ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تفسیر موضوعی قرآن کریم از دیدگاه آیتالله شهید سید محمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: غلامعلی عزیزیکیا
المصدر: ماهنامه معرفت، مرداد و شهريور ١٣٧٩، العدد ٣۵
التفسير وأنواعه
تفسير القرآن الكريم ملازم للقرآن وهدفه بيان مراد الله تعالى من آياته النورانية. أول من بيّن معارف الوحي هو الله تعالى، منزل القرآن، الذي قال: «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ» (قیامة: ١٩). كما أن النبي الأكرم(ص) هو أول البشر الذين علموا التفسير وهدى المؤمنين إليه: «وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ…» (نحل: ۴۴). وبعده، الخلفاء المعصومون هم المفسرون الحقيقيون العارفون بكل معارف القرآن، الذين في الأوقات المناسبة وبحسب فهم المخاطبين، شرحوا جزءًا منه.
نشأت علوم التفسير بين المسلمين في البداية على شكل روايات متفرقة حول أسباب النزول أو معاني المفردات، وقليلًا حول مفاد الآيات، وكانت تنتقل شفهيًا حتى أن بعض المؤلفين ألفوا كتب «غريب القرآن» التي تشرح مفردات القرآن الصعبة، وقام آخرون بجمع روايات أسباب النزول وغيرها. استمر هذا المسار ثلاثة قرون، وفي بداية القرن الرابع الهجري ظهرت تفاسير أكثر شمولًا مما كان موجودًا، وأبرزها جامع البيان عن تأويل آي القرآن تأليف أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. هذا التفسير ونظائره ناقشوا القرآن كاملاً آية آية من البداية إلى النهاية.
في تقسيم عام، يمكن دراسة تفسير القرآن الكريم على شكلين:
أ ـ التفسير الترتيبي
في هذا النوع من التفسير، الذي له تاريخ يزيد على عشرة قرون، يبدأ المفسر من بداية القرآن في مناقشة مفاد الآيات ويواصل عمله آية آية حتى يفسر جميع آيات القرآن، وعادةً ما نادرًا ما يحدث أن يُذكر في تفسير آية أخرى آيات أخرى للاستفادة منها، إلا قليلًا من الآيات التي تتعلق بالفروع الفقهية، حيث لا بد من وضع الآيات العامة والخاصة، الناسخ والمنسوخ، المجمل والمبين… جنبًا إلى جنب لاستخلاص الحكم الحقيقي الذي قصده القرآن الكريم.
خصائص التفسير الترتيبي
١) المميزات: رغم أن بعض الباحثين في القرآن يرون أن بعض آيات القرآن قد انفصلت عن مواضعها الأصلية ولا تتبع سياقها الأصلي، إلا أن هذا الرأي لا يخل بضرورة الانتباه لمكانة الآيات عند التفسير؛ لأن ما قيل لا ينطبق على جميع آيات القرآن، بل يؤثر فقط على قليل من آلاف الآيات، وليس بشكل يقيني بل بناءً على ظنون مستمدة من بعض القرائن. لذلك، في التفسير الترتيبي يُعطى اهتمام جاد لمكانة الآية، وهو ما عبر عنه المفسرون بـ«الالتزام بالسياق». فقد تكون آية ما ذات مفاهيم مرتبطة بالآيات التي قبلها أو بعدها، ولكن عند فصلها عن ذلك السياق قد لا يُستفاد منها هذا المعنى. وهذه من أعظم مزايا التفسير الترتيبي التي انتبه إليها معظم المفسرين. وكان الشهيد الصدر(ره) واعيًا تمامًا لهذا الأمر وناقشه في بحوثه الأصولية.[1]
٢) النواقص: في التفسير الترتيبي ـ الذي كان الغالب، بغض النظر عن التفاسير التي تتخذ الطابع الموضوعي ـ يحاول المفسر فهم ظاهر الآية ويتجنب ربطها بآيات أخرى ذات صلة تشكل نظامًا معرفيًا وتقدم نظرية في موضوع أو أكثر. في هذه الحالة، لا يمكن الحصول على نظرية القرآن حول المواضيع المختلفة المطلوبة، ولن يكون فهمنا لآيات القرآن كاملاً. فلو فسّرنا آيات الشفاعة في القيامة، الموجودة في سور مختلفة، في مواضعها دون ربطها ببعضها، فلن تتضح نظرية القرآن الكريم حول الشفاعة، وسيكون فهم كل آية جزءًا صغيرًا من الكل، ناقصًا وأحيانًا منحرفًا دون النظر إلى الأجزاء الأخرى.
ب ـ التفسير الموضوعي
التفسير الموضوعي هو مجموعة من المناقشات التي تجري حول موضوع من الموضوعات التي وردت في القرآن الكريم، مع تدبر وتأمل في القرآن كله، حيث تُدرس جميع الآيات المرتبطة بالموضوع وتُستجوب. في هذا التفسير، لا يُنظر إلى ترتيب الآيات في القرآن، بل تُدرس آيات الموضوع من أي مكان في القرآن في آن واحد.
تاريخ التفسير الموضوعي: منذ أن نزلت أولى الآيات الإلهية على النبي الأكرم(ص) وحتى انتهاء مهمة رسول الوحي (جبريل)، مر أكثر من عشرين عامًا، وفي هذه الفترة حدثت ظروف مختلفة؛ مثل الضغوط والمعارضات من الكفار في مكة (مسقط الإسلام)، وهجرة النبي(ص) والمؤمنين، وتأسيس المجتمع الإسلامي في المدينة، والاشتباكات المتعددة مع الكفار والمنافقين واليهود، وفتح مكة، وتشكيل تدريجي للقوانين العبادية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للإسلام.
كان رسول الوحي في كل هذه الظروف والأحداث، حسب مقتضى الحال، يعرض على النبي(ص) أجزاءً من القرآن لهداية المجتمع الإسلامي، وهكذا تبيّنت معارف القرآن في مناسبات وظروف زمنية مختلفة. وقد أدى هذا إلى أن يُعالج موضوع ما في عدة مواضع، وكل مرة حسب الحاجة القائمة، أو تُعرض موضوعات مختلفة مرتبطة بعضها ببعض بشكل منفصل، بحيث إذا أراد أحدهم معرفة رأي القرآن في موضوع معين، لا يمكنه الاكتفاء بآية واحدة، بل يجب أن ينظر إلى جميع الآيات التي تتعلق مباشرة أو غير مباشرة بموضوعه، ويدرس تفسير كل منها في موضعه، ثم يستخلص من مجموعها رأي القرآن. إن البحث في جزء من القرآن يساعدنا على فهم الآيات ضمن نطاق ذلك الجزء، لكنه لا يقودنا إلى فهم نظرية القرآن حول الموضوعات المطروحة في تلك الآيات، لأنّه قد توجد آيات في جزء أو أجزاء أخرى من القرآن ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بما نبحثه.
لقد نظر المفسرون الحقيقيون للقرآن (النبي(ص) وأهل بيته(ع)) منذ القدم إلى القرآن نظرة موضوعية وعرفوا الناس بها. والاهتمام بالناسخ والمنسوخ والمحفوظ والمتشابه هو من أبسط أشكال النظر الموضوعي إلى القرآن. فإذا نظرنا إلى آية منسوخة بمفردها، نصل إلى رأي مخالف لما قصده القرآن. وكذلك الأمر إذا نظرنا إلى آية متشابهة دون النظر إلى آية محكمة. أكثر الذين وقعوا في الانحرافات الدينية هم من الذين استندوا إلى بعض الآيات فقط دون نظرة شاملة للقرآن، فاستخلصوا أموراً بعيدة عن هدف القرآن في ذلك الموضوع. وقد وردت تحذيرات كثيرة في هذا الشأن من الأئمة الدينيين(ع)، وهم أنفسهم علّموا عملياً طريقة النظر الشامل في تفسير معارف القرآن.
نماذج من النظر الموضوعي في عصر صدر الإسلام: مما ورد عن الأئمة الدينيين في تفسير آيات القرآن، يظهر نوع من النظر الموضوعي. ورغم أن هذا النظر كان في ذلك الوقت أكثر تركيزاً على الموضوعات الفقهية أو العقائدية، إلا أنه يدل على ضرورة ربط الآيات المتعلقة بموضوع واحد والاستنتاج منها. ومن ذلك في الأحكام، استنباط أقل مدة للحمل عند النساء من هذه الآيات الثلاث الشريفة:
١) «والوالداتُ يرضعن أولادهن حولين كاملين…» (بقره: ٢٣٣)؛
٢) «وحملُه وفصاله ثلاثون شهراً» (احقاف: ١۵)؛
٣) «وفصاله في عامين.» (لقمان: ١۴)
في آيتين ذُكر مدة الرضاعة سنتان كاملتان، وفي آية أخرى ذُكر مجموع مدة الحمل والرضاعة ثلاثون شهراً. فبالتالي قد تكون المرأة حامل ستة أشهر وترضع طفلها سنتين، فيكون المجموع ثلاثون شهراً.[2]
وكذلك استنباط حد السرقة من الآيتين التاليتين:
ـ «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما»؛ (مائده: ٣٨)
«وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً.» (جن: ١٨)
في آية أمر بقطع يد السارق، لكن لم يحدد موضع القطع. أما في الآية الأخرى، فالمساجد – أي المواضع التي توضع على الأرض عند السجود – هي لله، ومن بينها راحة اليد. لذلك لا يُقطع أكثر من أربعة أصابع في حد السرقة، ليبقى الكف للسجود.[3]
ومن الأمثلة الكلامية على هذا النظر ما ورد عن الإمام علي(ع) في مسألة عدم رؤية الله،[4] حيث فسّر آية «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة» (قیامه: ٢٢ و ٢٣) على أنها تتعلق بـ«كيفية ثواب الله»، وذلك حين يقول الملائكة لأهل الجنة: «سلام عليكم طبت فادخلواها خالدين.» (زمر: ٧٣) كما أن كلمة «ناظرة» في بعض المعاجم تعني «منتظرة»، مثل آية «فناظرة بما يرجع المرسلون» (نمل: ٣۵)، وفي كلتا الحالتين لا تتعارض مع آية «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار» (انعام: ١٠٣). أما آية «ولقد رآه نزلة أخرى» (نجم: ١٣) فتتعلق برؤية جبريل للنبي محمد(ص)، وقد ورد ذكرها في آية أخرى: «ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى.» (نجم: ١٧ و ١٨)
وكان مفسرو مدرسة أهل البيت(ع) دائماً مدركين لضرورة النظر الموضوعي إلى القرآن، واستفادوا منه في تفسير بعض الموضوعات المطلوبة. فقد بُيّنت قضايا خلافية مثل الشفاعة، وأفعال وصفات الله، والإمامة، فقط من خلال التفسير الموضوعي، واستُخلصت رؤية القرآن من بين الآيات المختلفة المتعلقة بها. ويظهر هذا الأسلوب بين التفسيرات الترتيبية للمفسرين الشيعة، بالإضافة إلى أن بعض الباحثين في القرآن الشيعة جعلوا أساس عملهم دراسة موضوعية وتصنيفية لأجزاء من القرآن الكريم، مثل محمد بن إبراهيم النعماني من تلامذة المرحوم الكليني الذي عاش في النصف الأول من القرن الرابع. وقد بقي جزء من تفسير منسوب إليه ونُشر بأسماء مختلفة. كل ذلك الجزء المتبقي، وهو في الغالب روائي، ورد في ج ٩٣ من بحار الأنوار ص ١ ـ ٩٧. وكذلك الشريف الرضي(ره) الذي تناول في كتابه حقائق التأويل عن متشابه التنزيل العديد من الموضوعات القابلة للنقاش في آيات القرآن المثيرة للجدل دراسة موضوعية.
لم يزدهر التفسير الموضوعي مع مرور الزمن فحسب، بل خفتت شعلة هدايته، وأصبح الاتجاه السائد في الأعمال التفسيرية للمفسرين هو التفسير الترتيبي. ولكن مع التقدم السريع في العلوم في القرن الرابع عشر وظهور مدارس فكرية مختلفة إلى جانب ذلك، التي كانت تعرض معتقداتها واتجاهاتها في موضوعات العلوم الإنسانية بشكل منسجم، وتطرح منتجاتها معتمدة على المعرفة البشرية لا المستمدة من الوحي السماوي في سوق المعارف، دفع ذلك الباحثين في القرآن من المسلمين ـ سواء من الشيعة أو السنة ـ إلى إعادة دراسة المعارف القرآنية بشكل جديد، وتقديمها للعطاشى من معارف الوحي. ومن ثم، عاد التفسير الموضوعي ليحظى باهتمام العلماء، وكُشفت أبعاد جديدة له يوماً بعد يوم في المجال الواسع للثقافة الإسلامية ـ القرآنية، والآن في النصف الأول من القرن الخامس عشر، تتوفر نماذج متعددة من البحوث الموضوعية في تفسير القرآن، ويُرجى أن تفتح جهود الباحثين آفاقاً جديدة له لتجيب على بعض من الأسئلة العديدة لجيلنا الحالي.
خصائص التفسير الموضوعي: في التفسير الموضوعي، يُبذل جهد لفهم واستخلاص وجهة نظر القرآن الخاصة بالموضوع المطروح من بين آيات مختلفة؛ وهي آيات تعبر بطريقة ما عن نظرة القرآن إلى الموضوع قيد البحث. ولا يتم هذا العمل إلا في ظل البحث الموضوعي، وبعبارة أخرى، يُظهر التفسير الموضوعي دوره الحصري في بيان وجهات النظر القرآنية؛ لأنه لا يمكن إيقاظ القرآن للحديث أو الحصول على إجابات لأسئلتنا المتنوعة إلا بجمع الآيات المتعلقة بموضوع معين وتفسيرها واكتشاف العلاقة بينها.
على الرغم من الدور الحصري للتفسير الموضوعي ـ كما ذُكر ـ إلا أن فعالية هذا الأسلوب في الفهم الصحيح لكل آية من الآيات المنفصلة عن سياق القرآن تستدعي تدقيقاً جاداً؛ لأنه كما ذُكر في شرح خصائص التفسير الترتيبي، لكل آية سياق خاص بها في موضعها، والآيات التي تسبقها وتليها تؤثر في توضيح معناها، بينما في التفسير الموضوعي لا يُؤخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، ولا يُستدل على مراد الله من الآية، وهذا من النواقص الملحوظة في التفسير الموضوعي.[5]
اقتراحات عملية لإزالة نواقص الطريقتين
قدم أصحاب الرأي في التفسير طرقاً ـ نظرية أو عملية ـ لإزالة نواقص كل من الطريقتين، وفي الواقع، يعتبرون الطريقة الصحيحة لفهم القرآن هي التي تجمع مزايا كل من الطريقتين الترتيبية والموضوعية وتحمي من نواقصهما. وهذه الطرق هي كما يلي:
١- تفسير الآيات في مواضعها مع مراعاة الآيات المرتبطة بها
اختار بعض الباحثين في القرآن هذه الطريقة للحفاظ على مزايا التفسير الترتيبي وتعويض نواقص النظرة الموضوعية. ويمكن تسمية هذه الطريقة بـ«الترتيبي ـ الموضوعي»، وهي إلى حد ما تلبي الاحتياجات الجديدة وتعد استراتيجية لاكتشاف النظريات القرآنية في موضوعات مختلفة. في هذه الطريقة، تُناقش الآيات حسب ترتيبها في نص القرآن، ويمكن تفصيلها حسب موضوع النقاش في الآية، مع هذه الخاصية أنه إذا أُجري نقاش موضوعي في آية ما، فلا يُعاد تكراره مع تقدم التفسير وظهور آيات مشابهة لها. فمثلاً، إذا وُجدت عشر آيات حول موضوع «الشفاعة»، يمكن للمفسر أن يطرح كل النقاش الموضوعي المتعلق بها تحت إحدى هذه الآيات، أو يختار إحدى الآيات الرئيسية في الموضوع ويعرض النقاش كاملاً، وربما يمكن عرض هذا النقاش الموضوعي كمقال مستقل إلى جانب الآية. ويُعد تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي رحمه الله مثالاً بارزاً على التفسير الترتيبي ـ الموضوعي، حيث طرح ضمن التفسير الترتيبي العديد من الموضوعات المتعلقة بالآيات بإحدى الطرق المذكورة.
٢- اعتبار كل من الطريقتين الترتيبية والموضوعية مكمّلة لبعضها
يُعد الشهيد الصدر(ره) من الباحثين في القرآن الذين رأوا، استجابة لحاجات العصر، أن التفسير الترتيبي هو الأساس مع الحفاظ على الإرث الثمين للسابقين، وأن النظرة الموضوعية تكمل التفسير الترتيبي بشكل فعّال، ويعتبرها خطوة تتجاوز التفسير الترتيبي. وذلك لأن فهم مراد الله من الآية بشكل صحيح وكامل لا يتأتى دون الانتباه إلى القرائن المؤثرة في فهم الآية والدلالات المتعددة للألفاظ والعبارات وظهورها، وإلا فإن الجهد لفهم رسائل الآية سيكون عقيمًا. لذلك، التفسير الترتيبي هو السبيل الوحيد لفهم مضمون الآية، لكنه غير كافٍ لاستخراج النظريات القرآنية حول موضوعات الحياة المتعددة، ويحتاج إلى مكمّل، وهذا المكمّل ليس سوى تصنيف الآيات المتعلقة بموضوع معين والنظر إليها بشكل جماعي وربطها ببعضها البعض.
من الضروري التنويه إلى أنه في هذا الافتراض، ليس من الضروري تفسير جميع آيات القرآن الكريم بالترتيب لتكون مقدمة لتفسير موضوعي معين؛ إذ إن هذا العمل يتطلب وقتًا طويلًا ونادرًا ما يتيسر للباحثين، بل يمكن النظر فقط في الآيات المتعلقة بالموضوع المراد في نص القرآن، ومن خلال أسلوب تفسير صحيح، استنباط مدلولها في البداية. ثم تُناقش الآيات المفسرة لاستخلاص النظرية القرآنية. بعبارة أخرى، في التفسير الموضوعي، العمل ذو مرحلتين، ولكل مرحلة خصائصها الخاصة التي لا مفر منها، والالتزام بالترتيب ضروري أيضًا. لا يمكن وضع النقاش الموضوعي في البداية؛ لأن النقاش التفسيري المذكور هو الأساس والمقدمة للنقاش الموضوعي، وبدونه يكون موقع الآية ومدلولها غامضًا وغير واضح، ومن الواضح أن جمع الآيات موضوعيًا التي لم يتضح مدلولها لا يحل مشكلة، وربطها ببعضها البعض لا يؤدي إلى الحيوية والابتكار. هكذا، وجود المرحلتين ضروري لفهم وجهات نظر القرآن: المرحلة الأولى في فهم كل آية في موضعها مع مراعاة قرائن الكلام وأصول الحوار العقلاني، والمرحلة الثانية في ربط الآيات المتعلقة بموضوع واحد لاستخلاص النظريات القرآنية. وجود المرحلة الأولى وحدها لا يجيب عن العديد من أسئلة بحوث القرآن، وطبيعي أن لا تكون كاملة. والمرحلة الثانية أيضًا بدون دعم تفسير صحيح وشامل للآيات محل النقاش تكون ناقصة تمامًا وغير فعالة، ولا تؤدي إلا إلى نظريات مركبة وتفسير بالرأي.
مزايا التفسير الموضوعي
يعتبر الشهيد الصدر(ره) التفسير الموضوعي ذا المزايا التالية:
أ ـ التطبيق الهادف لنص القرآن
«نتاج التفسير الترتيبي هو تقديم معلومات كثيرة ومجموعات فرعية متراكمة. لكن العلاقة بينها وتحويلها إلى مجموعات فكرية ونظرية تساعدنا في إيجاد توجيهات القرآن بشأن مسائل الحياة المختلفة، ليس الهدف الرئيسي لهذا التفسير. قد تظهر أحيانًا توجيهات ضمنية، لكن لا ينبغي نسيان أنها ظهرت ضمنيًا وليست هدفًا مباشرًا وعمليًا.»[6]
المقصود من هذا القول ليس أن آيات القرآن تقدم توجيهات فقط في النقاش الموضوعي، بل المقصود أن نظرية القرآن حول الموضوعات المتنوعة التي تظهر مع تقدم الزمن وتكون جديدة، لا يمكن فهمها إلا بهذا الأسلوب، وإلا فإن كثيرًا من آيات القرآن في ظاهرها توجيهية ولا تحتاج إلى تفسير موضوعي، مثل الآيات المتعلقة بالصلاة، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحدود، والقصاص، والتلاوة والتدبر في القرآن. كما ذكر المرحوم الشهيد(ره) في موضع آخر: «التفسير الموضوعي يعني الحوار والمناقشة مع القرآن الكريم، والاستجواب والسؤال من القرآن، وليس مجرد طلب إجابة سلبي وضعيف، بل طلب إجابة نشطة وتطبيق هادف لنص القرآن بهدف اكتشاف حقيقة من حقائق الحياة الكبرى.»[7]
ب ـ الحيوية
التفسير الترتيبي يكتفي ببيان معاني ومفاهيم الآيات التفصيلية، بينما التفسير الموضوعي أكثر طموحًا وينظر إلى أفق أوسع وأبعد؛ إذ في هذا التفسير يُسعى إلى إظهار وجود علاقة بين هذه المعاني والمفاهيم التفصيلية، وكذلك الحصول على مزيج قرآني يشمل جميع تلك المفاهيم تحت مظلته.[8]
ج ـ التناسق والموضوعية
يُستخدم مصطلح «متجانس» أو «متناسق» لهذا النوع من التفسير لأنه يخلق وحدة وتجانسًا بين التجربة الإنسانية والقرآن الكريم؛ بمعنى أنه يضع المواضيع القرآنية مع التجارب البشرية والإنسانية في سياق نقاش واحد وفي إطار بحث ودراسة موحدة، ويُظهر ذلك المفهوم القرآني الذي يبيّن نظرية الإسلام تجاه التجربة البشرية أو الفكرة محل النقاش.[9] وقد قال الشهيد الصدر(ره) في موضع آخر: «مصادر هذا التفسير هي تجارب البشر، وكلما زادت هذه التجارب وأضيفت إليها مواد خارجية، أصبح التفسير أكثر غنى.»[10]
«مهمة المفسر في التفسير الموضوعي ـ في كل زمان وكل عصر ـ أن يحمل معه كل الإنجازات البشرية. يجب على المفسر أن يصطحب أفكار عصره ليضع كل ما توصل إليه من تجارب بشرية أمام القرآن… ليتمكن من استنباط رأي القرآن من مجموع الآيات المتعلقة بالموضوع.»[11]
من المهم الانتباه إلى أن هذا القول يتعلق بالموضوعات التي ظهرت مع تقدم الزمن ولم تكن مطروحة من قبل، والتي تؤثر فيها الإنجازات التجريبية البشرية في فهمها، وليس الموضوعات التي هي فوق تجريبية والتي أُجريت فيها بحوث جيدة سابقًا؛ مثل الآيات المتعلقة بالله وصفاته، والمعاد والعالم الآخر، ومعجزات الأنبياء، أو آيات الأحكام، حيث لا يغير تقدم التجربة البشرية فهمها، على عكس موضوعات مثل المجتمع والتاريخ التي بفضلها تصبح الآيات المتعلقة بها واضحة وتفتح آفاقًا جديدة أمام المفسر.
د ـ الطريق الوحيد للوصول إلى وجهات النظر الأساسية في الإسلام
بيان وتحديد وإثبات وجهات النظر الأساسية في المذهب الإسلامي أمر ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه، والطريق الوحيد للوصول إليها هو الرجوع إلى القرآن والاستفادة من التفسير الموضوعي.[12]
الإرث القيم للشهيد الصدر(ره) في التفسير الموضوعي
قدّم الشهيد الصدر(ره) بعد بيانه لوجهة نظره حول التفسير الموضوعي ـ التي أُشير إليها ـ نموذجًا عمليًا له للباحثين في القرآن والعطاشى إلى المعارف القرآنية النقية، ولو أتيحت له فرصة أكثر لناقش موضوعات أكثر من القرآن.
تناول تفسير موضوعي عملي للشهيد صدر(ره) أحد النقاشات الحية والمهمة في الأوساط العلمية والأكاديمية؛ فقد حظيت فلسفة التاريخ والسنن الاجتماعية في القرن المعاصر باهتمام علماء العلوم الاجتماعية، وأثارت وجهات نظر مختلفة حول المجتمع والتاريخ. لكن هذه الرؤى جميعها تستند إلى رؤية عالمية خاصة بهؤلاء المفكرين (الأوروبيين) تختلف اختلافًا جوهريًا عن الأسس الفكرية للإسلام. لفهم رؤية الإسلام في هذا الشأن ومقارنتها مقارنة تحليلية مع الرؤى السائدة في المدارس الفكرية الأخرى، لا بد من النظر إلى المصادر الإسلامية بنظرة جديدة. وقبل ذلك، تناول الشهيد مطهري(ره) بعض هذه القضايا في كتابه “المجتمع والتاريخ”. كما ترك الشهيد صدر(ره) أثرًا ثمينًا لتوضيح الرؤية الفنية للقرآن في هذا الباب، وأرشد الباحثين في القرآن إلى الطريقة العملية لاستخلاص رؤى القرآن.[13]
منهج الشهيد صدر(ره) في تفسيره
اتبع الشهيد صدر(ره) في تفسيره “المدرسة القرآنية” الأساليب التالية:
١ـ طرح أسئلة البحث
كما ذُكر في بيان خصائص التفسير الموضوعي، فإن المفسر في التفسير الموضوعي يكون سائلاً، ويسعى إلى الوصول إلى إجابات لأسئلته من لغة القرآن، ويجعل الآيات تتكلم. بناءً على ذلك، يبدأ الشهيد صدر(ره) بطرح الأسئلة التي تهمه في الموضوع المطروح؛ فمثلاً، في بداية بحث السنن التاريخية في القرآن، طرح سبعة أسئلة:
١) هل للتاريخ البشري سنن من منظور مفاهيم القرآن؟
٢) هل للتاريخ البشري قوانين تحكم سير حركته وتطوره؟
٣) كيف بدأ التاريخ البشري؟
٤) كيف تم نمو وتطور هذا التاريخ؟
٥) ما هي العوامل الأساسية في رؤية التاريخ؟
٦) ما دور الإنسان في مسيرة التاريخ؟
٧) ما موقع المفاهيم الإلهية والسموية أو ظاهرة النبوة في حياة البشر؟
ثم قال: سنبحث جميع هذه المسائل تحت عنوان “سنن التاريخ في القرآن الكريم”.
٢ـ تصنيف الآيات المتعلقة بالموضوع
لا يمكن مناقشة الآيات المتنوعة في مواضيع مختلفة دون تصنيفها وتفريقها ووضعها في تقسيم منطقي. بناءً عليه، بعد جمع الآيات، تكون الخطوة الأولى لدراستها هي تقسيمها وتصنيفها بشكل صحيح. وقد تم تصنيف الآيات المتعلقة بموضوع سنن التاريخ في عمل الشهيد صدر كما يلي:
ـ آيات كلية تدل دلالتها العامة على أن للتاريخ سننًا خاصة به؛
ـ آيات تعبر عن المفهوم العام ضمن إطار الأمثلة والنماذج؛
ـ آيات تشدد على الاستفادة من سير السابقين وتشجع على استقراء الأدلة التاريخية.
٣ـ مناقشة ودراسة الآيات المطروحة
يستشهد الشهيد صدر(ره) بالآيات للإجابة على الأسئلة المطروحة، لكنه لا يقوم بتفسيرها بالطريقة المعتادة عند المفسرين قبل الاستشهاد. وهذا له مبرران:
أولاً، يرى أن مدلول الآيات واضح ولا حاجة إلى مناقشات لغوية أو قرآنية أو روائية حولها.
ثانيًا، ربما تكون المناقشات التفسيرية الأولية قد أُجريت في مكان آخر (خارج جلسات البحث).
على كل حال، في هذا العمل، تم تجاهل نظريته حول تكامل المنهج الموضوعي؛ لأن التكامل يُطرح حينما يكون هناك تفسير أصلاً، أما هنا فلا تفسير ليُكمل بالبحث الموضوعي.
٤ـ الخلاصة
في كل جزء من البحث، بعد دراسة واستشهاد ببعض الآيات، تُعرض النتيجة؛ فمثلاً، في الجزء الأول، وبعد دراسة الفئات الثلاث من الآيات المشار إليها، استنتج أن التاريخ من منظور القرآن قانوني وله سنن خاصة به، وبذلك تمت الإجابة على السؤال الأول من البحث.
٥ـ الرد على الشبهات
عند توضيح رؤية القرآن، ينتقد الشهيد صدر(ره) الآراء غير القرآنية الموجودة في موضوع البحث، ويبرز نقائصها. في الحقيقة، سر اهتمامه بالتفسير الموضوعي هو الوصول إلى الرؤية الإلهية الخالصة مقابل الرؤى المبنية على الفلسفات المادية وغير الإلهية. لذلك، فإن الرد على الشبهات ونقد وجهات النظر المخالفة للقرآن من أهم حلقات سلسلة النقاشات الموضوعية في التفسير. يمكن رؤية مثال على ذلك في نقده لرؤية بعض الأوروبيين لطبيعة المجتمع بوضوح. بعد ذكر الآيات المتعلقة بسجل الأعمال الجماعية (ملف عمل المجتمع)، قال: “لا ينبغي أن يثير ما قيل عن العمل الاجتماعي أو الفعل المتعلق بالمجتمع وهم بعض المفكرين الأوروبيين الذين يظنون أن المجتمع كائن هائل له وجود متكامل ومنسجم، له جسد وأعضاء مستقلة عن الأفراد الآخرين، وكل فرد فيه كالنواة بالنسبة لذلك الوحش الكبير. هegel وجماعة من الفلاسفة الأوروبيين تصوروا ذلك… لكن هذه رؤية خاطئة ولا حاجة لها، ولا حاجة لكل هذا الخيال والافتراض بأن نخلق ذلك الوحش الأسطوري من مجموع الأفراد. نحن فقط أفراد مثل زيد وبكر وخالد، وليس ذلك الوحش المستقر خلفهم. من الطبيعي أن نقد أفكار هegel من الناحية الفلسفية خارج نطاق بحثنا الحالي ويتطلب نقاشًا آخر، لأن تفسير هegel للمجتمع مرتبط كليًا بالإطار النظري لفلسفته.”[14]
«الشكل الذي نوقش من سنن التاريخ، أدى إلى نشوء وهم وتصوّر في فكر الأوروبيين مفاده أن نظرية سنن التاريخ تتعارض مع نظرية الإرادة والاختيار البشري… ويمكن دحض هذا التصور من خلال النظر إلى الشكل الأول لسنن التاريخ ـ أي حيث تُعرض سنن التاريخ في قالب قضية شرطية ـ لأن غالبًا ما يكون الجزء الشرطي والمقدمة في مثل هذه القضايا يعبر عن إرادة واختيار الإنسان؛ بمعنى أن إرادة واختيار الإنسان تشكل محور القضية الشرطية.»[15]
يبدو أن الشهيد الصدر(ره) لم يكن لديه تصور شامل لتفسير موضوعه المقصود، بل كان يكتفي باختيار بعض الموضوعات ووضع ما يتعلق بها قيد الدراسة والنقاش والتحليل، بينما بعض الباحثين الآخرين في القرآن عرضوا موضوعاتهم في إطار نظام متكامل. ومن الأمثلة على ذلك معارف القرآن للأستاذ مصباح ـ دام عزه ـ الذي وضع «الله» ـ تبارك وتعالى ـ كمحور وضمّن مجموع النقاشات في عشرة أقسام وناقشها تباعًا.
ربما لو أتيحت للشهيد(ره) الفرصة وأكمل تفسيره الموضوعي مع جميع الموضوعات التي كان يعتزمها، لكان قد سعى إلى ربط وتنظيم هذه الموضوعات في نظام متكامل، وبفضل عمق نظره في الأعمال العلمية، لكان بلا شك قد قدم تصورًا جديدًا وشاملاً. لكن للأسف كانت جلسات التفسير لذلك العالم الراحل قصيرة الأمد، فذبُل شجرة تفسيره الموضوعي التي أوشكت أن تؤتي ثمارها.
التفسير الموضوعي و«ضرب القرآن»[16]
من بين المزالق في التفسير الموضوعي ـ التي ليست حكرًا عليه فقط ـ هو اختلاط آيات القرآن وتشويشها، بحيث تبتعد الآية عن معناها الحقيقي، وبدلًا من أن تكون هادية ومرشدة للمخاطب، تصبح سببًا في ضلاله. ولتجنب هذا الخطر الجسيم، يجب على المفسر أن يتعرف بدقة على مقام وموقع كل آية، ويشرح علاقتها بالآيات الأخرى ذات الموضوع المشترك بشكل صحيح، حتى لا تختلط معانيها عند مناقشة الآيات، ويُستخلص معناها الحقيقي، ومن خلال ذلك يتضح وجهة نظر القرآن حول الموضوع قيد البحث. قال بعضهم: «الذين يُعدّون ضرب القرآن بالقرآن كانوا على أساس واحد وهو إنكار القرآن ولم يكن لديهم روح التسليم له.»[17] ولكن مع الشرح الذي قُدم، تبين أن كل ضرب قرآن بالقرآن لا ينبع من إنكار القرآن؛ لأن في كثير من الحالات، يعتبر المفسر القرآن حقًا، لكنه بسبب عدم امتلاكه التخصص اللازم في الاستفادة من الآيات، يخلط بينها وينتج نتيجة غير صحيحة. قول النبي(ص): «ضلّ السابقون في هذا الطريق (ضرب بعض النصوص المقدسة ببعضها)»،[18] يدل على أنهم لم يكونوا ضالين في البداية، وكانوا يعتبرون كتابهم الديني حقًا، وإلا لكان يجب القول إنهم كانوا كفارًا منذ البداية، وهذا يخالف ظاهر الرواية النبوية.
ملاحظات على تفسير الشهيد الصدر(ره) في بعض الآيات
لا شك أن الشهيد الصدر(ره) هو أحد النجوم الساطعة في مجال بحوث القرآن في العصر المعاصر. فعبقريته الفائقة ليست فقط في هذا المجال، بل في مجالات أخرى مثل الفقه والأصول والفلسفة والمنطق واضحة للجميع، وآراؤه العلمية مقبولة لدى المختصين، وتأثير حركته العلمية في ميادين مختلفة ملموس. لكن هذه العظمة والعلم لا تمنعنا من طرح تساؤلاتنا أثناء دراسة أعماله الثمينة وعدم التردد في ذلك؛ لأن الشهيد(ره) نفسه كان من محبي النقاش ومراجعة أفكار الآخرين ومن كبار النقاد للمباحث العلمية، وكما كان يسرّه نقد أعماله في حياته، فإن روحه السامية والعرشية الآن تفرح بذلك؛ لأن حياة وتطور الآراء العلمية دائمًا ما يكون من خلال طرحها ونقاشها ونقدها، وعندما تصبح نظرية ما في مقدمة آراء المختصين، فإن نقدها ومراجعتها لا ينقص من قيمتها العالية، بل يزيد من قدرها وأهميتها. لذلك، تُطرح هنا بعض النقاط، وربما بمساعدة خبراء هذا المجال نقترب أكثر من فهم المقصود:
١. في نقاشه للآيات التي تطرح سنن التاريخ كمثال، ذكر الشهيد الصدر(ره) ثلاث آيات أدت إلى استنتاج سنّة تأثير العدل في توزيع الرفاه الاجتماعي:
ـ «ولو أنَّهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجُلهم» (مائده: ۶۶)؛
ـ «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون» (اعراف: ٩۶)؛
ـ «وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءً غدقًا.» (جن: ١۶)
تتحدث هذه الآيات عن علاقة معينة؛ علاقة بين الثبات في تنفيذ أحكام الله وتطبيق أوامره في الواقع وبين كثرة الخيرات والبركات والإنتاج. وإذا أردنا التعبير عنها بلغة العصر، يجب أن نقول إنها علاقة بين العدل في التوزيع وكثرة الإنتاج. القرآن ذكر العدل في التوزيع مرة بعبارة «لو استقاموا» ومرة بعبارة «ولو أن أهل القرى» ومرة ثالثة بعبارة «ولو أنهم أقاموا…». سبب هذه العلاقة أن الأديان السماوية جاءت لإرساء العدل في التوزيع ولإقامة علاقات عادلة في التوزيع. سنّة التاريخ تؤكد أن تطبيق الأديان والمذاهب الإلهية السماوية واستخدام الأوامر والأحكام الدينية بجدية وثبات في علاقات التوزيع يؤدي دائمًا وباستمرار إلى كثرة الإنتاج وزيادة المحصول وتكاثر الثروة، وفي النهاية يؤدي إلى فتح أبواب الخير والبركة من السماء والأرض على الناس.[19]
كل الآيات الثلاثة وردت على شكل جملة شرطية وتحمل مضمونًا متشابهًا. ففي آية، تم ذكر إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل الله عليهم (أهل الكتاب)، وفي آية أخرى، الإيمان والتقوى، وفي الآية الثالثة، الثبات على الطريقة (الإسلام) كشرط، وهي في جملة واحدة تعني الإيمان بالله واتباع الأوامر الإلهية (والابتعاد عن المعصية)؛ لأن مضمون التوراة والإنجيل و(الطريقة) الصحيحة للحياة لا يخرج عن الإيمان بالمبدأ والمعاد والالتزام بالأحكام المنزلة فيها. والشرط هو نزول البركات السماوية وانفتاح البركات الأرضية، وبكلمة واحدة، الرفاه الاقتصادي. لذلك، فإن الآيات المذكورة تهدف إلى بيان العلاقة بين المعتقدات والأفعال المحببة إلى الله وبين نزول البركات والرفاه الاقتصادي، كما ورد في بعض الآيات الأخرى التي تشير إلى العكس، أي زوال النعم وظهور البلاء والخسائر المرتبطة بأعمال الناس السيئة: «ظَهرَ الفَسادُ فِي البّرِ والبَحرِ بِما كَسبتْ اَيدي النّاسِ» (روم: ۴١)؛ «وَ ما اَصابَكم مِن مُصيبة فَبما كَسبتْ اَيديكُم.» (شوری: ٣٠)
فكيف يمكن اعتبار الشرط المذكور مجرد «العدل في التوزيع»؟ هل إذا التزم مجتمع مشرك بالعدل في التوزيع، يصل إلى الشرط المذكور في هذه الآيات؟ الشيء الوحيد الذي يمكن قوله لتبرير هذا الرأي هو أن العدل في التوزيع هو جزء من برنامج تحقيق العدل في النظام الإلهي، وهو بدوره أحد آلاف مظاهر الإيمان والتقوى الإلهية الكثيرة. لذلك، الشرط المذكور في الآية لا يتحقق بمجرد العدل في التوزيع، بل بالإيمان والتقوى الإلهية التي تهيئ أرضية الرفاه الاجتماعي.
٢. في بيان تقسيمات المجتمع الفرعوني، وردت آيات يبدو أنها لا تدل على وجود مثل هذه الفئات في المجتمع الفرعوني. فقد استشهدوا بآية «وَ لَوتَري اِذِالظّالمونَ موُقوفونَ عندَ رَبِّهم يَرجعُ بَعضُهم اِلي بعض القولَ يَقولُ الّذينَ استُضعفوا لِلّذينَ استَكبُروا لَولا اَنتم لَكُنّا مُؤمنينَ» (سبأ: ٣١) في شأن جماعة الظالمين المستضعفين (أعوان الظلمة)، مع أن ما يُقصد بظلمهم هو ظلم أنفسهم لعدم إيمانهم، ويعتبرون وجود المستكبرين سببًا كاذبًا لذلك. ولا تدل الآية على ما إذا كانوا قد ظلموا غيرهم من الناس، أي ما إذا كانوا ـ كما يُقال ـ أعوان الظلمة أم لا، خاصة إذا وضعناها بجانب آية «اِنّ الّذينَ تَوفّاهُم الملائكةُ ظالمي اَنفسِهم قالوا فيمَ كُنتم قالُوا كُنّا مُستضعفينَ…» (نساء: ٩٧)، فيتضح أن المقصود بـ«الظالمين» في الآية السابقة هم أولئك الذين ظلموا أنفسهم. على كل حال، هاتان الآيتان تتعلقان بحجة بعض الكفار التي لا تُقبل يوم القيامة، ولا يمكن اعتبار هذه المجموعة نموذجًا من مجموعات المجتمع الفرعوني المصطنعة.
وكذلك الأمر بالنسبة لجماعة اللاجئين الدونيين، الذين اعتُبرت آية «وَ قالوا رَبّنا اِنّا اَطعنا سَادتَنا و كُبرائَنا فَاَضلُّونا السّبيلا» (احزاب: ۶٧) منطبقة عليهم، وجماعة المظلومين الصامتين الذين فسرت لهم آية «اِنّ الّذينَ تَوفّاهُم الملائكةُ ظالمي اَنفسِهم…» (نساء: ٩٧)، وجماعة الهاربين من الساحة الذين اعتُبر الرهبان مثالًا لهم، وفسرت لهم آية «اِنّ كثيراً مِنَ الاَحبارِ و الرُّهبانِ لَيأكلونَ اَموالَ النّاسِ…» (حدید: ٢٧)، فكل هذه المجموعات لا علاقة لها بتقسيمات المجتمع الفرعوني، والرهبانية التي وردت في هاتين الآيتين الأخيرتين نشأت بعد مئات السنين من المجتمع الفرعوني بين المسيحيين ولا علاقة لها بذلك المجتمع، وآية «اِنّ كثيراً مِن الاحبارِ و الرُّهبانِ…» تتعلق بعلماء اليهود والنصارى الذين قاوموا دعوة النبي (ص) ولم يكونوا مستعدين للاعتراف بصحة دعوته، وكمراجع دينية لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) كانوا يأكلون أموال الناس بغير حق. بناءً عليه، لا تدل ظواهر أي من هذه الآيات أو القرائن المتعلقة بها على وجود المجموعات المذكورة ضمن تقسيمات المجتمع الفرعوني.
[1] انظر عبدالعلي جمعة الحويزي، تفسير نورالثقلين، قم، إسماعيليان، ١٤١٢ هـ، ج ٥، ص ١٤
[2] انظر: محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي، تفسير عياشي، بيروت، منشورات أعلمي للمطبوعات، ١٤١١ هـ، ج ١، ص ٣٤٨
[3] محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، طهران، إسلامية، بلا تاريخ، ج ٩٣، ص ١٠٢
[4] السيد محمد باقر صدر، دروس في علم الأصول، قم، إصدارات إسلامي، ١٤١٠ هـ، ج ١، ص ١٠٣ / نفسه، المدرسة القرآنية، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ١٤٠٠ هـ، ص ٩
[5] انظر: محمد تقي مصباح، معارف القرآن، قم، در راه حق، ١٣٦٧ ش، ج ١، ص ٩
[6] السيد محمد باقر صدر، السنن الاجتماعية والفلسفة والتاريخ في مدرسة القرآن، ترجمة حسين منوچهري، طهران، نشر ثقافي رجاء، ١٣٦٩ ش، ص ٣٧
[7] المرجع نفسه، ص ٤٩
[8] المرجع نفسه، ص ٥٤
[9] المرجع نفسه، ص ٥٥
[10] المرجع نفسه، ص ٩
[11] المرجع نفسه، ص ٢٢
[12] المرجع نفسه، ص ٦٢-٦٣
[13] لاحقاً طرح المحققون وباحثو القرآن الآخرون أيضاً هذه المناقشات؛ من بينها انظر: محمد تقي مصباح، المجتمع والتاريخ من وجهة نظر القرآن
[14] انظر: السنن الاجتماعية وفلسفة التاريخ في مدرسة القرآن، ص ١٣٩
[15] المرجع نفسه، ص ١٤٨-١٥٠
[16] من «ضرب القرآن بعضه ببعض» نُهي في عدة روايات؛ انظر: الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، قم، إصدارات إسلامي، ١٣٦١ ش، ص ١٩٠
[17] السيد هداية جليلي، منهجية التفاسير الموضوعية، طهران، كوير، ١٣٧٢ ش، ص ١٩٩ و ٢١٢
[18] جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢١ هـ، ج ٢، ص ٩
[19] جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٢١ هـ، ج ٢، ص ٩

