ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: اخلاق و سلوک اجتماعى شهید سید محمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: عباس سماواتی
مقدمة
إن الرب الرحيم من أجل هداية البشر وإنقاذهم من الضلال، بالإضافة إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب والهدايات العقلية والفطرية، يقدّم أفرادًا مهتدين ومتكاملين كنماذج عملية وواقعية للتوجيهات والإلهامات الإلهية للمجتمع البشري، وعلى رأسهم خاتم الأنبياء الإلهيين حضرة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآلُه الطاهرون وأنبياء آخرون وأوصياء وأولياء الله. وفي هذا السياق، يلعب العلماء الربانيون الذين تخلقوا بالأخلاق الإلهية دورًا بارزًا وفعالًا للغاية.
أحد العلماء البارزين والكاملين في الإسلام في القرون الأخيرة هو الشهيد الجليل حضرة آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، الذي من أجل مسلكه الأخلاقي وآثاره الفكرية، يجب على الجميع أن يتعرفوا بأفضل صورة ممكنة على أفكاره ومعتقداته وابتكاراته وفضائله الأخلاقية، وأن يسعوا بقدر استطاعتهم إلى نشر هذه القيم الإنسانية.
بالطبع، دراسة المسلك الأخلاقي لكبار طريق الهداية والمتخلقين بالأخلاق الإلهية أمر بالغ الصعوبة، لأن أولاً، لفهم لطائف السلوك وزوايا الوجود لإنسان سالك وعالم رباني، يجب اجتياز مقدمات علمية وعملية كثيرة. ثانيًا، هؤلاء العلماء المخلصون لا يسعون إلى الترويج لأنفسهم أو لما يتعلق بهم، بل يبذلون جهدًا كبيرًا للحفاظ على ما في داخلهم من كنوز ثمينة؛ لأنهم يرون قيمتها في الإخلاص مع محبوب قلوبهم الله تعالى (كما هو الحق). لذلك، لا يظهر الكثير منهم للآخرين، وما يظهر طبيعيًا هو قطرة من بحر وجودهم. ثالثًا، هذا الأمر يكون أكثر قدرة على الإنجاز من قبل أولئك الذين عاشروا هذا الروحاني الرفيع والرجُل الشجاع المنتصر في ميادين العلم والجهاد لسنوات عديدة.
لكنني، بسبب حبي الشديد لذلك الفذ الكريم، سأحاول بمساعدة الله تعالى وبالاعتماد على آثار تلاميذ بارزين وملازمين مقربين له، أن أخطو خطوة صغيرة في هذا المجال على أمل أن تكون مقبولة عند الحق.
* * *
كان الشهيد آية الله العظمى الصدر (رحمه الله) عالمًا نابغًا، ومن صفاته نذكر العلم، الكفاءة، العمق الفكري، الإبداع، الدقة والشمولية. كان صدر الفضائل بين أقرانه وأبرز رجل دين من حيث الكمالات العلمية والعملية بين معاصريه.
كان “صدر” عالم الفكر يحمل حماسة عقلانية وحماسة إيمانية، وكان يعيش حياة طيبة. كان يعلم جيدًا أن العلم بدون تقوى هو لص. ذلك المرجع الجليل، بالإضافة إلى تميزه الخاص في المسائل الفكرية والعمق مع النظرة الشاملة لقوانين الإسلام كدين كامل وقادر على إدارة حياة الإنسان بشكل صحيح وتأمين سعادته الأبدية، كان متميزًا ونموذجًا في الكمالات والفضائل الأخلاقية، وقد اكتسب كل هذه الكمالات الأخلاقية من خلال عبادة الله وتحت ظل التربية الإسلامية منذ بداية مرحلة النمو والكمال.
حقًا، كان الرب الرحيم يراه مستحقًا لأن يمنحه فضائل خاصة ويجعله مجمع الفضائل.
ذلك المرجع المصلح والعقل المفكر الإسلامي، رغم جمعه لكثير من الكمالات العلمية والعملية في نفسه، لم يرَ نفسه وبيته وكل ما يتعلق به، ونجا من هذه الحجب التي تحرق العلماء وتحرق العالم، وكان دائمًا مستعدًا لأن يضحي بكل وجوده في سبيل معبوده، وأعلن ذلك مرات عديدة. وفي ذروة شعبيته، اختار طريق الشهادة.
غلام همت آنم كه زير چرخ كبود ز هر چه رنگ تعلق پذيرد آزاد است
كثيرون هم من ينجون من التعلقات البسيطة الأولية، لكن بأيديهم وبغرورهم في تخصصاتهم وعلومهم السائدة، يؤسسون لأنفسهم تعلقات معقدة تعمي الأبصار، ووفقًا لقول إمام الأمة، الخميني الكبير، لا سبيل لخلاصهم ولا أمل في عودتهم.[۱]
إن هذه الفضائل الأخلاقية، والأهم من ذلك، إنكار الشهوات النفسية، هي التي جعلت الشهيد الصدر يجمع بين الجهاد والاجتهاد ويبرع في كلاهما.
كان مصلحًا عظيمًا يعرف الآلام، ويستنبط دائمًا الأحكام السعيدة للإسلام من نصوصه ومصادره الغنية، وكان يعرف دواء كل داء جيدًا، لكن للأسف لم يُعطَ رد مناسب ووافي على نداء هذا المصلح المفكر المنقذ، خاصة من كبار التقليديين في الحوزات، وكما مولاه أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ربما بدعائه طلب من الله أن يرسل أولياءه الحقيقيين من أصدقائه، فأدخله الله بفضل شهادة في مجلسهم المفعم بالحيوية.
كان ذلك الرجل الدين والعالم البشري يتمتع بعلاقة خاصة مع القرآن، وقد طهر روحه حتى بلغ حقائق القرآن «لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ»[۲]، وكان يقدمه بتعبير رحيم للظمآنين للحقيقة، تلاميذ مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) وكل إنسان حر آخر، ولعب دورًا رفيعًا في تطبيق أحكام وتعاليم القرآن النورانية في المجتمع.
كان يمتلك درجات علمية عالية وجاذبية قلبية، وباتصاله بمصدر الحكمة وعلاقته الروحية المحبة مع تلاميذه وأتباعه، كان ينقل الحكمة للآخرين.
كان الشهيد الصدر شخصية متعددة الأبعاد، لم يكن فردًا فقط، بل كان بتهذيب داخله مرآة كاملة لمذهب الإسلام الخالص المحمدي (صلى الله عليه وآله) ومذهب أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويمكن القول إنه كان أمة واحدة، وقد أودى النظام الإجرامي في العراق بقتله إلى مذبح أمة كاملة وأوقفها؛ لأن الأمة بلا روح وإرادة ليست سوى أداة في يد أشد الناس شرًا وأجبن حكام التاريخ.
يعلم الله كم هو ثقيل ذنب الذين صمتوا أمام قتل الحسين وزينب زمانهم، ومع أنهم كانوا قادرين، لم يتخذوا أي إجراء. كم يجب أن يضحّي هؤلاء الناس ويذلوا ويهانوا حتى تُقبل توبتهم من هذا الصمت الثقيل، ويُنفخ فيهم الروح الإلهية من جديد، فينجون من الوضع المؤلم والمأسوي لـ «خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَهَ»[۳] الحالي. [۴]
كان ذلك العالم الشهيد أحد مصاديق الآية الكريمة «وَ جَعَلَني مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ»[۵]. كان له ارتباط عميق مع الإمام الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، وكان هذا الارتباط قائماً على تقييم خاص من الإمام. لذلك كان مستعداً بكل جوارحه للتعاون والتضحية في سبيل المبادئ السامية للإمام الخميني، وخط يده الشريف[۶] إلى تلاميذه في إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية يشير إلى ذلك.
بعد تقديم هذا المدخل الذي يحتوي على نظرة عامة لصفات الأخلاق البارزة وفضائل هذا العالم المشهور في تاريخ التشيع، ننتقل لإثبات ما أشرنا إليه أعلاه من خلال بيان محاور من كمالاته الأخلاقية، وفي نهاية المقال نختم الكلام بالتوجيهات الأخلاقية لذلك النموذج في العلم والعمل.
محاسبة النفس وتزكيتها والنقد الذاتي
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها؛[۷]
بالتأكيد، من فاز هو من طهّر نفسه.
من الخطوات الأولية لأي إنسان يرغب في السير والتطور في طريق النمو والكمال والتقرب إلى ذات الله تعالى، هو تزكية النفس والابتعاد عن كل أنواع الرذائل والدناءات النفسية.
الإنسان الباحث عن الحقيقة والطموح يجب أن يبدأ بنفسه أولاً، وينقذ نفسه من الميول السيئة الحيوانية والمادية، ويختار أن يطهّر فطرته الإلهية من كل الصفات والملكات السيئة، من سوء الخلق والرذائل الشهوانية وحتى من الميول السيئة.
نتيجة هذا الأمر المهم هي استعادة الذات الإنسانية والانضمام إلى صفوف البشر ذوي الصفة العليا من طهارة الروح ونقاء الضمير، بمعنى أن روح هذا الإنسان بعد تحررها من قيود العبودية للجسد والشهوة تصبح جاهزة لاستقبال النعم والوحي الإلهي، وبعبارة أخرى تكتسب القدرة على النمو والتطور، فيؤثر فيها الفاعل المطلق (النعم الإلهية) ويضعها على طريق الصعود في السير إلى الله.
دراسة وتحليل أخلاق وسلوكيات الشهيد العظيم آية الله العظمى سيد محمد باقر الصدر (قدس سره القدوسي) توصلنا إلى أن هذا الإنسان الرفيع منذ بداية نموه الفكري والعقلي، وبفضل موهبته الخاصة، كان في مسار محاسبة النفس وتزكيتها، وكان يراقب نفسه ويقيمها بجدية تامة؛ لأن بدون هذا الأمر لا يمكن أن تكون السلوكيات الأخلاقية الكريمة والأفعال الإنسانية ذات القيمة ممكنة، ولا يمكن أن تستمر على الأقل في لحظات الشدة والمحن والضغوط الاجتماعية المتنوعة، وهذا ما تمكن منه ذلك الشهيد العزيز والإنسان المتوجه إلى الله بشكل جيد، وأظهره في جميع مراحل حياته المختلفة. سواء عندما كان طالباً مجهولاً في حوزة كاظمين العلمية، أو عندما كان من أشهر طلاب الدروس العليا في حوزة النجف الأشرف المزدهرة، أو عندما كان في ذروة شعبيته وعلى أعلى المستويات العلمية، أو عندما تعرض لضغوط شديدة من النظام الإجرامي العراقي الذي حاول تعذيبه وتهديده بكل ما يستطيع، وحتى في آخر أيام حياته المباركة، كان هذا السلوك الأخلاقي المتميز واضحاً في حياته، وكل ذلك يدل على عمق تزكية النفس وعزة النفس الداخلية لديه.
ذلك الإنسان الملكوتي جعل محاسبة النفس والنقد الذاتي نصب عينيه، ومع امتلاكه للكمالات الأخلاقية البارزة لم يكن ينسى نفسه أو يغفل عن نقدها؛ وفي الوقت نفسه، وبفضل طهارة روحه وعلو معرفته، كان يعرف عيوب ونقاط ضعف الآخرين؛ لأن كل إنسان يرغب في معرفة عيوب نفسه الحقيقية وأحياناً الخفية، يجب أن يضع نفسه ونواياه وأفعاله تحت مجهر المراقبة، وأن يكون متشككاً فيها حتى يتمكن، بمساعدة الله تعالى، من التعرف على عيوبها ويزيلها بلطف ورحمة من الله الرؤوف الرحيم. وهذه المسألة أصعب بكثير بالنسبة للإنسان العالم والعارف والمسلح بالمصطلحات والفنون العلمية، لكنها في الوقت نفسه أكثر ضرورة؛ لأن أقل تفاؤل وحب للذات مع تبرير النفس الماكرة يجعل هذا الشخص، رغم عيوبه الكبيرة التي قد تؤدي إلى ضلال وهلاك كثير من الناس، يظن نفسه الأفضل أو من الأفضلين «اعاذنا الله من شرور انفسنا و من سيّئات اعمالنا».
هنا يجب الاعتراف بأن الشهيد آية الله العظمى الصدر كان بطلاً في هذا المجال، وكان يحذر الآخرين أيضاً، فقال في هذا الصدد: «يجب على كل واحد منا أن يحاسب نفسه قبل أن يلوم الآخرين، يجب أن ينظر جيداً إلى ردود أفعاله النفسية، هل ردود أفعاله لله أم لمصالحه؟
إذا كانت ردود أفعاله لمصالحه الشخصية، فلا ينبغي أن يرجو من الله شيئاً، ولا حتى الثواب؛ لأنه يتألم لنفسه لا لله، فلماذا يكافئه الله؟ لن يرى أي نصر في الدنيا ولن ينال ثواب الآخرة.
أما إذا كان ألمه وحزنه حقاً لله، وإذا كانت ردود أفعاله لله، فحينئذٍ تتسع آفاقه، وينظر بنظرة شاملة إلى العالم الإسلامي كله وجميع المسلمين وكل المشاكل.»[۸]
الإخلاص والوفاء
«وَ ما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ»؛[۹]
لم يُؤمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين، وأن يرجعوا من الشرك إلى التوحيد.[۱۰]
إن بلوغ درجة عالية من الإخلاص للبشر، لا سيما لأولئك الذين يصلون إلى مراتب علمية عليا وشهرة شعبية وعالمية، أمر شديد الصعوبة ويتطلب رجلاً ذا عزيمة عالية وتوحيداً كاملاً.
لقد بلغ الشهيد العزيز آية الله العظمى صدر(قدس سره) هذا الهدف السامي من خلال مجاهدة ومراقبة خاصة به، وهذا الإكسير النادر هو الذي ضاعف قيمة نشاطاته العلمية والاجتماعية مئة ضعف، وبفضل هذه الملكة الأخلاقية العظيمة كان يؤثر في أعماق النفوس، ويجذب كل إنسان حر إلى طريقه ومنهجه وإلى قدواته الكرام وهم أهل البيت (عليهم السلام). «كُونُوا لَنَا زِينَاً».
كان إخلاص ووفاء الشهيد صدر نابعين من توحيد خالص وحبه لله الرحيم، وهذا الصفاء أعطاه نقاءً خاصاً، فقد كان في عبادته وعبوديته لله صفاءً، وكان يتعامل مع عباد الله وتلاميذه بوفاء وصفاء خاصين؛ حتى إنه كان يحبهم حباً شديداً. وكان يحب أمة الإسلام وأمة العراق حباً عظيماً ويكن لهم محبة من أعماق قلبه. ومن كلماته الخالدة ما يلي:
«يا أمة أجدادي، إني أقول لكم بتأكيد إنني معكم وسأبقى معكم حتى النهاية، ولن أترككم في مصائبكم ومشقاتكم، وسأبذل دمي لله قريباً من أجل خلاصكم.» [۱۱]
لقد أدرك جيداً أن الإخلاص هو الشرط الأساسي والفريد لكل نشاطات حياة الطالب والعالم الديني؛ لأنه بدون الإخلاص، فإن الأعمال العلمية والاجتماعية للعالم الذي يبدو أنه وارث الرسالة الثقيلة للأنبياء الإلهيين لا قيمة لها، بل في كثير من الأحيان تكون مضرة وهدامة.
يمكن استنتاج هذا الأمر من دقة نظره وقلقه على نشاطاته. فقد كان حتى يقلق من احتمال أن تكون أعماله السابقة قد خلت من الإخلاص، أو أن الشهرة العالمية لأعماله الفكرية قد تعيق إخلاصه. وشاهد على ذلك ذكرى الأستاذ الجليل آية الله السيد كاظم حائري، أحد تلاميذ الشهيد البارزين: «ذات يوم قال لي: عندما كتبت كتاب فلسفتنا، أردت أن أنشره باسم “جماعة العلماء”، لكن لأن لديهم آراء في تعديل وتصحيح الكتاب لم أقبلها، فاضطررت إلى نشره باسمي. والآن بعد أن نُشر وحظي باهتمام الجميع وأصبح مؤلفه مشهوراً في كل مكان، أحياناً أفكر: لو كنت أعلم قبل النشر بهذه الشهرة والقبول العام، هل كنت سأقبل أن أنشر الكتاب باسم “جماعة العلماء” وأتجنب ذكر اسمي عليه؟
هذا الشك في نفسيتي للقيام بهذا العمل يزعجني بشدة.
كان عندما يتحدث عن هذه الحالة النفسية، يبدو حزيناً حتى كاد يبكي، مع أن هذا مجرد احتمال، لكنه كان يخشى أن يمر بهذا الامتحان ولا يكون مستعداً له.»[۱۲]
العبـــادة
من أبعاد هذا العالم الرباني المتلألئة كانت عباداته الخالصة والخاشعة، والأهم من ذلك، حسب قول بعض المقربين منه، أنه كان في عباداته منقطعاً تماماً، ولهذا كان يفكر في جودة العبادة وليس في كميتها. يقول الله تعالى في القرآن: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ»[۱۳]. بالطبع، لم يكن كل شخص يطلع على هذه الحالة من الانقطاع الكامل إلى الله، يقول حجة الإسلام الشيخ محمد رضا نعماني، أحد تلاميذه المميزين في هذا الصدد: «في الأيام الماضية، عندما كنت أبحث عن فرصة لأقتدي به في صلوات المنزل اليومية، كثيراً ما كان الوقت قد حان للصلاة، وحتى بعد مرور نصف ساعة من وقت الصلاة، كان المرحوم يجلس في مصلاه ولا يبدأ الصلاة، بل يغوص في التفكير، ثم فجأة يقوم ويؤدي الصلاة. سألتُه ذات يوم عن سبب ذلك، فأجاب: منذ بداية حياتي عقدتُ العزم أن تكون كل صلواتي بحضور قلب وانقطاع، وأحياناً أضطر إلى الانتظار قليلاً لأبعد الأفكار المشتتة عن ذهني، وعندما تتحقق حالة الانقطاع أبدأ الصلاة.»[۱۴]
لم تكن حالة انقطاعه هذه محصورة في الصلاة فقط، بل كانت تظهر في أشكال مختلفة من العبادة، مثل تلاوة القرآن في شهر رمضان المبارك بصوت حزين ودموع جارية تخشع لها قلوب المستمعين وتحلق بهم إلى عالم المعنى.
وكذلك في رحلة العمرة، رغم شدة الحرارة وحرارة أرضيات المسجد الحرام، في وقت لا يستطيع فيه أحد الطواف، كان ذلك العابد العارف الكامل مشغولاً بالطواف والعبادة، كأن الحرارة والحرارة غير موجودة. في يوم من الأيام، بعد عودته من المسجد الحرام، سألته عن هذه القدرة العجيبة على التحمل، فأجاب: «طالما أنا في المسجد الحرام لا أشعر بحرارة الأرض الحارة، نعم، بعد العودة إلى الفندق أشعر بألم في قدميّ.»[۱۵]
«لا شك أن ذلك الإنسان الرفيع كان عاشقاً للعبادة ودائماً في حالة عبادة؛ لأن الله كان حاضراً دائماً في قلبه، وكان من أبرز مصاديق هذا الحديث القدسي:
«مَن طَلَبَنِي وَجَدَنِي، وَمَن وَجَدَنِي عَرَفَنِي، وَمَن عَرَفَنِي أَحَبَّنِي، وَمَن أَحَبَّنِي عَشَقَنِي، وَمَن عَشَقَنِي عَشَقْتُهُ، وَمَن عَشَقْتُهُ قَتَلْتُهُ، وَمَن قَتَلْتُهُ فَعَلَيَّ دِيَتُهُ، وَمَن عَلَيَّ دِيَتُهُ فَأَنَا دِيَتُهُ»[۱۶]
كان له انس خاص مع صلاة الليل، وفي تلك الحالة كان يخاطب محبوبه، ربّه الرحيم، ويستمد من عباداته روحه، وينفخ بروح العبودية في من حوله وتلاميذه. كان يتلو القرآن بطريقة معنوية؛ لأن تلاوته كانت مصحوبة بالفهم والتدبر، وكان يرتقي بها حتى كأنه يتحدث مع الله.»[۱۷]
شاهد هذا القول، كلام ذلك العالم الفذ مع تلاميذه: «لنتصور أن العبد مملوك لله، والله تعالى هو المالك المطلق لسلوكنا ووجودنا وأعمالنا، وهو المخطط لموقعنا في المستقبل والحاضر، وهو الذي يراقبنا في الدنيا والآخرة بعين لا يغفلها نوم، ولنمر تدريجياً بمسؤوليات وواجبات هذه العبودية التي يجب أن نلتزم بها تجاه رسالته، وأن ندافع عن رايته، وأن نذكر أنفسنا دوماً بأننا عبيد الله، وهذا هو معنى العبودية؛ لأنه يجب أن نعيش دوماً بذكر الله، وعندما نلهم أنفسنا بأن نعيش مع ذكر الله، تصبح الحياة لله أعمق وأدق في أذهاننا، وبعد أن تكون مجرد نظرية وعقلانية خالصة، تتحول تدريجياً إلى هالة وشبح تقريباً حسّي.»[۱۸]
العزة وسلامة النفس
ذلك الشهيد العزيز، بفضل تزكية النفس والتزكية الذاتية والإخلاص والعبودية التي كان يتحلى بها، بلغ مرتبة عالية من العزة وسلامة النفس: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ».[۱۹]
وقد جعلته هذه العزة النفسية لا يذل أو يخضع لأي أحد غير الله، ويضحي بكل شيء من أجل عزة وقوة إيمانه.
كان عبدًا ممتحنًا من الله، وقف كالجبال في وجه الظالمين والمستبدين في زمانه، ولم يخف من شيء، ولم تؤثر فيه أي تهديدات، ولم تجعل لوم اللائمين يتسبب في تراجع عن أداء الواجب.
ذلك العالم الرباني بلغ السكينة الإيمانية، وكان بحق مستحقاً لنيل ذلك الفيض الإلهي. «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ».[۲۰]
كان يمتلك قلبًا مطمئنًا، وهي صفة لا توجد إلا في قلة من الناس. «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ».[۲۱] ونكتفي في شأن سلامة وعزة نفس الشهيد صدر (ره) بالمثال التالي:
«أحد تلاميذ آية الله صدر، بسبب اختلاف فكري، انسحب من مجلس درسه وابتعد عنه! لكنه، لأنه كان يظن خطأً أن طريقة تفكير آية الله صدر العلمية والفلسفية والسياسية غير صحيحة ومخالفة لمذهب الإسلام، لم يكتفِ بالانفصال، بل بدأ في كل مكان يتحدث بالسوء عن آية الله صدر ويرفض أفكاره. عدة مرات وصلت أقوال هذا التلميذ الجاهل والجافي والناقد والمتعصب الأعمى في الأمور الدينية إلى آية الله صدر، لكنه لم يرد.
وفي يوم من الأيام، وأثناء حضوره، ذُكر ذلك التلميذ المخطئ، فقال آية الله صدر: رغم أنه يغتابني من ورائي، إلا أنني ما زلت أعتبره شخصًا متدينًا وعادلاً! لأنه بناءً على قصر نظره وتعصبه، يظن أنني منحرف وأستحق اللعن والسب، وهو يدافع عن دين الله برفض أفكاري من منطلق تفكيره المتحجر ويظهر غيرة دينية! لذلك، تلك الأقوال يقولها عني بناءً على فهمه الخاطئ وليس بدافع الهوى أو الحقد أو الحسد أو الإهمال.»[۲۲]
الحب والولاء والتوسل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)
كل إنسان سالك متحرر يدرك جيدًا أن السير في طريق الهداية والسلوك إلى الله والوصول إلى كمال القرب الإلهي، يتطلب أن يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأئمة الهدى من أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) وسائط للفيض الإلهي، ومن خلال وساطتهم تُمنح الكمالات للصالحين. ووفقًا للأحاديث،[۲۳] فإن مصداق الوسيلة في الآية الكريمة: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ»[۲۴] هم النجوم الساطعة في عالم الإنسانية الذين يستقبلون الفيض والكمال من المراتب العليا وينقلونه إلى الآخرين.
كان الشهيد الرفيع آية الله العظمى صدر منذ بداية جهوده يعتبر نفسه تلميذًا لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وكانت دعواته وزياراته في أضرحة الأئمة (عليهم السلام) ذات معنى عميق وهادٍ.
كما كان يعتبر نفسه مدينًا لمجاهدة وجهود أئمة الهدى (عليهم السلام) التي لا تتوقف، وكان يؤدي دينه باتباع مخلص لتعاليمهم السعيدة، ولم يتوانَ لحظة في هذا الأمر المهم.
ولم يكن هذا الارتباط من طرف واحد، بل إن أئمة الهدى (عليهم السلام) هؤلاء النجوم في سماء الفضيلة وهذه المناجم من الكرم والجود واللطف والصفاء، قد قبلوه كتلميذ مجتهد ومستحق، وأولوها عناية خاصة، وكان ذلك الإنسان البارز محل اهتمام وكرامة لديهم.
دليل على هذا الادعاء هو ذكرى ينقلها آية الله الحائري عن الشهيد آية الله العظمى صدر (ره):
«في أيام طلب العلم، كنت أزور حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) يوميًا لساعة، أجلس هناك وأتأمل في المسائل العلمية، على أمل أن أستلهم من بركات حضرته وأحل مشاكلي العلمية.
ولم يكن أحد يعلم بنيتي هذه، حتى انقطع هذا الأسلوب، فرأت أمي في المنام أن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لها (بالمضمون): قل لباقر لماذا ترك الدرس الذي تعلمه منا؟»[۲۵]
لقد استمر هذا الصفاء والحب الشديد دائمًا وتعمق يومًا بعد يوم؛ حتى كان عندما يزور قبورهم الطاهرة والنقية، يرى نفسه في حضورهم، وكان من علامات ذلك أقصى درجات الأدب والوقار مصحوبة بالحب والصفاء. يقول الشيخ محمدرضا نعماني، من المقربين والمرافقين له في رحلة العمرة: «ذهبت معه إلى زيارة قبور الأئمة الطاهرين في بقيع المدينة المنورة (عليهم السلام)، دخل ذلك الشهيد (قده) إلى مقبرة بقيع حافي القدمين بحالة خشوع وخضوع، وبدأ يزورهم بطريقة توحي بأن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) أمامه ويرى وجودهم، وكان ذلك في حالة كانت دموعه تنهمر باستمرار وروحه الطاهرة تحلق في عالم آخر، عالم كان مصحوبًا بعمق المحبة والولاية لأهل البيت (عليهم السلام)».[۲۶]
التواضع
كان آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قده) رغم رفعة مقامه العلمي والعملي، يتحلى بتواضع خاص، وهذا التواضع جعل من هذا القمة الشامخة والإنسان الكامل الذي كان يسير في أفق عالٍ من المعنى والمعرفة، شخصًا يسهل الوصول إليه والتقرب منه. لم يكن يرى نفسه أبدًا ولا يرى مهارته العلمية وكمالاته الأخلاقية النادرة. كان يتعامل بتواضع مع الجميع، مع الصغار وغير البالغين الذين كانوا يلجأون إليه لحل مشاكلهم الروحية وإيجاد إجابات لأسئلتهم، ومع تلاميذه ومحيطه وحتى مع خادم منزله، كان متواضعًا مع الجميع ولم يُرَ أبدًا يتفاخر على الآخرين.
في هذه الصفة الأخلاقية العظيمة، كان قدوته رسول الله الكريم محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يجلس على الأرض عند تناول الطعام ويقول:
إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد؛
فأنا عبد يأكل كما يأكل العبيد والخدم.[۲۷]
يقول أحد الإخوة المؤمنين، السيد مختار الأسدي، في هذا الصدد:
«لم يُرَ أبدًا ذلك الشهيد العظيم يشير بكلامه أو تصرفه إلى عظمة ورفعة مقامه أو دقته الفكرية، ولم يدّعِ أبدًا التفوق أو العلمانية؛ رغم أنه كان واعيًا لعبقريته ومهارته وكان الأصدقاء والأعداء والقريبون والبعيدون يعترفون بذلك… .
كان متواضعًا إلى حد أنه أصبح معروفًا بذلك. في كل مجلس يدخل إليه، يجلس في أي مكان متاح ولم يكن يطلب أبدًا أن يُعرف أو يُكرم أو تُقام له مراسم… .
كان يستمع إلى كلام الآخرين كما لو كان تلميذًا يستمع إلى كلام أستاذه، ولم يكن واضحًا أبدًا أنه أستاذ ومفكر بارز، وهذا كمال لا يُنال بسهولة ونادر جدًا.
كم من المفكرين الذين يتحدثون جيدًا لكن بسبب تميزهم وفوق العادة لا يستطيعون الاستماع بنفس الجودة إلى كلام مرؤوسيهم».[۲۸]
في مجلس عام أمام الحاضرين، سأل أحد الجهلاء ذلك الشهيد العظيم: هل أنت مجتهد أم طالب علم؟ فأجاب السيد الكبير بتواضع ووداعة وبكل سهولة: أنا ما زلت طالب علم![۲۹]
ويُذكر أيضًا أن ذلك الشهيد العزيز كان يشتري بنفسه حاجيات منزله من مأكولات وخضروات من السوق ويأتي بها إلى المنزل، واستمر هذا حتى قرب زمن مرجعيته. كان له حديث ودي مع التجار والبائعين كما لو كان يتحدث مع نظرائه وزملائه والعلماء.
كان متواضعًا إلى درجة أنه كلما جلبوا له طعامًا، كان يعطي أفضله لخادمه ويتناول هو من الباقي… كان ينشر مؤلفاته تحت اسم «محمد باقر صدر» ولم يضف أي مقدمة أو تعريف أو إشارة إلى شخصيته البارزة أو مقامات علمه، بل نشر بعض كتبه والعديد من بحوثه القيمة بدون ذكر اسمه.
رغم أنه كان في ذروة الكمالات والمقامات العلمية والروحية والدينية، كان يرتدي ملابس بسيطة، وكما ذُكر، كان يجلس في المجالس الرسمية بين التجار وطلبة العلم المبتدئين وأحيانًا بالقرب من باب المجلس.
لم يرضَ أبدًا أن يحصل على سيارة خاصة، ولم يسمح حتى بأن يُهدى له سيارة، وكان يستخدم وسائل النقل العامة في ذهابه وإيابه.[۳۰]
كان هذا التواضع النبوي لذلك الشهيد الكريم مستلهمًا من آيات القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى:
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛[۳۱]
«وخفض جناحك للذين آمنوا».[۳۲]
وقد ورد[۳۳] أنه كان يمتلك هذه الصفة منذ طفولته. يقول معلمه في المدرسة الابتدائية الذي أدرك عبقريته وذكاءه الفائق: إلى جانب ذلك، كان تواضعه شيئًا عجيبًا، ولم أرَ أبدًا أنه ادعى أو تفاخر على زملائه بسبب معلوماته وعبقريته.
التواضع في هذه السن المبكرة يدل على طهارة ذاته وأصالة عائلته وتربيته العالية. هذا التواضع تعمق وتزايد مع نموه العلمي والاجتماعي، حتى أنه في يوم من الأيام أثناء تدريسه مسائل الفلك وسؤاله أحد تلاميذه قال له: «افترض أنني تلميذك، فسّر لي الجواب!!»[۳۴] هذا السلوك المتواضع والرحيم نادر الوجود.
يقول السيد فاضل نوري في هذا الصدد: «كان يتحلى بتواضع علمي؛ بحيث كان روح التواضع تسود دروسه ومؤلفاته، وكان يذكر أساتذته بتقدير ويعرض آرائهم ونظرياتهم بأفضل صورة ممكنة وأحيانًا أفضل من أنفسهم، رغم أنه كان يراها خاطئة. وكان ينتقدها بأدب خاص.
أثناء التدريس، كان يصمت ويستمع جيدًا أمام ملاحظات تلاميذه سواء كانت في محلها أو خارجه.
كان تواضعه تواضعًا شاملاً وصادقًا قرآنيًا؛ كل لحظات حياته المليئة بالبركة تشهد على ذلك. حتى أنه لوحظ أنه بالرغم من مقامه كمرجع وقيادة للأمة الإسلامية، كان يقف عند لقاء بعض النساء المؤمنات، وكان يقف أيضًا عند الوداع حتى تبتعد تلك النساء عنه».[۳۵]
نختم هذا الجزء المهم من خصائص ذلك الشهيد البارزة بتواضعه أمام الإمام الخميني. فقد قال مرارًا: «لو أمرني الإمام الخميني بأن أكون ممثله في قرية، فسأطيع وأنفذ أمره».[۳۶]
أخلاقه مع أهله وعائلته
من الواضح أن إنسانًا بارزًا كهذا يتصرف بسخاء وبناء مع أسرته، تصرف يرافقه الإرشاد والمودة والتواضع، ولا يحمل أي نوع من التكبر أو السعي للتفوق. حتى أنه قال مرة بمناسبة: «لم أقل لزوجتي أمرًا آمريًا حتى مرة واحدة في حياتي، ولم أقل لها أحضر لي الماء».[۳۷] كما ورد: «عندما ذهبت زوجته لزيارة ابنتهما في كاظمين وكان الشهيد الصدر بحاجة إليها، لم يطلب منها العودة، بل اتصل بها هاتفياً للسؤال عن حالها، وكانت هي نفسها تدرك حاجته دون أن يطلب منها أو يشير إلى ذلك».[۳۸]
يقول السيد فاضل نوري في هذا الصدد:
«كان الشهيد الصدر يتعامل مع والدته بتواضع كبير ومصحوب بالتبجيل والاحترام، وكان يتصرف معها بخضوع وأدب كاملين، حتى كان يفرح قلب والدته، وكانت والدته دائمًا تشكر الله على وجود هذا الابن، وكانت تدعو أن تعيش معه ما دامت على قيد الحياة. وكان ذلك الشهيد العظيم وفيًا جدًا في هذا الجانب، وكما كان النبي محمد (صلى الله عليه وآله) يتعامل مع فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ابنته العزيزة، كان هو يتعامل مع والدته، بمعنى أنه عندما يدخل البيت، كان يحييها أولاً ويذهب إليها لينحني ويقبل يد والدته ويسأل عن حالها. وعند الوداع، لم يكن ينسى تقبيل يد والدته والتواضع معها وطلب الدعاء منها، وكان دائم السعي لنيل رضا والدته، وكان يعتبر تكريمها واحترامها واجبًا عليه، ويسعى لمساعدتها.
وكانت هذه المحبة والود إلى درجة أن بعده عن والدته كان صعبًا جدًا ومؤلمًا، وعندما جاء رجال النظام البعثي لاعتقاله، كانت والدته تريد الذهاب معه إلى السجن، لكنهم منعوها ولم يسمحوا لها… .
وكان تعامل الشهيد الصدر مع زوجته في بعض الجوانب مشابهًا لتعامله مع والدته؛ فقد كان يؤدي جميع حقوقها كواجب، ولم يترك فيها نقصًا، وكان مخلصًا لها ويحبها، ويعظمها أمام الآخرين… .
وكان هذا السلوك البناء والسخي سببًا في أن تكون زوجته أيضًا وفية ومهذبة وصافية، وكانت تسعى بكل جهد لنيل رضا زوجها المرحوم الشهيد الصدر، وكانت تحبه كثيرًا، ولم تكن يومًا غاضبة منه أو تقول له كلامًا قاسيًا، وكان همها توفير السكن والراحة لزوجها في البيت، لأن[۳۹] جِهَادُ الْمَرْأَهِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ؛[۴۰] جهاد المرأة هو حسن التبعل».
تصرف الشهيد مع أخته بنت الهدى
«أظهر الشهيد العزيز آية الله العظمى الصدر سلوكًا رائعًا في الأخوة مع أخته. كان يعتبرها مثل نفسه، لأنهما من أب وأم واحدين ومن نفس الجذر، وكان يعتني بها كأحد أعضاء جسده، ولهذا كان بينهما علاقة قوية إلهية ومودة قلبية تامة مصحوبة بالتكريم والاحترام.
عندما أدرك الشهيد الصدر أن أخته تستحق المسؤولية والنمو والتكامل، أولى لها اهتمامًا خاصًا وسعى لتقوية علاقتها بالله، حتى تصبح من عباد الله الصالحين. كما علمها في مسائل الدين والشريعة لتتمكن من أداء دور جيد في خدمة الدين وأمة الإسلام.
حقًا، كانت هذه الأخت العزيزة تستحق هذا النمو والتكامل، ونمت نموًا جيدًا، وبلغت درجات عالية من القرب الإلهي؛ بحيث تنازلت عن كل شيء من أجل رضا الله فقط، ولم تكن تسعى لرضا الآخرين. تجاوزت مظاهر الدنيا الزائلة لتصل إلى بهجة وسرور الآخرة ومقام الصدق عند الرب القوي.
كان الشهيد الصدر يوجهها في كل الأمور، وكان يطلع على كتاباتها ويراقب آثارها الفكرية ليكون عملها خاليًا من العيوب.
وكانت تلك الأخت القديرة تتعامل مع أخيها بأدب خالص ومخلص، وتستمع إلى كل طلباته وحتى رغباته، وتعمل بها، خصوصًا أنها كانت تعلم أن أعماله وتصرفاته وآثاره ستُحسب على أخيها آية الله العظمى الصدر؛ ذلك الأخ العزيز الذي كان أخًا وأبًا حنونًا وأستاذًا ومربيًا لها.
وكانت الشهيدة الرفيعة بنت الهدى الصدر، بوصفها وكيلة آية الله الصدر في كثير من الأمور، لا سيما في ما يتعلق بتوجيه وتربية البنات والنساء، قد اضطلعت بدور جيد وتركّت آثارًا طيبة؛ لأنها كانت نموذجًا جيدًا جدًا للمرأة الكاملة والمربّاة في حضن الإسلام المحمدي الأصيل (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ذات التربية التي كان الشهيد العظيم لثورة العراق الإسلامية، آية الله الصدر، مسؤولًا عنها.
وكانت هذه التربية الإسلامية للشهيد الصدر سببًا في أنه بالرغم من أن والدته وزوجته وأخته كانوا يعيشون معًا في هذا البيت، لم يكن هناك أي خلاف أو مشاجرة بينهم، بل على العكس، كان البيت كله يسوده التوافق والصفاء والمودة المتبادلة.
إذا ذهب أحد هؤلاء الثلاثة إلى مكان ما، كان الاثنان الآخران يشعران بحزن شديد. كان سلوك الشهيد صدر مع أبنائه أيضًا بناءً ومليئًا بالدروس، حيث كان روح الأخلاق الإسلامية تسود جميع أفعاله، وعلى الرغم من انشغاله بالعديد من الوظائف الاجتماعية والعلمية، كان يخصص جزءًا من وقته لشؤون أبنائه مثل متابعة دراستهم وحتى الألعاب الفكرية التي تحمل طابعًا تربويًا.[۴۱]
احترام آراء الآخرين والتعامل باحترام ومحبة مع المخالفين
من الصفات الأخلاقية للشهيد آية الله العظمى صدر احترام آراء ونظريات العلماء الآخرين.
حتى إذا كان الخطأ والباطل في نظرية ما واضحًا له، لم يكن يقلل من شأنها أو يسخر منها؛ مع أن هذه الأمور كانت شائعة بين معظم العلماء الكبار الذين يستخدمون تعبيرات مثل «هذا مما يضحك به الثكلى» أو «هذا ممّا لا يصدر عمن له ادنى معرفه». كان الشهيد صدر دائمًا يحترم أفكار الآخرين ويثني على أصحابها.[۴۲] وكان يلتزم بهذا الأسلوب أيضًا مع إخوانه من أهل السنة، مما أدى إلى تأليف القلوب وجذبهم.
«كان الشهيد صدر(ره) في تعاملاته العلمية وغير العلمية يحترم العلماء وكذلك عامة أهل السنة. لم يكن يرى عدم الاحترام لمعتقداتهم أمرًا جائزًا، وعلى هذا الأساس كان يذكر الخلفاء باحترام في مؤلفاته… يكتب سيد حسين صدر في هذا الصدد: لم تكن مناقشاته من الناحية المذهبية تحمل أي نوع من التفرقة أو السخرية من إخوانه أهل السنة، بل كانت دائمًا تعكس الوجه الأصيل للمذهب والأصالة في القضايا والأفكار الإسلامية، ولهذا السبب قُبل من إخوانه علماء أهل السنة حتى أنهم كانوا يلجأون إليه في مختلف المشاكل ويطلبون رأيه.
… بالنظر إلى التاريخ ندرك أن من بين الكتابات والكلمات والحوارات، كانت تلك التي تحافظ على الأدب ولم تتجاوز حدود الاعتدال هي المفيدة والمثمرة.
يمكن رؤية أمثلة على ذلك في المراجعات لسيد شرف الدين وتعامل الشهيد صدر (ره) مع الدكتور تيجاني السماوي، حيث يقول الدكتور تيجاني: لقد استمتعت كثيرًا بكلامه وأفعاله… في هذا اللقاء تأكدت أن الشيعة مسلمون ويعبدون الله وحده ويؤمنون برسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
تيجاني الذي أعجبه معتقد الوهابية بدأ يشكك في معتقداته السابقة من خلال تعامل محسوب ومحب مع الشيعة، وأيقن بأنهم مسلمون، ويقول في لقاءه مع الشهيد صدر(ره): تأكدت أنه إذا بقيت معه شهرًا سأصبح شيعيًا، فقررت أن أبقى عنده عدة أيام، وخلال هذه الفترة لم أنظر إليه إلا وكان يبتسم لي ويقول: هل لديك أمر، هل تريد شيئًا… .
بقي تيجاني في خدمة الشهيد صدر(ره) لأربعة أيام وسأل عن كل الشبهات التي لديه، منها: شهادة الولاية لعلي في الأذان، العزاء، تزيين قبور الأئمة والأولياء بالذهب والفضة، التوسل والتبرك، معتقد الشيعة تجاه الصحابة… .
كان الشهيد صدر يجيب على أسئلته بطريقة مستدلّة ومختصرة دون أن يسيء إلى معتقدات الآخرين.»[۴۳]
التسامح والعفو (الصفح)
من الصفات والمكارم الأخلاقية البارزة الأخرى للشهيد صدر، كانت روحه المتسامحة والعفوية تجاه الزلات والأخطاء التي يرتكبها الآخرون بحقه. كان هذا العالم الجليل يتجاوز بسهولة عن الظلم الذي كان يُرتكب بحقه من قبل الآخرين بسبب الجهل أو الغفلة وأحيانًا عن قصد، ومن الواضح أن هذه الصفة الأخلاقية من المكارم التي ذُكرت في الروايات كواحدة من أفضل القيم الأخلاقية:
قال الباقر (عليه السلام): ثَلَاثَهٌ مِنْ مَكَارِمِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَهِ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَ تَحْلُمَ إِذَا جُهِلَ عَلَيْكَ؛[۴۴]
قال الإمام باقر (عليه السلام): ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمن ظلمك، وأن تصل من قطعك، وأن تتحلم إذا جهل عليك.
كان في هذه الصفة التي تشبه صفات محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نموذجًا كاملاً من الرحمة واللطف ومثالًا عظيمًا لهذه الآية الكريمة:
فَبِما رَحْمَهٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَليظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ؛[۴۵]
بفضل رحمة الله، كنت لينًا معهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك.[۴۶]
والآن نورد أمثلة من عفوه الكريم التي تدل على عظمة وسمو روحه:
١- عند طرد الطلاب الإيرانيين من العراق، رأيت طالبًا جاء لتوديع الأستاذ الشهيد، وكان من الذين لم تكن تربطه علاقة جيدة بالأستاذ، لكنه بكى عند الوداع كما لو أن أعز أحبائه يفارقه، ولم يكن بينهما أي ضغينة أبدًا.[۴۷]
٢- علم الشهيد صدر(ره) أن أحد أبناء المراجع قال لرئيس أمن النجف: لماذا لا تتخذون إجراءً ضد صدر؟ ماذا تنتظرون؟ هل تريدون أن يظهر خميني آخر في العراق؟ لماذا لا تعدمونَه؟!! عندما وصل هذا الكلام إلى الشهيد العزيز قال: «غفرالله لك يا فلان إن قتلوني اليوم قتلوا غدًا»؛ رحمه الله يا فلان! إن قتلوني اليوم سيقتلونكم غدًا. ولم يقل شيئًا آخر.[۴۸]
هذا النوع من التصرف هو تجسيد واضح لعمل هذه الآية الكريمة:
خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلينَ؛[۴۹]
عامل معهم وادع الناس إلى الأعمال الصالحة وما يراه العقل مناسبًا وقد وصفه الله بالحسن، وابتعد عن الجاهلين ولا تجادلهم».[۵۰]
٣- في يوم من الأيام، وصلته رسالة، فتحها وقرأها: والدي، معلمي، مرشدي، سامحني! لقد أسأت إليك وظلمتك بجهل، واتهمتك بالانحراف عن الإسلام وكررت هذا القول الباطل في كل مكان، ولعبت بسمعتك العلمية والدينية! والآن انكشفت لي الحقيقة وأيقنت ببراءتك وذنوبي. لا أملك سوى الخجل والندم، وأحترق في نار الندامة والعار، فاغفر لي… .
آية الله صدر (قده) بعد قراءة الرسالة، أخذ القلم وكتب ردًا على ذلك الشخص: «أنت كابني العزيز! ومن حق الآباء أن يغفروا ذنوب وأخطاء أبنائهم. لقد سامحتك، فكن مطمئنًا، وأسأل الله أن يوفقك».[۵۱]
٤- ذات مرة جاءه أحد أفراد جهاز المخابرات والأمن البعثي ليعتذر له؛ لأنه أثناء اعتقال الشهيد صدر (قده) كان قد وضع الأصفاد في يده، فرد الشهيد صدر على اعتذاره قائلاً: «الابن قد يخطئ ويذنب أحيانًا، لكن على الأب أن يكون أبًا ويحافظ على حالته الأبوية تجاه ابنه!» نعم، كان يتعامل هكذا حتى مع أعدائه.[۵۲]
الحنان والرحمة الأبوية ومحبة الناس
كان الشهيد الجليل آية الله العظمى سيد محمد باقر صدر حريصًا كل الحرص على المسلمين وأبناء جنسه. كان تعامله مع جميع أفراد المجتمع تعاملاً رحيماً وبناءً، مصحوبًا بوجه منفتح وبشوش قلّ نظيره.
كان يعتبر جميع الشباب وأفراد المجتمع كأبنائه، ويهتم بمشاكلهم وأسئلتهم قدر الإمكان، وكل من التقى به شعر بهذا الشعور من اللقاء والحوار الأول. حتى مع معارضيه كان يتحلى بهذا الخلق الأبوي. كان يرى نفسه في خدمة الجميع، ويعتبر أحزان وانحرافات ومشاكل الآخرين مشاكله هو، كما كان الأنبياء والأوصياء الإلهيون يفعلون.
«كان قلبه المفتوح والمشتعل مفعمًا بالحب والاهتمام بالآخرين. كان يتحمل أحزانهم وأوجاعهم بحيث لم يشعر بالراحة أبدًا. كان يتألم لألم ومشقة المحرومين في كل أنحاء العالم، وكان يفكر في الحلول.
عندما علم باعتقال أحد الإخوة المؤمنين غير المرتبطين به من قبل حكام البعث في كربلاء، حزن، وعندما سأله تلميذه عن سبب حزنه، قال: «نادراً ما يحدث أن أحزن لأموري الشخصية، حزني وتأثري يكون من أجل المسلمين».[۵۳]
مثال آخر على أخلاقه الأبوية يعود إلى حين سمع خبر استشهاد الخمسة شهداء (الشيخ العارف ورفاقه). «حزن كثيرًا واشتعلت روحه المشتعلة، واحتراق قلبه وروحه في نار الفراق لهؤلاء الأعزاء، مرض لعدة أيام، ولم تستطع قدماه الحركة، ولم يتناول الطعام لمدة ثلاثة أيام، ولم يستطع حضور مجلس التدريس، وبكى طويلاً على فراق مظلومية تلاميذه ورفاقه الذين كانوا عبادًا صالحين لله ودعاة شجعان ومستحقين للدين.
في يوم جلس وحيدًا في مكتبته يبكي متذكرًا رواد فصل الشهادة في الثورة الإسلامية في العراق، فذهب إليه الشيخ محمد رضا نعماني الذي كان في بيت الأستاذ وقال له: أستاذ، إذا كنت أنت بهذا القدر من القلق، فماذا يفعل أمثالي؟ أنت رمز الصبر والثبات، فلماذا تبكي كل هذا البكاء؟!
مسح آية الله صدر (قده) دموعه وقال: «يا ولدي العزيز نعماني! والله لو أعطاني البعثيون الخيار بين قتل هؤلاء الخمسة أو قتل أبنائي، لكنت فضلت إعدام أبنائي ولم أسمح بقتل هؤلاء الخمسة؛ لأن الإسلام اليوم بحاجة إليهم وليس إلى أبنائي الصغار!… ومحبتّي الشديدة لهؤلاء الخمسة العظام هي من أجل الإسلام والقرآن وليس من أجل تعلق شخصي أو عاطفي».[۵۴]
«عندما توفي أحد تلاميذه ويدعى سيد عبد الغني أردبيلي في حادث سير في إيران، تأثر كثيرًا. [الشهيد] ذكر هذا الحزن والتأثر في مقدمة كتاب حلقات أصول، ودعا له، ووهب ثواب ذلك الكتاب القيم لروح تلميذه.
عندما كان يعلم بمشاكل مالية للطلاب واحتياجهم للمساعدة في متطلبات الحياة وكان عاجزًا عن ذلك، كثيرًا ما كانت دموعه تنهمر، وهي دموع تعبر عن قلبه الطيب والحنون، وكان يسعى لحل تلك الاحتياجات ويوصي بإبلاغه بحالات مماثلة.»[۵۵]
«كان يلتقي بالطلاب عن قرب ويسأل عن أحوالهم ومشاكلهم، وكانوا يجدونه طيبًا جدًا لدرجة أنهم كانوا يطرحون عليه مشاكلهم الخاصة بطريقة لا يطرحونها حتى على أقرب الناس إليهم.
كان ذلك المرجع العظيم والرفيع المستوى يزور الطلاب حتى عندما يتزوجون أو يستقرون في بيت جديد.»[۵۶]
«حتى مع خادم بيته الذي هاجر من العراق، كان يحافظ على لطفه وصفائه ووفائه، والرسالة التي كتبها لخادمه تدل على عظمة روحه.»[۵۷] يقول الشيخ محمد رضا نعماني في هذا الصدد: «كان خلقه فطريًا، ولم يكن يعرف المجاملة التي تخفي ما هو غير حقيقي، كان يحب الناس من أعماق قلبه وزوايا روحه.
كان يحب للآخرين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه. كان يفضل الآخرين على نفسه… كان شديد الحزن على الناس، وهذا من أبرز نقاط حياته. حزنه لم يكن مجاملة أو تصنعًا بل كان حزنًا حقيقيًا.
كان يدرك معاناة الناس ويسأل عن أحوالهم ويتعاطف معهم، وهذا الأمر جعل كل من يراه يحبه ويُفتن به بطريقة مدهشة.»[۵۸] سر هذا الحب تبيّنه الآية الكريمة من القرآن:
إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا؛[۵۹]
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن محبة في قلوبهم.
«كان الشهيد الصدر (قده) يتعامل مع كل زائر بمحبة ووجه بشوش ومبتسم، حتى يظن هذا الشخص أن الشهيد الصدر يحبه بهذا القدر فقط… وهذه الحالة من العطف والرحمة والسلوك المتواضع جعلت بعضهم ينتقده ويعاتبه. بل إن بعض الذين كانوا مستائين من شهرته وعظمته وقبوله، ولم يجدوا نقطة ضعف في شخصيته، كانوا يهاجمونه مرات عديدة بطريقة مدهشة ويقولون: السيد الصدر شخص عاطفي ولا يصلح لمرجعية وقيادة الناس!»[۶۰]
وكان هذا التعامل المفعم بالعاطفة من الشهيد الصدر واضحًا حتى تجاه أعدائه، وهذا ما كان يسبب تأثيرًا وهداية لبعضهم. في فترة كانت فيها دار آية الله الصدر (قده) محاصرة من قبل قوات البعث، وبعد مدة من بدء الحصار «كانوا لا يسمحون لأحد بالدخول إلى دار آية الله الصدر (قده) سوى عدد قليل من تلامذته ومعارفه. في يوم من الأيام، كان الشيخ محمدرضا نعماني نائمًا في مكتبة آية الله الصدر (قده) حوالي الساعة ٢:٣٠ بعد الظهر. نادى عليه آية الله الصدر، فنهض نعماني وخرج من المكتبة. رأى الأستاذ واقفًا في الممر أمام النافذة ينظر إلى الخارج ويقول بهدوء: لا حول و لا قوه الا بالله العلى العظيم، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ … .
سأل نعماني بدهشة: ماذا تقول يا حضرة الأستاذ؟ إن شاء الله خير!…
قال آية الله الصدر (قده): «اقترب وانظر إلى هؤلاء الجنود والضباط (الذين كانوا يحاصرون الدار من كل جانب) كيف هم في هذا الظهيرة الصيفية تحت الشمس الحارقة، كلهم عطشى وعرقهم يتصبب من جباههم… .
ولا يوجد حتى قائد واحد منهم في هذا الحر، عند هؤلاء! أشفق عليهم! ليتنا نستطيع أن نعطي هؤلاء المساكين ماءً باردًا ليشربوه.
قال نعماني: سيدي! هؤلاء جماعة مجرمون وقطاع طرق، وقد حاصروك بوحشية وقسوة منذ شهور، وأرعبوا عائلتك وأولادك، وقطعوا اتصالك بمعارفك وتلاميذك والمسلمين، وأيديهم ملطخة بدماء أبناء هذا الوطن الأحرار! كيف ترحمهم؟
بعد قليل من التأمل، رفع آية الله الصدر رأسه وقال بهدوء: نعم كلامك صحيح وأتفهم شعورك المؤلم والإنساني؛ لكن من الجيد أن تعلم أن انحراف وبؤس هؤلاء إما بسبب عدم تهيئة الظروف الزمنية والاجتماعية، أو لأنهم لم ينشأوا في أسرة سليمة ولم يتلقوا تربية صحيحة… هذه العوامل مجتمعة هي التي أدت إلى شقاوتهم وانحرافهم، وإلا فهم أيضًا كانوا سيصبحون متدينين ومؤمنين. لذلك من اللائق أن نرحمهم أيضًا.
لم يقل نعماني شيئًا، وكان مندهشًا أمام عظمة الروح وقلب الأستاذ الرحيم. مرت دقائق. نادى آية الله الصدر حاج عباس، خادم الدار، وقال: خذ بعض الماء البارد واذهب إلى الجنود والضباط الذين تمركزوا حول دارنا، فهم عطشى!
وبفضل هذا السلوك الكريم من آية الله الصدر، أصبح كثير من الجنود والضباط خلال فترة حصار الدار من أتباعه ومحبّيه، واشتبكوا مع القادة ورؤساء جهاز المخابرات من أجله، وبعضهم أُعدم بسبب ذلك!
في يوم جاء نعماني بخبر إعدام بعضهم إلى آية الله الصدر، فحزن كثيرًا، ثم قال: يا ولدي، الآن رأيت أن كثيرًا من هؤلاء انحرفوا بسبب عدم تهيئة البيئة التربوية والاجتماعية! لذلك يجب أن نتحلى بالصبر تجاه من يظهر عليهم بعض الانحراف، ونتعامل معهم بلطف ورحمة؛ لأن انحراف وشقاوة كثير من الناس ظاهريّة، ناتجة عن سلوك غير لائق من الأسرة والمجتمع وبيئة العمل… لكن فطرتهم سليمة ونقية، وبالسلوك اللطيف والإنساني يمكن هدايتهم إلى الطريق الصحيح وإرجاعهم إلى الفطرة السليمة الإلهية.[۶۱]
كانت أجنحة محبة وقيادة الشهيد تشمل جميع المسلمين من كل قومية وجنسية، وكان حريصًا ورحيمًا تجاههم جميعًا، وكرّس كل جهده وجهاده الدموي من أجل الواجب الإلهي في سبيل إنقاذهم جميعًا.
في رسالة موجهة إلى شعب العراق يقول: «أخي السني وأخي الشيعي وأخي الكردي وأخي التركماني؛[۶۲] أخي السني وأخي الشيعي وأخي الكردي وأخي التركماني!…» وهذه كلها تدل على الروح السامية والرحمة النبوية لذلك الشهيد المبارك.
الزهد
الزهد يعني عدم التعلق بالدنيا ومظاهرها الدنيوية. يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في نهج البلاغة[۶۳]:
الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال الله سبحانه «لِكَيْلا تَأسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُم».[۶۴]
كان الشهيد العظيم آية الله العظمى الصدر، بحكمته وفطنته، وبمجاهدة نفسه، قد بلغ مرتبة عالية من المعرفة، ونال لطفًا خاصًا من الله تعالى.
لقد بلغ حقًا درجات عالية من الزهد في الدنيا، وهو الزهد الذي يتصف به السالكون والعارفون. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مَن زَهَدَ في الدنيا أَنبتَ الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وبصَّره عيوب الدنيا، داءها ودواءها وأخرجه من الدنيا سالماً إلى دار السلام؛
من زهد في الدنيا ثبت الله الحكمة في قلبه، فتكلم لسانه بها، وأبصر عيوب الدنيا وعللها ودواءها، وأخرجه من الدنيا سالمًا إلى دار السلام (الجنة).[۶۵]
ويقول الأستاذ الفاضل آية الله الحائري، تلميذ الشهيد الصدر البارز في هذا الصدد:
«كان يعيش حياة زاهدية وشاقة من الناحية المعيشية، سواء في زمن الدراسة أو في زمن التدريس، وحتى عندما بلغ مرتبة المرجعية.
كان ذلك الشهيد الرفيع يقول: في زمن الدراسة كنت أعيش في فقر شديد، ومع ذلك عندما أستيقظ صباحًا، كنت أنشغل بالدراسة والبحث حتى أنسى كل شيء، وعندما تطلب الأسرة الطعام، كنت أحتار ماذا أفعل.
وعندما كان مدرسًا مشهورًا، كان يعيش في ضيق، في ذلك الجو الحار في النجف، لم يكن في منزله أي وسيلة للتبريد، ومكان درسنا، وهو ضريح آل ياسين، لم يكن فيه أي وسيلة تبريد، وكان من المعتاد في حوزة النجف أن الدروس لا تتوقف في الصيف.
وذات يوم جاء المرحوم السيد عبد الغني إلى منزله وقال: «يا آقا! في هذا الحر الشديد، الطلبة الذين يحضرون دروس حضرتكم يعانون كثيرًا، دعنا نشتري مكيف هواء ونركبه في مكان الدرس. أستطيع أن أجهزه لكم بأرخص سعر، وبطريقة تقسيط تدفعون فيها فقط دينارين شهريًا.»
خجل الأستاذ من أن يقول: ظروفي الاقتصادية لا تسمح، فصمت. ففهم المرحوم السيد عبد الغني الأذربيلي صمت الأستاذ الشهيد كعلامة على الموافقة، فاشترى المكيف وأحضره، وعندما علم الأستاذ بذلك تغيرت ملامحه من التفكير في كيفية دفع المبلغ. وفي فترة المرجعية، عندما كانت تصل إليه الأموال الشرعية، كان يقول: لقد علمت ابنتي أن هذه الأموال ليست لنا، فلا تتوقع أن تُصرف على المصاريف الشخصية. وكانت هذه الطفلة أحيانًا عندما تصلها أموال من الآخرين تقول: والدي يملك مالًا كثيرًا لكنه ليس له!»[۶۶]
يقول أحد المقربين من الشهيد آية الله العظمى الصدر:
«عشت مع السيد الشهيد، وهو لم يكن يملك شيئًا بارزًا. ما كان يملكه كان مماثلًا لما يملكه باقي المراجع: من أموال شخصية، وحقوق شرعية، وهدايا… لكنه كان دائمًا على حال… لم يكن الشهيد الصدر يمتلك سيارة، رغم أن شخصًا خيرًا أهداه سيارته التي كانت ثمينة جدًا في زمانها وكان بحاجة ماسة إليها، لكنه باعها ووزع ثمنها بين الطلبة والمحتاجين.
كان هذا هو حاله في جميع جوانب حياته، وكانت حياته الخاصة على هذا المنوال، وقد ربى أهله وأولاده على هذا النهج.»[۶۷]
«كان سجادة بيته مجرد حصيرتين بسيطتين، وعندما طلبت زوجته سجادة رخيصة لمنع البرد، أجابها: لا أقبل هذه المسؤولية، إن أردت فاشترِ السجادة من مالك الخاص وتحملي المسؤولية، فامتنعت زوجته عن ذلك.»[۶۸]
في يوم من الأيام أهداه تاجر عراقي عباءة صوفية غالية الثمن، وعندما غادر ذلك التاجر، أهدى الشهيد الصدر العباءة إلى طالب كان جالسًا في المجلس.[۶۹] «لم يكن المرحوم الشهيد الصدر (قده) يقبل الهدايا التي عادة ما يقدمها الناس تكريمًا للعلماء وتيسيرًا لهم في طلب العلم، وكان يحاول أن ينفق هذه الهدايا في مصالح عامة مثل بناء المدارس والمساجد والمؤسسات الاجتماعية. ذات يوم سأل أحد تلاميذه الأستاذ: هل لديك منزل خاص؟ فأجاب: نعم. فسأله التلميذ: أين هو؟ فأجاب: في الجنة، إن شاء الله»[۷۰]
وفي استكمال هذا المحور التعليمي من حياة وسلوك الشهيد الرفيع آية الله العظمى الصدر، نشير إلى نماذج أخرى مؤثرة من زهد الشهيد الصدر (قده) نقلًا عن السيد الشيخ محمد رضا نعماني، تلميذه:
١- كان ذلك الشهيد العزيز في لباسه يراعي الزهد قدر الإمكان، رغم أنه كان بإمكانه استخدام أفخر الأقمشة، والله يعلم أنني لم أر عباءة يزيد سعرها عن خمسة دنانير عراقيين، رغم أنهم كانوا يهديونه أنواعًا من الأقمشة والملابس الفاخرة. وكان ذلك الشهيد العزيز يأمرني بحفظ الأقمشة المهداة لتوزيعها في الوقت المناسب بين الطلبة.
سمعت من ذلك السيد الشهيد يقول: من الضروري أن يكون مستوى حياتي وأنا في مقام المرجعية مثل مستوى حياة الطلبة العاديين.
٢- في الطعام أيضًا كان ذلك الشهيد السعيد (قده) على هذا المنوال، كان يحاول أن يقضي شؤون نفسه وعائلته بأبسط الأشياء، وكان نظام ذلك البيت أن زوجته الكريمة تكتب يوميًا حاجيات المنزل على ورقة صغيرة وتعطيها للسيد المحقق الخادم ليحضرها، وكان ذلك الشهيد العزيز يأمرني بالإشراف على هذا الأمر حتى لا يُحضر شيء غير معتاد، وأحيانًا كان هو نفسه يشرف على ذلك ويقول: كلما استعمل الناس عمومًا الفاكهة، جهزوا الفاكهة للبيت.
٣- ذلك الشهيد العظيم لم يقم طوال حياته المباركة وحتى لحظة استشهاده بشراء منزل خاص به، وقد تكرر أن بعض الأشخاص أرادوا شراء منزل خاص له لكنه لم يقبل، حتى أن تاجراً بصرياً أصر على ذلك فقال: ما دامت جميع الطلبة غير قادرين على شراء منزل، فلن أشتري منزلاً، وبعد ذلك سأكون آخر من يشتري منزلاً.[۷۱]
وفي هذا الصدد توجد رسالة بخط ذلك الشهيد العزيز تدل على ما ذُكر. [۷۲]
وقد رُويت نماذج أخرى في هذا الشأن نكتفي بهذا القدر منها.[۷۳] يصف تلميذه زهد الشهيد صدر قائلاً:
«كان زهد ذلك الشهيد مقتدياً بزهد علي(عليه السلام) وزهد أهل البيت(عليهم السلام)، كان زهدًا إسلاميًا حقيقيًا وزهدًا قهريًا. كان ذلك المرجع الرفيع الزهد في حين أن الدنيا بكل مظاهرها كانت متجهة إليه وفي يده. كأنه يقول: «يا دنيا غرّي غيري». لم يكن زهد معظم له مجرد دقة نظر وتشدد في صرف الأموال الشرعية؛ لأنه كان يستطيع من خلال طرق حلال ونظيفة أخرى أن يوفر لنفسه وسائل رفاهية جيدة… .
صحيح أن الزهد فضيلة عظيمة تؤدي إلى تطهير النفس وتنقيتها وتقرب الإنسان إلى الله عز وجل، لكن الشهيد العظيم آية الله صدر كان لديه هدف أكبر من هذا الزهد، وهو الدفاع عن كيان المرجعية والقيادة في الإسلام. كان يريد أن يقدم نموذجًا كاملاً بلا عيب من جهاز المرجعية، مرجعية فدائية علويّة تكتفي بتمرتين وقطعتين من الخبز، كما كان يفعل علي(عليه السلام).
وكان هذا النهج أفضل دعاية للإسلام، والأهم من ذلك أنه كان يغلق أفواه الناقدين والمشائين على غير هدى. لذلك جمع بين فضيلتين بزهد علي عليه السلام، التقرب إلى الله بزهد النفس والدفاع عن دين الله بتقديم قيادة شعبية تمامًا؛ قيادة تعرف ألم المحرومين وتعيش على مستواهم وتخدمهم.»[۷۴]
اللهم صل وسلم وارضَ عنه، فقد كان تجسيدًا للفضائل والأخلاق الإلهية.
الشجاعة
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ؛[۷۵]
اعلموا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.[۷۶]
الشجاعة من الصفات النفسية القيمة التي تنبع من يقين الإنسان بعدم قيمة الحياة الدنيا واطمئنانه ليوم الجزاء وحقائق الغيب. المؤمن الشجاع لا يخاف إلا الله، ويقدم أداء الواجبات الإلهية والشرعية على كل شيء، ولا يساوم عليها، وبعبارة أخرى، لا يسمح للخوف من صعوبة الظروف أن يدخل قلبه.
ومن الجدير بالذكر هنا أنه كلما اشتدت التهديدات والمصائب، يتضح مقدار ودرجة شجاعة الأفراد. في هذا المجال يمكننا أن نضرب مثالاً لشجاعة جنود الميادين الحربية الذين رغم الصعوبات والمخاطر الحقيقية من الجبهة المقابلة، لم يدخل الخوف إلى قلوبهم ودخلوا ميادين البلاء والمحن.
ومن النقاط الأخرى أنه إذا كان الشخص صاحب موقع ومنصب في المجتمع، وتجاوز كل ذلك في سبيل هدفه السامي، ولم تمنعه أشد أنواع التعذيب والعنف والتهديدات الحقيقية من أداء واجبه الشرعي، فإن درجة شجاعته تكون عالية جدًا.
كان الشهيد الرفيع آية الله صدر قد ورث الشجاعة عن أجداده المطهرين المعصومين(عليهم السلام).
وقد أدرك أن واجبه هو محاربة حزب البعث والحكام الظالمين في العراق، فلم يمنعه شيء من هدفه، وكان يصدر الفتاوى الصريحة والشجاعة، وكان هو نفسه يتقدم الجميع إلى ميادين العمل.
في هذا الصدد يمكننا أن نعتبر ذلك العزيز الراحل نداً ورفيقاً للإمام الخميني (ره)، إذ أن الإمام الخميني في عام ١٣٤٢ هـ ش رغم التهديد بالإعدام واطمئنانه إلى أن نظام الشاه السفّاك سيقدم على ذلك، دخل ميدان المواجهة العلنية مع النظام الأمريكي للشاه، وكان الشهيد صدر قد تيقن أن النظام الإجرامي في العراق سيقتله لكنه لم يتراجع خطوة واحدة، ووقف وحيدًا في وجه النظام المستبد المدعوم من القوى الكبرى في الشرق والغرب.
«عندما قيل له إن حكام البعث يخططون مكيدة لقتله في طريقه إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) بحادث اصطدام مصطنع، قال: لا يهمني كيف أموت، فالموت مرة واحدة فقط…».[۷۷]
وهناك أمثلة أوضح على شجاعة معظم له ستأتي في المباحث القادمة.
الإيثار والتضحية والفداء
وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَهٌ؛[۷۸]
رغم الصعوبات والمشقات، يفضلون الآخرين على أنفسهم.
من خصائص وصفات الشهيد صدر البارزة حالة الإيثار وتقديم الآخرين على النفس. كان ذلك الشهيد السعيد يفضل راحة ورفاهية الآخرين على راحته بإخلاص تام. وعند تناول الطعام كما ذُكر سابقًا كان يعطي الطعام الأفضل لخادم البيت، وكان هذا نهجه، وكان الأمر كذلك في جوانب أخرى من حياته المادية.
وقد جعلته هذه الحالة النفسية والمثابرة عليها يبذل جهدًا كبيرًا في المسائل الروحية والأهداف الإنسانية السامية، وتهيئة مقدمات تحرير الأمة المظلومة في العراق من نير حكام الديكتاتورية البعثية. وضع كل ما يملك في ميزان الإخلاص وقدمها لأمة الإسلام، ولكن للأسف الشديد لم يلقَ نداءه استجابة مناسبة من الخاص والعام.
لقد بلغ حد التضحية والمخاطرة أقصاها، ونادرًا ما نجد عالمًا في تاريخ التشيع بعد زمن الغيبة مثله.
«في وقت ما ضحى بمرجعيته، وفي وقت آخر قدم كتابه ومؤلفه هدية، وفي وقت ثالث ضحى بماله وسمعته في سبيل هدفه السامي، وفي النهاية قدم دمه الطاهر وروحه المقدسة فداءً لطريق الإسلام… .
عندما تعرّض نظام العراق بمؤامرة ومخطط مسبق للمرجعية آية الله العظمى السيد محسن الحكيم، وقف صامدًا ودافع عنها بتفانٍ؛ رغم علمه بأنه يلعب بحياته.»[۷۹]
كان التأييد والمساندة للإمام الخميني في الثورة الإسلامية في إيران أمرًا هشًا جدًا بالنسبة لنظام العراق، وكلف ذلك الشهيد العظيم ثمنًا باهظًا، لكنه لما شعر بالواجب الشرعي قام بكل الإجراءات اللازمة في هذا الشأن.[۸۰]
الرسالة التالية التي كتبها بخط يده الشريف إلى تلاميذه في إيران هي إحدى النماذج: «لكل واحد منكم ولكل فرد من حظي بحياة تحت ظل هذه التجربة الرائدة، واجب أن يبذل كل قوته وكل ما يملك من طاقة وقدرة في دعم هذه الحركة المقدسة، وألا يبخل بأي جهد، وأن يضع كل ما يملك تحت تصرف هذه التجربة، فلا ينبغي التوقف عن العطاء والإنفاق.
هذا البناء يُرفع من أجل الإسلام، ولا ينبغي أن يُعرف للإنفاق حدود أو قيود، راية هذا الأمر قد رفعت بقوة الإسلام، فلا ينبغي أن نغفل عن مساعدته ولو قليلاً. يجب أن نتجمع حول محور المرجعية السيد الخميني الذي جسد آمال الإسلام في إيران اليوم، وأن نخلص له، وندافع عن مصالحه، ونذوب في وجوده العظيم، بقدر ما نذوب نحن في هدفه العظيم.»[۸۱]
«ذلك العالم الرباني والفدائي كان يشعر أن أمة المسلمين في العراق مثل أمة زمن الإمام الحسين(عليه السلام) قد أصيبت بمرض انعدام الإرادة؛ أي أنهم رغم معرفتهم بالفساد والظلم والطغيان لحكام البعث، إلا أنهم غير مستعدين للجهاد ضدهم. لذا قرر التضحية بحياته بشكل محسوب وعظيم ليحفز المشاعر الإنسانية لأمة الإسلام ويقتلع جذور النظام المخزي في العراق. وكان أول وأهم عمل في هذا الصدد هو الاستعداد للموت، وهو كان مستعدًا لذلك بكل جوارحه.»[۸۲]
عدم حب الذات وإنكار النفس (نكران الذات)
يصل العارفون بعد السير في طريق المعبود إلى مقام يتخلصون فيه من الذات ويبلغون مقام التوحيد الكامل للأفعال «يصل الإنسان إلى مقام لا يرى فيه إلا الله» وقد بلغ ذلك الشهيد ذلك المقام الرفيع في التصوف وارتكب في ميدان العمل أعمالًا قلّ نظيرها.
عدم رؤية الذات، العلم، المكانة، الموقع والمرجعية الذاتية أمر ذو قيمة عالية ونادر جدًا، ويمكن أن نجد مثيله في هذا العصر في وجود الإمام الخميني قائد الثورة الإسلامية في إيران.
«سر هذه القيمة العالية وندرتها هو أن غريزة حب الذات في الإنسان من أشد الغرائز بل أم الغرائز، وقليلون هم الذين بلغوا هذا المقام الرفيع في التاريخ.»[۸۳]
«ذلك العالم البارز قبل المرجعية أيضًا بعد إصرار كثير من المقلدين وأتباع آية الله السيد محسن الحكيم بعد رحيله. من الواضح أن حوزة النجف بعد رحيل آية الله العظمى الحكيم(ره) كانت بحاجة إلى مثل هذه المرجعية خصوصًا من حيث القيادة وتوجيه الشباب المذهبي.»[۸۴]
«ذلك الشهيد المظلوم كان يكرر كثيرًا قولًا بهذا المعنى: «لو طلب مني الإمام الخميني أن أسكن في إحدى قرى إيران لخدمة الإسلام، لما ترددت في قبول هذا الطلب.»[۸۵]
يقول حجة الإسلام والمسلمين السيد شاهرودي، إمام جمعة علي آباد كتول الحالي وأحد طلابه المقربين: «في زمن ما، قبل انتصار الثورة الإسلامية، قال لنا الشهيد الصدر(ره): لا تتعاملوا معي بعاطفة وشخصية، ولا تدعوا تعلقكم بي يحجب عنكم رؤية الواقع، بل يجب أن يكون المعيار مصلحة الإسلام، لذلك يجب الوقوف إلى جانب أي مرجع آخر يستطيع خدمة الإسلام وتحقيق أهدافه والدفاع عنه والذوبان فيه.»[۸۶]
تعلم الشهيد الصدر(ره) هذا الهدف من أمير المؤمنين(عليه السلام) وطبقه؛ لأنه كان يعتقد: «علي (عليه السلام) غلب على نفسه ونجح نجاحًا كبيرًا في إعطاء وجه مذهبي وعلامة اعتقادية لعمله؛ كانت دعوته أن يكون الإنسان ناصرًا للحق قبل أن يكون ناصرًا لشخص. علي (عليه السلام) قال: «اعرف الحق تعرف أهله؛ اعرف الحق تعرف أهله». كان يصنع أصحابه مثل عمار وأبو ذر ومقداد بهذه الطريقة، حيث كان يقول لهم دائمًا: أولًا تعرفوا الحق، ثم تعرفون أهله؛ وبعد ذلك حكموا على علي (عليه السلام) في إطار الحق! هذا هو أقصى درجات الإخلاص التي يجب أن يقولها القائد لأصحابه في سبيل تحقيق أهدافه، أن المقياس هو الحق وليس الشخص، والهدف هو المعيار وليس الفرد، وهذه مسؤولية ثقيلة تقع على عاتق كل الأفراد المخلصين.»[۸۷]
الحلم وقبول المشاق والشدائد في سبيل الهدف العظيم
كان ذلك الشهيد الفذ صبورًا جدًا أمام كل المصائب والظلم والجبروت؛ رغم أنه تعرض للظلم والاعتداء من جهات مختلفة؛ من بعض الأقران والأصدقاء الجاهلين الذين لم يفهموا الإسلام المحمدي الأصيل (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لم يرغبوا في فهمه لأنه لم يتوافق مع مصالحهم الزائلة، وكذلك من أعداء الإسلام وهم حكام البعث في العراق وداعميهم المستكبرين وهم الدول الشرقية والغربية.
في الواقع، كان عناد أعداء الإسلام رد فعل على الضربات التي تلقوها من هذا العقل المفكر للعالم الإسلامي. فقد كان ذلك الشهيد العزيز بكتابه اقتصادنا وفلسفتنا ودفاعه الشجاع والمنتصر عن المدرسة الاقتصادية والفكرية الإسلامية، قد لفّ ملفّ مدّعي الحضارة العالمية في ذلك الوقت في الشرق والغرب، وأطلق صفارات فضحهم، وكان أولئك المجرمون الغُزاة الذين يدّعون زوراً حقوق الإنسان، يعرفون جيداً الشهيد صدر وقدراته الفائقة، وكانوا يرغبون في القضاء عليه، والله يعلم ما الجوائز التي منحوها للحكومة المناهضة للإنسانية في العراق لتنفيذ هذه الجريمة الكبرى.
هنا نورد مثالاً واضحاً من حلمه الواسع ومنهجه الكريم:
في إحدى المرات سمع الشهيد صدر أن أحد أبناء أحد المراجع الكبار كان يشك فيه، وانطلق من الحسد والغيبة والافتراء ضده. لم يقابل الشهيد صدر هذا الأمر بحلم واسع فقط، بل لم يكتفِ بالصمت والتغاضي، بل جعل حلمه العالي وحكمته البارزة تدفعه إلى أفضل نوع من التعامل، وهو أن أوصى أحد تلاميذه الذي كان له اتصال بذلك العالم أن يبلغه أن الشهيد صدر صديق له ومحب له، وكان يذكره بالخير. على أمل أن يؤدي هذا التصرف إلى أن يكفّ عن اللسان الطويل، وتُزال هذه الفتنة في الحوزة التي كانت تضر بالمرجعية والمقام والمكانة، وقد حدث ذلك بالفعل، وفي الواقع، حققت «الحكمة الصدرائية» هدفها الكبير وتم إصلاح ذات البين في ذلك المستوى المهم من الحوزة.[۸۸]
الكرم
من صفات ومكارم أخلاق ذلك الشهيد أيضاً كانت روح الكرم والسخاء لديه. لم يكن يقتصر على العطاء مما يملك فقط، بل كان من أبرز تجليات هذه الآية الكريمة من القرآن الكريم:
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ؛[۸۹]
أي: لن تبلغوا حقيقة البر والخير إلا إذا أنفقتم مما تحبون.
ذلك الإنسان الكريم والبارز كان يهب أفضل الهدايا التي يهديها له المخلصون ومحبوّه للآخرين، وهذا مثال ثمين جداً على العمل بتعاليم القرآن الكريم وأهل البيت الطهارة والعصمة.
«في يوم من الأيام، أهدى تاجر عراقي عباءة ثمينة من الصوف أمام طالب علم. وبعد خروج التاجر، أهدى الشهيد تلك العباءة إلى ذلك الطالب.»[۹۰]
«كان ذلك الشهيد العزيز يوصي ممثليه ووكلاءه الذين يقبلون الزكاة الشرعية من الناس أن يلبوا حاجاتهم، ويرسلوا له ما تبقى، ولم يُلزمهم بالتصرف في مقدار معين من الأموال، وكان إذا رأى الصلاح يعيد كل ما تبقى.»[۹۱]
الابتعاد عن حب الجاه والطموح
الابتعاد عن حب الجاه والطموح صعب إلى حد أن بعض العلماء الراسخين قالوا:
آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الجاه؛
أي: مقام الصداقة هو آخر فخ يقع فيه الصديقون.
قد يكون هناك أشخاص عظماء قد نجوا من كثير من الفخاخ، وخلّوا قلوبهم من الأفكار غير الإلهية، لكنهم ما زالوا في حب الجاه والطموح، وإن كان ذلك بشكل خفي وغير ظاهر، وهذا يدل على أن تفريغ القلب من هذا القيد الشيطاني صعب جداً، وجذره يعود إلى حب الذات الذي هو رأس غرائز كل إنسان.
مرض حب الجاه والطموح مرض خطير، خاصة للأشخاص الذين ينتمون إلى صفوف العلماء الأفاضل الذين يرتدون لباس النبي محمد (صلى الله عليه وآله). وإذا كان هذا المرض مزمنًا وعميقًا، فإنه يكون مصدرًا للعديد من الذنوب والفساد والأخطاء الأخرى.
«هؤلاء الأشخاص يقعون في الرياء وطلب الشهرة والنفاق والمظاهر الزائفة والتهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما شابه ذلك.»[۹۲]
وقد برع ذلك العالم الرباني في هذا المجال أيضاً وتقدم على كثيرين. «كان يمتنع عن كل أنواع الطموح، بل كان يهرب من الشهرة والمقام، وعلى الرغم من الأعمال العلمية الكبيرة التي أنجزها، لم يكن يفكر في شهرته، بل على العكس، كان ينشر كثيراً من مقالاته بدون ذكر اسمه، ويمكن ذكر فصول من مقال رسالتنا التي كانت تنشر باسم جماعة العلماء.»[۹۳]
مثال واضح في هذا الصدد هو ما يلي:
«تم طباعة إحدى طبعات كتاب اقتصادنا في بيروت. وبسبب الشهرة والانتشار غير المسبوقين، وصار مؤلفه معروفاً في الآفاق، قام الناشر بطباعة صورة صغيرة مع سيرة ذاتية مختصرة لآية الله صدر على الغلاف الخلفي للكتاب، لكي يتعرف قراء الكتاب على المؤلف الباحث والفاضل بشكل موجز.
وصلت الطبعة الجديدة من الكتاب إلى آية الله صدر أيضاً. وعندما كان ينظر إلى جودة الطباعة والتجليد، وعندما وصل إلى النهاية ونظر إلى الغلاف الخلفي، وقع بصره على صورته وسيرته الذاتية المختصرة، فترك الكتاب على الأرض وهو متضايق وغير راضٍ، وبدت عليه علامات الغضب!
كان الطلاب الحاضرون في المجلس يظنون أن الطبعة الجديدة ستنال رضا الأستاذ المؤلف أكثر من ذي قبل، فجأة رأوا عليه ملامح الغضب والانزعاج! فسأله أحدهم: يا أستاذ، يبدو أنك متضايق، ما الذي أزعج حضرتك؟
فأجاب آية الله صدر بغضب: «قل لقاسم رجب (صاحب مكتبة مثنى) أن يبيع الكتاب بدون غلاف!… لماذا طبعوا هذه الصورة وهذه الكلمات على الغلاف الخلفي؟! هل أكتب الكتب لأجل الشهرة حتى أعرّف الناس بنفسي على الغلاف الخلفي؟!…»
كان أنفاس التلاميذ محبوسة في صدورهم، يستمعون إلى كلام الأستاذ وينظرون إليه بدقة. صمت آية الله صدر لبرهة، ثم ألقى نظره إلى الأرض، ثم رفع رأسه وأكمل: «كل ما أكتبه هو لرضا الله، ولضرورة المجتمع الإسلامي، وينتمي إلى المرجعية والحوزة العلمية في النجف، وليس عملاً شخصياً. لو لم تكن هناك مسؤولية عن محتوى الكتاب، لكنت تنازلت عن طباعة اسمي على غلاف الكتاب. منذ البداية أردت أن تُطبع أعمالي باسم جماعة العلماء، لكن لم يحدث ذلك! … ومع ذلك، فإن طباعة هذه الصورة والسيرة الذاتية على ظهر غلاف الكتاب أمر غير مناسب ومجرد عبث!».[۹۴]
كرامات من ذلك الشهيد الجليل
كانت هذه الروحيات والصفات الأخلاقية الكريمة قد صنعت من الشهيد صدر إنساناً صافياً، كان عارفاً يتمتع بـ«انقطاع إلى الله». لم يكن عرفانه عرفان اعتزال وهروب من المسؤوليات الاجتماعية، بل عرفان كان، مثل الإمام الخميني، حاضرًا في أشد الميادين الاجتماعية عنفًا، ويؤدي واجبه الإلهي.
هنا نورد بعض الذكريات عن كرامات ذلك الشهيد السعيد، التي هي في الواقع نتيجة لنفس الصفاء والانقطاع لديه:
١- دخل الشهيد صدر إلى الحرم المطهر لزيارة الإمام علي (عليه السلام) وبدأ بالزيارة خلف أحد خدام الحرم الشريف. عندما قال: «السلام عليك يا أمير المؤمنين»، فجأة لاحظه الخادم وقال: «يا سيدي! ادخل إلى داخل الحرم، والله سمعت أن الإمام علي (عليه السلام) يقول: «ادخل يا ولدي»؛ ادخل يا ابني» ولم أكن أعلم أنك موجود هنا.
٢- جاء أحد أهل «القرنة» في محيط البصرة، المعروف بحبه لأهل البيت (عليهم السلام) وولائهم لهم، وكان الجميع يعتبرونه صادق القول، إلى الشهيد صدر وروى له هذه القصة: «أصبت بمشكلة في منطقة البطن. وبعد بحث وجهد كثير في بغداد للعلاج وزيارة الأطباء، قرروا إجراء عملية لي. لكنني شعرت بخوف وقلق شديدين. في تلك اللحظة، بينما كنت جالسًا في الغرفة، وقعت عيناي على قبة وضريح السيد موسى بن جعفر (عليهما السلام) وتوسلت إليه.
في تلك الليلة في المنام، قال لي السيد: «اذهب إلى السيد محمد باقر صدر، فهو سيعالجك». فوجدتك في المنام وأخبرتك بكلام الإمام، فأخرجت الورم أو الحصى من داخلي، ومررت يدك عليه وقلت: «لقد زالت مشكلتك وشفيت». استيقظت من النوم لأجد أنني بلا ألم، وتعجب الأطباء من هذه الحادثة. وكان هذا الرجل القروي يحمل بعض الصور والتقارير الطبية التي تؤكد كلامه.
٣- أرى أن إحدى أهم كرامات الشهيد الجليل آية الله صدر، هي تلك الحالة الخاصة التي كنت أراها فيه، وهي أنه في الحالات التي كانت تطرح فيها مشكلة صعبة جدًا لاتخاذ قرار، كان الشهيد صدر يتخذ في اللحظة نفسها الموقف الصحيح والمناسب. وكان الشهيد نفسه يقول لي: «في مثل هذه الحالات، يحدث لي نوع من الانكشاف والوضوح.»[۹۵]
وفي هذا المجال يمكن مقارنة الشهيد صدر بالإمام الخميني. ما كان واضحًا للجميع هو أن إمام الأمة في لحظات اتخاذ القرارات الصعبة لقضايا الثورة الإسلامية اتخذ قرارات، وبعد مرور عشر سنوات على رحيل ذلك الوجود العظيم، يتضح صحة مواقفه وتوقعاته – نسأل الله أن يجمع بين هذين الإنسانين الإلهيين والعالمين الربانيين والمجاهدين العظام مع أجدادهما الطاهرين!
سر كل مكارم أخلاق الشهيد كان أنه بلغ مرتبة عالية من المعرفة والتوحيد الخالص، وأصبح مصداقًا لـ«عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ»[۹۶].
«فقد اعتبر المالك الحقيقي هو ذاته المقدسة، وفي نظر مثل هذا الشخص تسقط جميع الموجودات من حيث الذات والصفات والأفعال من درجة الاستقلال، ولا يعود له اهتمام بغير الله، ومن المسلم به أن مثل هذا الشخص لا يمكن أن يطلب شيئًا غير الله، ولا يخضع لغيره، ولا يستمتع بغير الله، ولا يتوكل على غير الله، ولا يترك أمره لغير الله، لا يريد إلا الله ولا يطلب إلا الله، فالله الذي ذاته المقدسة باقية، والغير فاني».[۹۷] «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ».[۹۸]
هنا، ووفقًا للوعد الذي قُدم، تُعرض تعليمات ذلك الشهيد الرفيع المستوى كـ«خِتامُهُ مِسْكٌ»[۹۹]، عسى أن ينال بها جميع العطاشى للحقيقة.
«ننتقل من ميدان الفكر إلى عالم القلب، ومن ساحة العقل إلى مجال الضمير. نجلس لحظة مع قلوبنا وضمائرنا. نعرض قلوبنا بدلاً من أفكارنا على القرآن ونقدمها أمامه، لننظر من الذي له الولاية على قلوبنا ويحكمها. ما هي المحبة والعشق، وما هو محور قلبنا الذي يسيطر عليه؟ إلى ماذا يتعلق قلبنا؟
الله لا يقبل في قلب واحد ولايتين، ولا يرضى بعشقين متساويين؛ إما محبة الله أو محبة الدنيا؛ فالمحبة لله ومحبة الدنيا لا يجتمعان. فلنختبر قلوبنا هل مركز محبتها هو الدنيا أم محبة الله؟ إذا كانت محبة الله قد استقرت في قلوبنا، فلنعمقها ونجعلها ثابتة، وإذا كانت (اللهم نجنا) محبة الدنيا قد استوطنت فيها، فلنسعَ لأن ننقذ أنفسنا من هذا المرض الخبيث والوباء القاتل والمدمر.
كل محبة تستقر في مركز القلب تكون على أحد شكلين:
١. المحبة العادية التي تكون محورًا وأساسًا للمحبات والارتباطات والرغبات والأماني لدى الإنسان، بحيث إذا اتجه إلى شيء آخر لتلبية حاجة ما، يعود فورًا إلى أصله؛ لأن هذه المحبة تشكل أساس القلب، وتحتل مركز الفكر والارتباطات والمشاعر، وأحيانًا، كما يُقال، تعلق القلب مؤقتًا بشيء من الطعام أو الشراب، لكنها تبقى المحبة الأولى محور القلب.
٢. الصداقة هي أن تشمل الوجود والباطن كله للإنسان، فلا شيء يمنعه من صديقه؛ فأينما نظر يرى وجه الصديق ولا يرى غيره، محبوبه هو القبلة والكعبة.
وهذه الصداقة نوعان، تظهر تجاه الله وأيضًا تجاه الدنيا. في المحبة لله، التي هي مصدر شرف الإنسان، توجد درجتان من المحبة. الدرجة الأولى تُرى في نفوس المؤمنين الصالحين والنقية الذين طهروا أرواحهم من دنس الدنيا.
هؤلاء قد أنشأوا في قلوبهم محورا لكل المحبات والرغبات والمشاعر، رغم أنهم أحيانًا يأكلون عند وقت الطعام، ويستمتعون ببعض الملذات المباحة، ويلتقون بالأصدقاء، ويتنزهون في الشوارع… لكنهم يعودون إلى المحبة التي هي محور القلب بمجرد زوال المشاغل، لأن مركز تعلقهم واحد.
أما الصداقة من الدرجة الثانية: “العشق” في القلب والروح، فيمكن أن نجدها في رسل أولياء الله وأئمتهم (عليهم السلام). الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي نستنير بشرف مجاورته، نعلم جميعًا ما قاله هذا الرجل العظيم في هذا المجال: «ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه».[۱۰۰]
فالعشق لله قد استولى على هذا القلب العظيم بحيث يرى كل ما يراه إلهيًا، حتى عندما يرى الناس يرى الله، وعندما يواجه النعم يرى الله، ولا يرى خلق الله ونعمته منفصلين عنه.
هذا المعنى وهذا النوع من النظر إلى المخلوقات كان دائمًا رؤيته، لأن الصديق الوحيد والمعشوق الكامل له هو الله، وقبلة آماله ورغباته هو الله، ولا يسمح لنفسه أن ينازع الله، لأنه لا يرى إلا ذات الحق سبحانه.
وهناك هذان النوعان من الصداقة تجاه الدنيا أيضًا، وهي الدنيا التي قال عنها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إنها رأس كل خطأ وزلل. الدرجة الأولى من حب الدنيا هي أن تصبح محبة الدنيا مركزًا ومنطلقًا لسلوك وتصرفات الإنسان، كأن محور جهده وكفاحه هو رغباته الشخصية، فأينما قادته المصلحة الشخصية ذهب. تصبح الدنيا قاعدة وأساس حياته. أحيانًا تشغله الأمور الطاهرة والروحية فيحول وجهه عن الدنيا، فيصلي ويصوم، لكنه يعود بسرعة إلى الدنيا التي هي المرجع الأساسي لقلبه. لم يخرج بعد من دائرة سلطان الشيطان، بل يعود إلى مملكته.
هذه الدنياوية الابتدائية هي مرض خبيث بحد ذاته.
أما مرض حب الدنيا من الدرجة الثانية، وهو النوع المدمر، فهو حيث يعمي العشق للدنيا الإنسان ويحيط بكل شبكة نظره. علاقته بالدنيا تشبه علاقة سيد الموحدين، أمير المؤمنين (عليه السلام) بالله سبحانه: فهو لا يرى شيئًا إلا ويرى الله قبله وبعده ومعه. الدنياوي يرى كل شيء من زاوية محبة الدنيا، حتى الأعمال الصالحة يختارها من منظور المنافع الشخصية: الصلاة، الصيام، وسائر العبادات. كل أعماله تتلون بصبغة حب الدنيا. في كل عمل يرى أولًا عائد الدنيا. دافعه حفنة من المال أو قليل من المنصب والجاه، وهي أشياء لا تدوم إلا لفترة قصيرة. هذا النوع من حب الدنيا أخطر بكثير من النوع السابق، ولهذا قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «حب الدنيا رأس كل خطيئة»[۱۰۱] وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «مثل الدنيا كمثل ماء البحر، كلما شرب منه العطشان ازداد عطشًا».[۱۰۲]
لا تقل إننا نأخذ قليلاً من الدنيا ثم نرجع عنها، أو نأخذ هذا القدر من المنصب ثم نتوجه إلى الله، هذا التفكير عبث؛ لأن كلما أخذت من مال الدنيا ومنصبها، زاد عطشك وزاد عشقك لها، فالدنيا مثل ماء البحر المالح. الدنيا هي رأس كل الخطايا.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من أصبح وأكبر همه الدنيا فليس له من الله شيء»[۱۰۳] وهذا يعني قطع الصلة بالله؛ لأن نوعي المحبة والعشق لا يجتمعان في قلب واحد.
حب الدنيا هو رأس كل الخطايا؛ لأنه يجعل الصلاة بلا روح، والصيام بلا معنى وروحانية، ويجعل كل العبادات خالية من ذكر الله. عندما تملأ المحبة للدنيا القلب كله، لا يبقى مكان لتذوق لذة العبادات.
أنا وأنت نعلم أن الذين خالفوا أمير المؤمنين (عليه السلام) والذين نذمهم اليوم، لم يتركوا الصلاة والصيام، ولم يشربوا الخمر، على الأقل كان معظمهم كذلك. عبد الرحمن بن عوف، الصحابي الجليل ومن السابقين في الإسلام، عندما أسلم كان كثيرون كفارًا، عاش في خدمة رسول الله، تنفس في جو الوحي، وقرأ القرآن وآيات الله، فماذا حدث له؟ ماذا أصابه؟ عندما فتح المسلمون مدن إيران والروم، اشتعلت محبة الدنيا في قلبه، كان يصلي ويصوم، لكن قلبه كان مملوءًا بحب الدنيا. عندما وقع اختيار الخلافة بين علي (عليه السلام) وعثمان بيده، ليختار أحدهما لخلافة المسلمين، مع أنه كان يعلم أن تسليم الخلافة لعلي (عليه السلام) يضمن سعادة الدنيا والآخرة للمسلمين، وإذا تولى عثمان الخلافة ستفتح أبواب الفتنة إلى الأبد، وكان قد سمع هذا حتى من عمر، لكن حب الدنيا انتزع زمام الاختيار منه، فوضع يده في يد عثمان وبايعه، وبذلك ابتعد علي (عليه السلام) عن الخلافة.
قد يُقال: إن عليًا (عليه السلام) كان خليفة النبي (صلى الله عليه وآله) من بعده، فتصرف عبدالرحمن كترك الصلاة، وهو ذنب يعادل ترك الصلاة؛ لأن الإمام عليًا (عليه السلام) كان يقود أهم الأعمال الضرورية للمسلمين في كل حال، وحتى لو افترضنا استحالة أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يعينه، فهل يمكن اتهام عبدالرحمن بحب الدنيا؟ يجب القول هنا إن الأمر لا يتعلق بنص النبي، بل موضوع الحكم هو محبة الدنيا وخيانة الأمانة، فقد كان يعلم أن قدوم الإمام علي (عليه السلام) سيهدد دنياه.
كانت محبة الدنيا جوهر وجوده، وقد أعمت وأصمته، وهذه الدنياوية هي رأس كل الذنوب، كما أن محبة الله هي أساس كل الكمالات، فمحبة الله هي التي تمنح الإنسان الكمال والعزة والشرف والثبات والطهارة والقدرة على التغلب على الضعف والعجز في كل الأحوال.
كانت محبة الله هي التي حوّلت السحرة إلى ما كانوا عليه، فصاروا من رواد دين موسى (عليه السلام)، وعندما هددهم فرعون قالوا:
«فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضي هذِهِ الْحَياهَ الدُّنْيا». [۱۰۴]
من أين استمدوا هذه الشجاعة؟ إلا من حب الله؟ كان حب الله هو الذي منح عليًا (عليه السلام) مكانة شجاعة، فشجاعته لم تكن كشجاعة الوحوش، بل كانت شجاعة نابعة من الإيمان ومن حب الله. هذه الشجاعة ليست مجرد شجاعة مقاتل في ميدان القتال، بل هي شجاعة المقاومة والرفض، شجاعة الصبر والثبات، وكانت مثل الشجاعة في ميدان القتال حين كان يتهيأ للذهاب إلى الميدان وقد تجاوز الستين من عمره. هاجم الخوارج وحيدًا وقتل منهم أربعة آلاف. هذه الشجاعة العجيبة كانت في ميدان القتال مستمدة من محبة الله، وحبه لله لم يسمح له بأن يرى كثرة الجيوش أو يخاف من وحدته أمام هذا الجمع.
وكان أيضًا نموذجًا في الشجاعة والصبر، فقد صمت أحيانًا عن غصب حقه في شبابه، قبل أن تظهر عليه علامات الشيخوخة، لكنه صمت لمصلحة الإسلام، حفاظًا على شعائر الإسلام. وأسمى أنواع الشجاعة هي الشجاعة في تجاوز الذات والحق من أجل الإسلام. فعندما عُرضت عليه الخلافة بعد مقتل الخليفة الثاني بشروط مخالفة للكتاب والسنة، رفضها.
كانت هذه الشجاعة في ميدان القتال، وفي الصبر، وفي رفض الدنيا، مستمدة من حبه لله، لا من مجرد اعتقاده، فحتى فلاسفة الغرب يشاطرونه هذا الاعتقاد، لكن هذه الصفات ليست مدينًة للاعتقاد وحده، بل للاعتقاد الذي لا يصل إلى الحب.
نحن طالبو العلم أحق من غيرنا بالابتعاد عن حب الدنيا؛ لأننا نعتبر أنفسنا مرشدي الناس إلى الآخرة وموضع هداية الخلق، فكيف يمكن أن تفصل دنياك عن آخرتك؟ إذا انفصلت دنياك عن آخرتك، فستدعو الناس إلى دنياك لا إلى آخرت ربك!
في هذه الحالة تصبح عائقًا أمام الناس في طلب الآخرة، بل تصبح عائقًا في طريق الله، الطريق الذي يجب أن ندعو الناس إليه ونكون في طليعتهم في السير نحو الله والآخرة، ونأخذ بأيديهم إلى هذا الطريق.
إذا أغلقنا نحن هذا الطريق، وإذا ضللنا الطريق، فسنكون حينئذٍ مانعًا لطريق الله وحجابًا ليوم الجزاء. من غلبته محبة الدنيا هلك وضاع، ولكن نحن طالبو العلم والعلماء إذا أحببنا الدنيا هلكنا نحن وأهلكنا الناس؛ لأننا منادي هداية الخلق إلى الله، والدعوة إلى طريق الله والقيم الإلهية هي مهنتنا.
نحن الذين في موقع ربط الناس بالله، إذا لم يكن قلبنا مرتبطًا بالله، فكيف نربط الناس بالله؟
نحن أحق الناس بالتقوى من هذه الدهاليز الشهوانية؛ لأننا ندعي وراثة الأنبياء والأئمة والأولياء، ونعتبر قدوتنا ومثالنا العظماء والمخلصين مثل النبي محمد، الإمام علي، الإمام الحسن، والإمام الحسين (عليهم السلام) ونسير على دربهم. أليس من المفترض أن يحيى هذا الشرف فينا ويظهر في سلوكنا؟ هذا الارتباط والنسب يجعل مكانتنا بين الأمة أكثر حساسية ودقة؛ لأننا ثمرة كلام هؤلاء العظماء وممثل سيرتهم وسلوكهم؛ أعلم الناس بكلامهم وأعرف الناس بسلوكهم. ألم يقل رسول الله: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورِثُ ذَهَباً وَلَا فِضَّهً وَلَا دَاراً وَلَا عَقَاراً وَ إِنَّمَا نُورِثُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَهَ وَالْعِلْمَ وَالنُّبُوَّهَ»[۱۰۵] وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن إمارتكم هذه لا تساوي عندي شيئًا إلا أن أقيم حقًا أو أدحض باطلاً».[۱۰۶]
كان الإمام علي (عليه السلام) يعمل لله وكان فانيًا في إرادة الحق، لو كان محبًا للدنيا ويريد الحكم من أجل الدنيا، لكان أشقى الناس وأتعسهم؛ لأنه في صغره قدم دمه في سبيل الله، وذهب مرات عديدة إلى باب الشهادة، ودافع عن الإسلام ورسالة الله في زمن غربته ووحدة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أدنى تردد، ولم يكن يحسب للموت حسابًا، ولم تكن الدنيا عنده ذات قيمة. كان متحررًا من الموت والحياة (بل فوق الموت والحياة). كان في زمن النبي أشجع الناس، وبعد رحيله كان خاضعًا تمامًا. كان أكثر الناس اجتهادًا في سبيل الله، وتذوق أشد المعاناة والمرارة في سبيل الإسلام.
فماذا حصل من الحسابات الدنيوية مقابل كل هذا العناء؟ هل حرمه هذا السلوك من الخلافة؟
هل لم يُحصر في البيت سنوات؟ هل لم يسبّه الناس على المنابر الإسلامية آلاف المرات؟
تلك المنابر التي كانت قواعدها قائمة على الجهاد والثبات والتضحية ومرارة الألم التي تحملها.
مع ذلك، حينما شق ابن ملجم المرادي فرق رأسه المبارك، أطلق صوت النصر: «لقد فزت و ربّ الكعبه». لو كانت الدنيا ثمن تضحياته، لكان من أشد الناس حرماناً من المنافع الدنيوية، فلا ينبغي له أن يعتبر نفسه ناجحاً وأفضل مستفيد من الدنيا!
هذه الرسالة الأخيرة له «لقد فزت و ربّ الكعبه» دليل وشهادة على أنه لم يتعلّق بهذه الدنيا، وكان في كل حال يعمل لله. والآن وقد حان وقت لقاء الله، اللحظة التي يُعطى فيها أجره ومكافأته كاملاً، ويغمر في نعيم ورضوان الله الأبدي مقابل كل تلك الآلام والأحزان.
أليس هذا الإمام قدوتنا العليا؟ أليست حياته «سنة»؟ أليست السنة سوى قول وفعل وتقرير المعصوم؟
علينا أن نتبع هؤلاء العظماء ونبتعد عن التعلق بالدنيا، فنحن لا نملك دنيا لنتمسك بها، فما هي دنيا الطالب؟
يا للعجب طالب العلم وطمعه في الدنيا؟ ما هي هذه الدنيا القليلة التي نُغرم بها ونحرم من مقام «رضوان من الله أكبر»؟ نترك نعمًا لم تسمعها أذن، ولم ترها عين، ولا تخطر على بال بشر، ونتمسك بدنيا وهمية لا أكثر. الدنيا كلها وهم وخيال، ودنيا الطالب جزء صغير من هذا الوهم والخيال.
فلنقارن أنفسنا بالهارون الرشيد. ماذا أخذ وماذا فقد؟ وماذا نحن قد حصلنا مقابل فقدان نفس الشيء؟ نحن نذمه ليلاً ونهاراً لأنه خدعته الدنيا، لكننا نعلم في أي قصور عاش، وما هي ملذاته، وما هي السلطة والحكم الواسع والقوي الذي كان يمتلكه. هل لم تكن خلافته وسلطته تشمل كل مكان؟
الهارون الرشيد خضع لمثل هذه الدنيا. ونحن ندعي أننا أفضل منه، أتقى وأورع منه! هل أُتيحت لنا دنيا الهارون الرشيد لنُختبر ونقيس تقوانا وورعنا؟
يا أبنائي، إخواني، أحبائي، يا أبناء علي! هل أُتيحت لنا دنيا الهارون الرشيد؟ لا، الدنيا التي أُتيحت لنا قليلة جداً وهزيلة. كان الهارون يقول للسحب: أينما شئتم أنتمطروا، فهي ليست خارج نطاق خلافة الهارون، والضرائب والعوائد ستأتي إلى خزائني. وفي سبيل هذه الدنيا، سجن موسى بن جعفر (عليهما السلام).
هل أُتيحت لنا مثل هذه الدنيا واختبرنا لنرى هل سنسجن موسى بن جعفر (عليهما السلام) أم لا؟ لا ينبغي أن يسود حياة الطالب إلا حقيقة رضوان الله. كل طالب علم حاله كحال علي بن أبي طالب (عليه السلام). إن تعلق طالب العلم بهذه الدنيا، أو تعلق بهذه الحياة الطالبية بالدنيا، فهو أشد الناس خزيًا وبؤسًا؛ لأنه لا دنياه دنيا ولا له نصيب في الآخرة.
لذا يجب أن نبذل كل طاقتنا وجهدنا في بناء الآخرة، ونملأ قلوبنا بمحبة الله، ولا نترك مكانًا لغيره.
لقد أعطى الأئمة المعصومون (عليهم السلام) تعليمات للتخلي عن الدنيا والتغلب على حبها: ذكر الموت في كل حال هو أنجع دواء لعلاج مرض حب الدنيا.
كلنا نقول إن الموت موجود، والدنيا فانية، والجميع راحلون، لكننا لا نصدق ذلك لأنفسنا.
ذكر الموت يزيل حب الدنيا من القلب حين نرى أنفسنا في كل حال على حافة الموت، والموت يكون أمام أعيننا دائمًا.
كل يوم نفقد أصدقاء وأقارب، أمام أعيننا يرحل إخواننا من هذه الدنيا إلى دار أخرى. والدي لم يعش أكثر مما أعيش الآن، وأخي لم يعش أكثر مما عشت. الآن، وقد عشت عمري، من المعقول جداً ألا أعيش أكثر من والدي وأخي. يجب على كل منا أن يختار رفقاء عمره ويستعد للرحيل. كلنا كان لنا أصدقاء رحلوا، وأحباء تركوا هذه الدنيا، ولم يبقَ شيء من آمالهم وأحلامهم.
إن عملوا للآخرة، فقد وصلوا إلى «مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِرٍ»[۱۰۷]، وإن قضوا عمرهم في طلب الدنيا، فقد انتهى كل شيء بالنسبة لهم. هذه كلها عبرة لنا.
من الواضح أنه يجب علينا أن نعلق تعليمات الأئمة (عليهم السلام) على آذاننا ونتذكر الموت دائمًا حتى ينكسر الطمع في الدنيا فينا وتحترق الأهواء.
أي حياة؟ أي دنيا؟
كم سنة، كم شهر، وربما كم يوم في الدنيا؟ لماذا نُظلم حياتنا الأبدية من أجل هذه الأيام القليلة؟ عن أي حياة ندافع؟ وعن أي قدر من منافع الحياة نضحي بوجودنا؟
كل هذا النشاط من أجل كم من الحياة؟
عشرة أيام، شهر، شهران؟ لا نعلم. لا نعلم هل يمكننا دفع ثمن هذا القدر من الخطأ؟ هل يمكننا تحمل هذا القدر من القصر والخطأ أمام الله، أمام ديننا؟ تحمل تبعات هذه الأخطاء مقابل ماذا؟ عشرة أيام، شهر، أو شهران من الحياة، هذا ثمن حقير جداً.
نسأل الله أن يطهر قلوبنا، ويضيء قلوبنا بنور الإيمان، وأن يجعل همتنا في طلب الله وعبادته، ويملأ قلوبنا بمحبة الله وخوفه، ويوفقنا للعمل بكتابه.[۱۰۸]
[۱]. وصيةالإلهية ـ السياسية للإمام الخميني (طبعة وزارة الإرشاد)، ص ٣٣.
[۲]. الواقعة (٥٦)، الآية ٧٩.
[۳]. الحج (٢٢)، الآية ١١.
[۴]. بيان هذه العبارات ليس لومًا، بل اعتراف وبيان حقيقة تاريخية مرة مع الدعاء للأمة المظلومة في العراق.
[۵]. مريم (١٩)، الآية ٣١.
[۶]. سنعرض نص خط الشهيد في المناقشات القادمة.
[۷]. سورة الشمس (٩١)، الآية ٩.
[۸]. مجلة الحوزة، العدد ٤، ص ١٢٦.
[۹]. سورة البينة (٩٧)، الآية ٥.
[۱۰]. مختارات تفسير النموذج، ج ٥، ص ٥٥٣.
[۱۱]. السيد فاضل نوري، سبحات روحية في سيرة الإمام الشهيد الصدر، ص ٦٥.
[۱۲]. مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، ص ٢٧.
[۱۳]. «المؤمنون هم الفائزون الذين هم في صلاتهم خاشعون.» (المؤمنون (٢٣)، الآيتان ١ و٢).
[۱۴]. محمد رضا نعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار، ص ١١٩ – ١٢٢.
[۱۵]. المرجع نفسه.
[۱۶]. غرّة الحديث، ص ٣٣٦ ومنهج الصادقين، ج ٩، ص ١٠.
[۱۷]. السيد فاضل نوري، سبحات روحية في سيرة الإمام الشهيد الصدر، ص ٣٢.
[۱۸]. السيد محمد باقر صدر، من سقيفة إلى الكوفة، ص ٣٩.
[۱۹]. سورة المنافقون (٦٣)، الآية ٧: ومع ذلك فإن العزة والكرامة خاصة بالله ورسوله والمؤمنين.
[۲۰]. سورة الفتح (٤٧)، الآية ٤: الله هو الذي يرسل السكينة والطمأنينة إلى قلوب المؤمنين.
[۲۱]. سورة الرعد (١٣)، الآية ٢٧: إنما يطمئن القلوب بذكر الله.
[۲۲]. مصطفى قليزاده، الشهيد الصدر على علو الفكر والجهاد، ص ٧٣، نقلًا عن: آية الله حائري.
[۲۳]. بحار الأنوار، ج ٣٥، ص ٤٣٢.
[۲۴]. سورة المائدة (٥)، الآية ٣٥.
[۲۵]. مجلة الحوزة ٧٩ و٧٠، ص ٣٠.
[۲۶]. محمد رضا نعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار، ص ١٢٢.
[۲۷]. الأستاذ حائري الطهراني والعلامة سيد عبد الله شبّر، أسس الأخلاق الإسلامية، ص ٤٠٢ نقلًا عن الأصول الكافي، ج ٦، ص ٢٧٠ – ٢٧٢، باب الأكل متكئًا.
[۲۸]. حركة المجاهدين العراقيين، الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي، صص ١٧ – ٢٧.
[۲۹]. مختار الأسدي، الشهيد الصدر بين أزمات التاريخ وضمير المؤرخين، ص ١٥٣ – ١٥٤.
[۳۰]. حركة المجاهدين العراقيين، الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي، صص ١٧ – ٢٧.
[۳۱]. سورة الحجر (١٥)، الآية ٧٧.
[۳۲]. مختارات تفسير النموذج، ج ٢، ص ٥٤٥.
[۳۳]. محمد حسيني، الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (دراسة في سيرته ومنهجه)، ص ٧٧ – ٧٧.
[۳۴]. محمد حسيني، الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (دراسة في سيرته ومنهجه)، ص ٧٧.
[۳۵]. السيد فاضل نوري، سبحات روحية في سيرة الإمام الشهيد الصدر، ص ٥٠ – ٥٤.
[۳۶]. مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، ص ٢٧، مقابلة مع: آية الله السيد كاظم حائري.
[۳۷]. حركة المجاهدين العراقيين، الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي، ص ٢١.
[۳۸]. المرجع نفسه.
[۳۹]. السيد فاضل نوري، سبحات روحية في سيرة الإمام الشهيد الصدر، ص ٦٧ – ٧٠.
[۴۰]. الكافي، ج ٥، ص ٥٠٧.
[۴۱]. السيد فاضل نوري، سبحات روحية في سيرة الإمام الشهيد الصدر، صص ٧١ – ٧٥، ترجمة حرة مع باختصار.
[۴۲]. محمد حسيني، الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (دراسة في سيرته ومنهجه)، ص ٧٣ – ٧٤.
[۴۳]. مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، ص ١٧٢ – ١٧٥.
[۴۴]. تحف العقول، طبعة إسلامية، ص ٣٠٢.
[۴۵]. سورة آل عمران (٣)، الآية ١٥٩.
[۴۶]. مختارات تفسير النموذج، ج ١، ص ٣٤٣.
[۴۷]. مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، ص ٢٧، مقابلة مع آية الله حائري.
[۴۸]. محمد رضا نعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار، ص ١٢٧.
[۴۹]. سورة الأعراف (٧)، الآية ١٩٩.
[۵۰]. مختارات تفسير النموذج، ج ١، ص ١٢٣.
[۵۱]. مصطفى قليزاده، الشهيد الصدر على علو الفكر والجهاد، ص ٧٢.
[۵۲]. حركة المجاهدين العراقيين، الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي، ص ١٥ – ١٦.
[۵۳]. حركة المجاهدين العراقيين، الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي، ص ١٠.
[۵۴]. المرجع نفسه، ص ١١ وانظر: مصطفى قليزاده، الشهيد الصدر على علو الفكر والجهاد، ص ٦٧.
[۵۵]. حركة المجاهدين العراقيين، الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي، ص ١١ – ١٢.
[۵۶]. المرجع نفسه، ص ١٤.
[۵۷]. محمد حسيني، الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (دراسة في سيرته ومنهجه)، ص ٧١.
[۵۸]. مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، ص ٣٢٧ – ٣٢٩.
[۵۹]. سورة مريم (١٩)، الآية ٩٦.
[۶۰]. محمد رضا نعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار، ص ٩٦.
[۶۱]. مصطفى قليزاده، الشهيد الصدر على علو الفكر والجهاد، ص ١٢٦ – ١٢٧.
[۶۲]. مختار الأسدي، الشهيد الصدر بين أزمات التاريخ وضمير المؤرخين، ص ١٤٧.
[۶۳]. نهج البلاغة، صبحي صالح، الحكمة ٤٣٩.
[۶۴]. سورة الحديد (٥٧)، الآية ٢٣.
[۶۵]. حائري الطهراني وسيد عبد الله شبّر، أسس الأخلاق الإسلامية، ص ٥٦٩ نقلًا عن: الكافي، ج ٢، ص ١٢٧.
[۶۶]. مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، ص ٢٧ – ٢٩.
[۶۷]. مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، ص ٣٢٧ – ٣٢٩.
[۶۸]. حركة المجاهدين العراقيين، الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي، ص ٢٢.
[۶۹]. مختار الأسدي، الشهيد الصدر بين أزمات التاريخ وضمير المؤرخين، ص ١٥٠.
[۷۰]. محمد حسيني، الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (دراسة في سيرته ومنهجه)، ص ٧٣.
[۷۱]. محمد رضا نعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار، صص ١١٢ – ١١٩.
[۷۲]. المرجع نفسه، ص ٣٤٠.
[۷۳]. للمزيد من المعلومات انظر: المرجع نفسه، ص ١١٢ وما بعدها.
[۷۴]. محمد رضا نعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار، صص ١١٢ – ١١٩.
[۷۵]. سورة يونس (١٠)، الآية ٦٢.
[۷۶]. مختارات تفسير النموذج، ج ٢، ص ٣٠١.
[۷۷]. محمد حسيني، الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (دراسة في سيرته ومنهجه)، ص ٧٧.
[۷۸]. سورة الحشر (٥٩)، الآية ٩.
[۷۹]. محمد رضا النعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار، ص ١٣١ – ١٣٣.
[۸۰]. المرجع نفسه، ص ١٣٤ – ١٣٦.
[۸۱]. مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، ص ٣٣٠.
[۸۲]. محمد رضا نعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار، ص ١٣٤ – ١٣٦.
[۸۳]. محمد حسيني، الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (دراسة في سيرته ومنهجه)، ص ٧٤.
[۸۴]. مختار الأسدي، الشهيد الصدر بين أزمات التاريخ وضمير المؤرخين، ص ١٥٤.
[۸۵]. مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، ص ٣٣٠.
[۸۶]. المرجع نفسه، ص ٣٣١.
[۸۷]. السيد محمد باقر صدر، من سقيفة إلى الكوفة، ص ٥٣ و٦٥.
[۸۸]. انظر: فاضل نوري، سبحات روحية في سيرة الإمام الشهيد الصدر، ص ٥٧.
[۸۹]. سورة آل عمران (٣)، الآية ٩٢.
[۹۰]. حركة المجاهدين العراقيين، الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي، ص ١٤.
[۹۱]. المرجع نفسه، ص ٢٥.
[۹۲]. حائري الطهراني وسيد عبد الله شبّر، أسس الأخلاق الإسلامية، ص ٤٣٣.
[۹۳]. حركة المجاهدين العراقيين، الإمام الصدر في سلوكه الأخلاقي، ص ٢٣ – ٢٤.
[۹۴]. مصطفى قليزاده، الشهيد الصدر على علو الفكر والجهاد، ص ٤٩ – ٥١.
[۹۵]. محمد رضا النعماني، الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار، ص ١٢٢ – ١٢٤.
[۹۶]. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.
[۹۷]. حائري الطهراني وسيد عبد الله شبّر، أسس الأخلاق الإسلامية، ص ٧٢ – ٧٣.
[۹۸]. سورة القصص (٢٧)، الآية ٧٧.
[۹۹]. سورة المطففين (٧٣)، الآية ٢٦.
[۱۰۰]. حديث بعبارة قريبة من هذا المعنى ورد في الصفحة ٣٦٧ من مفتاح الفلاح للشيخ بهائي.
[۱۰۱]. مستدرك الوسائل، ج ١٢، ص ٤٠؛ بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ٣١٥.
[۱۰۲]. الكافي، ج ٢، ص ١٣٦.
[۱۰۳]. مجموعة ورام، ج ١، ص ١٣٠.
[۱۰۴]. سورة طه (٢٠)، الآية ٧٢.
[۱۰۵]. بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ٢٢٩. احتجاج، ج ١، ص ١٠٤.
[۱۰۶]. نهج البلاغة، دار الهجرة للنشر، ص ٧٦، الخطبة ٣٣.
[۱۰۷]. سورة القمر (٥٤)، الآية ٥٥.
[۱۰۸]. عبد الرضا إيزدبناه، «تعليمات أخلاقية من العالم المعروف آية الله العظمى الشهيد الصدر»، مجلة الحوزة، العددين ٧٩ و٧٠، الصفحات ١١٠ – ١١٩.

