[31]
كان الشهيد الصدر يرى آثاراً أخرى في الرؤية الفردية ويعتبر أن مجال الفقه يتأثر بها. من ذلك، من اعتبروا مسائل مثل الزكاة والقصاص والجهاد… من مصاديق (الضرر) ومن ثم سعوا إلى التوفيق بين هذه الأحكام وقاعدة (نفي الضرر) (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام). قال الشهيد الصدر:
(هذا الاعتراض يقوم على أساس أننا ننظر إلى برنامج التشريع من منظور فردي، لأن هذه النظرية هي التي تسمح لنا بأن نعتبر هذه الأحكام ضارة، أما في القانون والشريعة التي تعتبر الفرد جزءاً من المجتمع وتربط مصالحه به، فلا يمكن اعتبار هذه الأحكام ضارة، بل إن عدم وجود قانون يلزم بالقصاص والضرائب وغيرها هو الذي يكون ضاراً).[32]
يعدد الأستاذ الشهيد أبعاداً أخرى جديرة بالقراءة والتعلم. منها محاولة هذا النوع من الرؤية حل مشكلة الفرد المسلم بتبرئة الواقع الخارجي (مثل محاولة حل مشكلة الربا للفرد المسلم دون النظر إلى أضرار الربا على المجتمع الإسلامي كله) أو التعامل مع نصوص الشريعة من زاوية فردية. كمثال، تُنسى المناصب الحكومية للنبي والأئمة(ع) وتفسر كحكم خاص في حالة معينة…
بلا شك، ما ذكره الأستاذ الشهيد هو جزء من آثار الإهمال في الأساس الاجتماعي للدين، ولم يقصد استقراء وفحص جميع الحالات. هذا التحذير يبين كيف أن الاجتهاد، تحت تأثير رؤى عالمية مختلفة، ينتج نتائج متنوعة، ومن يظن أن مجال دراسة الأحكام الشرعية محصن من التعاليم السابقة، لا يسير في الطريق الصحيح. المعطيات الدينية والاجتماعية تؤثر لا شعورياً في نوعية الفهم ومجال البحث. وكلام الشهيد الصدر يعني أنه بالإضافة إلى الاجتهاد في الفروع، فإن البحث وإعادة النظر في الأصول والأسس ضروريان، وهذا الاجتهاد الجديد قادر على المساعدة في إكمال فهم الدين. يعترف الأستاذ الشهيد بأن الفقه الشيعي يتمتع بعمق خاص، لكنه يرى:
(عندما تستعيد الدافع المحرك للاجتهاد أبعاده الحقيقية ويشمل ميداني التطابق (الفردي والاجتماعي)، ستزيل تدريجياً آثار السونغرة والوجه الواحد للدين التي كانت في الماضي، وسيصبح محتوى الحركة منسجماً مع اتساع نطاق الهدف ومتطلبات خط الجهاد الذي يتم عليه حركة الاجتهاد، وستزول السونغرة، وسيتحول الامتداد العمودي الذي يعبر عن مرتبة عالية من حيث الزمن الذي وصلت إليه الفكرة العلمية، إلى امتداد أفقي يشمل جميع ميادين الحياة).[33]
وبذلك، يجب ألا يُعارض حرمة الاجتهاد بتكامله. إن اتساع الدين يفتح آفاقًا واسعة للبحوث الجديدة، ولا يليق أن يُحرم المرء من بحر الرحمة، وبذريعة احترام السابقين، يُغفل عن منهجهم المعتاد، الذي كان النقد والنقاش، أو يُحصر ذلك في حدود تعليقات مختصرة أو ملاحظات قصيرة. وبالطبع، فإن هذا الأمر يقع على عاتق من يمتلكون المادة العلمية، ولا يجعلون جهلهم أساسًا للجرأة في ميدان الرأي، مثل الشهيد صدر، ومن يسلكون طريق ذلك العظيم.
المرجعية الدينية
كان الأستاذ الشهيد يرى خط المرجعية الدينية استمرارًا للرسالة والإمامة. فقد أسس هذا النظرية على أساس أن الحياة الاجتماعية تقوم على مبدأين:
١. خط الخلافة.
٢. استمرار الشهادة والبيان.[34]
وقد شرح هذه النظرية بشكل مفصل. في اعتقاده، قد وُكل مقام الخلافة الإلهية إلى الإنسان، لكنه وضع إلى جانبه (خط الشهادة) أيضًا، لكي يحمي الخليفة الإلهي (الإنسان) من الانحراف. وقد وُكل استمرار خط الشهادة إلى الأنبياء والأئمة والعلماء. واستنادًا إلى آية المائدة، كان يقول:
إن الله قد قسم هؤلاء الشهود إلى ثلاث فئات، فيقول: لقد أنزلنا التوراة التي هي نور وهداية، ليحكم بها أنبياء بني إسرائيل والربانيون والحبارى الذين هم حُماة كتاب الله، وليكونوا على أساسها شهداء على الناس…
ومن هنا يمكن الاستنتاج من القرآن أن الشهادة تقع على عاتق من:
١. الأنبياء.
٢. الأئمة وأوصياء الأنبياء، الذين هم في الحقيقة امتداد للنبوة وفي خط النبوة.
٣. مقام المرجعية الدينية، الذي هو في الحقيقة امتداد متقدم لخط النبي والإمام في مسألة الشهادة والبيان.[35]
كان الشهيد صدر، بربطه مسؤولية المرجعية بمنصب النبوة والإمامة، يعترف بمسؤوليات خاصة لهذا المقام. ولم يكن يرى هذا الموقع محصورًا في حدود مبلغ الأحكام فقط، بل كان يعتقد أنه يجب في عصر الغيبة أن يكون (خط الشهادة والبيان على الأمة) حافظًا عليه، ولهذا كان يعتبر الوظائف التالية من مسؤوليات المرجعية الدينية:
(يمكن تلخيص أهداف المرجعية الصالحة رَحِمَهُ الله في خمس نقاط:
١. نشر أحكام الإسلام بأوسع صورة ممكنة – في وسط المسلمين، وتنمية دينهم بحيث تظهر الأحكام الإسلامية في أعمالهم.
٢. اختيار منهج يدمج المفاهيم الدينية الواسعة في عقيدة الأمة الإسلامية. ومن ذلك، الترويج لهذه الفكرة أن الإسلام نظام شامل ويشمل جميع جوانب الحياة، و…
٣. تلبية الاحتياجات الفكرية الإسلامية في سبيل العمل. وهذا يتطلب إجراء مناقشات واسعة حول مختلف جوانب الحياة (المسائل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها) وقيام حوار مقارن بين الإسلام وبقية المذاهب الاجتماعية، وتطوير الفقه الإسلامي ليشمل جميع مجالات الحياة، ورفع مستوى الحوزة العلمية إلى درجة تتحمل هذه الأهداف العظيمة.
٤. قيادة الجهود الإسلامية والإشراف عليها، ومتابعة ما يقوم به المجاهدون المسلمون في هذا الجانب وذاك من العالم الإسلامي، وتأييد طرقهم الصحيحة وتصحيح أخطائهم، و…
٥. إنشاء مراكز عالمية – يشارك فيها المرجع حتى العلماء من المستويات الدنيا، حيث يكون هذا المركز في بحث المصالح، ويطلع على الأحداث الجارية بين الناس ويهتم بها، ويسعى للحفاظ على المصالح).[36]
هذا المجال الواسع لمسؤولية المرجعية الدينية لا يمكن تحقيقه دون تطور في الجهاز الذي يخلقها ويستمر بها، وهذه حقيقة تحدث عنها الشهيد صدر بإسهاب، وقدم مقترحات في سبيل نشوء هذه المرجعية الصالحة والرشيدة. وما كان يمنح الأستاذ الشهيد مجالًا لهذه الآراء الحرة، إلى جانب بصيرته وحنكته الشخصية، هو نظرته التاريخية إلى المسائل. فهؤلاء الذين يرون العالم والمجتمع والمؤسسات الاجتماعية والدينية في إطارها الحالي فقط، ويغفلون عن تاريخها، سرعان ما يعتقدون أن الأساليب القائمة هي وحي منزل، وأن التغيير والتطور فيها غير صحيح.
وفيما يتعلق بمؤسسة المرجعية، يبدو الأمر كذلك. كثيرون ممن يعرفون فقط الأساليب التقليدية والموجودة، وغير مطلعين على تاريخ هذه المؤسسة، يظنون أن طرح قضايا تهدف إلى الإصلاح فيها سيؤدي إلى خلل في أركان هذه المؤسسة المقدسة. لكن من مثل الشهيد صدر، قد أدركوا أن هذه المؤسسة في عصر الغيبة شهدت تطورات وتحولات تتناسب مع ظروف العصور. ويعد الأستاذ الشهيد على الأقل أربعة مراحل تاريخية لمؤسسة المرجعية:
(المرحلة الأولى: الاتصالات الفردية بين الناس والمجتهدين.
كانت تظهر مشكلة ويُطلب من العالم حلها، فيجيب. وقد استمر هذا من زمن أصحاب الأئمة (ع) حتى زمن العلامة الحلي.
المرحلة الثانية: إنشاء مؤسسة المرجعية.
بدأت هذه المرحلة من زمن الشهيد الأول. كان يرسل العلماء والوكلاء إلى أماكن مختلفة ليكونوا وسطاء بين الناس وبينه… في لبنان وسوريا، عين وكلاء لجمع الزكاة والخمس، وبذلك أوجد قوة دينية مركزية ومستمرة للشيعة في تاريخ العلماء. وكان هذا من أهم أسباب استشهاد ذلك العظيم.
المرحلة الثالثة: تركيز المرجعية.
حدثت هذه المرحلة على يد المرحوم كاشف الغطاء ومعاصريه. فالمرجعية في المرحلة الثانية، رغم أنها أصبحت مؤسسة، لم تكن مركزية على مستوى العالم لتشمل جميع الشيعة. في زمن كاشف الغطاء، توسعت الاتصالات بين العراق وإيران، وظهرت إمكانية تركيز المرجعية. ولم يكن ظهور المرجعية المركزية سهلاً، بل كان مصحوبًا بتضحيات كبيرة وجهود عظيمة…
المرحلة الرابعة: قيادة الأمة.
في هذه المرحلة، بالإضافة إلى التركيز، تولت المرجعية قيادة الأمة في المواجهات الخارجية والداخلية. وبدأت هذه المرحلة منذ ٥٠ إلى ٦٠ سنة مضت، حينما تولت المرجعية الشيعية قيادة النضالات ضد الاستعمار).[37]
هذا البصيرة التاريخية تعني أن مؤسسة المرجعية كانت قابلة للتطور، وستظل كذلك في المستقبل، ولا ينبغي أن تعيق السيرة الجارية أو التقليد الماضي الطريق أو تغلقه.
أبدى الأستاذ الشهيد آراءً في سبيل تطور مؤسسة المرجعية. بالطبع، قُدِّمت معظم هذه الآراء في ظروف كان يرى فيها المرجعية ليست في رأس السلطة، بل كسلطة رقابية أو بعيدة عن الحكم، ومن ثم فإن مقترحات وأفكار ذلك العظيم ليست بالضرورة الآراء النهائية. ومع ذلك، فإن نقل الإشارة إلى تلك الأفكار ليس بلا فائدة. وبناءً على هذا التصور، نُشير إلى بعض أفكار الأستاذ الشهيد في هذا المجال:
(١. نشوء ونمو المرجعية الصالحة يحتاج إلى تحول وتغيير في (الحوزة) لتتعاون مع المرجعية الصالحة وتساندها في أفكارها وآرائها. إذا لم تتحقق هذه الظروف، فلا يمكن للمرجع الصالح أن ينجز شيئًا. عدم تحقق هذا الشرط المسبق جعل مجموعة من العلماء الصالحين – رغم تمتعهم بالكفاءة الذاتية – عاجزين عند توليهم المرجعية.
٢. ضرورة تشكيل مجموعات تشكل الجهاز التنفيذي لمؤسسة المرجعية. هذه الأقسام هي:
أ: مجموعة أو مجموعات لتغيير وضع الدراسة في الحوزة.
تُكلَّف هذه المجموعة بتنظيم الدروس قبل (الخارج) والإشراف على دروس الخارج. تنسيق المواد الدراسية وتحديد الكتب الدراسية لرفع البرنامج التعليمي للحوزة إلى مستوى يمكنه مساعدة مؤسسة المرجعية في تحقيق أهدافها.
ب: مجموعة النشر والبحوث العلمية.
تُكلَّف هذه المجموعة بإنشاء مجالات بحثية في مختلف المواضيع ومتابعة استمرار حركة تلك المجموعات. الإشراف على الإنتاج العلمي في الحوزات وتقويته. متابعة الأفكار العالمية المرتبطة بالقضايا الإسلامية وتوفير بيئة لنشر مجلات وما شابهها. السعي لجذب العناصر المحققة والكفوءة إلى الحوزة، وإذا كانوا يعملون خارجها، توفير سبل التعاون معهم.
ج: مجموعة أو مجموعات لمتابعة أوضاع علماء المناطق.
تقوم هذه المجموعة بتسجيل أسماء علماء المناطق، ومكان إقامتهم، ونوع وكالتهم، وأساليب تعاملهم وسلوكهم. الاطلاع على نقائصهم واحتياجاتهم وأوقات فراغهم، وتقديم تقرير موجز ومنظم عند طلب المرجع.
د: مجموعة الاتصالات:
تُكلَّف هذه المجموعة بربط المرجع بالمناطق التي لا تزال غير مرتبطة بشكل منتظم بمركز مؤسسة المرجعية. جمع إحصائيات عن المناطق المختلفة والتفكير في وسائل الاتصال بها. توفير فرص السفر على مستوى ممثل المرجع أو غيره إلى تلك المناطق. كما تقع على عاتق هذه المجموعة توفير سبل التواصل بين مؤسسة المرجعية وعلماء العالم الإسلامي، وإقامة علاقات نشرية، والاستفادة من فرص مناسبة مثل موسم الحج.
هـ: مجموعة الرقابة على الحركة الإسلامية.
تُكلَّف هذه المجموعة بالتعرف على الجهود القائمة في العالم الإسلامي، وتقديم النصيحة لهم، ومساعدتهم عند الحاجة.
و: المجموعة المالية.
تتولى هذه المجموعة تسجيل وحفظ الأموال. إنشاء وكلاء ماليين في المناطق، والسعي لزيادة أموال بيت الأموال. كما تقوم بصرف المصاريف اللازمة لجهاز المرجعية).[38]
يعترف الأستاذ الشهيد بأن نشوء جهاز المرجعية بهذا الاتساع والوسع يحتاج إلى مرور الزمن، لكن المثابرة والاستمرار تتيح للمواهب أن تظهر في الميدان العملي، ومن ثم لا ينبغي أن يعيق اتساع العمل البداية. آراء الشهيد الصدر الإصلاحية في مجال مؤسسة المرجعية تتجاوز هذا المختصر. ورغم أنه أشار إلى العديد من المسائل من بعيد، إلا أن نقل ودراسة أفكار ذلك الأستاذ الشهيد تستحق كتابة مستقلة ومفصلة، ونأمل أن نوفق في موقع آخر لعرض هذه الآراء بالتفصيل. كان كتابة هذا المختصر لأن من غير اللائق تجاهلها أو عدم ذكرها في حياة الأستاذ الشهيد الفكرية. في حياة الشهيد الصدر التي امتدت خمسين سنة، كانت المرجعية وقوتها كلمات مألوفة، ولم يرَ في تاريخه وحياته آثارًا قليلة لتلك القوة والقداسة، ومن ثم كان في اضطراب لا يهدأ ليجعل هذا السيف أكثر حدّة ويرفع سور هذه المؤسسة إلى الملكوت ليبعد الشياطين عن أمل التسلل إلى أمة الإسلام. بلا شك، فإن الانتباه إلى آراء أمثال الشهيد الصدر في نمو وتطور هذه المؤسسة ليس بلا تأثير، وبالطبع الظروف الجديدة بعد وفاته خلقت مسائل أخرى. يجب النظر إلى مجموعة هذه الآراء والظروف والسعي إلى التغييرات اللازمة.
بصيرة الحكم
كان الأستاذ الشهيد يعتبر (الدولة) ظاهرة أصيلة، ويعتقد أن هذه المؤسسة أُنشئت بواسطة الأنبياء والرسل السماويين.[39] هذا التصور كان يجعل خط المرجعية يتجه أيضًا إلى إقامة الحكم. ففي الظروف التي عبر فيها عن (المرجعية الناضجة) قال:
(… يجب أن يكون خط الفكر المرجعي من مؤلفات وأبحاثه واضحًا في الإيمان بضرورة الدولة الإسلامية والدفاع عنها).[40]
هذا الكلام يعني أن المرجعية قادرة على مراقبة الأعمال التي تعتبر واجبها استمرار جهود الأنبياء، والإيمان في رأس ذلك بتشكيل الحكم.
كان الشهيد الصدر يعتقد أن ابتعاد الفرد المسلم عن الدولة الشرعية يخلق شخصية مزدوجة وغير متناغمة. إن الوجود في نظام جاهلي وغير شرعي يؤدي بالفرد إلى ازدواجية روحية، وهذه الحالة تعني أن المسلم يعيش دائمًا في تعارض بين واجباته كمسلم وبين النظام الحاكم في المجتمع، وهذا التعارض لن يكون بلا آثار. أشار الأستاذ الشهيد إلى هذه المقتضيات واستخلص من ذلك أن سبيل تحصيل الشخصية الضميرية في الفرد المسلم هو التفكير في إقامة الحكم الشرعي والديني.[41]
لقد برز بشكل مستمر في تأسيس فكر الحكم الإسلامي. وقد روى أحد تلاميذه:
(أتذكر أن الشهيد الصدر سلمني كراسة مكتوبة بخط اليد في إثبات مشروعية الحكم الإسلامي، وقد وضعت هذه الرسالة بين يدي مجموعة من المجتهدين المعروفين لكي تتثبت هذه الفكرة).[42]
في العديد من مؤلفات الأستاذ الشهيد، يظهر البعد الحكومي في الدين. ومن ذلك، يمكن الإشارة إلى ثلاثة أمور كما يلي:
١. في كل مجال توجد فيه اجتهادات شرعية مختلفة، للحكومة الشرعية الحق في اختيار أحدها. يمكن للحكومة، بناءً على المصلحة الاجتماعية، أن تعتمد على يقين وتنفيذ أحد تلك الاجتهادات.[43]
المطلعون على مشكلات التشريع الحكومي يدركون مدى اتساع تطبيق هذا الرأي. في هذا المقام، لا يُراد تأييد وتثبيت النظرية السابقة، لكن التعبير عنها من قبل مجتهد مسلم وذو نظر، يبيح التأمل فيما إذا كانت يد الحكومة أوسع مما يظنه البعض؟ هناك من يظن أن الحكومة الشرعية محصورة في تنفيذ رأي مجتهد خاص بلا قيد أو شرط. لكن الشهيد الصدر لا يقر هذا التحديد، ويعتقد أن مجال الحكومة واسع بحيث يمكنها التدخل في اختيار آراء المجتهدين واختيار أحدها بناءً على المصلحة.
٢. يمكن للحكومة الشرعية في الحالات التي لا يوجد فيها موقف قاطع (وجوب أو حرمة) أن تشرع قانونًا وتقيد صلاحيات الناس. الشهيد الصدر يسمي هذا المجال التدخلي للحكومة (منطقة الفراغ).[44]
يُعتبر هذا القول للشهيد الصدر أحيانًا من توسيع أدوات التنفيذ للحكومة الدينية. وفقًا لهذا الرأي، يحق للحكومة أن تحظر أو تفرض المباحات والمستحبات والمكروهات.
الأستاذ الشهيد لم يعتبر منطقة الواجبات والمحرمات ضمن نطاق تدخل الحكومة، وفي هذا الجانب اختار الإمام قدس سره مجالًا أوسع، حيث وضع الواجبات والمحرمات أيضًا تحت سلطة الحكومة الدينية، بحيث يمكن في فرض المصلحة الاجتماعية أن يُمنع واجب أو يُباح حرام.
٣. للحاكم الشرعي في مجال القوانين الشرعية المتغيرة حق التدخل والرأي.[45] في هذا النطاق يمكنه إيقاف قانون وابتداع قانون جديد.
النضال والجهاد
لم يرَ الأستاذ الشهيد تعارضًا بين الاجتهاد و(الجهاد)، ومن ثم لم يكن من الذين تدفعهم شعبية عامة إلى القعود وترك طريق الدم والشهادة بحجة البقاء على الرسالة بلا معين. كان يعرف جيدًا طريق العذر والتبرير ويحذر الآخرين منه. قال:
(عند دراسة هذه الأعذار التي كشف عنها القرآن وأظهر أساسها، نشعر أن أعذار ذلك الزمان هي ذاتها الأعذار السائدة اليوم. هذه التبريرات في حقيقتها ومضمونها الروحي لا تختلف عن بعضها. في عمق كل الأعذار يكمن نوع من الأنانية وحب الذات، والدعوة إلى الحركة الثورية اليوم تحمل نفس مشاكل وصعوبات زمن النبي(ص)).[46]
كان الشهيد الصدر يعلم أن هذه الأعذار تنبع من المصالح الشخصية. فشغف الذات يدفع إلى التراجع عن الجهاد ويجعل من عذر اليأس نظرية. لذلك كان يعتبر رأس مال الجهاد هو نفي الميول النفسية. وكان يؤمن:
(في نقاط بارزة من منهج حياتنا الأخلاقي، يكمن مراعاة المصلحة الشخصية بدلًا من وجود روح الاستعداد للتضحية. نحن اليوم بحاجة ماسة إلى أخلاق التضحية)…[47]
وكان هو نفسه في طليعة رواد (خط التضحية) وكان لديه العزم الكامل على نشر هذا المنهج. في تحليله للأوضاع الراهنة، قال:
(الأمة في هذا الزمان تعاني مما كان يعانيه الناس في زمن الإمام الحسين(ع)، وهو مرض (فقدان الإرادة). الناس يعرفون حزب البعث وحكام العراق ولا يشكون في فسقهم وطغيانهم وكفرهم وظلمهم، لكنهم يفتقرون إلى قوة الإرادة التي تجعلهم يجاهدون في سبيل الله ويسقطون هؤلاء الكفار من منصب الحكم ويطردون كابوس هذا الظلم عن أنفسهم).[48]
بهذا الفهم، كان الشهيد الصدر ينظر إلى أحوال زمانه. وكان يرى مجتمعه بحاجة إلى ضخ الإرادة فيه، ويعتبرها إكسير الحياة للمجتمعات الضعيفة، ولهذا كان يؤمن:
(من الضروري علينا معالجة هذا المرض، لكي تغلي (الإرادة) في عروق هذه الأمة الميتة. والطريقة هي ذاتها التي سلكها الإمام الحسين(ع) في زمن فقدان الأمة لإرادتها. ذلك الطريق كان التضحية (بالقربان العظيم)).[49]
كان الأستاذ الشهيد يتنقل من حي إلى آخر بحثًا عن هذه الفكرة التي تعيد الحياة لأمته من خلال تمهيد (شهادة كبرى). وخلال سنوات حياته، دعم بطرق مختلفة الحركة الاجتماعية القائمة على (الشهادة). حتى أنه فكر في فرض وجود شروط معينة، أن يجتمع مع مجموعة من أصحابه مسلحين في صحن حضرة الأمير(ع) ويطلقوا نداء الثورة.[50] مع أنه كان يعلم أن هذه الحركة ستبقى عقيمة من الناحية المادية ولن تنتهي إلا بـ(الشهادة)، لكنه كان يأمل أن تؤمن مستقبل الأمة وأن يقوم خلفاؤه الفكريون بالجهد ويكملوا طريقه. وكما أن دم الحسين(ع) قضى على دولة بني أمية، فإن شهادته ستنهي حكم خلفاء أولئك الظالمين.
قال الشهيد الصدر: إنني عاشق للشهادة وقد اتخذت القرار بها. الأمة بحاجة إلى دمي وجوها لا يوقظها. وبذلك المنظور، كان يتبع خط الجهاد ليس بغرض الاستيلاء على السلطة، بل بهدف مقام الشهادة.[51]
كان يُظهر كل هذا الشغف في وقت بدا فيه في ذروة الثراء والارتباط القلبي للشعب. لكنه كان يُعتبر رجلاً دينياً، ولم يجعل حب الأمة الديني عائقاً أمام دينه. ولهذا، تقبل السجن والعذاب والشهادة بنفسه. ظل محصوراً في منزله لأيام وأشهر، لكنه لم يخضع أمام عروش القوى الجبارة. في حين أن الأقرباء أنفسهم قد تخلو عنه! في النجف (صدر) تُرك وحيداً[52]، ووجد حزب البعث الجرأة على ارتكاب الجريمة. كان يشعر أن استشهاد الأستاذ يعني استهداف قطب القيادة للمجتمع المقاوم في العراق، ولهذا كان يشعر أيضاً بالقلق من أن يُهدد من قبل القيادة التقليدية الدينية. لكن عندما بدا الخمول في تلك القيادة، زالت الشكوك، وتم تسليم جثمان الشهيد الصدر المعذب والمُعذّب وأخته الكريمة، في هذه الأجواء المليئة بالغربة، إلى عائلته، والله حافظ دماء الشهداء.
[1] كان الأستاذ الشهيد منسوبًا إلى العائلات العلمية المعروفة. من جهة الأب، إلى المرحوم سيد إسماعيل صدر، ومن جهة العائلة الأم، إلى عائلة آل ياسين. وكان المرحوم الشيخ راضي آل ياسين، صاحب تأليف صلح الحسن، عمّ الأستاذ الشهيد المرحوم سيد صدر الدين صدر، من مراجع الثلاثة في حوزة قم بعد الشيخ عبد الكريم الحائري، وهم عمومًا الشهيد الصدر. بالإضافة إلى كبار آخرين لهم نسبات قريبة وبعيدة مع الأستاذ الشهيد.
[2] مباحث الأصول، تقارير آية الله صدر، سيد كاظم الحائري، نشر مكتب الإسلام، الجزء الأول من القسم الثاني، ٤١.
[3] المرجع نفسه، ٤٧.
[4] المرجع نفسه، ٤٧.
[5] المرجع نفسه، ٤٦ والشهيد الصدر فضائله وشمائله، سيد فاضل نوري، ٦٧٥٧.
[6] مباحث الأصول، سيد كاظم الحائري، الجزء الأول من القسم الثاني، ٤٨.
[7] المرجع نفسه، ٨٠.
[8] المرجع نفسه، ٤٤.
[9] المرجع نفسه، ٤٤.
[10] المرجع نفسه، ٤٤.
[11] المرجع نفسه، ٦٢.
[12] المرجع نفسه، ٣٦.
[13] فلسفتنا، مقدمة.
[14] مباحث الأصول، سيد كاظم الحائري، الجزء الأول من القسم الثاني، ٤٦.
[15] ومن ذلك، انظر نشر دانش السنة الثالثة العدد ٣، مقال السيد الدكتور سروش، حول نقد وتعريف هذا الكتاب.
[16] الاقتصاد الأسمى، سيد محمد باقر صدر، ترجمة علي أكبر سيبويه، نشر ميثم، /١٠
[17] مباحث الأصول، سيد كاظم الحائري، ٦٩.
[18] الإسلام يقود الحياة، سيد محمد باقر صدر، نشر وزارة الإرشاد، ٤٦.
[19] مباحث الأصول، سيد كاظم الحائري، ٦٤.
[20] المرجع نفسه، ٦٦.
[21] انظر: المدرسة القرآنية، التفسير الموضوعي والتفسير الجزئي في القرآن الكريم، السنن التاريخية في القرآن الكريم، عناصر المجتمع في القرآن الكريم، سيد محمد باقر صدر، نشر دار التعارف، بيروت، ترجمة الكتاب بعنوان “سنن التاريخ في القرآن”، بواسطة الدكتور جمال موسوي، نشر.
[22] انظر: دور الأئمة الشيعة في إعادة بناء المجتمع الإسلامي، محمد باقر صدر، ترجمة علي إسلامي، ١٠.
[23] المرجع نفسه، ٦٠.
[24] المرجع نفسه، /٨٠
[25] دروس في علم الأصول، سيد محمد باقر صدر، الحلقة الأولى، ١٣١٢.
[26] التفاوي الواضحة، سيد محمد باقر صدر، ١.١٣.
[27] المرجع نفسه، ١٤.
[28] المرجع نفسه، /٩٠.
[29] مع تحول الاجتهاد، سيد محمد باقر صدر، ترجمة أكبر ثابت، /١١.
[30] المرجع نفسه، /١٢.
[31] المرجع نفسه، ١٣.
[32] المرجع نفسه، ١٤.
[33] المرجع نفسه، ١٧.
[34] انظر: كتيب خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، من الأستاذ الشهيد صدر.
[35] خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ترجمة الدكتور جمال موسوي، ٢٠.
[36] مباحث الأصول، سيد كاظم الحائري، ٩٢ باختصار وتغيير طفيف.
[37] المحنة، محاضرتان حول المفهوم القرآني للمحنة، سيد محمد باقر صدر ٤٥٤٩ باختصار وتلخيص.
[38] مباحث الأصول، سيد كاظم الحائري، ٥٩٢.
[39] الإسلام يقود الحياة، سيد محمد باقر صدر، ٣.
[40] المرجع نفسه، ١٤.
[41] المرجع نفسه، ١٩٦.
[42] الجهاد السياسي للإمام الشهيد السيد الصدر، صدر الدين قبانجي، ١٣. نقلًا عن سيد محمد باقر حكيم.
[43] الإسلام يقود الحياة، سيد محمد باقر صدر، ١٢.
[44] المرجع نفسه.
[45] المؤسسات الاقتصادية في الإسلام، سيد محمد باقر صدر، ترجمة بيات وشوشتري، ٨٦.
[46] العمل الصالح من وجهة نظر القرآن، سيد محمد باقر صدر، ترجمة الدكتور جمال موسوي، ٧.
[47] المحنة، الشهيد صدر، ٧٢.
[48] مباحث الأصول، سيد كاظم الحائري، ٤٩.
[49] المرجع نفسه.
[50] المرجع نفسه، ٥٠.
[51] الجهاد السياسي، صدر الدين قبانجي، ٦٩ و٩٢.
[52] المرجع نفسه، ٩٦.

